الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٦
رِئَاسَةٌ عَامَّةٌ فِي سِيَاسَةِ الدُّنْيَا وَإِقَامَةِ الدِّينِ نِيَابَةً عَنِ النَّبِيِّ ﷺ (١) يَتَبَيَّنُ أَنَّ وَاجِبَاتِ الإِْمَامِ إِجْمَالًا هِيَ كَمَا يَلِي:
أ - حِفْظُ الدِّينِ عَلَى أُصُولِهِ الثَّابِتَةِ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعِ سَلَفِ الأُْمَّةِ، وَإِقَامَةُ شَعَائِرِ الدِّينِ.
ب - رِعَايَةُ مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ بِأَنْوَاعِهَا.
كَمَا أَنَّهُمْ - فِي مَعْرِضِ الاِسْتِدْلاَل لِفَرْضِيَّةِ نَصْبِ الإِْمَامِ بِالْحَاجَةِ إِلَيْهِ - يَذْكُرُونَ أُمُورًا لاَ بُدَّ لِلأُْمَّةِ مِمَّنْ يَقُومُ بِهَا، وَهِيَ: تَنْفِيذُ الأَْحْكَامِ، وَإِقَامَةُ الْحُدُودِ، وَسَدُّ الثُّغُورِ، وَتَجْهِيزُ الْجُيُوشِ، وَأَخْذُ الصَّدَقَاتِ، وَقَبُول الشَّهَادَاتِ، وَتَزْوِيجُ الصِّغَارِ وَالصَّغَائِرِ الَّذِينَ لاَ أَوْلِيَاءَ لَهُمْ، وَقِسْمَةُ الْغَنَائِمِ. (٢) وَعَدَّهَا أَصْحَابُ كُتُبِ الأَْحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ عَشَرَةً. وَلاَ تَخْرُجُ فِي عُمُومِهَا عَمَّا ذَكَرَهُ الْفُقَهَاءُ فِيمَا مَرَّ، عَلَى أَنَّ ذَلِكَ يَزِيدُ وَيَنْقُصُ بِحَسَبِ تَجَدُّدِ الْحَاجَاتِ الزَّمَنِيَّةِ وَمَا تَقْضِي الْمَصَالِحُ بِأَنْ لاَ يَتَوَلاَّهُ الأَْفْرَادُ وَالْهَيْئَاتُ، بَل يَتَوَلاَّهُ الإِْمَامُ.
وِلاَيَاتُ الإِْمَامِ:
٢٥ - الْوُلاَةُ مِنْ قِبَل الإِْمَامِ تَنْقَسِمُ وِلاَيَتُهُمْ إِلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ:
أ - وِلاَيَةٌ عَامَّةٌ فِي الأَْعْمَال الْعَامَّةِ، وَهِيَ: الْوَزَارَةُ، فَهِيَ نِيَابَةٌ عَنِ الإِْمَامِ فِي الأُْمُورِ كُلِّهَا مِنْ غَيْرِ تَخْصِيصٍ.
_________
(١) نهاية المحتاج ٧ / ٤٠٩، وحاشية ابن عابدين ١ / ٣٦٨، وحاشية الجمل ٥ / ١١٩
(٢) حاشية ابن عابدين ١ / ٣٦٨، ٣ / ٣١٠، ومغني المحتاج ٤ / ١٢٩، وشرح روض الطالب ٤ / ١٠٨
ب - وِلاَيَةٌ عَامَّةٌ فِي أَعْمَالٍ خَاصَّةٍ، وَهِيَ الإِْمَارَةُ فِي الأَْقَالِيمِ، لأَِنَّ النَّظَرَ فِيمَا خُصَّ بِهَا عَامٌّ فِي جَمِيعِ الأُْمُورِ.
ج - وِلاَيَةٌ خَاصَّةٌ فِي الأَْعْمَال الْعَامَّةِ: كَرِئَاسَةِ الْقَضَاءِ وَنِقَابَةِ الْجَيْشِ، لأَِنَّ كِلَيْهِمَا مَقْصُورٌ عَلَى نَظَرٍ خَاصٍّ فِي جَمِيعِ الأَْعْمَال.
د - وِلاَيَةٌ خَاصَّةٌ فِي أَعْمَالٍ خَاصَّةٍ كَقَاضِي بَلَدٍ، أَوْ مُسْتَوْفِي خَرَاجِهِ، وَجَابِي صَدَقَاتِهِ، لأَِنَّ كُلًّا مِنْ وِلاَيَةِ هَؤُلاَءِ خَاصٌّ بِعَمَلٍ مَخْصُوصٍ لاَ يَتَجَاوَزُهُ، وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحَيْ: (وَزَارَة، إِمَارَة (١»
مُؤَاخَذَةُ الإِْمَامِ بِتَصَرُّفَاتِهِ:
٢٦ - يَضْمَنُ الإِْمَامُ مَا أَتْلَفَهُ بِيَدِهِ مِنْ مَالٍ أَوْ نَفْسٍ بِغَيْرِ خَطَأٍ فِي الْحُكْمِ أَوْ تَقْصِيرٍ فِي تَنْفِيذِ الْحَدِّ وَالتَّعْزِيرِ كَآحَادِ النَّاسِ فَيُقْتَصُّ مِنْهُ إِنْ قَتَل عَمْدًا، وَتَجِبُ الدِّيَةُ عَلَيْهِ أَوْ عَلَى عَاقِلَتِهِ أَوْ بَيْتِ الْمَال فِي الْخَطَأِ وَشَبَهِ الْعَمْدِ، وَيَضْمَنُ مَا أَتْلَفَهُ بِيَدِهِ مِنْ مَالٍ، كَمَا يَضْمَنُ مَا هَلَكَ بِتَقْصِيرِهِ فِي الْحُكْمِ، وَإِقَامَةِ الْحَدِّ، وَالتَّعْزِيرِ، بِالْقِصَاصِ أَوِ الدِّيَةِ مِنْ مَالِهِ أَوْ عَاقِلَتِهِ أَوْ بَيْتِ الْمَال حَسَبِ أَحْكَامِ الشَّرْعِ، وَحَسَبِ ظُرُوفِ التَّقْصِيرِ وَجَسَامَةِ الْخَطَأِ. (٢) وَيُنْظَرُ التَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحَاتِ: (حَدّ، وَتَعْزِير، وَقِصَاص، وَضَمَان) .
وَهَذَا الْقَدْرُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ، لِعُمُومِ الأَْدِلَّةِ، وَلأَِنَّ الْمُؤْمِنِينَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ، وَأَمْوَالُهُمْ مَعْصُومَةٌ إِلاَّ بِحَقِّهَا، وَثَبَتَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ " أَقَادَ مِنْ
_________
(١) الأحكام السلطانية للماوردي ص ١٧، وأبي يعلى ص ١٣
(٢) مغني المحتاج ٤ / ١٩٩، والمغني ٨ / ٣١٢، ٧ / ٦٦٣، وحاشية الدسوقي ٤ / ٣٥٥
نَفْسِهِ " (١) وَكَانَ عُمَرُ ﵁ يُقِيدُ مِنْ نَفْسِهِ. وَالإِْمَامُ وَالْمُعْتَدَى عَلَيْهِ نَفْسَانِ مَعْصُومَتَانِ كَسَائِرِ الرَّعِيَّةِ.
وَاخْتَلَفُوا فِي إِقَامَةِ الْحَدِّ عَلَيْهِ، فَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ يُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ كَمَا يُقَامُ عَلَى سَائِرِ النَّاس لِعُمُومِ الأَْدِلَّةِ، وَيَتَوَلَّى التَّنْفِيذَ عَلَيْهِ مَنْ يَتَوَلَّى الْحُكْمَ عَنْهُ. (٢) وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ لاَ يُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ، لأَِنَّ الْحَدَّ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى، وَالإِْمَامُ نَفْسُهُ هُوَ الْمُكَلَّفُ بِإِقَامَتِهِ، وَلاَ يُمْكِنُ أَنْ يُقِيمَهُ عَلَى نَفْسِهِ، لأَِنَّ إِقَامَتَهُ تَسْتَلْزِمُ الْخِزْيَ وَالنَّكَال وَلاَ يَفْعَل أَحَدٌ ذَلِكَ بِنَفْسِهِ، بِخِلاَفِ حَقِّ الْعِبَادِ. أَمَّا حَدُّ الْقَذْفِ فَقَالُوا: الْمُغَلَّبُ فِيهِ حَقُّ اللَّهِ، فَحُكْمُهُ حُكْمُ سَائِرِ الْحُدُودِ، فَإِقَامَتُهُ إِلَيْهِ كَسَائِرِ الْحُدُودِ. (٣) وَلاَ وِلاَيَةَ لأَِحَدٍ عَلَيْهِ لِيَسْتَوْفِيَهُ، وَفَائِدَةُ الإِْيجَابِ الاِسْتِيفَاءُ، فَإِذَا تَعَذَّرَ لَمْ يَجِبْ. وَفَرَّقُوا بَيْنَ الْحَدِّ، وَبَيْنَ الْقِصَاصِ وَضَمَانِ الْمُتْلَفَاتِ بِأَنَّهُمَا مِنْ حُقُوقِ الْعِبَادِ فَيَسْتَوْفِيهِمَا صَاحِبُ الْحَقِّ، وَلاَ يُشْتَرَطُ الْقَضَاءُ، بَل الإِْمْكَانُ وَالتَّمَكُّنُ، وَيَحْصُل ذَلِكَ بِتَمْكِينِهِ مِنْ نَفْسِهِ، إِنِ احْتَاجَ إِلَى مَنَعَةٍ. (٤) فَالْمُسْلِمُونَ مَنَعَتُهُ، فَبِهِمْ يَقْدِرُ عَلَى
_________
(١) حديث: " أن النبي ﷺ أقاد من نفسه. . . . . "،. أخرجه أبو داود والنسائي من حديث عمر ﵁ بلفظ " رأيت رسول الله ﷺ. أقص - وفي النسائي: يقص - من نفسه " وفي إسناده أبو فراس: وهو مجهول. قال الذهبي في ميزان الاعتدال: لا يعر وسنن النسائي ٨ / ٣٤ ط إستانبول، وميزان الاعتدال ٤ / ٥٦١، وجامع الأصول ٤ / ٨٢، ٨٣، ١٠ / ٢٧٤)
(٢) مغني المحتاج ٤ / ١٥٢
(٣) فتح القدير ٤ / ١٦٠، وحاشية ابن عابدين ٣ / ١٥٨
(٤) حاشية ابن عابدين ٣ / ١٥٨، وفتح القدير ٤ / ١٦٠ - ١٦١
الاِسْتِيفَاءِ فَكَانَ الْوُجُوبُ مُفِيدًا. . (١)
هَدَايَا الإِْمَامِ لِغَيْرِهِ:
٢٧ - هَدَايَا الإِْمَامِ لِغَيْرِهِ إِنْ كَانَتْ مِنْ مَالِهِ الْخَاصِّ فَلاَ يَخْتَلِفُ حُكْمُهُ عَنْ غَيْرِهِ مِنَ الأَْفْرَادِ، وَيُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ: (هَدِيَّة) .
أَمَّا إِنْ كَانَتْ مِنْ بَيْتِ الْمَال، فَإِذَا كَانَ مُقَابِلًا لِعَمَلٍ عَامٍّ فَهُوَ رِزْقٌ، وَإِنْ كَانَ عَطَاءً شَامِلًا لِلنَّاسِ مِنْ بَيْتِ الْمَال فَهُوَ عَطَاءٌ، وَإِنْ كَانَتِ الْهَدِيَّةُ بِمُبَادَرَةٍ مِنَ الإِْمَامِ مَيَّزَ بِهَا فَرْدًا عَنْ غَيْرِهِ فَهِيَ الَّتِي تُسَمَّى (جَائِزَةَ السُّلْطَانِ) وَقَدِ اخْتُلِفَ فِيهَا، فَكَرِهَهَا أَحْمَدُ تَوَرُّعًا لِمَا فِي بَعْضِ مَوَارِدِ بَيْتِ الْمَال مِنَ الشُّبْهَةِ، لَكِنَّهُ نَصَّ عَلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ بِحَرَامٍ عَلَى آخِذِهَا، لِغَلَبَةِ الْحَلاَل عَلَى مَوَارِدِ بَيْتِ الْمَال، وَكَرِهَهَا ابْنُ سِيرِينَ لِعَدَمِ شُمُولِهَا لِلرَّعِيَّةِ، وَمِمَّنْ تَنَزَّهَ عَنِ الأَْخْذِ مِنْهَا حُذَيْفَةُ وَأَبُو عُبَيْدَةَ وَمُعَاذٌ وَأَبُو هُرَيْرَةَ وَابْنُ عُمَرَ. هَذَا مِنْ حَيْثُ أَخْذُ الْجَوَائِزِ. (٢)
أَمَّا مِنْ حَيْثُ تَصَرُّفُ الإِْمَامِ بِالإِْعْطَاءِ فَيَجِبُ أَنْ يُرَاعَى فِيهِ الْمَصْلَحَةُ الْعَامَّةُ لِلْمُسْلِمِينَ دُونَ اتِّبَاعِ الْهَوَى وَالتَّشَهِّي، لأَِنَّ تَصَرُّفَ الإِْمَامِ فِي الأَْمْوَال الْعَامَّةِ وَغَيْرِهَا مِنْ أُمُورِ الْمُسْلِمِينَ مَنُوطٌ بِالْمَصْلَحَةِ.
قَبُول الإِْمَامِ الْهَدَايَا:
٢٨ - لَمْ يَخْتَلِفِ الْعُلَمَاءُ فِي كَرَاهِيَةِ الْهَدِيَّةِ إِلَى الأُْمَرَاءِ.
ذَكَرَ ابْنُ عَابِدِينَ فِي حَاشِيَتِهِ. أَنَّ الإِْمَامَ (بِمَعْنَى الْوَالِي) لاَ تَحِل لَهُ الْهَدِيَّةُ، لِلأَْدِلَّةِ - الْوَارِدَةِ فِي هَدَايَا
_________
(١) المغني ٦ / ٤٤٣ - ٤٤٤ ط الرياض، وإحياء علوم الدين ٢ / ١٣٥ وما بعدها
(٢) ابن عابدين ٤ / ٣١٠، والفتاوى الهندية ٣ / ٣٣١، ومعين الحكام ص١٧
الْعُمَّال وَلأَِنَّهُ رَأْسُ الْعُمَّال.
وَقَال ابْنُ حَبِيبٍ: لَمْ يَخْتَلِفِ الْعُلَمَاءُ فِي كَرَاهِيَةِ الْهَدِيَّةِ إِلَى السُّلْطَانِ الأَْكْبَرِ وَإِلَى الْقُضَاةِ وَالْعُمَّال وَجُبَاةِ الأَْمْوَال. وَهَذَا قَوْل مَالِكٍ وَمَنْ قَبْلَهُ مِنْ أَهْل الْعِلْمِ وَالسُّنَّةِ. وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقْبَل الْهَدِيَّةَ، وَهَذَا مِنْ خَوَاصِّهِ، وَالنَّبِيُّ ﷺ مَعْصُومٌ مِمَّا يُتَّقَى عَلَى غَيْرِهِ مِنْهَا، وَلَمَّا رَدَّ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْهَدِيَّةَ، قِيل لَهُ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقْبَلُهَا، فَقَال: كَانَتْ لَهُ هَدِيَّةً وَهِيَ لَنَا رِشْوَةٌ، لأَِنَّهُ كَانَ يُتَقَرَّبُ إِلَيْهِ لِنُبُوَّتِهِ لاَ لِوِلاَيَتِهِ، وَنَحْنُ يُتَقَرَّبُ بِهَا إِلَيْنَا لِوِلاَيَتِنَا (١) .
هَدَايَا الْكُفَّارِ لِلإِْمَامِ.
٢٩ - لاَ يَجُوزُ لِلإِْمَامِ قَبُول هَدِيَّةٍ مِنْ كُفَّارٍ أَشْرَفَتْ حُصُونُهُمْ عَلَى السُّقُوطِ بِيَدِ الْمُسْلِمِينَ، لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ تَوْهِينِ الْمُسْلِمِينَ وَتَثْبِيطِ هِمَّتِهِمْ. أَمَّا إِذَا كَانُوا بِقُوَّةٍ وَمَنَعَةٍ جَازَ لَهُ قَبُول هَدِيَّتِهِمْ. وَهِيَ لِلإِْمَامِ إِنْ كَانَتْ مِنْ قَرِيبٍ لَهُ، أَوْ كَانَتْ مُكَافَأَةً، أَوْ رَجَاءَ ثَوَابٍ (أَيْ مُقَابِلٍ) . وَإِنْ كَانَتْ مِنْ غَيْرِ قَرِيبٍ، وَأَهْدَى بَعْدَ دُخُول الإِْمَامِ بَلَدَهُمْ فَهِيَ غَنِيمَةٌ. وَهُمْ فَيْءٌ قَبْل الدُّخُول فِي بَلَدِهِمْ. (٢)
هَذَا إِذَا كَانَتْ مِنَ الأَْفْرَادِ، أَمَّا إِذَا كَانَتْ مِنَ الطَّاغِيَةِ أَيْ رَئِيسِهِمْ، فَإِنَّهَا فَيْءٌ إِنْ أُهْدِيَ قَبْل دُخُول الْمُسْلِمِينَ فِي بَلَدِهِمْ، وَغَنِيمَةٌ بَعْدَ الدُّخُول فِيهِ، وَهَذَا التَّفْصِيل لِلْمَالِكِيَّةِ. وَعِنْدَ أَحْمَدَ: يَجُوزُ لِلإِْمَامِ قَبُول الْهَدِيَّةِ مِنْ أَهْل الْحَرْبِ، لأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَبِل هَدِيَّةَ الْمُقَوْقِسِ صَاحِبِ مِصْرَ، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ فِي حَال الْغَزْوِ فَمَا أَهْدَاهُ الْكُفَّارُ لأَِمِيرِ الْجَيْشِ أَوْ
_________
(١) تبصرة الحكام على هامش فتح العلي ١ / ٣٠، والبجيرمي على الخطيب ٤ / ٣٣٠، والمغني ٩ / ٧٨
(٢) جواهر الإكليل ١ / ٢٥٦
لِبَعْضِ قُوَّادِهِ فَهُوَ غَنِيمَةٌ، لأَِنَّهُ لاَ يَفْعَل ذَلِكَ إِلاَّ خَوْفًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ أَخَذَهُ قَهْرًا.
وَأَمَّا إِنْ أَهْدَى مِنْ دَارِ الْحَرْبِ، فَهُوَ لِمَنْ أَهْدَى إِلَيْهِ سَوَاءٌ كَانَ الإِْمَامَ أَوْ غَيْرَهُ، لأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَبِل الْهَدِيَّةَ مِنْهُمْ، فَكَانَتْ لَهُ دُونَ غَيْرِهِ. (١) وَعَزَا ابْنُ قُدَامَةَ هَذَا إِلَى الشَّافِعِيِّ أَيْضًا، وَنَقَل عَنِ الإِْمَامِ أَبِي حَنِيفَةَ: أَنَّهَا لِلْمُهْدَى لَهُ بِكُل حَالٍ، لأَِنَّهُ خَصَّهُ بِهَا، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ أُهْدِيَ لَهُ مِنْ دَارِ الإِْسْلاَمِ، وَحَكَى فِي ذَلِكَ رِوَايَةً عَنْ أَحْمَدَ (٢) وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ لَوْ أَهْدَى مُشْرِكٌ إِلَى الأَْمِيرِ أَوْ إِلَى الإِْمَامِ هَدِيَّةً، وَالْحَرْبُ قَائِمَةٌ فَهِيَ غَنِيمَةٌ، بِخِلاَفِ مَا لَوْ أَهْدَى قَبْل أَنْ يَرْتَحِلُوا عَنْ دَارِ الإِْسْلاَمِ، فَإِنَّهُ لِلْمُهْدَى إِلَيْهِ. (٣)
وَقَال عَبْدُ الْغَنِيِّ النَّابْلُسِيُّ: قَال الْمَاوَرْدِيُّ: فَنَزَاهَتُهُ عَنْهَا أَوْلَى مِنْ قَبُولِهَا، فَإِنْ قَبِلَهَا جَازَ وَلَمْ يُمْنَعْ، وَهَذَا حُكْمُ الْهَدَايَا لِلْقُضَاةِ، أَمَّا الْهَدَايَا لِلأَْئِمَّةِ فَقَدْ قَال فِي الْحَاوِي: إِنَّهَا إِنْ كَانَتْ مِنْ هَدَايَا دَارِ الإِْسْلاَمِ فَهِيَ عَلَى ثَلاَثَةِ أَقْسَامٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يُهْدِيَ إِلَيْهِ مَنْ يَسْتَعِينُ بِهِ عَلَى حَقٍّ يَسْتَوْفِيهِ، أَوْ عَلَى ظُلْمٍ يَدْفَعُهُ عَنْهُ، أَوْ عَلَى بَاطِلٍ يُعِينُهُ عَلَيْهِ، فَهَذِهِ الرِّشْوَةُ الْمُحَرَّمَةُ.
الثَّانِي: أَنْ يُهْدِيَ إِلَيْهِ مَنْ كَانَ يُهَادِيهِ قَبْل الْوِلاَيَةِ، فَإِنْ كَانَ بِقَدْرِ مَا كَانَ قَبْل الْوِلاَيَةِ لِغَيْرِ حَاجَةٍ عَرَضَتْ فَيَجُوزُ لَهُ قَبُولُهَا، وَإِنِ اقْتَرَنَ بِهَا حَاجَةٌ عَرَضَتْ إِلَيْهِ فَيُمْنَعُ مِنَ الْقَبُول عِنْدَ الْحَاجَةِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَقْبَلَهَا بَعْدَ الْحَاجَةِ. وَإِنْ زَادَ فِي هَدِيَّتِهِ
_________
(١) المغني ٨ / ٤٩٥
(٢) المصدر السابق
(٣) روضة الطالبين ١٠ / ٢٩٤، وحاشية قليوبي ٣ / ١٨٨
عَلَى قَدْرِ الْعَادَةِ لِغَيْرِ حَاجَةٍ، فَإِنْ كَانَتِ الزِّيَادَةُ مِنْ جِنْسِ الْهَدِيَّةِ جَازَ قَبُولُهَا لِدُخُولِهَا فِي الْمَأْلُوفِ، وَإِنْ كَانَتْ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ الْهَدِيَّةِ مُنِعَ مِنَ الْقَبُول.
الثَّالِثُ: أَنْ يُهْدِيَ إِلَيْهِ مَنْ لَمْ يَكُنْ يُهَادِيهِ قَبْل الْوِلاَيَةِ، فَإِنْ (كَانَ) لأَِجْل وِلاَيَتِهِ فَهِيَ رِشْوَةٌ، وَيَحْرُمُ عَلَيْهِ أَخْذُهَا، وَإِنْ كَانَ لأَِجْل جَمِيلٍ صَدَرَ (لَهُ) مِنْهُ إِمَّا وَاجِبًا أَوْ تَبَرُّعًا فَلاَ يَجُوزُ قَبُولُهَا أَيْضًا.
وَإِنْ كَانَ لاَ لأَِجْل وِلاَيَةٍ، بَل لِمُكَافَأَةٍ عَلَى جَمِيلٍ، فَهَذِهِ هَدِيَّةٌ بَعَثَ عَلَيْهَا جَاهٌ، فَإِنْ كَافَأَهُ عَلَيْهَا جَازَ لَهُ قَبُولُهَا، وَإِنْ لَمْ يُكَافِئْ عَلَيْهَا فَلاَ يَقْبَلُهَا لِنَفْسِهِ، وَإِنْ كَانَتْ مِنْ هَدَايَا دَارِ الْحَرْبِ جَازَ لَهُ قَبُول هَدَايَاهُمْ، وَذَكَرَ الْمَاوَرْدِيُّ فِي الأَْحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ قَال: وَالْفَرْقُ بَيْنَ الرِّشْوَةِ وَالْهَدِيَّةِ أَنَّ الرِّشْوَةَ مَا أُخِذَتْ طَلَبًا، وَالْهَدِيَّةُ مَا بُذِلَتْ عَفْوًا. (١)
أَثَرُ فِسْقِ الإِْمَامِ عَلَى وِلاَيَتِهِ الْخَاصَّةِ:
٣٠ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي سَلْبِ الْوِلاَيَةِ الْخَاصَّةِ عَنِ الإِْمَامِ بِفِسْقِهِ، فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ لاَ يُشْتَرَطُ - عِنْدَهُمُ - الْعَدَالَةُ فِي وِلاَيَةِ النِّكَاحِ أَصْلًا، حَتَّى يَسْلُبَهَا الْفِسْقُ، فَيُزَوِّجُ بَنَاتِهِ الْقَاصِرَاتِ بِالْوِلاَيَةِ الْخَاصَّةِ، يَسْتَوِي فِي ذَلِكَ الإِْمَامُ، وَغَيْرُهُ مِنَ الأَْوْلِيَاءِ. (٢)
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْوِلاَيَةَ الْخَاصَّةَ تُسْلَبُ بِالْفِسْقِ، فَلاَ يَصِحُّ لَهُ تَزْوِيجُ بَنَاتِهِ بِالْوِلاَيَةِ الْخَاصَّةِ
_________
(١) تحقيق القضية في الفرق بين الرشوة والهدية للنابلسي ص ١٩٧ - ١٩٨ تحقيق محمد عمر بيوند نشر وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بالكويت
(٢) فتح القدير ٣ / ١٨١ ط بيروت، والشرح الكبير مع حاشية الدسوقي ٢ / ٢٣٠، والإنصاف ٨ / ٧٤
كَغَيْرِهِ مِنَ الْفَسَقَةِ، لِخُرُوجِهِ بِالْفِسْقِ عَنِ الْوِلاَيَةِ الْخَاصَّةِ كَأَفْرَادِ النَّاسِ، وَإِنْ لَمْ يَسْلُبْهُ عَنِ الْوِلاَيَةِ الْعَامَّةِ تَعْظِيمًا لِشَأْنِ الإِْمَامَةِ، عَلَى أَنَّ فِي ذَلِكَ خِلاَفًا سَبَقَ بَيَانُهُ.
وَتَنْتَقِل وِلاَيَةُ النِّكَاحِ إِلَى الْبَعِيدِ مِنَ الْعَصَبَةِ، فَإِنْ لَمْ تُوجَدْ عَصَبَةٌ زَوَّجَهُنَّ بِالْوِلاَيَةِ الْعَامَّةِ كَغَيْرِهِنَّ مِمَّنْ لاَ وَلِيَّ لَهُنَّ. (١) لِحَدِيثِ: السُّلْطَانُ وَلِيُّ مَنْ لاَ وَلِيَّ لَهُ. (٢)
أَمَانٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الأَْمَانُ فِي اللُّغَةِ: عَدَمُ تَوَقُّعِ مَكْرُوهٍ فِي الزَّمَنِ الآْتِي، وَأَصْل الأَْمْنِ طُمَأْنِينَةُ النَّفْسِ وَزَوَال الْخَوْفِ، وَالأَْمْنُ وَالأَْمَانَةُ وَالأَْمَانُ مَصَادِرُ لِلْفِعْل (أَمِنَ)، وَيَرِدُ الأَْمَانُ تَارَةً اسْمًا لِلْحَالَةِ الَّتِي يَكُونُ عَلَيْهَا الإِْنْسَانُ مِنَ الطُّمَأْنِينَةِ، وَتَارَةً لِعَقْدِ الأَْمَانِ أَوْ صَكِّهِ. (٣)
وَعَرَّفَهُ الْفُقَهَاءُ بِأَنَّهُ: رَفْعُ اسْتِبَاحَةِ دَمِ الْحَرْبِيِّ
_________
(١) شروح روض الطالب ٣ / ١٣٢، وقليوبي ٣ / ٢٢٧
(٢) حديث: " السلطان ولي من لا ولي له. . . ". أخرجه أبو داود والترمذي وقال: هذا حديث حسن. (سنن أبي داود ٢ / ٥٦٧، ٥٦٨ ط عزت عبيد الدعاس، وسنن الترمذي ٣ / ٤٠٧، ٤٠٨ ط إستانبول)
(٣) المفردات للراغب الأصفهاني، وقواعد الفقه، وتاج العروس مادة (أمن)
وَرِقِّهِ وَمَالِهِ حِينَ قِتَالِهِ أَوِ الْغُرْمِ عَلَيْهِ، مَعَ اسْتِقْرَارِهِ تَحْتَ حُكْمِ الإِْسْلاَمِ (١) .
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الْهُدْنَةُ:
٢ - الْهُدْنَةُ هِيَ: أَنْ يُعْقَدَ لأَِهْل الْحَرْبِ عَقْدٌ عَلَى تَرْكِ الْقِتَال مُدَّةً بِعِوَضٍ وَبِغَيْرِ عِوَضٍ، وَتُسَمَّى: مُهَادَنَةً وَمُوَادَعَةً وَمُعَاهَدَةً. وَيَخْتَلِفُ عَقْدُ الْهُدْنَةِ عَنِ الأَْمَانِ بِأَنَّ عَقْدَ الْهُدْنَةِ لاَ يَعْقِدُهُ إِلاَّ الإِْمَامُ أَوْ نَائِبُهُ، أَمَّا الأَْمَانُ فَيَصِحُّ مِنْ أَفْرَادِ الْمُسْلِمِينَ (٢) .
ب - الْجِزْيَةُ:
٣ - عَقْدُ الْجِزْيَةِ مُوجِبٌ لِعِصْمَةِ الدِّمَاءِ وَصِيَانَةِ الأَْمْوَال وَالأَْعْرَاضِ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ.
وَيَخْتَلِفُ عَنِ الأَْمَانِ فِي أَنَّ عَقْدَ الْجِزْيَةِ مِثْل الْهُدْنَةِ لاَ يَعْقِدُهُ إِلاَّ الإِْمَامُ.
كَمَا أَنَّ عَقْدَ الْجِزْيَةِ مُؤَبَّدٌ لاَ يُنْقَضُ، بِخِلاَفِ الأَْمَانِ فَهُوَ عَقْدٌ غَيْرُ لاَزِمٍ، أَيْ قَابِلٌ لِلنَّقْضِ بِشُرُوطِهِ (٣) .
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:
٤ - الأَْصْل أَنَّ إِعْطَاءَ الأَْمَانِ أَوْ طَلَبَهُ مُبَاحٌ، وَقَدْ
_________
(١) الحطاب ٣ / ٣٦٠ شرح السير الكبير ١ / ٢٨٣ ط شركة الإعلانات الشرقية، ومغني المحتاج ٤ / ٢٣٦ نشر دار إحياء التراث العربي
(٢) المغني مع الشرح الكبير ١٠ / ٤٣٢، ٥٢٠، وتهذيب الفروق ٣ / ٣٨ ط دار إحياء الكتب العربية ١٣٤٦ هـ
(٣) الفروق للقرافي ٣ / ١١، وتهذيب الفروق بهامش الفروق ٣ / ٣٨، ومجمع الأنهر ١ / ٦٠٧، وبدائع الصنائع ٧ / ١٠٧، ١١١ ط الجمالية
يَكُونُ حَرَامًا أَوْ مَكْرُوهًا إِذَا كَانَ يُؤَدِّي إِلَى ضَرَرٍ أَوْ إِخْلاَلٍ بِوَاجِبٍ أَوْ مَنْدُوبٍ.
وَحُكْمُ الأَْمَانِ هُوَ ثُبُوتُ الأَْمْنِ لِلْكَفَرَةِ عَنِ الْقَتْل وَالسَّبْيِ وَغُنْمِ أَمْوَالِهِمْ، فَيَحْرُمُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ قَتْل رِجَالِهِمْ وَسَبْيُ نِسَائِهِمْ وَذَرَارِيِّهِمْ وَاغْتِنَامُ أَمْوَالِهِمْ. (١)
مَا يَكُونُ بِهِ الأَْمَانُ:
٥ - يَنْعَقِدُ الأَْمَانُ بِكُل لَفْظٍ صَرِيحٍ أَوْ كِنَايَةٍ يُفِيدُ الْغَرَضَ، بِأَيِّ لُغَةٍ كَانَ، وَيَنْعَقِدُ بِالْكِتَابَةِ وَالرِّسَالَةِ وَالإِْشَارَةِ الْمُفْهِمَةِ؛ لأَِنَّ التَّأْمِينَ إِنَّمَا هُوَ مَعْنًى فِي النَّفْسِ، فَيُظْهِرُهُ الْمُؤَمِّنُ تَارَةً بِالنُّطْقِ، وَتَارَةً بِالْكِتَابَةِ، وَتَارَةً بِالإِْشَارَةِ، فَكُل مَا بُيِّنَ بِهِ التَّأْمِينُ فَإِنَّهُ يَلْزَمُ. (٢)
شُرُوطُ الأَْمَانِ:
٦ - ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَأَكْثَرُ الشَّافِعِيَّةِ إِلَى أَنَّ شَرْطَ الأَْمَانِ انْتِفَاءُ الضَّرَرِ، وَلَوْ لَمْ تَظْهَرِ الْمَصْلَحَةُ. (٣)
وَقَيَّدَ الْبُلْقِينِيُّ جَوَازَ الأَْمَانِ بِمُجَرَّدِ انْتِفَاءِ الضَّرَرِ
_________
(١) بدائع الصنائع ٧ / ١٠٧، والشرح الصغير ٢ / ٢٨٨ ط دار المعارف، والمغني مع الشرح الكبير ١٠ / ٤٣٢، وروضة الطالبين ١٠ / ٢٨١ نشر المكتب الإسلامي
(٢) روضة الطالبين ١٠ / ٢٧٩، ومغني المحتاج ٤ / ٢٣٧، ٢٣٨، والمنتقى ٣ / ١٧٢، ١٧٤ ط السعادة ١٣٣٢ هـ، وحاشية العدوي على شرح الرسالة ٢ / ٨ نشر دار المعرفة، وشرح السير الكبير ١ / ٢٨٣، ٢٩٦ نشر شركة الإعلانات الشرقية، وحاشية ابن عابدين ٣ / ٢٢٧ ط بولاق، والمبدع ٣ / ٣٩١، والفروع ٦ / ٢٤٨ نشر عالم الكتب
(٣) شرح الزرقاني ٣ / ١٢٣، وحاشية الدسوقي ٢ / ١٨٦ ط عيسى الحلبي، والفروع ٦ / ٢٤٩، ومغني المحتاج ٤ / ٢٣٨، ونهاية المحتاج ٨ / ٧٧