الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٦ الصفحة 39

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٦

ب - الْعَلاَمَةُ:

٣ - الدَّلِيل الظَّنِّيُّ يُسَمَّى أَمَارَةً وَعَلاَمَةً (١)، إِلاَّ أَنَّ الْحَنَفِيَّةَ اصْطَلَحُوا عَلَى أَنَّ الأَْمَارَةَ لَيْسَتْ بِشُهْرَةِ الْعَلاَمَةِ، بَل الْعَلاَمَةُ أَشْهَرُ.

وَالْعَلاَمَةُ لاَ تَنْفَكُّ عَنِ الشَّيْءِ، بِخِلاَفِ الأَْمَارَةِ (٢) .

ج - الْوَصْفُ الْمُخَيِّل:

٤ - الْوَصْفُ الْمُخَيِّل يُفِيدُ الظَّنَّ الضَّعِيفَ، أَمَّا الأَْمَارَةُ فَإِنَّهَا تُفِيدُ الظَّنَّ الْقَوِيَّ. (٣)

د - الْقَرِينَةُ:

٥ - الْقَرِينَةُ كَثِيرًا مَا تُطْلَقُ عَلَى الأَْمَارَةِ، وَالْعَكْسُ كَذَلِكَ، غَيْرَ أَنَّ الْقَرِينَةَ قَدْ تَكُونُ قَاطِعَةً (٤) .

الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:

٦ - عِنْدَ الأُْصُولِيِّينَ مَا لَيْسَ عَلَيْهِ دَلاَلَةٌ قَاطِعَةٌ، بَل عَلَيْهِ أَمَارَةٌ فَقَطْ كَخَبَرِ الْوَاحِدِ وَالْقِيَاسِ، فَالْوَاجِبُ عَلَى الْمُجْتَهِدِ أَنْ يَعْمَل بِمُوجِبِ هَذَا الظَّنِّ الَّذِي ثَبَتَ عِنْدَهُ بِهَذِهِ الأَْمَارَةِ، وَهَذَا بِخِلاَفِ الْمُقَلِّدِ، لأَِنَّ ظَنَّهُ لاَ يَصِيرُ وَسِيلَةً إِلَى الْعِلْمِ. (٥)

_________

(١) تسهيل الوصول ص ١٦، والقليوبي ٢ / ٣٠٠ ط مصطفى الحلبي

(٢) تيسير التحرير ٤ / ٥٥ ط صبيح، والتعريفات للجرجاني ط مصطفى الحلبي

(٣) حاشية الشريف الجرجاني على العضد ١ / ٤ ط ليبيا

(٤) مجلة الأحكام ١٧٤١

(٥) شرح العضد وحواشيه ١ / ٣٠ ط ليبيا، والمعتمد ٢ / ٩٨٧

وَيَأْخُذُ الْفُقَهَاءُ بِالأَْمَارَاتِ، فَفِي مَعْرِفَةِ الْقِبْلَةِ يَسْتَدِلُّونَ بِهُبُوبِ الرِّيَاحِ، وَمَطَالِعِ النُّجُومِ. (١)

وَفِي الْبُلُوغِ يَرَى أَغْلِبُ الْفُقَهَاءِ أَنَّ نَبَاتَ شَعْرِ الْعَانَةِ الْخَشِنِ أَمَارَةٌ عَلَى الْبُلُوغِ (٢)، وَكَذَلِكَ يَرَى الْبَعْضُ أَنَّ فَرْقَ أَرْنَبَةِ الأَْنْفِ، وَغِلَظَ الصَّوْتِ وَشُهُودَ الثَّدْيِ، وَنَتْنَ الإِْبِطِ - أَمَارَاتٌ عَلَى الْبُلُوغِ. (٣)

٧ - وَفِي الْقَضَاءِ: الْحُكْمُ بِالأَْمَارَاتِ مَحَل خِلاَفٍ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ، مِنْهُمْ مَنْ يَرَى الْحُكْمَ بِهَا قَوْلًا وَاحِدًا عَمَلًا بِقَوْل اللَّهِ سُبْحَانَهُ: ﴿وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ﴾ . (٤) رُوِيَ أَنَّ إِخْوَةَ يُوسُفَ لَمَّا أَتَوْا بِقَمِيصِ يُوسُفَ إِلَى أَبِيهِمْ يَعْقُوبَ، تَأَمَّلْهُ فَلَمْ يَجِدْ فِيهِ خَرْقًا وَلاَ أَثَرَ نَابٍ، فَاسْتَدَل بِذَلِكَ عَلَى كَذِبِهِمْ. فَاسْتَدَل الْفُقَهَاءُ بِهَذِهِ الآْيَةِ عَلَى إِعْمَال الأَْمَارَاتِ فِي مَسَائِل كَثِيرَةٍ مِنَ الْفِقْهِ. (٥)

وَقَدْ خَصَّصَ الْعَلاَمَةُ ابْنُ فَرْحُونَ الْبَابَ الْمُتَمِّمَ السَّبْعِينَ مِنْ تَبْصِرَتِهِ فِي الْقَضَاءِ بِمَا يَظْهَرُ مِنْ قَرَائِنِ الأَْحْوَال وَالأَْمَارَاتِ وَحُكْمِ الْفِرَاسَةِ، وَأَيَّدَ الْحُكْمَ بِهَا بِأَدِلَّةٍ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَذَكَرَ مَا يَرْبُو عَنْ سِتِّينَ مَسْأَلَةً مِنْهَا مَا هُوَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَمِنْهَا مَا تَفَرَّدَ بِهِ بَعْضُهُمْ.

وَالْبَعْضُ لاَ يَأْخُذُ بِالْقَرَائِنِ، مُسْتَدِلًّا بِمَا أَخْرَجَهُ

_________

(١) نهاية المحتاج١ / ٤٢٣ ط مصطفى الحلبي

(٢) الدسوقي ٣ / ٢٩٣ ط الحلبي، ونهاية المحتاج ٤ / ٣٤٧، والقليوبي ٢ / ٣٠٠، والمغني ٤ / ٥٠٩ ط الرياض

(٣) الشرح الكبير ٣ / ٢٩٣، والجوهرة ١ / ٣١٥، والقليوبي ٤ / ٢٣٨

(٤) سورة يوسف / ١٨

(٥) تبصرة الحكام لابن فرحون ٢ / ١٠١، ١٠٢ ط التجارية

ابْنُ مَاجَهْ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: لَوْ كُنْتُ رَاجِمًا أَحَدًا بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ لَرَجَمْتُ فُلاَنَةَ، فَقَدْ ظَهَرَ مِنْهَا الرِّيبَةُ فِي مَنْطِقِهَا وَهَيْئَتِهَا وَمَنْ يَدْخُل عَلَيْهَا. (١)

وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (قَرِينَة) وَفِي الْمُلْحَقِ الأُْصُولِيِّ.

إِمَارَةٌ

التَّعْرِيفُ:

١ - الإِْمَارَةُ بِالْكَسْرِ، وَالإِْمْرَةُ: الْوِلاَيَةُ، يُقَال: أَمَرَ عَلَى الْقَوْمِ يَأْمُرُ، مِنْ بَابِ قَتَل فَهُوَ أَمِيرٌ. وَأَمَرَ يَأْمُرُ إِمَارَةً وَإِمْرَةً: صَارَ لَهُمْ أَمِيرًا. وَيُطْلَقُ عَلَى مَنْصِبِ الأَْمِيرِ، وَعَلَى جُزْءٍ مِنَ الأَْرْضِ يَحْكُمُهُ أَمِيرٌ.

وَالاِصْطِلاَحُ الْفِقْهِيُّ لاَ يَخْرُجُ عَنْ هَذَا الْمَعْنَى فِي الْجُمْلَةِ، إِلاَّ أَنَّ الإِْمَارَةَ تَكُونُ فِي الأُْمُورِ الْعَامَّةِ، وَلاَ تُسْتَفَادُ إِلاَّ مِنْ جِهَةِ الإِْمَامِ، أَمَّا الْوِلاَيَةُ فَقَدْ تَكُونُ فِي الأُْمُورِ الْعَامَّةِ، وَقَدْ تَكُونُ فِي الأُْمُورِ الْخَاصَّةِ، وَتُسْتَفَادُ مِنْ جِهَةِ الإِْمَامِ أَوْ مِنْ جِهَةِ الشَّرْعِ أَوْ غَيْرِهِمَا، كَالْوَصِيَّةِ بِالاِخْتِيَارِ وَالْوَكَالَةِ (٢) .

_________

(١) حديث: " لو كنت راجما. . . . . " أخرجه مسلم ٢ / ١١٣٥، ط الحلبي، وابن ماجه ٢ / ٨٥٥ ط عيسى الحلبي. ويرجع إلى الطرق الحكمية ٤٦ - ٥٤

(٢) متن اللغة، ومقاييس اللغة، ولسان العرب، وتاج العروس مادة (أمر)

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:

أ - الْخِلاَفَةُ:

٢ - الْخِلاَفَةُ فِي اللُّغَةِ: مَصْدَرُ خَلَفَهُ خِلاَفَةً: أَيْ بَقِيَ بَعْدَهُ، أَوْ قَامَ مَقَامَهُ.

وَهِيَ فِي الاِصْطِلاَحِ الشَّرْعِيِّ: مَنْصِبُ الْخَلِيفَةِ. وَهِيَ رِئَاسَةٌ عَامَّةٌ فِي الدِّينِ وَالدُّنْيَا نِيَابَةً عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَتُسَمَّى أَيْضًا الإِْمَامَةَ الْكُبْرَى (١) .

ب - السُّلْطَةُ:

٣ - السُّلْطَةُ هِيَ: السَّيْطَرَةُ وَالتَّمَكُّنُ وَالْقَهْرُ وَالتَّحَكُّمُ، وَمِنْهُ السُّلْطَانُ وَهُوَ مَنْ لَهُ وِلاَيَةُ التَّحَكُّمِ وَالسَّيْطَرَةِ فِي الدَّوْلَةِ، فَإِنْ كَانَتْ سُلْطَتُهُ قَاصِرَةً عَلَى نَاحِيَةٍ خَاصَّةٍ فَلَيْسَ بِخَلِيفَةٍ، وَإِنْ كَانَتْ عَامَّةً فَهُوَ الْخَلِيفَةُ، وَقَدْ وُجِدَتْ فِي الْعُصُورِ الإِْسْلاَمِيَّةِ الْمُخْتَلِفَةِ خِلاَفَةٌ بِلاَ سُلْطَةٍ، كَمَا وَقَعَ فِي أَوَاخِرِ عَهْدِ الْعَبَّاسِيِّينَ، وَسُلْطَةٌ بِلاَ خِلاَفَةٍ كَمَا وَقَعَ فِي عَهْدِ الْمَمَالِيكِ (٢) .

تَقْسِيمُ الإِْمَارَةِ، وَحُكْمُهَا التَّكْلِيفِيُّ:

٤ - تَنْقَسِمُ الإِْمَارَةُ إِلَى عَامَّةٍ وَخَاصَّةٍ:

أَمَّا الْعَامَّةُ فَالْمُرَادُ بِهَا الْخِلاَفَةُ أَوِ الإِْمَامَةُ الْكُبْرَى، وَهِيَ فَرْضُ كِفَايَةٍ، وَيُنْظَرُ تَفْصِيل أَحْكَامِهَا فِي مُصْطَلَحِ (إِمَامَةٌ كُبْرَى) .

وَأَمَّا الإِْمَارَةُ الْخَاصَّةُ: فَهِيَ لإِقَامَةِ فَرْضٍ مُعَيَّنٍ

_________

(١) متن اللغة في مادة (خلف)، ونهاية المحتاج ٧ / ٤٠٩، وحاشية ابن عابدين ١ / ٣٦٨، والرائد ١ / ٨٣٣، ومقدمة ابن خلدون ص ١٩٠، وعبارته: هي (الخلافة) في الحقيقة نيابة عن صاحب الشريعة في حفظ الدين والدنيا

(٢) المراجع السابقة

مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ دُونَ غَيْرِهِ، كَالْقَضَاءِ وَالصَّدَقَاتِ وَالْجُنْدِ إِذَا دَعَتِ الْحَاجَةُ إِلَى ذَلِكَ التَّخْصِيصِ.

وَقَدْ يَكُونُ التَّخْصِيصُ مَكَانِيًّا، كَالإِْمَارَةِ عَلَى بَلَدٍ أَوْ إِقْلِيمٍ خَاصٍّ. كَمَا يَكُونُ زَمَانِيًّا، كَأَمِيرِ الْحَاجِّ وَنَحْوِهِ. (١)

وَالإِْمَارَةُ الْخَاصَّةُ مِنَ الْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ لِلْمُسْلِمِينَ وَالْمَنُوطَةِ بِنَظَرِ الإِْمَامِ.

وَكَانَ الرَّسُول ﷺ يُنِيبُ عَنْهُ عُمَّالًا عَلَى الْقَبَائِل وَالْمُدُنِ، وَفَعَل ذَلِكَ الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ. وَعَدَّهَا أَصْحَابُ كُتُبِ الأَْحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ مِنَ الأُْمُورِ اللاَّزِمَةِ عَلَى الإِْمَامِ، فَيَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُقِيمَ الأُْمَرَاءَ عَلَى النَّوَاحِي وَالْجُيُوشِ وَالْمَصَالِحِ الْمُتَعَدِّدَةِ فِيمَا لاَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يُبَاشِرَهُ بِنَفْسِهِ. (٢)

إِمَارَةُ الاِسْتِكْفَاءِ:

٥ - هِيَ: أَنْ يُفَوِّضَ الإِْمَامُ بِاخْتِيَارِهِ إِلَى شَخْصٍ إِمَارَةَ بَلَدٍ أَوْ إِقْلِيمٍ وِلاَيَةً عَلَى جَمِيعِ أَهْلِهِ وَنَظَرًا فِي الْمَعْهُودِ مِنْ سَائِرِ أَعْمَالِهِ.

وَيَشْتَمِل نَظَرُ الأَْمِيرِ فِي هَذِهِ الإِْمَارَةِ عَلَى أُمُورٍ:

(١) النَّظَرُ فِي تَدْبِيرِ الْجُيُوشِ.

(٢) النَّظَرُ فِي الأَْحْكَامِ، وَتَقْلِيدِ الْقُضَاةِ.

(٣) جِبَايَةُ الْخَرَاجِ، وَأَخْذُ الصَّدَقَاتِ.

(٤) حِمَايَةُ الدِّينِ، وَالذَّبُّ عَنْ دِيَارِ الإِْسْلاَمِ.

(٥) إِقَامَةُ الْحُدُودِ.

_________

(١) الأحكام السلطانية للماوردي ص ١٣، والأحكام السلطانية لأبي يعلى ص ١٢

(٢) حاشية ابن عابدين ٢ / ١٧٢، ٣ / ٢٣٤، وفتح القدير ٢ / ٣٦٧ - ٣٦٨، ومغني المحتاج ٤ / ٢٢٠ والمغني ٨ / ٢٥٢

(٦) الإِْمَامَةُ فِي الْجُمَعِ وَالْجَمَاعَاتِ.

(٧) تَسْيِيرُ الْحَجِيجِ (إِمَارَةُ الْحَجِّ) .

(٨) قَسْمُ الْغَنَائِمِ. (١)

وَحَاجَةُ الأُْمَّةِ قَدْ تَسْتَدْعِي إِضَافَةَ مَهَامَّ أُخْرَى بِحَسَبِ مَا يَجِدُّ مِنْ أَحْوَالٍ، كَرِعَايَةِ شُئُونِ التَّعْلِيمِ وَالصِّحَّةِ وَنَحْوِهَا.

شُرُوطُ إِمَارَةِ الاِسْتِكْفَاءِ:

٦ - يُشْتَرَطُ فِيمَنْ يُوَلَّى إِمَارَةَ الاِسْتِكْفَاءِ مَا يُشْتَرَطُ لِوِزَارَةِ التَّفْوِيضِ:

فَمِنْهَا شُرُوطٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا وَهِيَ: الإِْسْلاَمُ، وَالتَّكْلِيفُ (الْعَقْل وَالْبُلُوغُ)، وَالذُّكُورَةُ. وَمِنْهَا شُرُوطٌ مُخْتَلَفٌ فِيهَا وَهِيَ: الْعَدَالَةُ وَالاِجْتِهَادُ وَالْكِفَايَةُ.

وَلاَ يُشْتَرَطُ (النَّسَبُ) اتِّفَاقًا فِي الإِْمَارَةِ. (٢)

وَلِلتَّفْصِيل يُنْظَرُ مُصْطَلَحُ (إِمَامَةٌ كُبْرَى) .

صِيغَةُ عَقْدِ إِمَارَةِ الاِسْتِكْفَاءِ:

٧ - لاَ بُدَّ لِتَقْلِيدِ الإِْمَارَةِ مِنْ صِيغَةٍ كَسَائِرِ الْعُقُودِ، فَيَتَحَدَّدُ نَوْعُهَا بِالصِّيغَةِ، فَتَعُمُّ الإِْمَارَةُ بِعُمُومِ الصِّيغَةِ، أَوْ تَخُصُّ بِخُصُوصِهَا،

كَأَنْ يَقُول فِي الإِْمَارَةِ الَّتِي تَعُمُّ التَّصَرُّفَاتِ مَثَلًا: قَلَّدْتُكَ نَاحِيَةَ كَذَا أَوْ إِقْلِيمَ كَذَا إِمَارَةً عَلَى أَهْلِهَا، وَنَظَرًا عَلَى جَمِيعِ مَا يَتَعَلَّقُ بِهَا، إِلَخْ. (٣)

_________

(١) الأحكام السلطانية للماوردي ص ٢٤ والأحكام السلطانية لأبي يعلى ص ١٧

(٢) المراجع السابقة

(٣) الأحكام السلطانية للماوردي ص ٢٥، ٢٦

نَفَاذُ تَصَرُّفَاتِ أَمِيرِ الاِسْتِكْفَاءِ:

٨ - يَجُوزُ لأَِمِيرِ الاِسْتِكْفَاءِ أَنْ يُقَلِّدَ مَنْ يُعَيِّنُهُ فِي تَنْفِيذِ مَهَامِّهِ لأَِنَّهُ مُعِينٌ لَهُ، وَنَائِبٌ عَنْهُ فِي مُبَاشَرَةِ الأَْعْمَال الَّتِي لاَ تَتَيَسَّرُ مُبَاشَرَتُهَا لِلأَْمِيرِ نَفْسِهِ. وَلَكِنَّهُ لاَ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُفَوِّضَ لِشَخْصٍ آخَرَ مَا عُهِدَ إِلَيْهِ مِنْ أَصْل الْوِلاَيَةِ إِلاَّ بِإِذْنِ الإِْمَامِ، لأَِنَّهُ مُسْتَقِل النَّظَرِ. (١)

إِمَارَةُ الاِسْتِيلاَءِ:

٩ - الأَْصْل فِي الْفِقْهِ الإِْسْلاَمِيِّ: أَلاَّ يَتَوَلَّى أَحَدٌ مَنْصِبًا إِلاَّ بِتَقْلِيدٍ صَحِيحٍ مِنَ الإِْمَامِ، أَوْ مَنْ يَنُوبُ عَنْهُ فِي ذَلِكَ كَوَزِيرِ التَّفْوِيضِ، عَلَى أَنَّهُ فِي بَعْضِ الظُّرُوفِ قَدْ يَحْدُثُ أَنْ يَسْتَبِدَّ أَمِيرٌ أَوْ وَالٍ بِالسُّلْطَةِ، بَعْدَ تُوَلِّيهِ بِتَقْلِيدٍ مِنَ الإِْمَامِ، وَيُخْشَى فِتْنَةٌ فِي عَزْلِهِ، فَلِلإِْمَامِ أَنْ يُقِرَّهُ عَلَى إِمَارَتِهِ. وَقَدْ ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى صِحَّةِ هَذَا التَّقْلِيدِ مِنَ الإِْمَامِ لِلضَّرُورَةِ، وَحَسْمًا لِلْفِتْنَةِ وَيُسَمُّونَهَا: إِمَارَةَ الاِسْتِيلاَءِ تَفْرِيقًا بَيْنَهَا وَبَيْنَ إِمَارَةِ الاِسْتِكْفَاءِ. (٢)

وَهِيَ وَإِنْ خَرَجَتْ عَلَى عُرْفِ التَّقْلِيدِ (التَّوْلِيَةِ)، وَشُرُوطِهِ وَأَحْكَامِهِ، فَالْحِكْمَةُ فِي إِقْرَارِهَا هِيَ حِفْظُ وَحْدَةِ كَلِمَةِ الْمُسْلِمِينَ بِالاِعْتِرَافِ بِوُجُودِ الْخِلاَفَةِ الْوَاحِدَةِ فِي الْجُمْلَةِ، وَإِضْفَاءِ صِفَةِ الشَّرْعِيَّةِ عَلَى الأَْحْكَامِ الَّتِي يُصْدِرُهَا الْمُسْتَوْلِي، وَصَوْنِهَا عَنِ الْفَسَادِ.

وَجَاءَ فِي الأَْحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ لِلْمَاوَرْدِيِّ: وَاَلَّذِي يَنْحَفِظُ بِتَقْلِيدِ الْمُسْتَوْلِي مِنْ قَوَانِينِ الشَّرْعِ سَبْعَةُ أَشْيَاءَ، فَيَشْتَرِكُ فِي الْتِزَامِهَا الْخَلِيفَةُ، وَالْمُسْتَوْلِي،

_________

(١) المصدر السابق ص ٢٥

(٢) الأحكام السلطانية للماوردي ص ٢٧

وَعَدَّدَ الأَْشْيَاءَ، وَلاَ تَخْرُجُ فِي عُمُومِهَا عَمَّا ذَكَرْنَاهُ، مِنْ حِفْظِ مَرْكَزِ الْخِلاَفَةِ، وَالاِعْتِرَافِ بِوُجُودِهَا، وَإِضْفَاءِ الصِّفَةِ الشَّرْعِيَّةِ عَلَى أَعْمَال الإِْمَارَةِ وَصَوْنِهَا عَنِ الْفَسَادِ. (١)

وَلاَ يَخْفَى أَنَّ صِحَّةَ هَذَا النَّوْعِ مِنَ الإِْمَارَةِ هُوَ مِنْ بَابِ الضَّرُورَةِ، كَمَا صَرَّحَ بِذَلِكَ الْحَصْكَفِيُّ وَغَيْرُهُ. (٢)

الإِْمَارَةُ الْخَاصَّةُ (مِنْ حَيْثُ الْمَوْضُوعُ):

١٠ - الإِْمَارَةُ الْخَاصَّةُ هِيَ مَا كَانَ الأَْمِيرُ مَقْصُورَ النَّظَرِ فِيهَا عَلَى أَمْرٍ خَاصٍّ، كَقِيَادَةِ الْجَيْشِ، فَيَقْتَصِرُ نَظَرُهُ فِيمَا حُدِّدَ لَهُ، فِي عَقْدِ التَّقْلِيدِ، فَلاَ يَتَعَرَّضُ لِغَيْرِهَا، كَالْقَضَاءِ، وَجِبَايَةِ الْخَرَاجِ، وَقَبْضِ الصَّدَقَاتِ، وَإِمَارَةِ الْجِهَادِ، وَإِمَارَةِ الْحَجِّ، وَإِمَارَةِ السَّفَرِ. (٣)

إِمَارَةُ الْحَجِّ:

١١ - جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ عَلَى أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِلإِْمَامِ - إِنْ لَمْ يَخْرُجْ بِنَفْسِهِ - أَنْ يَنْصِبَ لِلْحَجِيجِ أَمِيرًا يَخْرُجُ بِهِمْ، وَيَرْعَى مَصَالِحَهُمْ فِي حِلِّهِمْ وَتَرْحَالِهِمْ، وَيَخْطُبُ فِيهِمْ فِي الأَْمَاكِنِ الَّتِي شُرِعَتْ فِيهَا الْخُطْبَةُ، يُعَلِّمُهُمْ فِيهَا مَنَاسِكَ الْحَجِّ وَأَعْمَالَهُ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ. (٤)

وَذَهَبَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ إِلَى أَنَّ تَنْصِيبَ أَمِيرٍ لإِقَامَةِ الْحَجِّ وَاجِبٌ عَلَى الإِْمَامِ، إِنْ لَمْ يَخْرُجْ

_________

(١) الأحكام السلطانية للماوردي ص ٣٤

(٢) الدر المختار ١ / ٣٦٩

(٣) الأحكام السلطانية للماوردي ص ٢٦

(٤) حاشية ابن عابدين ٢ / ١٧٢، وفتح القدير ٢ / ٣٦٧ - ٣٦٨، وأسنى المطالب ١ / ٥٨٥، ونهاية المحتاج ٣ / ٢٩٤ - ٢٩٥

بِنَفْسِهِ، لأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ: بَعَثَ فِي السَّنَةِ الثَّامِنَةِ مِنَ الْهِجْرَةِ عَتَّابَ بْنَ أُسَيْدٍ، وَفِي التَّاسِعَةِ أَبَا بَكْرٍ. وَخَرَجَ بِنَفْسِهِ فِي الْعَاشِرَةِ. (١)

أَقْسَامُ إِمَارَةِ الْحَجِّ:

كُتُبُ الأَْحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ وَحْدَهَا دُونَ كُتُبِ الْفِقْهِ فِيمَا نَعْلَمُ قَسَّمَتْ هَذِهِ الإِْمَارَةَ إِلَى قِسْمَيْنِ: إِمَارَةِ إِقَامَةِ الْحَجِّ، وَإِمَارَةِ تَسْيِيرِ الْحَجِيجِ. (٢)

أ - إِمَارَةُ تَسْيِيرِ الْحَجِيجِ:

١٢ - إِمَارَةُ تَسْيِيرِ الْحَجِيجِ هِيَ: وِلاَيَةٌ سِيَاسِيَّةٌ، وَزَعَامَةٌ وَتَدْبِيرٌ. فَيُشْتَرَطُ لأَِمِيرِهَا: أَنْ يَكُونَ مُطَاعًا، ذَا رَأْيٍ وَشَجَاعَةٍ، وَهَيْبَةٍ (٣) .

وَقَدْ عَدَّ الْمَاوَرْدِيُّ عَشَرَةَ أَشْيَاءَ جَعَلَهَا مِنْ وَاجِبَاتِ أَمِيرِ الْحَجِيجِ وَهِيَ:

(١) جَمْعُ النَّاسِ فِي مَسِيرِهِمْ وَنُزُولِهِمْ حَتَّى لاَ يَتَفَرَّقُوا.

(٢) تَرْتِيبُهُمْ فِي السَّيْرِ وَالنُّزُول، وَتَقْسِيمُهُمْ إِلَى مَجْمُوعَاتٍ لِكُلٍّ مِنْهَا رَئِيسٌ، حَتَّى يَعْرِفَ كُل فَرِيقٍ مِنْهُمْ جَمَاعَتَهُ إِذَا سَارَ، وَيَأْلَفَ مَكَانَهُ إِذَا نَزَل، فَلاَ يَتَنَازَعُونَ فِيهِ، وَلاَ يَضِلُّونَ عَنْهُ.

(٣) يَرْفُقُ بِهِمْ فِي السَّيْرِ حَتَّى لاَ يَعْجِزَ عَنْهُ ضَعِيفُهُمْ، وَلاَ يَضِل عَنْهُ مُنْقَطِعُهُمْ.

(٤) أَنْ يَسْلُكَ بِهِمْ أَوْضَحَ الطُّرُقِ وَأَخْصَبَهَا، وَيَتَجَنَّبَ أَجْدَبَهَا وَأَوْعَرَهَا.

_________

(١) حاشية عميرة على القليوبي ٢ / ١١٢، وأسنى المطالب ١ / ٤٨٥

(٢) الأحكام السلطانية للماوردي ص ٩٣ - ٩٤

(٣) الأحكام السلطانية للماوردي ٩٣ - ٩٤

(٥) أَنْ يَرْتَادَ لَهُمُ الْمِيَاهَ إِذَا انْقَطَعَتْ، وَالْمُرَاعِيَ إِذَا قَلَّتْ.

(٦) أَنْ يَحْرُسَهُمْ إِذَا نَزَلُوا، وَيَحُوطَهُمْ إِذَا رَحَلُوا.

(٧) أَنْ يَمْنَعَ عَنْهُمْ مَنْ يَصُدُّهُمْ عَنِ الْمَسِيرِ.

(٨) أَنْ يُصْلِحَ بَيْنَ الْمُتَشَاجِرِينَ، وَيَتَوَسَّطَ بَيْنَ الْمُتَنَازِعِينَ.

(٩) أَنْ يُؤَدِّبَ خَائِنَهُمْ، وَلاَ يَتَجَاوَزَ التَّعْزِيرَ.

(١٠) أَنْ يُرَاعِيَ اتِّسَاعَ الْوَقْتِ حَتَّى يُؤْمَنَ فَوَاتُ الْحَجِّ عَلَيْهِمْ. (١)

الْحُكْمُ بَيْنَ الْحَجِيجِ:

١٣ - لَيْسَ لأَِمِيرِ الْحَجِّ أَنْ يَتَعَرَّضَ لِلْحُكْمِ بَيْنَ الْحَجِيجِ إِجْبَارًا إِلاَّ أَنْ يُفَوَّضَ إِلَيْهِ الْحُكْمُ، وَهُوَ أَهْلٌ لِلْقَضَاءِ، فَيَجُوزُ لَهُ حِينَئِذٍ أَنْ يَحْكُمَ بَيْنَهُمْ. فَإِنْ دَخَلُوا فِي بَلَدٍ فِيهِ حَاكِمٌ جَازَ لَهُ أَنْ يَحْكُمَ بَيْنَهُمْ. كَمَا يَجُوزُ لِحَاكِمِ الْبَلَدِ أَنْ يَحْكُمَ بَيْنَهُمْ. هَذَا إِذَا كَانَ النِّزَاعُ بَيْنَ الْحُجَّاجِ. أَمَّا إِذَا كَانَ بَيْنَ الْحَجِيجِ وَبَيْنَ أَهْل الْبَلَدِ لَمْ يَحْكُمْ بَيْنَهُمْ إِلاَّ حَاكِمُ الْبَلَدِ. (٢)

إِقَامَةُ الْحُدُودِ فِيهِمْ:

١٤ - لاَ يَجُوزُ لأَِمِيرِ الْحَجِّ إِقَامَةُ الْحُدُودِ فِي الْحَجِيجِ إِلاَّ أَنْ يُؤْذَنَ لَهُ فِيهَا وَهُوَ مِنْ أَهْل الْقَضَاءِ. فَإِنْ أُذِنَ فَلَهُ إِقَامَتُهَا فِيهِمْ. فَإِنْ دَخَل فِي بَلَدٍ فِيهِ مَنْ يَتَوَلَّى إِقَامَةَ الْحُدُودِ، فَإِنْ كَانَ الْمَحْدُودُ قَدْ أَتَى بِمُوجِبِ الْحَدِّ قَبْل دُخُول الْبَلَدِ، فَأَمِيرُ الْحَجِيجِ أَوْلَى بِإِقَامَةِ

_________

(١) ترى اللجنة أن هذه أمور زمنية وتختلف باختلاف الأزمان والأعراف فيراعى في كل زمان ما يناسبه وتقتضيه المصلحة

(٢) الأحكام السلطانية للماوردي ص ٩٣، ٩٤