الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٦ الصفحة 40

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٦

الْحَدِّ عَلَيْهِ. أَمَّا إِذَا أَتَى بِهِ بَعْدَ دُخُول الْبَلَدِ فَحَاكِمُ الْبَلَدِ أَوْلَى بِإِقَامَةِ الْحَدِّ مِنْ أَمِيرِ الْحَجِيجِ. (١)

انْتِهَاءُ وِلاَيَتِهِ:

١٥ - إِذَا وَصَل الْحَجِيجُ إِلَى مَكَّةَ زَالَتْ وِلاَيَتُهُ عَمَّنْ لاَ يَرْغَبُ الْعَوْدَةَ. أَمَّا مَنْ كَانَ عَازِمًا عَلَى الْعَوْدِ فَيَبْقَى تَحْتَ وِلاَيَتِهِ حَتَّى يَصِلُوا إِلَى بِلاَدِهِمْ.

ب - إِمَارَةُ إِقَامَةِ الْحَجِّ:

١٦ - هِيَ أَنْ يَنْصِبَ الإِْمَامُ أَمِيرًا لِلْحَجِيجِ يَخْرُجُ بِهِمْ نِيَابَةً عَنْهُ فِي الْمَشَاعِرِ.

وَيُشْتَرَطُ فِي أَمِيرِ إِقَامَةِ الْحَجِّ شُرُوطُ إِمَامَةِ الصَّلاَةِ، مُضَافًا إِلَيْهَا أَنْ يَكُونَ عَالِمًا بِمَنَاسِكِ الْحَجِّ وَأَحْكَامِهِ عَارِفًا بِمَوَاقِيتِهِ وَأَيَّامِهِ. (٢)

انْتِهَاءُ إِمَارَتِهِ:

١٧ - تَنْتَهِي وِلاَيَةُ أَمِيرِ إِقَامَةِ الْحَجِّ بِانْتِهَاءِ أَعْمَال الْحَجِّ، وَلاَ تَتَجَاوَزُهَا، وَتَبْدَأُ بِابْتِدَائِهَا، فَتَبْدَأُ مِنْ وَقْتِ صَلاَةِ الظُّهْرِ فِي الْيَوْمِ السَّابِعِ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، وَتَنْتَهِي فِي يَوْمِ النَّفْرِ الثَّانِي، وَهُوَ الْيَوْمُ الثَّالِثَ عَشَرَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ. (٣)

وَإِذَا كَانَ تَقْلِيدُهُ مُطْلَقًا عَلَى إِقَامَةِ الْحَجِّ فَلَهُ إِقَامَتُهُ فِي كُل عَامٍ حَتَّى يُصْرَفَ عَنْهُ. أَمَّا إِذَا كَانَ تَقْلِيدُهُ لِعَامٍ وَاحِدٍ فَلَيْسَ لَهُ إِقَامَتُهُ فِي غَيْرِهِ مِنَ الأَْعْوَامِ، إِلاَّ بِتَقْلِيدٍ جَدِيدٍ. (٤)

_________

(١) المصدر السابق ص ٩٥

(٢) المصدر السابق ص ٩٥

(٣) فتح القدير ٢ / ٣٦٧ - ٣٦٨، ونهاية المحتاج ٣ / ٢٩٤ - ٢٩٥، أسنى المطالب ١ / ٤٨٥

(٤) الأحكام السلطانية ٩٥ - ٩٦

اخْتِصَاصُهُ:

١٨ - يَخْتَصُّ نَظَرُهُ فِي كُل مَا يَتَعَلَّقُ بِأَعْمَال الْحَجِّ: مِنَ الإِْشْعَارِ بِوَقْتِ الإِْحْرَامِ، وَالْخُرُوجِ بِالنَّاسِ إِلَى مَشَاعِرِهِمْ، وَإِلْقَاءِ الْخُطَبِ فِي الأَْمَاكِنِ الَّتِي شُرِعَتْ فِيهَا، وَتَرْتِيبِهِ الْمَنَاسِكَ عَلَى مَا اسْتَقَرَّ الشَّرْعُ عَلَيْهِ لأَِنَّهُ مَتْبُوعٌ فِيهَا، فَلاَ يُقَدِّمُ مُؤَخَّرًا وَلاَ يُؤَخِّرُ مُقَدَّمًا، سَوَاءٌ كَانَ التَّرْتِيبُ وَاجِبًا أَوْ مُسْتَحَبًّا. (١)

إِقَامَةُ الْحُدُودِ:

١٩ - لَيْسَ لأَِمِيرِ إِقَامَةِ الْحَجِّ إِقَامَةُ الْحَدِّ، أَوِ التَّعْزِيرُ عَلَى مَنْ أَتَى مَا يُوجِبُ ذَلِكَ مِنْ أَفْرَادِ الْحَجِيجِ، إِنْ كَانَ الْمُوجِبُ مِمَّا لاَ يَتَعَلَّقُ بِالْحَجِّ. أَمَّا إِذَا كَانَ مُوجِبُ الْحَدِّ أَوِ التَّعْزِيرِ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِالْحَجِّ فَلَهُ التَّعْزِيرُ.

وَفِي إِقَامَةِ الْحَدِّ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ. لأَِنَّهُ خَارِجٌ مِنْ أَحْكَامِ الْحَجِّ، وَوِلاَيَتُهُ خَاصَّةٌ بِالْحَجِّ. وَالثَّانِي لَهُ إِقَامَتُهُ عَلَيْهِ. (٢)

الْحُكْمُ بَيْنَ الْحَجِيجِ:

٢٠ - لاَ يَجُوزُ لأَِمِيرِ إِقَامَةِ الْحَجِّ أَنْ يَحْكُمَ بَيْنَ الْحَجِيجِ فِيمَا تَنَازَعُوا فِيهِ مِنْ غَيْرِ أَحْكَامِ الْحَجِّ.

إِمَارَةُ السَّفَرِ:

٢١ - يُسْتَحَبُّ لِكُل جَمَاعَةٍ (ثَلاَثَةٍ فَأَكْثَرَ) قَصَدُوا السَّفَرَ أَنْ يُؤَمِّرُوا أَحَدَهُمْ، وَيَجِبُ عَلَيْهِمْ طَاعَتُهُ فِيمَا

_________

(١) نهاية المحتاج ٣ / ٢٩٤ - ٢٩٥، وفتح القدير ٢ / ٣٦٧ - ٣٦٨

(٢) الأحكام السلطانية للماوردي ص ٩٨

يَتَعَلَّقُ بِمَا هُمْ فِيهِ، وَيَحْرُمُ عَلَيْهِمْ مُخَالَفَتُهُ (١)، لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: إِذَا خَرَجَ ثَلاَثَةٌ فِي السَّفَرِ فَلْيُؤَمِّرُوا أَحَدَهُمْ. (٢) وَلِلتَّفْصِيل يُنْظَرُ مُصْطَلَحُ (سَفَر) .

إِمَامٌ

انْظُرْ: إِمَامَة.

إِمَامَةُ الصَّلاَةِ

(الإِْمَامَةُ الصُّغْرَى)

التَّعْرِيفُ:

١ - الإِْمَامَةُ فِي اللُّغَةِ: مَصْدَرُ أَمَّ يَؤُمُّ، وَأَصْل مَعْنَاهَا الْقَصْدُ، وَيَأْتِي بِمَعْنَى التَّقَدُّمِ، يُقَال: أَمَّهُمْ وَأَمَّ بِهِمْ: إِذَا تَقَدَّمَهُمْ. (٣)

وَفِي اصْطِلاَحِ الْفُقَهَاءِ تُطْلَقُ الإِْمَامَةُ عَلَى مَعْنَيَيْنِ: الإِْمَامَةِ الصُّغْرَى، وَالإِْمَامَةِ الْكُبْرَى.

وَيُعَرِّفُونَ الإِْمَامَةَ الْكُبْرَى بِأَنَّهَا اسْتِحْقَاقُ تَصَرُّفٍ عَامٍّ عَلَى الأَْنَامِ (أَيِ النَّاسِ)، وَهِيَ رِئَاسَةٌ

_________

(١) نهاية المحتاج ٨ / ٦٢، وقليوبي ٤ / ٢١٧، وأسنى المطالب ٤ / ١٨٨

(٢) حديث: " إذا خرج ثلاثة في السفر فليؤمروا أحدهم " أخرجه أبو داود (٣ / ٨١ - ط عزت عبيد دعاس) وحسنه النووي كما في فيض القدير (١ / ٣٣٣ - ط المكتبة التجارية)

(٣) متن اللغة وتاج العروس مادة: (أم)

عَامَّةٌ فِي الدِّينِ وَالدُّنْيَا خِلاَفَةً عَنِ النَّبِيِّ ﷺ. (١) (ر: إِمَامَةٌ كُبْرَى) .

أَمَّا الإِْمَامَةُ الصُّغْرَى (وَهِيَ إِمَامَةُ الصَّلاَةِ) فَهِيَ ارْتِبَاطُ صَلاَةِ الْمُصَلِّي بِمُصَلٍّ آخَرَ بِشُرُوطٍ بَيَّنَهَا الشَّرْعُ. فَالإِْمَامُ لَمْ يَصِرْ إِمَامًا إِلاَّ إِذَا رَبَطَ الْمُقْتَدِي صَلاَتَهُ بِصَلاَتِهِ، وَهَذَا الاِرْتِبَاطُ هُوَ حَقِيقَةُ الإِْمَامَةِ، وَهُوَ غَايَةُ الاِقْتِدَاءِ. (٢)

وَعَرَّفَهَا بَعْضُهُمْ بِأَنَّهَا: كَوْنُ الإِْمَامِ مُتَّبِعًا فِي صَلاَتِهِ (٣) كُلِّهَا أَوْ جُزْءٍ مِنْهَا.

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:

أ - الْقُدْوَةُ:

٢ - الْقُدْوَةُ اسْمٌ لِلاِقْتِدَاءِ، أَيِ الاِتِّبَاعِ، وَيُطْلَقُ عَلَى الشَّخْصِ الْمَتْبُوعِ، يُقَال: فُلاَنٌ قُدْوَةٌ، أَيْ يُقْتَدَى بِهِ.

ب - الاِقْتِدَاءُ وَالتَّأَسِّي:

٣ - الاِقْتِدَاءُ وَالتَّأَسِّي كُلٌّ مِنْهُمَا بِمَعْنَى الاِتِّبَاعِ، سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ فِي صَلاَةٍ أَوْ غَيْرِهَا، فَالْمَأْمُومُ يَقْتَدِي بِالإِْمَامِ وَيَتَأَسَّى بِهِ، فَيَعْمَل مِثْل عَمَلِهِ، وَيُطْلَقُ عَلَى الْمُقْتَدَى بِهِ أَنَّهُ قُدْوَةٌ وَأُسْوَةٌ (٤) .

مَشْرُوعِيَّةُ الإِْمَامَةِ وَفَضْلُهَا:

٤ - إِمَامَةُ الصَّلاَةِ تُعْتَبَرُ مِنْ خَيْرِ الأَْعْمَال الَّتِي يَتَوَلاَّهَا خَيْرُ النَّاسِ ذَوُو الصِّفَاتِ الْفَاضِلَةِ مِنَ الْعِلْمِ وَالْقِرَاءَةِ وَالْعَدَالَةِ وَغَيْرِهَا كَمَا سَيَأْتِي، وَلاَ تُتَصَوَّرُ

_________

(١) ابن عابدين ١ / ٣٦٨ - ٣٦٩

(٢) نفس المرجع

(٣) الطحطاوي على مراقي الفلاح ص ١٥٦

(٤) المصباح المنير، والقرطبي ٨ / ٥٦، والألوسي ٢٧ / ٦٩

صَلاَةُ الْجَمَاعَةِ إِلاَّ بِهَا. وَصَلاَةُ الْجَمَاعَةِ مِنْ شَعَائِرِ الإِْسْلاَمِ، وَمِنَ السُّنَنِ الْمُؤَكَّدَةِ الَّتِي تُشْبِهُ الْوَاجِبَ فِي الْقُوَّةِ عِنْدَ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ، وَصَرَّحَ بَعْضُهُمْ بِوُجُوبِهَا، وَتَفْصِيلُهُ فِي مُصْطَلَحِ: (صَلاَةُ الْجَمَاعَةِ) .

وَقَدْ صَرَّحَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ، وَمِنْهُمُ الْحَنَفِيَّةُ، وَبَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ، وَهُوَ رِوَايَةٌ فِي مَذْهَبِ أَحْمَدَ: بِأَنَّ الإِْمَامَةَ أَفْضَل مِنَ الأَْذَانِ وَالإِْقَامَةِ، لِمُوَاظَبَةِ النَّبِيِّ ﷺ وَالْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ عَلَيْهَا، وَلِهَذَا أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَقُومَ بِهَا أَعْلَمُ النَّاسِ وَأَقْرَؤُهُمْ، كَمَا رُوِيَ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ. قَال: قَال النَّبِيُّ ﷺ: إِذَا كَانُوا ثَلاَثَةً فَلْيَؤُمَّهُمْ أَحَدُهُمْ، وَأَحَقُّهُمْ أَقْرَؤُهُمْ. (١)

وَلَمَّا مَرِضَ النَّبِيُّ ﵇ اخْتَارَ أَفْضَل الصَّحَابَةِ لِلإِْمَامَةِ حَيْثُ قَال: مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَل بِالنَّاسِ، (٢) فَفَهِمَ الصَّحَابَةُ مِنْ تَقْدِيمِهِ فِي الإِْمَامَةِ الصُّغْرَى اسْتِحْقَاقَهُ الإِْمَامَةَ الْكُبْرَى. (٣)

وَفِي قَوْلٍ آخَرَ: الأَْذَانُ أَفْضَل، وَهُوَ قَوْل بَعْضِ الْمَالِكِيَّةِ، وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، وَرِوَايَةٌ فِي مَذْهَبِ أَحْمَدَ، لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: الإِْمَامُ ضَامِنٌ وَالْمُؤَذِّنُ مُؤْتَمَنٌ، اللَّهُمَّ أَرْشِدِ الأَْئِمَّةَ وَاغْفِرْ لِلْمُؤَذِّنِينَ (٤)

_________

(١) حديث أبي سعيد مرفوعا " إذا كانوا ثلاثة. . . " أخرجه مسلم (١ / ٤٦٤ ط الحلبي)

(٢) حديث: " مروا أبا بكر فليصل بالناس. . . " أخرجه البخاري (الفتح ٢ / ١٦٤ - ط السلفية)

(٣) الطحطاوي على مراقي الفلاح ص ١٥٦، والجمل ١ / ٣١٧، والمغني ٢ / ١٧٦، وكشاف القناع ١ / ٤٧١، والحطاب ١ / ٤٢٢

(٤) حديث: " الإمام ضامن. . . " أخرجه أبو داود (١ / ٣٥٦ - ط عزت عبيد دعاس) وابن حبان (موارد الظمآن ص ١١٨ - ط السلفية) . وصححه المناوي في الفيض (٣ / ١٨٢ - ط المكتبة التجارية)

وَالأَْمَانَةُ أَعْلَى مِنَ الضَّمَانِ، وَالْمَغْفِرَةُ أَعْلَى مِنَ الإِْرْشَادِ. وَقَال عُمَرُ ﵁: " لَوْلاَ الْخِلاَفَةُ لأَذَّنْتُ (١) .

شُرُوطُ الإِْمَامَةِ:

يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ الإِْمَامَةِ الأُْمُورُ التَّالِيَةُ:

أ - الإِْسْلاَمُ:

٥ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي الإِْمَامِ أَنْ يَكُونَ مُسْلِمًا. (٢) وَعَلَى هَذَا لاَ تَصِحُّ الصَّلاَةُ خَلْفَ مَنْ هُوَ كَافِرٌ يُعْلِنُ كُفْرَهُ، أَمَّا إِذَا صَلَّى خَلْفَ مَنْ لاَ يَعْلَمُ كُفْرَهُ، ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ كَافِرٌ، فَإِنَّ الْحَنَفِيَّةَ وَالْحَنَابِلَةَ قَالُوا: إِذَا أَمَّهُمْ زَمَانًا عَلَى أَنَّهُ مُسْلِمٌ، ثُمَّ ظَهَرَ أَنَّهُ كَانَ كَافِرًا، فَلَيْسَ عَلَيْهِمْ إِعَادَةُ الصَّلاَةِ، لأَِنَّهَا كَانَتْ مَحْكُومًا بِصِحَّتِهَا، وَخَبَرُهُ غَيْرُ مَقْبُولٍ فِي الدِّيَانَاتِ لِفِسْقِهِ بِاعْتِرَافِهِ. (٣)

وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: لَوْ بَانَ إِمَامُهُ كَافِرًا مُعْلِنًا، وَقِيل: أَوْ مُخْفِيًا، وَجَبَتِ الإِْعَادَةُ، لأَِنَّ الْمَأْمُومَ مُقَصِّرٌ بِتَرْكِ الْبَحْثِ. وَقَال الشِّرْبِينِيُّ: إِنَّ الأَْصَحَّ عَدَمُ وُجُوبِ الإِْعَادَةِ إِذَا كَانَ الإِْمَامُ مُخْفِيًا كُفْرَهُ. (٤)

وَمِثْلُهُ مَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ حَيْثُ قَالُوا: تَبْطُل الصَّلاَةُ بِالاِقْتِدَاءِ بِمَنْ كَانَ كَافِرًا، سَوَاءٌ أَكَانَتْ سِرِّيَّةً أَمْ جَهْرِيَّةً، وَسَوَاءٌ أَطَالَتْ مُدَّةُ صَلاَتِهِ إِمَامًا بِالنَّاسِ أَمْ لاَ.

وَصَرَّحَ الْحَنَابِلَةُ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، بِعَدَمِ

_________

(١) المغني ١ / ٤٠٣

(٢) مراقي الفلاح ص ١٥٦، ونهاية المحتاج ٢ / ١٥٧، والقوانين الفقهية لابن جزي ص ٤٨، وكشاف القناع ١ / ٤٧٥

(٣) الطحطاوي ص ١٥٧، وكشاف القناع ١ / ٤٧٥

(٤) مغني المحتاج ١ / ٢٤١، وجواهر الإكليل ١ / ٧٨

جَوَازِ إِمَامَةِ الْفَاسِقِ، وَهُوَ الَّذِي أَتَى بِكَبِيرَةٍ كَشَارِبِ خَمْرٍ وَزَانٍ وَآكِل الرِّبَا، أَوْ دَاوَمَ عَلَى صَغِيرَةٍ (١) . لَكِنَّ الْحَنَفِيَّةَ وَالشَّافِعِيَّةَ ذَهَبُوا إِلَى جَوَازِ إِمَامَةِ الْفَاسِقِ مَعَ الْكَرَاهَةِ، وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ إِذَا لَمْ يَتَعَلَّقْ فِسْقُهُ بِالصَّلاَةِ، وَإِلاَّ بَطَلَتْ عِنْدَهُمْ كَقَصْدِهِ الْكِبْرَ بِالإِْمَامَةِ، وَإِخْلاَلِهِ بِرُكْنٍ أَوْ شَرْطٍ أَوْ سُنَّةٍ عَمْدًا. (٢)

وَفِي صَلاَةِ الْجُمُعَةِ وَالْعِيدَيْنِ جَازَ إِمَامَةُ الْفَاسِقِ بِغَيْرِ كَرَاهَةٍ، مَعَ تَفْصِيلٍ يُنْظَرُ فِي مَوَاضِعِهِ.

ب - الْعَقْل:

٦ - يُشْتَرَطُ فِي الإِْمَامِ أَنْ يَكُونَ عَاقِلًا، وَهَذَا الشَّرْطُ أَيْضًا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ، فَلاَ تَصِحُّ إِمَامَةُ السَّكْرَانِ، وَلاَ إِمَامَةُ الْمَجْنُونِ الْمُطْبِقِ، وَلاَ إِمَامَةُ الْمَجْنُونِ غَيْرِ الْمُطْبِقِ حَال جُنُونِهِ، وَذَلِكَ لِعَدَمِ صِحَّةِ صَلاَتِهِمْ لأَِنْفُسِهِمْ فَلاَ تُبْنَى عَلَيْهَا صَلاَةُ غَيْرِهِمْ.

أَمَّا الَّذِي يُجَنُّ وَيَفِيقُ، فَتَصِحُّ إِمَامَتُهُ حَال إِفَاقَتِهِ. (٣)

ج - الْبُلُوغُ:

٧ - جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ (الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ) عَلَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ الإِْمَامَةِ فِي صَلاَةِ الْفَرْضِ أَنْ يَكُونَ الإِْمَامُ بَالِغًا، فَلاَ تَصِحُّ إِمَامَةُ مُمَيِّزٍ لِبَالِغٍ فِي فَرْضٍ عِنْدَهُمْ، لِمَا وَرَدَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: ﴿

_________

(١) كشاف القناع ١ / ٤٧٥، والمغني لابن قدامة ٢ / ١٨٥، ١٨٩، وجواهر الإكليل ١ / ٧٨

(٢) ابن عابدين ١ / ٣٧٦، وقليوبي ٣ / ٢٢٧، وجواهر الإكليل ١ / ٧٨

(٣) الطحطاوي على مراقي الفلاح ص ١٥٧، وجواهر الإكليل ص ٧٨، وكشاف القناع ١ / ٤٧٥، ٤٧٦

لاَ تُقَدِّمُوا صِبْيَانَكُمْ، (١) وَلأَِنَّهَا حَال كَمَالٍ وَالصَّبِيُّ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهَا، وَلأَِنَّ الإِْمَامَ ضَامِنٌ وَلَيْسَ هُوَ مِنْ أَهْل الضَّمَانِ، وَلأَِنَّهُ لاَ يُؤْمَنُ مَعَهُ الإِْخْلاَل بِالْقِرَاءَةِ حَال السِّرِّ.

وَاسْتَدَلُّوا كَذَلِكَ عَلَى عَدَمِ صِحَّةِ إِمَامَةِ الصَّبِيِّ لِلْبَالِغِ فِي الْفَرْضِ أَنَّ صَلاَةَ الصَّبِيِّ نَافِلَةٌ فَلاَ يَجُوزُ بِنَاءُ الْفَرْضِ عَلَيْهَا. (٢)

أَمَّا فِي غَيْرِ الْفَرْضِ كَصَلاَةِ الْكُسُوفِ أَوِ التَّرَاوِيحِ فَتَصِحُّ إِمَامَةُ الْمُمَيِّزِ لِلْبَالِغِ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ (الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَبَعْضِ الْحَنَفِيَّةِ) لأَِنَّهُ لاَ يَلْزَمُ مِنْهَا بِنَاءُ الْقَوِيِّ عَلَى الضَّعِيفِ.

وَالْمُخْتَارُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ عَدَمُ جَوَازِ إِمَامَةِ الْمُمَيِّزِ لِلْبَالِغِ مُطْلَقًا، سَوَاءٌ أَكَانَتْ فِي الْفَرَائِضِ أَمْ فِي النَّوَافِل، لأَِنَّ نَفْل الصَّبِيِّ ضَعِيفٌ لِعَدَمِ لُزُومِهِ بِالشُّرُوعِ، وَنَفْل الْمُقْتَدِي الْبَالِغِ قَوِيٌّ لاَزِمٌ مَضْمُونٌ عَلَيْهِ بَعْدَ الشُّرُوعِ. (٣)

وَلَمْ يَشْتَرِطِ الشَّافِعِيَّةُ فِي الإِْمَامِ أَنْ يَكُونَ بَالِغًا، فَتَصِحُّ إِمَامَةُ الْمُمَيِّزِ لِلْبَالِغِ عِنْدَهُمْ مُطْلَقًا، سَوَاءٌ أَكَانَتْ فِي الْفَرَائِضِ أَمِ النَّوَافِل، لِحَدِيثِ عَمْرِو بْنِ سَلَمَةَ أَنَّهُ كَانَ يَؤُمُّ قَوْمَهُ عَلَى عَهْدِ رَسُول اللَّهِ ﷺ وَهُوَ ابْنُ سِتِّ أَوْ سَبْعِ سِنِينَ (٤) لَكِنَّهُمْ قَالُوا: الْبَالِغُ أَوْلَى مِنَ الصَّبِيِّ، وَإِنْ كَانَ الصَّبِيُّ أَقْرَأَ أَوْ أَفْقَهَ، لِصِحَّةِ الاِقْتِدَاءِ بِالْبَالِغِ بِالإِْجْمَاعِ، وَلِهَذَا نَصَّ فِي

_________

(١) حديث: " لا تقدموا صبيانكم. . . " أخرجه الديلمي كما في كنز العمال (٧ / ٥٨٨ - ط مؤسسة الرسالة) وإسناده ضعيف جدا

(٢) الزيلعي ١ / ١٤٠، والطحطاوي على مراقي الفلاح ص ١٥٧، وجواهر الإكليل ١ / ٧٨، وكشاف القناع ١ / ٤٨٠

(٣) فتح القدير ١ / ٣١٠، ٣١١، وجواهر الإكليل ١ / ٧٨، وكشاف القناع ١ / ٤٨٠، والزيلعي ١ / ١٤٠

(٤) حديث عمرو بن سلمة " أنه كان يؤم قومه. . . ". أخرجه البخاري (الفتح ٨ / ٢٢ - ط السلفية)

الْبُوَيْطِيِّ عَلَى كَرَاهَةِ الاِقْتِدَاءِ بِالصَّبِيِّ.

أَمَّا إِمَامَةُ الْمُمَيِّزِ لِمِثْلِهِ فَجَائِزَةٌ فِي الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ وَغَيْرِهَا عِنْدَ جَمِيعِ الْفُقَهَاءِ. (١)

د - الذُّكُورَةُ:

٨ - يُشْتَرَطُ لإِمَامَةِ الرِّجَال أَنْ يَكُونَ الإِْمَامُ ذَكَرًا، فَلاَ تَصِحُّ إِمَامَةُ الْمَرْأَةِ لِلرِّجَال، وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ، لِمَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: أَخِّرُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَخَّرَهُنَّ اللَّهُ (٢) وَالأَْمْرُ بِتَأْخِيرِهِنَّ نَهْيٌ عَنِ الصَّلاَةِ خَلْفَهُنَّ. وَلِمَا رَوَى جَابِرٌ مَرْفُوعًا: لاَ تَؤُمَّنَّ امْرَأَةٌ رَجُلًا (٣) وَلأَِنَّ فِي إِمَامَتِهَا لِلرِّجَال افْتِتَانًا بِهَا.

أَمَّا إِمَامَةُ الْمَرْأَةِ لِلنِّسَاءِ فَجَائِزَةٌ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ (وَهُمُ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ) وَاسْتَدَل الْجُمْهُورُ لِجَوَازِ إِمَامَةِ الْمَرْأَةِ لِلنِّسَاءِ بِحَدِيثِ أُمِّ وَرَقَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَذِنَ لَهَا أَنْ تَؤُمَّ نِسَاءَ أَهْل دَارِهَا. (٤)

لَكِنْ كَرِهَ الْحَنَفِيَّةُ إِمَامَتَهَا لَهُنَّ، لأَِنَّهَا لاَ تَخْلُو عَنْ نَقْصٍ وَاجِبٍ أَوْ مَنْدُوبٍ، فَإِنَّهُ يُكْرَهُ لَهُنَّ الأَْذَانُ وَالإِْقَامَةُ، وَيُكْرَهُ تَقَدُّمُ الْمَرْأَةِ الإِْمَامِ عَلَيْهِنَّ. فَإِذَا صَلَّتِ النِّسَاءُ صَلاَةَ الْجَمَاعَةِ بِإِمَامَةِ امْرَأَةٍ وَقَفَتِ الْمَرْأَةُ

_________

(١) نهاية المحتاج ٢ / ١٦٨، والمراجع السابقة

(٢) حديث: " أخروهن من حيث أخرهن الله " أخرجه عبد الرزاق من حديث ابن مسعود موقوفا عليه (مصنف عبد الرزاق ٣ / ١٤٩ - ط المكتب الإسلامي) وصححه ابن حجر في الفتح (١ / ٤٠٠ - ط السلفية)

(٣) حديث: " لا تؤمن امرأة رجلا " أخرجه ابن ماجه (١ / ٣٤٣ - ط الحلبي) وقال البوصيري في الزوائد: إسناده ضعيف لضعف علي بن زيد بن جدعان وعبد الله بن محمد العدوي

(٤) حديث أم ورقة " أن النبي ﷺ أذن لها أن تؤم نساء أهل دارها. . . " أخرجه أبو داود (١ / ٣٩٧ - ط عزت عبيد دعاس) وأحمد (٦ / ٤٠٥ - ط الميمنية) وهو حديث حسن. (التلخيص لابن حجر ٢ / ٢٧ - ط دار المحاسن)

الإِْمَامُ وَسْطَهُنَّ. (١)

أَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فَلاَ تَجُوزُ إِمَامَةُ الْمَرْأَةِ عِنْدَهُمْ مُطْلَقًا وَلَوْ لِمِثْلِهَا فِي فَرْضٍ أَوْ نَفْلٍ.

وَلاَ تَصِحُّ إِمَامَةُ الْخُنْثَى لِلرِّجَال وَلاَ لِمِثْلِهَا بِلاَ خِلاَفٍ، لاِحْتِمَال أَنْ تَكُونَ امْرَأَةً وَالْمُقْتَدِي رَجُلًا، وَتَصِحُّ إِمَامَتُهَا لِلنِّسَاءِ مَعَ الْكَرَاهَةِ أَوْ بِدُونِهَا عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ، خِلاَفًا لِلْمَالِكِيَّةِ حَيْثُ صَرَّحُوا بِعَدَمِ جَوَازِهَا مُطْلَقًا. (٢)

هـ - الْقُدْرَةُ عَلَى الْقِرَاءَةِ:

٩ - يُشْتَرَطُ فِي الإِْمَامِ أَنْ يَكُونَ قَادِرًا عَلَى الْقِرَاءَةِ وَحَافِظًا مِقْدَارَ مَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ صِحَّةُ الصَّلاَةِ عَلَى تَفْصِيلٍ يُذْكَرُ فِي مُصْطَلَحِ (قِرَاءَة) . (٣)

وَهَذَا الشَّرْطُ إِنَّمَا يُعْتَبَرُ إِذَا كَانَ بَيْنَ الْمُقْتَدِينَ مَنْ يَقْدِرُ عَلَى الْقِرَاءَةِ، فَلاَ تَصِحُّ إِمَامَةُ الأُْمِّيِّ لِلْقَارِئِ، وَلاَ إِمَامَةُ الأَْخْرَسِ لِلْقَارِئِ أَوِ الأُْمِّيِّ، لأَِنَّ الْقِرَاءَةَ رُكْنٌ مَقْصُودٌ فِي الصَّلاَةِ، فَلَمْ يَصِحَّ اقْتِدَاءُ الْقَادِرِ عَلَيْهِ بِالْعَاجِزِ عَنْهُ، وَلأَِنَّ الإِْمَامَ ضَامِنٌ وَيَتَحَمَّل الْقِرَاءَةَ عَنِ الْمَأْمُومِ، وَلاَ يُمْكِنُ ذَلِكَ فِي الأُْمِّيِّ، وَلِتَفْصِيل الْمَسْأَلَةِ (ر: اقْتِدَاء) .

أَمَّا إِمَامَةُ الأُْمِّيِّ لِلأُْمِّيِّ وَالأَْخْرَسِ فَجَائِزَةٌ، وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ. (٤)

هَذَا، وَتُكْرَهُ إِمَامَةُ الْفَأْفَاءِ (وَهُوَ مَنْ يُكَرِّرُ الْفَاءَ) وَالتَّمْتَامِ (وَهُوَ مَنْ يُكَرِّرُ التَّاءَ) وَاللاَّحِنِ لَحْنًا غَيْرَ

_________

(١) جواهر الإكليل ١ / ٧٨، والاختيار ١ / ٥٩، ومراقي الفلاح ص ١٥٧، والدسوقي ١ / ٣٢٦، وابن عابدين ١ / ٣٨٨، والخرشي ٢ / ٢٢، ونهاية المحتاج ٢ / ١٦٧، ١٨٧، وكشاف القناع ١ / ٤٧٩، ٤٨٠

(٢) الدسوقي ١ / ٣٢٦، وجواهر الإكليل ١ / ٧٨

(٣) المراجع السابقة

(٤) الدسوقي ١ / ٣٢٨، ومراقي الفلاح ص١٥٧، وكشاف القناع ١ / ٤٨٠، ٤٨١، ونهاية المحتاج ٢ / ١٦٣، ١٦٤