الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٦ الصفحة 38

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٦

الْوِلاَيَةِ الْعَامَّةِ مِنَ الْخَلِيفَةِ فَمَنْ دُونَهُ (١) .

الشُّرُوطُ الْمُعْتَبَرَةُ فِي أُولِي الأَْمْرِ إِجْمَالًا:

٤ - يُشْتَرَطُ فِيمَنْ يُوَلَّى الْخِلاَفَةَ - وَهِيَ أَعْلَى دَرَجَاتِ أُولِي الأَْمْرِ: الإِْسْلاَمُ، وَالْحُرِّيَّةُ، وَالْبُلُوغُ، وَالْعَقْل، وَالذُّكُورَةُ، وَالْعِلْمُ، وَالْعَدَالَةُ بِشُرُوطِهَا الْجَامِعَةِ، وَالْكِفَايَةُ.

فَالْعِلْمُ يُقْصَدُ بِهِ: الْعِلْمُ الْمُؤَدِّي إِلَى التَّصَرُّفِ الْمَشْرُوعِ فِي الأُْمُورِ الْعَامَّةِ.

وَالْعَدَالَةُ يُقْصَدُ بِهَا هَاهُنَا: الاِسْتِقَامَةُ فِي السِّيرَةِ وَالتَّجَنُّبُ لِلْمَعَاصِي.

وَالْكِفَايَةُ يُقْصَدُ بِهَا: أَنْ يَكُونَ قَادِرًا عَلَى إِقَامَةِ الْحُدُودِ، بَصِيرًا بِالْحُرُوبِ، كَفِيلًا بِحَمْل النَّاسِ عَلَيْهَا، مَعَ سَلاَمَةِ الْحَوَاسِّ كَالسَّمْعِ وَالْبَصَرِ وَاللِّسَانِ، لِيَصِحَّ مَعَهَا مُبَاشَرَةُ مَا يُدْرَكُ بِهَا، وَالْمَقْصُودُ سَلاَمَتُهَا مِمَّا يُؤَثِّرُ فِي الرَّأْيِ وَالْعَقْل، وَمِنْ سَلاَمَةِ الأَْعْضَاءِ مِنْ نَقْصٍ يَمْنَعُ عَنِ اسْتِيفَاءِ الْحَرَكَةِ وَسُرْعَةِ النُّهُوضِ، وَالْمَقْصُودُ سَلاَمَتُهَا مِمَّا يُؤَثِّرُ فِي الرَّأْيِ وَالْعَمَل، وَيَكُونُ مُتَّصِفًا بِالشَّجَاعَةِ وَالنَّجْدَةِ الْمُؤَدِّيَةِ إِلَى حِمَايَةِ الْبَيْضَةِ، وَجِهَادِ الْعَدُوِّ، وَأَنْ يَكُونَ ذَا رَأْيٍ يُؤَهِّلُهُ لِسِيَاسَةِ الرَّعِيَّةِ، وَتَدْبِيرِ الْمَصَالِحِ، قَيِّمًا بِأَمْرِ الْحَرْبِ وَالسِّيَاسَةِ وَإِقَامَةِ الْحُدُودِ، لاَ تَلْحَقُهُ رَأْفَةٌ فِي ذَلِكَ. (٢)

_________

(١) لسان العرب ٣ / ٩٨٥، مادة " ولي "، والتعريفات الفقهية ص ٥٢٨، وحاشية ابن عابدين ٣ / ٥٤ - ٥٦ ط مصطفى الحلبي بمصر، وحاشية الدسوقي ٢ / ٣٢١ وما بعدها، ونهاية المحتاج ٦ / ٢٢٢ - ٢٦٣

(٢) الأحكام السلطانية لأبي يعلى ص ٤، ٦، ٢٠ وما بعدها ط الحلبي بمصر، والأحكام السلطانية للماوردي ص ٥، ٦ ط بيروت / لبنان، ومقدمة ابن خلدون ٥٢٢، ٥٢٤، ومنتهى الإرادات ٢ / ٤٩٥، وشرح العقائد النسفية ص ١٨٥، والمغني في أبواب التوحيد ج ٢٠ - القسم الأول ص ٢٠١، ٢٠٧ - ٢١٥، ورد المحتار على الدر المختار ١ / ٣٦٨، وحاشية الدسوقي ١ / ٣٢٥ وما بعدها، وشرح المنهاج ٤ / ١٧٢، ١٧٣، ٢١٧ ط مصطفى الحلبي بمصر

أَمَّا مَنْ دُونَ الْخَلِيفَةِ مِنْ أُولِي الأَْمْرِ فَلَهُمْ شُرُوطٌ أَقَل مِمَّا ذُكِرَ، بِحَسَبِ مَا يَلُونَهُ مِنْ أُمُورِ الْمُسْلِمِينَ، وَتُعْرَفُ فِي أَبْوَابِ الْقَضَاءِ وَالْجِهَادِ وَنَحْوِهِمَا. (١) وَمَرْجِعُهَا إِلَى تَوَافُرِ الْقُوَّةِ وَالأَْمَانَةِ. قَال اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَْمِينُ﴾ . (٢)

٥ - مَا يَجِبُ لأُِولِي الأَْمْرِ عَلَى الرَّعِيَّةِ:

(١) - (طَاعَةُ أُولِي الأَْمْرِ):

دَلَّتِ النُّصُوصُ مِنَ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ عَلَى وُجُوبِ طَاعَةِ أُولِي الأَْمْرِ، وَأَنَّ مَعْصِيَتَهُمْ حَرَامٌ، وَلَكِنَّ الطَّاعَةَ الْوَاجِبَ عَلَى الأُْمَّةِ التَّقَيُّدُ بِهَا لَيْسَتْ طَاعَةً مُطْلَقَةً. وَإِنَّمَا هِيَ طَاعَةٌ فِي حُدُودِ الشَّرْعِ.

وَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِالطَّاعَةِ لأُِولِي الأَْمْرِ فِي قَوْلِهِ ﷿: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُول وَأُولِي الأَْمْرِ مِنْكُمْ﴾ (٣) وَتُسَمَّى هَذِهِ الآْيَةُ (آيَةَ الأُْمَرَاءِ) .

وَالطَّاعَةُ أَمْرٌ أَسَاسِيٌّ لِوُجُودِ الاِنْضِبَاطِ فِي الدَّوْلَةِ.

وَالطَّاعَةُ: امْتِثَال الأَْمْرِ. وَهِيَ مَأْخُوذَةٌ مِنْ أَطَاعَ إِذَا انْقَادَ.

وَوُجُوبُ طَاعَةِ اللَّهِ وَطَاعَةِ رَسُولِهِ مُسْتَفَادٌ مِنْ قَوْله تَعَالَى ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُول﴾ لأَِنَّ

_________

(١) السياسة الشرعية لابن تيمية

(٢) سورة القصص / ٢٦

(٣) سورة النساء / ٥٩

أَطِيعُوا) أَمْرٌ، وَالأَْمْرُ يَتَعَيَّنُ لِلْوُجُوبِ إِذَا حَفَّتْ بِهِ قَرِينَةٌ تَصْرِفُ إِلَيْهِ، وَقَدْ تَضَمَّنَ النَّصُّ قَرِينَةً جَازِمَةً تَصْرِفُ الأَْمْرَ إِلَى الْوُجُوبِ، وَذَلِكَ بِرَبْطِ الطَّاعَةِ بِالإِْيمَانِ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الآْخِرِ أَيْ حَقِيقَةً (١) .

وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَمَرَ بِالطَّاعَةِ طَاعَةً مُطْلَقَةً غَيْرَ مُقَيَّدَةٍ، ثُمَّ جَاءَتِ السُّنَّةُ تُقَيِّدُ الطَّاعَةَ بِمَا لاَ يَكُونُ مَعْصِيَةً، فَعَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: عَلَى الْمَرْءِ الْمُسْلِمِ الطَّاعَةُ فِيمَا أَحَبَّ وَكَرِهَ، إِلاَّ أَنْ يُؤْمَرَ بِمَعْصِيَةٍ، فَإِذَا أُمِرَ بِمَعْصِيَةٍ فَلاَ سَمْعَ وَلاَ طَاعَةَ. (٢)

وَعَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: لاَ طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ (٣) وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ مَنْ أَطَاعَنِي فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ، وَمَنْ أَطَاعَ أَمِيرِي فَقَدْ أَطَاعَنِي، وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ عَصَى اللَّهَ، وَمَنْ عَصَى أَمِيرِي فَقَدْ عَصَانِي (٤)

_________

(١) تفسير الطبري ٥ / ١٤٧، ١٤٨، وأحكام القرآن لابن العربي ١ / ٢٥١، ٢٥٢، والقرطبي ٥ / ٢٥٩، ٢٦١، وروح المعاني للألوسي ٥ / ٦٥، ٦٦، ورد المحتار ١ / ٥٥٩، ٣ / ٣١١، ٤ / ٣٤٤، والأحكام السلطانية للماوردي ص ١٧، والأحكام السلطانية لأبي يعلى ص ٣٠

(٢) حديث: " على المرء المسلم الطاعة فيما أحب وكره، إلا أن يؤمر بمعصية، فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة. . . " أخرجه البخاري (الفتح ١٣ / ١٢١ ط السلفية) ومسلم (٣ / ١٤٦٩ - ط الحلبي)

(٣) حديث: " لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. . . " أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٥ / ٢٢٦ - ط القدسي) بلفظ: " لا طاعة في معصية الله ﵎ " وقال: رواه أحمد بألفاظ والطبراني وفي بعض طرقه: ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، ورجال أحمد رجال الصحيح

(٤) حديث: " من أطاعني فقد أطاع الله، ومن أطاع أميري فقد أطاعني، ومن عصاني. . . " أخرجه البخاري (الفتح ١٣ / ١١١ ط السلفية) ومسلم (٣ / ١٤٦٦ - ط الحلبي)

وَيَقُول الطَّبَرِيُّ: إِنَّ الَّذِينَ أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِطَاعَتِهِمْ فِي الآْيَةِ (وَأُولِي الأَْمْرِ مِنْكُمْ) هُمُ الأَْئِمَّةُ وَمَنْ وَلاَّهُ الْمُسْلِمُونَ دُونَ غَيْرِهِمْ مِنَ النَّاسِ. (١)

(٢) أَنْ يُفَوِّضُوا الأَْمْرَ إِلَيْهِمْ وَإِلَى أَهْل الْعِلْمِ بِالدِّينِ وَأَهْل الْخِبْرَةِ وَيَكِلُوهُ إِلَى تَدْبِيرِهِمْ، حَتَّى لاَ تَخْتَلِفَ الآْرَاءُ. (٢) قَال اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُول وَإِلَى أُولِي الأَْمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ . (٣)

(٣) النُّصْرَةُ لأُِولِي الأَْمْرِ فِي غَيْرِ الْمَعْصِيَةِ.

(٤) النُّصْحُ لَهُمْ: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: الدِّينُ النَّصِيحَةُ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِكِتَابِهِ وَلأَِئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ. (٤)

وَاجِبَاتُ أُولِي الأَْمْرِ:

٦ - يَجِبُ عَلَيْهِمُ التَّصَرُّفُ بِمَا فِيهِ الْمَصْلَحَةُ الْعَامَّةُ لِلْمُسْلِمِينَ، كُلٌّ فِي مَجَالِهِ وَبِحَسَبِ سُلْطَتِهِ. وَفِي ذَلِكَ الْقَاعِدَةُ الشَّرْعِيَّةُ " التَّصَرُّفُ عَلَى الرَّعِيَّةِ مَنُوطٌ بِالْمَصْلَحَةِ " وَبِالتَّفْصِيل مَا يَلِي:

(١) حِفْظُ الدِّينِ عَلَى أُصُولِهِ الْمُسْتَقِرَّةِ وَمَا أَجْمَعَ عَلَيْهِ سَلَفُ الأُْمَّةِ، فَإِنْ زَاغَ ذُو شُبْهَةٍ عَنْهُ أَوْضَحَ لَهُ الْحُجَّةَ، وَبَيَّنَ لَهُ الصَّوَابَ، وَأَخَذَهُ بِمَا يَلْزَمُهُ مِنَ

_________

(١) فتح الباري ١٣ / ١١١، ١١٢، ورد المحتار على الدر المختار ١ / ٥٥٩، ٣ / ٢٣٤، ٣ / ٣١٠، وشرح المنهاج ٤ / ٢١٧، وتفسير الطبري ٨ / ٤٩٥ وما بعدها

(٢) الأحكام السلطانية لأبي يعلى ص ٣١

(٣) سورة النساء / ٨٣

(٤) الأحكام السلطانية لأبي يعلى ص ١٢، ٣١، والأحكام السلطانية للماوردي ص١٧. وحديث: " الدين النصيحة " أخرجه مسلم (١ / ٧٤ - ط الحلبي)

الْحُقُوقِ وَالْحُدُودِ، لِيَكُونَ الدِّينُ مَحْرُوسًا مِنَ الْخَلَل، وَالأُْمَّةُ مَمْنُوعَةً مِنَ الزَّلَل.

(٢) تَنْفِيذُ الأَْحْكَامِ بَيْنَ الْمُتَشَاجِرِينَ وَقَطْعُ الْخِصَامِ بَيْنَهُمْ، حَتَّى تَظْهَرَ النَّصَفَةُ، فَلاَ يَتَعَدَّى ظَالِمٌ وَلاَ يَضْعُفُ مَظْلُومٌ.

(٣) حِمَايَةُ الدَّوْلَةِ وَالذَّبُّ عَنِ الْحَوْزَةِ، لِيَتَصَرَّفَ النَّاسُ فِي الْمَعَايِشِ، وَيَنْتَشِرُوا فِي الأَْسْفَارِ آمَنِينَ.

(٤) إِقَامَةُ الْحُدُودِ، لِتُصَانَ مَحَارِمُ اللَّهِ تَعَالَى عَنِ الاِنْتِهَاكِ، وَتُحْفَظَ حُقُوقُ عِبَادِهِ مِنْ إِتْلاَفٍ وَاسْتِهْلاَكٍ.

(٥) تَحْصِينُ الثُّغُورِ بِالْعُدَّةِ الْمَانِعَةِ وَالْقُوَّةِ الدَّافِعَةِ، حَتَّى لاَ يَظْفَرَ الأَْعْدَاءُ بِثُغْرَةٍ يَنْتَهِكُونَ بِهَا مَحْرَمًا، وَيَسْفِكُونَ فِيهَا دَمًا لِمُسْلِمٍ أَوْ مُعَاهَدٍ.

(٦) جِهَادُ مَنْ عَانَدَ الإِْسْلاَمَ بَعْدَ الدَّعْوَةِ حَتَّى يُسْلِمَ، أَوْ يَدْخُل فِي الذِّمَّةِ.

(٧) قِتَال أَهْل الْبَغْيِ وَالْمُحَارِبِينَ وَقُطَّاعِ الطَّرِيقِ، وَتَوْقِيعُ الْمُعَاهَدَاتِ وَعُقُودِ الذِّمَّةِ وَالْهُدْنَةِ وَالْجِزْيَةِ. (١)

وَالتَّفْصِيل مَوْطِنُهُ مُصْطَلَحُ (الإِْمَامَةُ الْكُبْرَى) .

(٨) تَعْيِينُ الْوُزَرَاءِ، وَوِلاَيَتُهُمْ عَامَّةٌ فِي الأَْعْمَال الْعَامَّةِ لأَِنَّهُمْ يُسْتَنَابُونَ فِي جَمِيعِ الأُْمُورِ مِنْ غَيْرِ تَخْصِيصٍ.

(٩) تَعْيِينُ الأُْمَرَاءِ (الْمُحَافِظِينَ) لِلأَْقَالِيمِ، وَوِلاَيَتُهُمْ عَامَّةٌ فِي أَعْمَالٍ خَاصَّةٍ، لأَِنَّ النَّظَرَ فِيمَا خُصُّوا بِهِ مِنَ الأَْعْمَال عَامٌّ فِي جَمِيعِ الأُْمُورِ.

_________

(١) الأحكام السلطانية لأبي يعلى ص ١١، ١٢، ١٣ وما بعدها، والأحكام السلطانية للماوردي ص ١٥، ١٦، ٣٠، ٣٥ وما بعدها، ورد المحتار على الدر المختار ٣ / ١٥٨، ٢١٢، ٢١٨، ٣١١ وما بعدها، جواهر الإكليل ١ / ٢٦٩، ٢ / ٢٨٦، وشرح المنهاج ٤ / ١٧١، ٢١٧، والمغني لابن قدامة ٢ / ٢٥٢، ٣٦١، ٣٤٧ و٨ / ٢٨٧

(١٠) تَعْيِينُ الْقُضَاةِ وَأُمَرَاءِ الْحَجِّ، وَرُؤَسَاءِ الْجَيْشِ، وَوِلاَيَتُهُمْ خَاصَّةٌ فِي الأَْعْمَال الْعَامَّةِ، لأَِنَّ كُل وَاحِدٍ مِنْهُمْ مَقْصُورٌ عَلَى نَظَرٍ خَاصٍّ فِي جَمِيعِ الأَْعْمَال. وَكَذَا تَعْيِينُ الأَْئِمَّةِ لِلصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ وَالْجُمُعَةِ، وَلِكُل وَاحِدٍ مِنْ هَؤُلاَءِ شُرُوطٌ تَنْعَقِدُ بِهَا وِلاَيَتُهُ.

(١١) تَقْدِيرُ الْعَطَاءِ وَمَا يُسْتَحَقُّ مِنْ بَيْتِ الْمَال (الْمِيزَانِيَّةُ الْعَامَّةُ) مِنْ غَيْرِ سَرَفٍ وَلاَ تَقْصِيرٍ فِيهِ. (١) وَالتَّفْصِيل مَوْطِنُهُ مُصْطَلَحُ (الإِْمَامَةُ الْكُبْرَى) .

(١٢) اسْتِكْفَاءُ الأُْمَنَاءِ، وَتَقْلِيدُ النُّصَحَاءِ فِيمَا يُفَوَّضُ إِلَيْهِمْ مِنَ الأَْعْمَال، وَيَكِلُهُ إِلَيْهِمْ مِنَ الأَْمْوَال، لِتَكُونَ الأَْعْمَال مَضْبُوطَةً وَالأَْمْوَال مَحْفُوظَةً.

(١٣) أَنْ يُبَاشِرَ بِنَفْسِهِ أَوْ بِأَعْوَانِهِ الْمَوْثُوقِ بِهِمْ مُشَارَفَةَ الأُْمُورِ، وَتَصَفُّحَ الأَْحْوَال لِيَنْهَضَ بِسِيَاسَةِ الأُْمَّةِ. (٢)

(١٤) مُشَاوَرَةُ ذَوِي الرَّأْيِ: وَتُعْتَبَرُ الْمُشَاوَرَةُ مَبْدَأً مِنْ أَهَمِّ الْمَبَادِئِ الإِْسْلاَمِيَّةِ، وَقَاعِدَةً مِنْ أَهَمِّ الْقَوَاعِدِ الأَْسَاسِيَّةِ فِي الْوِلاَيَاتِ الْعَامَّةِ. وَقَدْ جَاءَتِ الدَّعْوَةُ إِلَى الشُّورَى صَرِيحَةً فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ فِي آيَتَيْنِ مِنْهُ الأُْولَى: قَوْله تَعَالَى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَْمْرِ﴾ . (٣)

_________

(١) الأحكام السلطانية للماوردي ص ٦٥، ١٠٨، ورد المحتار على الدر المختار ٤ / ٢٩٧، ٣٠٨، وشرح المنهاج ٤ / ٢٩٥، والمغني لابن قدامة ٩ / ٣٨، ١٠٦، والأحكام السلطانية لأبي يعلى ٧٨، ٩٢

(٢) الأحكام السلطانية لأبي يعلى ص ١٢، والأحكام السلطانية للماوردي ص ١٦

(٣) سورة آل عمران / ١٥٩

وَالثَّانِيَةُ: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَاَلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ . (١)

وَالتَّفْصِيل مَوْطِنُهُ (إِمَامَةٌ كُبْرَى) .

أَلْيَةٌ

التَّعْرِيفُ:

١ - الأَْلْيَةُ: هِيَ الْعَجِيزَةُ، أَوْ مَا رَكِبَ الْعَجُزَ مِنْ لَحْمٍ وَشَحْمٍ. (٢)

وَلاَ يَخْتَلِفُ الْمَعْنَى عِنْدَ الْفُقَهَاءِ عَنْ ذَلِكَ، فَقَدْ قَالُوا: إِنَّهَا اللَّحْمُ النَّاتِئُ بَيْنَ الظَّهْرِ وَالْفَخِذِ. (٣)

وَالْفَخِذُ يَلِي الرُّكْبَةَ، وَفَوْقَهُ الْوَرِكُ، وَفَوْقَهُ الأَْلْيَةُ (٤) .

الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ وَمَوَاطِنُ الْبَحْثِ:

٢ - يَتَعَلَّقُ بِالأَْلْيَةِ عِدَّةُ أَحْكَامٍ فِي مَوَاضِعَ مُتَفَرِّقَةٍ مِنْ أَبْوَابِ الْفِقْهِ مِنْهَا:

أ - فِي نَوَاقِضِ الْوُضُوءِ: يَرَى الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ أَنَّ الْمُتَوَضِّئَ إِذَا نَامَ وَمَكَّنَ أَلْيَتَهُ مِنَ الأَْرْضِ فَلاَ يَنْتَقِضُ وُضُوءُهُ، لأَِمْنِ خُرُوجِ مَا يُنْتَقَضُ بِهِ وُضُوءُهُ.

_________

(١) سورة الشورى / ٣٨ وانظر تفسير الطبري ٤ / ١٥٢، ٢٤٩، الأحكام السلطانية للماوردي ص ٤٣، ٤٤، والسياسة الشرعية لابن تيمية ص ١٣٥، ١٣٦

(٢) ترتيب القاموس، ولسان العرب المحيط مادة: " ألى "

(٣) الجمل على المنهج ٥ / ٣٣، والمغني ٧ / ٧١٥ ط الرياض

(٤) المخصص لابن سيده ٢ / ٤١ و٤٤

وَلَمْ يَعْتَبِرِ الْمَالِكِيَّةُ هَيْئَةَ النَّائِمِ، بَل الْمُعْتَبَرُ عِنْدَهُمْ صِفَةُ النَّوْمِ وَحْدَهَا ثِقَلًا أَوْ خِفَّةً، وَالْحَنَابِلَةُ يَنْظُرُونَ إِلَى صِفَةِ النَّوْمِ وَهَيْئَةِ النَّائِمِ مَعًا، فَمَتَى كَانَ النَّائِمُ مُمَكِّنًا مَقْعَدَتَهُ مِنَ الأَْرْضِ فَلاَ يَنْقُضُ إِلاَّ النَّوْمُ الْكَثِيرُ. (١)

ب - فِي الأُْضْحِيَّةِ: يَخْتَلِفُ الْفُقَهَاءُ فِي إِجْزَاءِ الشَّاةِ إِنْ كَانَتْ دُونَ أَلْيَةٍ، وَتُسَمَّى الْبَتْرَاءَ أَوْ مَقْطُوعَةَ الذَّنَبِ، وَلَهُمْ فِي ذَلِكَ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ:

الأَْوَّل: عَدَمُ الإِْجْزَاءِ مُطْلَقًا، وَهُوَ قَوْل الْمَالِكِيَّةِ. (٢)

الثَّانِي: الإِْجْزَاءُ إِنْ كَانَتْ مَخْلُوقَةً دُونَ أَلْيَةٍ، أَمَّا مَقْطُوعَةُ الأَْلْيَةِ فَإِنَّهَا لاَ تُجْزِئُ، وَهُوَ الأَْصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ. (٣)

الثَّالِثُ: التَّفْرِيقُ بَيْنَ مَا إِذَا قُطِعَ الأَْكْثَرُ أَوِ الأَْقَل، فَإِنْ قُطِعَ الأَْكْثَرُ تُجْزِئُ، وَتُجْزِئُ إِنْ بَقِيَ الأَْكْثَرُ، لأَِنَّ لِلأَْكْثَرِ حُكْمَ الْكُل بَقَاءً وَذَهَابًا، وَهُوَ قَوْل الْحَنَفِيَّةِ. (٤)

الرَّابِعُ: الإِْجْزَاءُ مُطْلَقًا. وَهُوَ قَوْل الْحَنَابِلَةِ.

وَمِمَّنْ كَانَ لاَ يَرَى بَأْسًا بِالْبَتْرَاءِ: ابْنُ عُمَرَ وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَالْحَسَنُ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَالْحَكَمُ (٥) .

ج - وَفِي الْجِنَايَةِ عَلَى الأَْلْيَةِ عَمْدًا الْقِصَاصُ عِنْدَ

_________

(١) حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح ٤٩، والدسوقي ١ / ١١٨ و١١٩، والقليوبي ١ / ٣٢ ط الحلبي، والمغني ١ / ١٧٥

(٢) الخرشي ٣ / ٣٥، ٣٦ نشر دار صادر

(٣) الروضة ٣ / ١٩٦ ط المكتب الإسلامي

(٤) تبيين الحقائق ٦ / ٥

(٥) المغني ٨ / ٦٢٥، ٦٢٦

جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ، لأَِنَّ لَهَا حَدًّا تَنْتَهِي إِلَيْهِ. (١)

وَقَال الْمُزَنِيُّ: لاَ قِصَاصَ فِيهَا، لأَِنَّهَا لَحْمٌ مُتَّصِلٌ بِلَحْمٍ، فَأَشْبَهَ لَحْمَ الْفَخِذِ. (٢)

فَإِنْ كَانَتِ الْجِنَايَةُ خَطَأً فَفِي الأَْلْيَةِ نِصْفُ دِيَةٍ وَفِي الأَْلْيَتَيْنِ الدِّيَةُ الْكَامِلَةُ عِنْدَ أَغْلَبِ الْفُقَهَاءِ. (٣)

وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: فِي الأَْلْيَةِ حُكُومَةُ عَدْلٍ، سَوَاءٌ أَكَانَتْ أَلْيَةَ رَجُلٍ أَمْ أَلْيَةَ امْرَأَةٍ، هَذَا بِاسْتِثْنَاءِ أَشْهَبَ، فَإِنَّهُ فَرَّقَ بَيْنَ أَلْيَةِ الرَّجُل وَأَلْيَةِ الْمَرْأَةِ، فَأَوْجَبَ فِي الأُْولَى حُكُومَةً، وَفِي الثَّانِيَةِ الدِّيَةَ، لأَِنَّهَا أَعْظَمُ عَلَى الْمَرْأَةِ مِنْ ثَدْيِهَا. (٤)

وَبِالإِْضَافَةِ إِلَى الْمَوَاضِعِ السَّابِقَةِ يَتَكَلَّمُ الْفُقَهَاءُ عَنْهَا عِنْدَ الاِفْتِرَاشِ فِي قَعَدَاتِ الصَّلاَةِ، وَعِنْدَ التَّوَرُّكِ. (٥)

وَفِي تَكْفِينِ الْمَيِّتِ يَتَكَلَّمُونَ عَنْ شَدِّ الأَْلْيَيْنِ غَرْفَةً بَعْدَ وَضْعِ قُطْنٍ بَيْنَهُمَا، لِيُؤْمَنَ مِنْ خُرُوجِ شَيْءٍ مِنَ الْمَيِّتِ. (٦)

أَلِيَّةٌ

انْظُرْ: أَيْمَان.

_________

(١) الفتاوى البزازية بهامش الهندية ٦ / ٢٩٣ ط بولاق، والزرقاني على خليل ٨ / ٤٠ نشر دار الفكر، والجمل على المنهج ٥ / ٣٣، والمغني ٧ / ٧١٥

(٢) المغني ٧ / ٧١٥

(٣) الفتاوى البزازية ٦ / ٢٩٣ ط بولاق، والجمل على المنهج ٥ / ٧٠، المغني ٨ / ٣١

(٤) الزرقاني على خليل ٨ / ٤٠

(٥) جواهر الإكليل ١ / ٥١، والجمل على المغني ١ / ٣٨٣

(٦) القليوبي ١ / ٣٢٩، والمغني ٢ / ٤٦٦

إِمَاءٌ

انْظُرْ: رِقّ.

(

أَمَارَةٌ

التَّعْرِيفُ:

١ - الأَْمَارَةُ لُغَةً: الْعَلاَمَةُ. (١)

وَهِيَ عِنْدَ الأُْصُولِيِّينَ: الدَّلِيل الظَّنِّيُّ، وَهُوَ مَا يُمْكِنُ التَّوَصُّل بِصَحِيحِ النَّظَرِ فِيهِ إِلَى مَطْلُوبٍ خَبَرِيٍّ ظَنِّيٍّ (٢) .

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ

: أ - الدَّلِيل:

٢ - الدَّلِيل: هُوَ مَا يُتَوَصَّل بِصَحِيحِ النَّظَرِ فِيهِ إِلَى مَطْلُوبٍ خَبَرِيٍّ قَطْعِيٍّ أَوْ ظَنِّيٍّ. وَقَدْ يُخَصُّ بِالْقَطْعِيِّ (٣) .

_________

(١) لسان العرب المحيط (أمر) . كشاف اصطلاحات الفنون ١ / ٧٢

(٢) مسلم الثبوت ١ / ٢٠، وتسهيل الوصول إلى علم الأصول ص ١٢، والتقرير والتحبير ٣ / ١٨٤، وتيسير التحرير ٤ / ٢٩ ط صبيح

(٣) مسلم الثبوت ١ / ٢٠