الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٦
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الإِْبْطَال:
٢ - الإِْبْطَال فِي اللُّغَةِ: إِفْسَادُ الشَّيْءِ وَإِزَالَتُهُ حَقًّا كَانَ ذَلِكَ الشَّيْءُ أَوْ بَاطِلًا (١)، قَال اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِل الْبَاطِل﴾ . (٢)
وَشَرْعًا: الْحُكْمُ عَلَى الشَّيْءِ بِالْبُطْلاَنِ (٣)، وَيَأْتِي عَلَى أَلْسِنَةِ الْفُقَهَاءِ بِمَعْنَى الْفَسْخِ وَالإِْسْقَاطِ وَالنَّقْصِ وَالإِْلْغَاءِ.
وَهُوَ بِهَذَا يَكُونُ بِمَعْنَى الإِْلْغَاءِ، إِلاَّ أَنَّ الإِْبْطَال قَدْ يَقَعُ قَبْل وُجُودِ الشَّيْءِ، وَلاَ يَكُونُ الإِْلْغَاءُ إِلاَّ بَعْدَ وُجُودِ الشَّيْءِ أَوْ فِعْلِهِ.
ب - الإِْسْقَاطُ:
٣ - مِنْ مَعَانِي الإِْسْقَاطِ لُغَةً: الإِْزَالَةُ (٤)، وَهُوَ فِي اصْطِلاَحِ الْفُقَهَاءِ: إِزَالَةُ الْمِلْكِ أَوِ الْحَقِّ لاَ إِلَى مَالِكٍ أَوْ مُسْتَحِقٍّ، كَالطَّلاَقِ فَإِنَّهُ إِزَالَةُ مِلْكِ النِّكَاحِ، وَكَالْعِتْقِ فَإِنَّهُ إِزَالَةُ مِلْكِ الرَّقَبَةِ (٥) .
وَعَلَى هَذَا يُوَافِقُ الإِْلْغَاءَ فِي كَوْنِهِ لاَ بُدَّ مِنْ قِيَامِ الْمِلْكِ وَالْحَقِّ الَّذِي يُرَادُ إِسْقَاطُهُ أَوْ إِلْغَاؤُهُ حَتَّى يَتَحَقَّقَ الإِْسْقَاطُ وَالإِْلْغَاءُ، فَيُقَال أَسْقَطَ عَنْهُ الرِّقَّ: أَلْغَاهُ، كَمَا أَنَّهُمَا يَكُونَانِ بِعِوَضٍ وَبِغَيْرِ عِوَضٍ.
_________
(١) تاج العروس ولسان العرب ومفردات الراغب الأصفهاني في المادة
(٢) سورة الأنفال / ٨
(٣) القليوبي ٢ / ١٩١، ٣ / ١٧٦ ط الحلبي
(٤) مختار الصحاح وتاج العروس مادة: (سقط)
(٥) تكملة رد المحتار على الدر المختار ٢ / ٣٤٧، والفروق للقرافي ٢ / ١١٠
ج - الْفَسْخُ:
٤ - الْفَسْخُ لُغَةً: النَّقْضُ، يُقَال فَسَخَ الشَّيْءَ يَفْسَخُهُ فَسْخًا فَانْفَسَخَ أَيْ: نَقَضَهُ فَانْتَقَضَ، وَتَفَاسَخَتِ الأَْقَاوِيل: تَنَاقَضَتْ، وَيُطْلَقُ اصْطِلاَحًا عَلَى حَل ارْتِبَاطِ الْعَقْدِ وَالتَّصَرُّفِ وَقَلْبِ كُل وَاحِدٍ مِنَ الْعِوَضَيْنِ لِصَاحِبِهِ، وَهُوَ بِهَذَا يَكُونُ فِيهِ مَعْنَى الإِْلْغَاءِ وَالإِْبْطَال (١) . وَقَدْ يُعَبِّرُ الْفُقَهَاءُ فِي الْمَسْأَلَةِ الْوَاحِدَةِ تَارَةً بِالإِْلْغَاءِ وَالإِْبْطَال، وَتَارَةً بِالْفَسْخِ. غَيْرَ أَنَّ الْفَسْخَ غَالِبًا مَا يَكُونُ فِي الْعُقُودِ، وَيَقِل فِي الْعِبَادَاتِ، وَمِنْهُ: فَسْخُ الْحَجِّ إِلَى الْعُمْرَةِ، وَفَسْخُ نِيَّةِ الْفَرْضِ إِلَى النَّفْل، غَيْرَ أَنَّهُ يَكُونُ فِي الْعُقُودِ قَبْل تَمَامِهَا، وَعِنْدَ تَمَامِهَا بِشُرُوطٍ مِثْل خِيَارِ الشَّرْطِ وَخِيَارِ الرُّؤْيَةِ وَخِيَارِ الْعَيْبِ وَالإِْقَالَةِ (٢) .
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:
٥ - أَجَازَ الْعُلَمَاءُ إِلْغَاءَ التَّصَرُّفَاتِ وَالْعُقُودِ غَيْرِ اللاَّزِمَةِ مِنْ جَانِبِ الْعَاقِدَيْنِ، أَمَّا فِي الْعُقُودِ اللاَّزِمَةِ مِنْ جَانِبٍ وَاحِدٍ فَإِنَّهُ يَصِحُّ الإِْلْغَاءُ مِنَ الْجَانِبِ الآْخَرِ غَيْرِ الْمُلْتَزَمِ بِهِ كَالْوَصِيَّةِ.
وَأَمَّا فِي الْعُقُودِ وَالتَّصَرُّفَاتِ الْمُلْزَمَةِ فَلاَ يَرِدُ عَلَيْهَا الإِْلْغَاءُ بَعْدَ نَفَاذِهَا إِلاَّ بِرَضِا الْعَاقِدَيْنِ، كَمَا فِي الإِْقَالَةِ، أَوْ بِوُجُودِ سَبَبٍ مَانِعٍ مِنِ اسْتِمْرَارِ الْعَقْدِ كَظُهُورِ الرَّضَاعِ بَيْنَ الزَّوْجِ وَالزَّوْجَةِ، وَقَدْ يَكُونُ هُنَا الإِْلْغَاءُ بِمَعْنَى الْفَسْخِ.
الإِْلْغَاءُ فِي الشُّرُوطِ:
٦ - تَنْقَسِمُ الشُّرُوطُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الإِْلْغَاءِ إِلَى
_________
(١) لسان العرب في المادة، والفروق للقرافي ٣ / ٢٦٩، الأشباه والنظائر لابن نجيم ١٣٥، وقواعد ابن رجب ص ٢٦٩ ط الخانجي، والقليوبي ٢ / ٢٧٥
(٢) الأشباه والنظائر لابن نجيم ط الحلبي ص ١٣٥
أَقْسَامٍ:
مِنْهَا شُرُوطٌ يُلْغَى بِهَا الْعَقْدُ مُطْلَقًا، لِمُخَالَفَتِهَا نَصًّا مِنْ كِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ، كَمَا لَوْ أَقْرَضَ وَاشْتَرَطَ رِبًا عَلَى الْقَرْضِ. وَمِنْهَا شُرُوطٌ لاَغِيَةٌ وَلاَ تُبْطِل الْعَقْدَ، كَمَا إِذَا بَاعَ ثَوْبًا عَلَى أَلاَّ يَبِيعَهُ الْمُشْتَرِي أَوْ لاَ يَهَبَهُ، جَازَ الْبَيْعُ وَيُلْغَى الشَّرْطُ كَمَا هُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ (١) .
وَشُرُوطٌ غَيْرُ لاَغِيَةٍ تَصِحُّ وَيَصِحُّ بِهَا الْعَقْدُ، لأَِنَّهَا تَوْثِيقٌ لِلْعَقْدِ، كَمَا إِذَا اشْتَرَطَ رَهْنًا أَوْ كَفِيلًا بِالْبَيْعِ (٢) .
إِلْغَاءُ التَّصَرُّفَاتِ:
٧ - تُلْغَى التَّصَرُّفَاتُ الَّتِي لاَ يُقِرُّهَا الشَّارِعُ، مِثْل رَهْنِ الْخَمْرِ وَبَيْعِ الْمَيْتَةِ وَنَذْرِ الْمَعْصِيَةِ، كَمَا تُلْغَى تَصَرُّفَاتُ عَدِيمِ الأَْهْلِيَّةِ كَالْمَجْنُونِ (٣) وَالسَّفِيهِ، عَلَى تَفْصِيلٍ (ر: حَجْر) .
الإِْلْغَاءُ فِي الإِْقْرَارِ:
٨ - وَذَلِكَ إِذَا كَذَّبَهُ الظَّاهِرُ، أَوْ كَذَّبَ الْمُقِرُّ نَفْسَهُ، أَوْ رَجَعَ فِيمَا يَحِقُّ لَهُ الرُّجُوعُ فِيهِ وَهُوَ حُقُوقُ اللَّهِ. وَمِنْهَا الْحُدُودُ (٤)، وَتَفْصِيلُهُ فِي (الإِْقْرَار) .
إِلْغَاءُ الْفَارِقِ الْمُؤَثِّرِ بَيْنَ الأَْصْل وَالْفَرْعِ:
٩ - وَهُوَ يَسْتَلْزِمُ اتِّحَادَ الْحُكْمِ بَيْنَهُمَا (ر: إِلْغَاءُ الْفَارِقِ) . (٥)
_________
(١) البدائع ٥ / ١٧٠
(٢) مغني المحتاج ٢ / ٥٢، ٣ / ٢١٢، ومنتهى الإرادات ٢ / ٢٢، الخرشي ٢ / ٤٣٨
(٣) الشرح الصغير ٤ / ١٤٠
(٤) قليوبي ٣ / ٤، ٦
(٥) جمع الجوامع ٢ / ٢٩٣
إِلْغَاءُ الْفَارِقِ
التَّعْرِيفُ:
١ - الإِْلْغَاءُ فِي اللُّغَةِ هُوَ: الإِْبْطَال. وَالْفَارِقُ اسْمُ فَاعِلٍ مِنْ فَرَّقَ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ: إِذَا فَصَل بَيْنَهُمَا. (١)
وَإِلْغَاءُ الْفَارِقِ عِنْدَ الأُْصُولِيِّينَ: بَيَانُ عَدَمِ تَأْثِيرِ الْفَارِقِ بَيْنَ الأَْصْل وَالْفَرْعِ فِي الْقِيَاسِ، فَيَثْبُتُ الْحُكْمُ لِمَا اشْتَرَكَا فِيهِ، وَذَلِكَ كَإِلْحَاقِ الأَْمَةِ بِالْعَبْدِ فِي سِرَايَةِ الْعِتْقِ مِنْ بَعْضِهِ إِلَى سَائِرِهِ. وَهَذِهِ السِّرَايَةُ فِي الْعَبْدِ ثَابِتَةٌ بِحَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ: مَنْ أَعْتَقَ شِرْكًا لَهُ فِي عَبْدٍ فَكَانَ لَهُ مَالٌ يَبْلُغُ ثَمَنَ الْعَبْدِ قُوِّمَ عَلَيْهِ قِيمَةَ عَدْلٍ فَأَعْطَى شُرَكَاءَهُ حِصَصَهُمْ وَعَتَقَ عَلَيْهِ الْعَبْدُ، وَإِلاَّ فَقَدْ عَتَقَ مِنْهُ مَا عَتَقَ (٢) فَالْفَارِقُ بَيْنَ الأَْمَةِ وَالْعَبْدِ هُوَ الأُْنُوثَةُ، وَلاَ تَأْثِيرَ لَهَا فِي السِّرَايَةِ وَمِنْهُ أَيْضًا أَنَّ الآْيَة: ﴿وَاَلَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ (٣) تَقْتَضِي حَدَّ قَاذِفِ الْمَرْأَةِ الْمُحْصَنَةِ، وَسَكَتَتْ عَنْ قَذْفِ الرِّجَال الْمُحْصَنِينَ، فَيَلْحَقُونَ بِهِنَّ، لأَِنَّ الْفَارِقَ الأُْنُوثَةُ وَهِيَ مُلْغَاةٌ، أَيْ لاَ أَثَرَ لَهَا فِي الْحُكْمِ. (٤) وَبَعْضُهُمْ عَبَّرَ عَنْهُ بِنَفْيِ الْفَارِقِ. وَشَبِيهٌ بِهِ: " إِلْغَاءُ التَّفَاوُتِ " (٥) وَمُقَابِلُهُ: إِبْدَاءُ الْفَارِقِ، أَوْ
_________
(١) المصباح المنير مادة: (لغو - فرق)
(٢) حديث: " من أعتق شركا له. . . . " أخرجه البخاري (الفتح ٥ / ١٥١ ط السلفية) ومسلم (٣ / ١٢٨٦ - ط الحلبي)
(٣) سورة النور / ٤
(٤) جمع الجوامع بشرحه للمحلي ٢ / ٢٩٣ ط عيسى الحلبي
(٥) البحر المحيط في الأصول للزركشي (مسالك العلة - مسلك السبر والتقسيم فما بعده)، وشرح جمع الجوامع ٢ / ٣٤١، ٣٣٩
إِبْدَاءُ الْخُصُوصِيَّةِ أَوِ الْفَرْقِ. وَهُوَ مِنْ قَوَادِحِ الْعِلَّةِ.
وَيُسَمَّى الْقِيَاسُ الْمُعْتَمِدُ عَلَى إِلْغَاءِ الْفَارِقِ " الْقِيَاسَ فِي مَعْنَى الأَْصْل " أَوِ " قِيَاسَ الْمَعْنَى " (١) .
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
٢ - هُنَاكَ مُصْطَلَحَانِ أُصُولِيَّانِ مُلْتَبِسَانِ بِإِلْغَاءِ الْفَارِقِ أَشَدَّ الْتِبَاسٍ وَأَخْفَاهُ.
أَوَّلُهُمَا: تَنْقِيحُ الْمَنَاطِ. وَيُسَمِّيهِ الْحَنَفِيَّةُ الاِسْتِدْلاَل، وَهُوَ أَنْ يَدُل نَصٌّ ظَاهِرٌ عَلَى التَّعْلِيل بِوَصْفٍ، فَيُحْذَفَ خُصُوصُهُ عَنِ الاِعْتِبَارِ بِالاِجْتِهَادِ، وَيُنَاطَ الْحُكْمُ بِالأَْعَمِّ، أَوْ كَكَوْنِ أَوْصَافٍ فِي مَحَل الْحُكْمِ، فَيُحْذَفُ بَعْضُهَا عَنِ الاِعْتِبَارِ بِالاِجْتِهَادِ وَيُنَاطُ الْحُكْمُ بِالْبَاقِي.
وَثَانِيهِمَا: السَّبْرُ وَالتَّقْسِيمُ. وَهُوَ حَصْرُ الأَْوْصَافِ الْمَوْجُودَةِ فِي الأَْصْل الْمَقِيسِ عَلَيْهِ وَإِبْطَال مَا لاَ يَصْلُحُ مِنْهَا لِلْعِلِّيَّةِ، فَيَتَعَيَّنُ الْبَاقِي لَهَا. وَالْفَرْقُ بَيْنَ تَنْقِيحِ الْمَنَاطِ وَالسَّبْرِ وَالتَّقْسِيمِ أَنَّ الْوَصْفَ فِي تَنْقِيحِ الْمَنَاطِ فِي شِقِّهِ الأَْوَّل مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ، بِخِلاَفِهِ فِي السَّبْرِ وَالتَّقْسِيمِ، وَفِي الشِّقِّ الثَّانِي مِنْهُ: إِنَّمَا هُوَ فِي حَذْفِ مَا لاَ يَصْلُحُ لِلْعِلِّيَّةِ وَفِي تَعْيِينِ الْبَاقِي لَهَا، وَفِي السَّبْرِ الاِجْتِهَادُ فِي الْحَذْفِ فَقَطْ، فَيَتَعَيَّنُ الْبَاقِي لِلْعِلِّيَّةِ. وَإِلْغَاءُ الْفَارِقِ قَرِيبٌ مِنَ السَّبْرِ إِلاَّ أَنَّهُ فِي السَّبْرِ يُبْطِل الْجَمِيعَ إِلاَّ وَاحِدًا، وَفِي إِلْغَاءِ الْفَارِقِ يَبْطُل وَاحِدٌ فَتَتَعَيَّنُ الْعِلَّةُ بَيْنَ الْبَاقِي، وَالْبَاقِي مَوْجُودٌ فِي الْفَرْعِ فَيَلْزَمُ اشْتِمَالُهُ عَلَى الْعِلَّةِ. (٢)
_________
(١) شرح جمع الجوامع ٢ / ٣١٩، ٣٤١ وتسهيل الفصول ص ٢٢٤ ط الأولى
(٢) شرح جمع الجوامع ٢ / ٢٧٠، ٢٩٢، والبحر المحيط للزركشي، تنقيح المناط، والتنبيه الذي عقبه، والمحصول للرازي، (القسم الثاني من الجزء الثاني ص ٣١٦ ط جامعة الإمام محمد بن سعود)
وَيَبْدُو مِنْ تَعْرِيفَيْ إِلْغَاءِ الْفَارِقِ وَتَنْقِيحِ الْمَنَاطِ أَنَّ الْمُلْغَى فِي إِلْغَاءِ الْفَارِقِ وَصْفٌ مَوْجُودٌ فِي الْفَرْعِ، بِخِلاَفِ الْمُلْغَى فِي تَنْقِيحِ الْمَنَاطِ فَهُوَ وَصْفٌ فِي الأَْصْل الْمَقِيسِ عَلَيْهِ، كَمَا أَنَّ إِلْغَاءَ الْفَارِقِ لَيْسَ فِيهِ تَعْيِينٌ لِلْعِلَّةِ، وَإِنَّمَا يَحْصُل الإِْلْحَاقُ بِمُجَرَّدِ الإِْلْغَاءِ، بِخِلاَفِ تَنْقِيحِ الْمَنَاطِ فَفِيهِ اجْتِهَادٌ فِي تَعْيِينِ الْبَاقِي مِنَ الأَْوْصَافِ لِلْعِلِّيَّةِ.
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:
٣ - اخْتَلَفَ الأُْصُولِيُّونَ فِي عَدِّ إِلْغَاءِ الْفَارِقِ مِنْ مَسَالِكِ الْعِلَّةِ، فَذَكَرَهُ بَعْضُهُمْ كَصَاحِبِ كِتَابِ الْمُقْتَرَحِ، وَابْنِ السُّبْكِيِّ فِي جَمْعِ الْجَوَامِعِ، بَل ذَكَرَ ابْنُ قُدَامَةَ فِي كِتَابِ " رَوْضَةِ النَّاظِرِ " الْخِلاَفَ فِي تَسْمِيَةِ إِلْحَاقِ الْمَسْكُوتِ بِالْمَنْطُوقِ قِيَاسًا إِذَا كَانَ طَرِيقُهُ نَفْيَ الْفَارِقِ الْمُؤَثِّرِ عَلَى سَبِيل الْقَطْعِ. (١) وَلَمْ يَعُدَّهُ أَحَدٌ مِنَ الْجَدَلِيِّينَ مِنْ مَسَالِكِ التَّعْلِيل. (٢) وَتَمَامُ الْكَلاَمِ عَلَيْهِ مَحَلُّهُ الْمُلْحَقُ الأُْصُولِيُّ.
مَوَاطِنُ الْبَحْثِ:
٤ - ذَكَرَ بَعْضُ الأُْصُولِيِّينَ إِلْغَاءَ الْفَارِقِ فِي مَبْحَثِ الْعِلَّةِ مِنْ مَبَاحِثِ الْقِيَاسِ عِنْدَ كَلاَمِهِمْ عَلَى مَسَالِكِ الْعِلَّةِ، كَمَا ذَكَرُوهُ فِي تَقْسِيمِ الْقِيَاسِ إِلَى جَلِيٍّ وَخَفِيٍّ، حَيْثُ إِنَّ الْجَلِيَّ مَا قُطِعَ فِيهِ بِنَفْيِ الْفَارِقِ، أَوْ كَانَ تَأْثِيرُ الْفَارِقِ فِيهِ احْتِمَالًا ضَعِيفًا، وَالْخَفِيُّ بِخِلاَفِهِ. كَمَا ذَكَرُوهُ فِي تَقْسِيمِ الْقِيَاسِ بِاعْتِبَارِ عِلَّتِهِ إِلَى قِيَاسِ عِلَّةٍ وَقِيَاسِ دَلاَلَةٍ وَقِيَاسٍ فِي مَعْنَى الأَْصْل، وَأَنَّ الْقِيَاسَ فِي مَعْنَى الأَْصْل هُوَ مَا
_________
(١) روضة الناظر ص ١٥٤ - ١٥٥ ط السلفية بالقاهرة
(٢) البحر المحيط للزركشي، وشرح جمع الجوامع ٢ / ٢٩٣
يَكُونُ الْقِيَاسُ بِإِلْغَاءِ الْفَارِقِ فِيهِ. (١)
إِلْهَامٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الإِْلْهَامُ لُغَةً: مَصْدَرُ أَلْهَمَ، يُقَال: أَلْهَمَهُ اللَّهُ خَيْرًا أَيْ لَقَّنَهُ إِيَّاهُ، وَالإِْلْهَامُ أَنْ يُلْقِيَ اللَّهُ فِي النَّفْسِ أَمْرًا يَبْعَثُ عَلَى الْفِعْل أَوِ التَّرْكِ، وَهُوَ نَوْعٌ مِنَ الْوَحْيِ يَخُصُّ اللَّهُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ. (٢)
وَعِنْدَ الأُْصُولِيِّينَ: إِيقَاعُ شَيْءٍ فِي الْقَلْبِ يَطْمَئِنُّ لَهُ الصَّدْرُ يَخُصُّ بِهِ اللَّهُ سُبْحَانَهُ بَعْضَ أَصْفِيَائِهِ (٣) .
وَقَدْ عَدَّ الأُْصُولِيِّينَ الإِْلْهَامَ نَوْعًا مِنْ أَنْوَاعِ الْوَحْيِ إِلَى الأَْنْبِيَاءِ، وَفِي كِتَابِ التَّقْرِيرِ وَالتَّحْبِيرِ عَنِ الإِْلْهَامِ مِنَ اللَّهِ لِرَسُولِهِ: أَنَّهُ إِلْقَاءُ مَعْنًى فِي الْقَلْبِ بِلاَ وَاسِطَةِ عِبَارَةِ الْمَلَكِ وَإِشَارَتِهِ مَقْرُونٍ بِخَلْقِ عِلْمٍ ضَرُورِيٍّ أَنَّ ذَلِكَ الْمَعْنَى مِنْهُ تَعَالَى (٤) .
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الْوَسْوَسَةُ:
٢ - الْوَسْوَسَةُ: إِلْقَاءُ مَعْنًى فِي النَّفْسِ بِمُبَاشَرَةِ سَبَبٍ نَشَأَ مِنَ الشَّيْطَانِ لَهُ (٥) .
_________
(١) شرح الكوكب المنير ص ٣٢٥ ط السنة المحمدية، وشرح جمع الجوامع ٢ / ٣٣٩، ٣٤١
(٢) لسان العرب، كشاف اصطلاحات الفنون: باب اللام فصل الميم
(٣) جمع الجوامع ٢ / ٣٥٦ ط الحلبي
(٤) التقرير والتحبير ٣ / ٢٩٥ ط بولاق الأولى
(٥) كشاف اصطلاحات الفنون (لهم)، والعقائد النسفية وحواشيها ص ٤١ ط الحلبي
ب - التَّحَرِّي:
٣ - التَّحَرِّي فِيهِ بَذْل جَهْدٍ وَإِعْمَال فِكْرٍ، أَمَّا الإِْلْهَامُ فَيَقَعُ بِلاَ كَسْبٍ. (١)
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ وَمَوَاطِنُ الْبَحْثِ:
٤ - يَتَّفِقُ الأُْصُولِيُّونَ عَلَى أَنَّ الإِْلْهَامَ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى لأَِنْبِيَائِهِ حَقٌّ، وَهُوَ بِالنِّسْبَةِ لِلنَّبِيِّ ﷺ حُجَّةٌ فِي حَقِّهِ، كَذَلِكَ هُوَ فِي حَقِّ أُمَّتِهِ، وَيَكْفُرُ مُنْكِرُ حَقِيقَتِهِ، وَيَفْسُقُ تَارِكُ الْعَمَل بِهِ كَالْقُرْآنِ. (٢)
أَمَّا إِلْهَامُ غَيْرِ الأَْنْبِيَاءِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنَّهُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ، لأَِنَّ مَنْ لَيْسَ مَعْصُومًا لاَ ثِقَةَ بِخَوَاطِرِهِ لأَِنَّهُ لاَ يَأْمَنُ مِنْ دَسِيسَةِ الشَّيْطَانِ فِيهَا، وَهُوَ قَوْل جُمْهُورِ أَهْل الْعِلْمِ، وَهُوَ الْمُخْتَارُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَلاَ عِبْرَةَ بِمَا قَالَهُ قَوْمٌ مِنَ الصُّوفِيَّةِ بِأَنَّهُ حُجَّةٌ فِي الأَْحْكَامِ.
وَقِيل: هُوَ حُجَّةٌ عَلَى الْمُلْهَمِ لاَ عَلَى غَيْرِهِ، إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ مُعَارِضٌ مِنْ نَصٍّ أَوِ اجْتِهَادٍ أَوْ خَاطِرٍ آخَرَ، وَهَذَا ذَكَرَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ، فَيَجِبُ الْعَمَل بِهِ فِي حَقِّ الْمُلْهَمِ، وَلاَ يَجُوزُ أَنْ يَدْعُوَ غَيْرَهُ إِلَيْهِ.
وَاعْتَمَدَهُ الإِْمَامُ الرَّازِيُّ فِي أَدِلَّةِ الْقِبْلَةِ، وَابْنُ الصَّبَّاغِ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ. (٣)
وَهَل هُوَ فِي حَقِّ الأَْنْبِيَاءِ مِنَ الْوَحْيِ الظَّاهِرِ أَمِ الْوَحْيِ الْبَاطِنِ؟ خِلاَفٌ بَيْنَ الأُْصُولِيِّينَ. (٤)
_________
(١) ابن عابدين ١ / ٢٩٠ ط بولاق الأولى، البحر الرائق ١ / ٣٠٢ ط العلمية
(٢) جمع الجوامع ٢ / ٣٥٦
(٣) جمع الجوامع ٢ / ٣٥٦، والتقرير والتحبير ٣ / ٢٩٥،٢٩٦
(٤) التقرير والتحبير ٣ / ٣٩٦، مسلم الثبوت ٢ / ٣٧٠
أُولُو الأَْرْحَامِ
انْظُرْ: أَرْحَام.
أُولُو الأَْمْرِ
التَّعْرِيفُ:
١ - " أُولُو " مِنَ الأَْلْفَاظِ الْمُلاَزِمَةِ لِلإِْضَافَةِ، نَحْوَ: أُولُو الرَّأْيِ، أَيْ أَصْحَابُ الرَّأْيِ، وَهُوَ اسْمُ جَمْعٍ وَاحِدُهُ " ذُو " (١) وَلَيْسَ لَهُ مُفْرَدٌ مِنْ لَفْظِهِ.
وَالأَْمْرُ فِي اللُّغَةِ: يَكُونُ بِمَعْنَى: طَلَبِ الْفِعْل عَلَى طَرِيقِ الاِسْتِعْلاَءِ، وَجَمْعُهُ أَوَامِرُ، وَيَكُونُ بِمَعْنَى: الشَّأْنِ وَالْحَال، وَجَمْعُهُ أُمُورٌ. (٢)
وَأُولُو الأَْمْرِ: الرُّؤَسَاءُ وَالْعُلَمَاءُ (٣) .
وَقَدْ وَرَدَ فِي أُولِي الأَْمْرِ قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُول وَأُولِي الأَْمْرِ مِنْكُمْ﴾ . (٤)
٢ - وَأَصَحُّ الأَْقْوَال الْوَارِدَةِ فِي الْمُرَادِ بِأُولِي الأَْمْرِ قَوْلاَنِ:
(الأَْوَّل) أَهْل الْقُرْآنِ وَالْعِلْمِ وَهُوَ اخْتِيَارُ مَالِكٍ، وَنَحْوُهُ قَوْل ابْنِ عَبَّاسٍ، وَالضَّحَّاكِ، وَمُجَاهِدٍ،
_________
(١) الكليات لأبي البقاء حرف الألف واللام ١ / ٢٧٠، والقاموس المحيط باب الألف اللينة ٤ / ٤١٠
(٢) الكليات لأبي البقاء ١ / ٢٩٢ - ٢٩٣
(٣) القاموس المحيط ١ / ٣٧٩، ومحيط المحيط مادة: (أمر)، والكليات لأبي البقاء ١ / ٢٧٠، ١ / ٣٠١
(٤) سورة النساء / ٥٩
وَعَطَاءٍ قَالُوا: هُمُ الْفُقَهَاءُ وَالْعُلَمَاءُ فِي الدِّينِ. ذَلِكَ لأَِنَّ أَصْل الأَْمْرِ مِنْهُمْ وَالْحُكْمُ إِلَيْهِمْ. (١)
(الثَّانِي) قَال الطَّبَرِيُّ عَنْهُ: هُوَ أَوْلَى الأَْقْوَال بِالصَّوَابِ: هُمُ الأُْمَرَاءُ وَالْوُلاَةُ، لِصِحَّةِ الأَْخْبَارِ عَنْ رَسُول اللَّهِ ﷺ بِالأَْمْرِ بِطَاعَةِ الأَْئِمَّةِ وَالْوُلاَةِ، فِيمَا كَانَ لِلَّهِ طَاعَةً وَلِلْمُسْلِمِينَ مَصْلَحَةً. (٢)
وَيَشْمَل أُمَرَاءَ الْمُسْلِمِينَ فِي عَهْدِ الرَّسُول ﷺ وَبَعْدَهُ، وَيَنْدَرِجُ فِيهِمُ الْخُلَفَاءُ وَالسَّلاَطِينُ وَالأُْمَرَاءُ وَالْقُضَاةُ وَغَيْرُهُمْ مِمَّنْ لَهُ وِلاَيَةٌ عَامَّةٌ.
كَمَا أَنَّ مِنْهُمْ أُمَرَاءَ السَّرَايَا، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَمَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ وَابْنِ أَبِي حَاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ عَسَاكِرَ عَنِ ابْنِ صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.
هَذَا، وَقَدْ حَمَلَهُ كَثِيرٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ عَلَى مَا يَعُمُّ الْجَمِيعَ، لِتَنَاوُل الاِسْمِ لَهُمْ، لأَِنَّ لِلأُْمَرَاءِ تَدْبِيرَ الْجَيْشِ وَالْقِتَال، وَلِلْعُلَمَاءِ حِفْظَ الشَّرِيعَةِ وَبَيَانَ مَا يَجُوزُ مِمَّا لاَ يَجُوزُ. (٣)
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أَوْلِيَاءُ الأُْمُورِ:
٣ - يَشْمَل أَوْلِيَاءُ الأُْمُورِ كُل مَنْ لَهُ وِلاَيَةٌ عَلَى غَيْرِهِ، سَوَاءٌ أَكَانَتْ عَامَّةً أَمْ خَاصَّةً، وَمِنْ ذَلِكَ وَلِيُّ الْيَتِيمِ، وَالْقَيِّمُ عَلَى الْمَجْنُونِ، وَوَلِيُّ الْمَرْأَةِ فِي الزَّوَاجِ، فَضْلًا عَمَّنْ سَبَقَ ذِكْرُهُمْ مِنْ أَصْحَابِ
_________
(١) تفسير القرطبي ٥ / ٢٥٨ - ٢٦١ ط وزارة التربية بمصر
(٢) تفسير الطبري ٨ / ٤٩٥، وما بعدها، وأحكام القرآن لعماد الدين بن محمد الطبري المعروف بالكيا الهراس ٢ / ٤٢٠ - ٤٢٥ ط دار الكتب الحديثة بمصر
(٣) تفسير روح المعاني (الألوسي) ٥ / ٦٥، ٦٦ ط المطبعة المنيرية بدمشق