الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٦ الصفحة 36

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٦

خِلاَفٍ وَيَكُونُ أَفْضَل، وَيَكُونُ اللَّحْدُ إِلَى جِهَةِ الْقِبْلَةِ بِقَدْرِ الْمَيِّتِ. (١) .

الإِْلْحَادُ فِي الدِّينِ:

٩ - الْمُلْحِدُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ فِي الأَْصْل عَلَى الشِّرْكِ، فَحُكْمُهُ يُنْظَرُ تَحْتَ عِنْوَانِ (إِشْرَاك)، أَوْ يَكُونَ ذِمِّيًّا فَيُلْحِدُ أَيْ يَطْعَنُ فِي الدِّينِ جِهَارًا، فَيَنْتَقِضُ بِذَلِكَ عَهْدُهُ، وَيُنْظَرُ حُكْمُهُ تَحْتَ عِنْوَانِ (أَهْل الذِّمَّةِ) أَوْ يَكُونُ مُسْلِمًا فَيُلْحِدُ، فَيُنْظَرُ حُكْمُهُ تَحْتَ عِنْوَانِ (ارْتِدَاد - زَنْدَقَة (٢» .

الآْثَارُ الْمُتَرَتِّبَةُ عَلَى الإِْلْحَادِ:

١٠ - مَنْ أَلْحَدَ بَعْدَ إِسْلاَمٍ وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ، إِمَّا أَنْ يُسْتَتَابَ عَلَى رَأْيِ مَنْ قَال بِذَلِكَ، فَيَأْخُذَ حُكْمَ الْمُرْتَدِّ فِي الْعِبَادَاتِ فِي الْجُمْلَةِ فِي حَالَةِ رُجُوعِهِ عَنْ إِلْحَادِهِ، مِنْ نَقْضِ وُضُوئِهِ بِالإِْلْحَادِ وَعَدَمِهِ، وَمِنْ قَضَائِهِ لِلْعِبَادَاتِ، وَأَدَائِهِ مَا عَلَيْهِ مِنْ زَكَاةٍ، وَقَضَائِهِ لِلْحَجِّ قَبْل الإِْلْحَادِ وَبَعْدَهُ. كَمَا يَأْخُذُ حُكْمَهُ كَذَلِكَ فِي غَيْرِ الْعِبَادَاتِ، مِنْ سُقُوطِ شُفْعَتِهِ بِالرِّدَّةِ وَنَفَاذِ عُقُودِهِ وَعَدَمِهَا، وَبَيْنُونَةِ امْرَأَتِهِ، وَلُزُومِ الْمَهْرِ، وَالنَّفَقَةِ، وَانْفِسَاخِ النِّكَاحِ. كَمَا يَأْخُذُ حُكْمَهُ فِي الْجِنَايَاتِ وَالدُّيُونِ عَلَى الْخِلاَفِ الْمَذْكُورِ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ. وَاَلَّذِي يُرْجَعُ إِلَيْهِ فِي مُصْطَلَحِ (رِدَّة) .

وَأَمَّا إِذَا لَمْ يُسْتَتَبْ فَإِنَّهُ يَأْخُذُ حُكْمَ الْمُرْتَدِّ الْمَقْتُول

_________

(١) روضة الطالبين ٢ / ١٣٣، والمجموع للنووي ٥ / ٢٨٦، وفتح القدير ١ / ٤٩٦، والمغني ٢ / ٤٩٨ ط الرياض، وجواهر الإكليل ١ / ١١١، والحطاب ٢ / ٢٣٣.

(٢) بن عابدين ٣٣ / ٢٩٦، وجواهر الإكليل ٢ / ٢٧٨، وروضة الطالبين للنووي ١٠ / ٧٦، والمغني ٨ / ١٢٦.

فِي الرِّدَّةِ، مِنْ حَيْثُ زَوَال مِلْكِهِ عَنْ أَمْوَالِهِ، وَحُكْمُ تِلْكَ الأَْمْوَال بَعْدَ الْمَوْتِ فِي الْمِيرَاثِ، وَمِنْ حَيْثُ سُقُوطُ وَصِيَّتِهِ أَوْ عَدَمُهُ، وَقَضَاءُ دُيُونِهِ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَيُرَاجَعُ فِي ذَلِكَ مُصْطَلَحُ (رِدَّة (١» .

إِلْحَاقٌ

التَّعْرِيفُ:

١ - (الإِْلْحَاقُ) فِي اللُّغَةِ: الاِتِّبَاعُ. يُقَال: أَلْحَقْتُهُ بِهِ: إِذَا أَتْبَعْتُهُ إِيَّاهُ حَتَّى لَحِقَهُ. (٢) وَاسْتَعْمَل الْفُقَهَاءُ وَالأُْصُولِيُّونَ إِلْحَاقَ الْفُرُوعِ بِالأُْصُول فِي الْقِيَاسِ.

وَمِنْ ذَلِكَ قَوْل ابْنِ قُدَامَةَ فِي رَوْضَةِ النَّاظِرِ: إِنَّ الإِْلْحَاقَ يُسَمَّى قِيَاسًا، إِذَا بُيِّنَتِ الْعِلَّةُ الْجَامِعَةُ وَأُثْبِتَ وُجُودُهَا فِي الْفَرْعِ.

وَجَرَى عَلَى لِسَانُ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ فِي تَعْرِيفِ الْقِيَاسِ بِأَنَّهُ: إِلْحَاقُ الْمَسْكُوتِ بِالْمَنْطُوقِ. وَجَرَى أَيْضًا عَلَى أَلْسِنَتِهِمْ: إِلْحَاقُ الْوَلَدِ بِمَنِ ادَّعَاهُ كَمَا فِي مَسْأَلَةِ اللَّقِيطِ، حَتَّى إِنَّ إِطْلاَقَ لَفْظِ (الإِْلْحَاقِ) يَنْصَرِفُ إِلَى الإِْلْحَاقِ فِي النَّسَبِ (٣) .

_________

(١) ابن عابدين ٢ / ٣٠٥، ٣٩٤، ٣٩٦، ٣ / ٢٨٥، ٢٩٠، ٢٩٨، وجواهر الإكليل ١ / ٢١، ٢ / ٢٥٥، ٢٧٩، ٢٨٠، ٣١٨، والمهذب ٢ / ٢٢٣، والقليوبي ٣ / ٤٤، ١٤٨، ١٥٧، ١٥٩، والمغني ٦ / ١٧١، ٢٩٨، ٨ / ١٢٢، ١٢٨، ١٢٩.

(٢) المصباح المنير ولسان العرب مادة: (لحق) .

(٣) الزيلعي ٣ / ٢٩٤، والخرشي٧ / ١٣٢، والقليوبي ٣ / ١٢٩، وروضة الناظر لابن قدامة ص ١٥٠، ١٥٥، وجمع الجوامع ١ / ٢٤٥.

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:

الْقِيَاسُ:

٢ - يَظْهَرُ مِنْ تَتَبُّعِ أَقْوَال الْفُقَهَاءِ أَنَّ الإِْلْحَاقَ يَأْتِي بِمَعْنَيَيْنِ:

الأَْوَّل: الْقِيَاسُ، بِإِلْحَاقِ الْفَرْعِ بِالأَْصْل لِوُجُودِ عِلَّةٍ مُشْتَرَكَةٍ يَتَعَدَّى بِهَا الْحُكْمُ مِنَ الأَْصْل إِلَى الْفَرْعِ بِشُرُوطِهِ، فَهُوَ حَمْل الشَّيْءِ عَلَى غَيْرِهِ بِإِجْرَاءِ حُكْمِهِ عَلَيْهِ لِعِلَّةٍ مُشْتَرَكَةٍ. (١)

وَالثَّانِي: إِلْحَاقُ الإِْنْسَانِ الْمَجْهُول النَّسَبِ بِمَنِ ادَّعَاهُ، فَإِنَّهُ يَصِحُّ بِشُرُوطِهِ، كَمَا يُعْرَفُ فِي بَابِ النَّسَبِ. ٣ - وَالإِْلْحَاقُ لَهُ طَرِيقَانِ:

الطَّرِيقُ الأَْوَّل: إِلْغَاءُ الْفَارِقِ الْمُؤَثِّرِ فِي الْحُكْمِ لِكَيْ يَشْمَل الْمَسْكُوتَ عَنْهُ فَلاَ يَحْتَاجَ إِلَى التَّعَرُّضِ لِلْعِلَّةِ الْجَامِعَةِ لِكَثْرَةِ مَا فِيهِ مِنَ الاِجْتِمَاعِ، وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي تَسْمِيَةِ هَذَا قِيَاسًا. (٢)

وَالطَّرِيقُ الثَّانِي: أَنْ يَتَعَرَّضَ لِلْجَامِعِ وَيُبَيِّنَ وُجُودَهُ فِي الْفَرْعِ، وَهَذَا هُوَ الْمُتَّفَقُ عَلَى تَسْمِيَتِهِ قِيَاسًا.

الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:

٤ - نَظَرًا لأَِنَّ الإِْلْحَاقَ إِتْبَاعُ الشَّيْءِ بِالشَّيْءِ فَيَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ فِي الْمُلْحَقِ نَفْسَ الْحُكْمِ الَّذِي فِي الْمُلْحَقِ بِهِ. وَلِتَطْبِيقِ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ أَمْثِلَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْهَا:

أَوَّلًا: إِلْحَاقُ جَنِينِ الْمُذَكَّاةِ بِأُمِّهِ:

٥ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ (الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَالصَّاحِبَانِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ) إِلَى إِلْحَاقِ جَنِينِ

_________

(١) مسلم الثبوت ٢ / ٢٤٧.

(٢) روضة الناظر لابن قدامة ص ١٥٥.

الْمُذَكَّاةِ بِهَا، إِذَا كَانَ كَامِل الْخِلْقَةِ، وَمَاتَ بِذَبْحِ أُمِّهِ، فَهَذَا إِلْحَاقٌ مِنْ حَيْثُ اللُّغَةُ. وَإِنَّمَا قَالُوا ذَلِكَ لِمَا وَرَدَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: ذَكَاةُ الْجَنِينِ ذَكَاةُ أُمِّهِ. (١) وَلأَِنَّ جَنِينَ الدَّابَّةِ تَبَعٌ فَيُبَاعُ بِبَيْعِ الأُْمِّ، وَلِذَا يَأْخُذُ جَنِينُ الْمُذَكَّاةِ حُكْمَ الْمُذَكَّاةِ بِالتَّبَعِ، وَهَذَا إِنْ كَانَ قَدْ أَشْعَرَ عَلَى رَأْيٍ، وَقِيل: لاَ يُشْتَرَطُ ذَلِكَ.

وَخَالَفَهُمْ فِي ذَلِكَ أَبُو حَنِيفَةَ وَزُفَرُ فَذَهَبَا إِلَى أَنَّهُ لاَ يَحِل الْجَنِينُ إِلاَّ إِذَا أُدْرِكَ حَيًّا وَذُبِحَ. كَذَلِكَ لاَ يُمْكِنُ إِلْحَاقُ الْجَنِينِ الَّذِي ظَهَرَ مِنَ الأُْمِّ حَيًّا فَمَاتَ بَعْدَهَا بِدُونِ الذَّبْحِ. (٢) وَيُرْجَعُ لِتَفْصِيلِهِ إِلَى مُصْطَلَحَيْ (ذَبِيحَة) (وَذَكَاة) .

ثَانِيًا: إِلْحَاقُ صِغَارِ السَّوَائِمِ بِالْكِبَارِ فِي الذَّكَاةِ:

٦ - لاَ خِلاَفَ بَيْنِ فُقَهَاءِ الْمَذَاهِبِ فِي إِلْحَاقِ صِغَارِ السَّوَائِمِ بِالْكِبَارِ فِي وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِيهَا، إِذَا اجْتَمَعَتْ مَعَ الْكِبَارِ وَتَمَّ الْحَوْل عَلَيْهَا. أَمَّا إِذَا كَانَتْ كُلُّهَا صِغَارًا فُصْلاَنًا أَوْ حُمْلاَنًا أَوْ عَجَاجِيل، فَلاَ زَكَاةَ فِيهَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ. وَقَال الْمَالِكِيَّةُ، وَهِيَ الْمَذْهَبُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، وَهُوَ قَوْل الشَّافِعِيِّ فِي الْقَدِيمِ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ زُفَرُ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ: يَجِبُ فِي الصِّغَارِ مَا يَجِبُ فِي الْكِبَارِ إِلْحَاقًا.

وَقَال أَبُو يُوسُفَ، وَالشَّافِعِيُّ فِي الْجَدِيدِ: يَجِبُ فِيهَا وَاحِدَةٌ مِنْهَا، وَصُورَتُهُ إِذَا كَانَ لَهُ نِصَابٌ مِنَ

_________

(١) حديث: " ذكاة الجنين ذكاة أمه " أخرجه أبو داود (٣ / ٢٥٣ - ط عزت عبيد دعاس) وغيره من حديث جابر مرفوعا، وفي أسانيده مقال لكنه يتقوى بها. فيض القدير للمناوي (٣ / ٥٦٣ - ط / المكتبة التجارية)

(٢) البدائع ٥ / ٤٢، والقليوبي ٤ / ٢٦٢، والشرح الصغير ٢ / ١٧٧، والمغني مع الشرح الكبير ١١ / ٥١

الْكِبَارِ ثُمَّ مَاتَتِ الأُْمَّهَاتُ، وَتَمَّ الْحَوْل عَلَى الأَْوْلاَدِ وَهِيَ صِغَارٌ. (١) وَتَفْصِيلُهُ فِي مُصْطَلَحِ (ذَكَاة) .

ثَالِثًا: إِلْحَاقُ تَوَابِعِ الْمَبِيعِ بِهِ فِي الْبَيْعِ:

٧ - يَدْخُل الْجَنِينُ فِي بَيْعِ الأُْمِّ تَبَعًا، وَلاَ يُفْرَدُ بِالْبَيْعِ، لأَِنَّ التَّابِعَ تَابِعٌ. وَكَذَلِكَ حَقُّ الْمُرُورِ وَالشُّرْبِ يَدْخُلاَنِ فِي بَيْعِ الأَْرْضِ تَبَعًا. وَوَلَدُ الْبَقَرَةِ الْمُشْتَرَاةِ لِلَّبَنِ دَاخِلٌ فِي بَيْعِ الأُْمِّ. وَيَدْخُل الْغِرَاسُ فِي بَيْعِ الأَْرْضِ، وَتَدْخُل الأَْرْضُ وَمَا يَتَّصِل بِهَا فِي بَيْعِ الدَّارِ. وَكَذَلِكَ كُل مَا يُعْتَبَرُ مِنْ تَوَابِعِ الْمَبِيعِ يَدْخُل فِي الْبَيْعِ إِلْحَاقًا، وَيَأْخُذُ حُكْمَ الْمَبِيعِ عَلَى تَفْصِيلٍ وَخِلاَفٍ فِي ذَلِكَ يُنْظَرُ فِي مَوْضِعِهِ. (٢)

مَوَاطِنُ الْبَحْثِ:

٨ - تَكَلَّمَ الْفُقَهَاءُ عَنْ إِلْحَاقِ الْفُرُوعِ بِالأُْصُول فِي بَحْثِ (الْقِيَاسِ)، وَفِي (الْبَيْعِ) فِي إِلْحَاقِ الثَّمَرِ بِالشَّجَرِ، وَإِلْحَاقِ الثِّمَارِ الَّتِي لَمْ يَبْدُ صَلاَحُهَا بِمَا بَدَا صَلاَحُهُ مِنْهَا، وَإِلْحَاقِ تَوَابِعِ الْمَبِيعِ بِالْمَبِيعِ، وَإِلْحَاقِ الْوَلَدِ بِخَيْرِ الأَْبَوَيْنِ فِي (الدِّيَانَةِ) إِنْ كَانَا مُخْتَلِفَيْنِ دِينًا، وَمَسَائِل أُخْرَى.

لَكِنَّ أَكْثَرَ مَا يَتَعَرَّضُونَ فِيهِ لِلإِْلْحَاقِ هُوَ فِي بَحْثِ (النَّسَبِ) فِي إِلْحَاقِ مَجْهُول النَّسَبِ بِمَنِ ادَّعَاهُ بِشُرُوطِهِ، فَلْيُرْجَعْ لِتَفْصِيلِهِ إِلَى تِلْكَ الْمَوَاضِعِ.

_________

(١) البدائع ٢ / ٣١، والشرح الصغير ١ / ٥٩١، ونهاية المحتاج ٣ / ٥٧، والمغني مع الشرح الكبير ٢ / ٤٧٧

(٢) الأشباه والنظائر لابن نجيم ص ١٢٠، ومجلة الأحكام العدلية م (٢٣١)، والشرح الصغير ٢ / ٢٢٧ - ٢٣٠، ونهاية المحتاج ٤ / ١٢٥ - ١٣٠، والمغني ٤ / ٢٢٦

إِلْزَامٌ

التَّعْرِيفُ:

١ - الإِْلْزَامُ مَصْدَرُ أَلْزَمَ الْمُتَعَدِّي بِالْهَمْزَةِ، وَهُوَ مِنْ لَزِمَ، يُقَال: لَزِمَ يَلْزَمُ لُزُومًا: ثَبَتَ وَدَامَ، وَأَلْزَمْتُهُ: أَثْبَتُّهُ وَأَدَمْتُهُ، وَأَلْزَمْتُهُ الْمَال وَالْعَمَل وَغَيْرَهُ فَالْتَزَمَهُ، وَلَزِمَهُ الْمَال: وَجَبَ عَلَيْهِ، وَأَلْزَمَهُ إِيَّاهُ فَالْتَزَمَهُ. (١)

وَيَقُول الرَّاغِبُ: الإِْلْزَامُ ضَرْبَانِ: إِلْزَامٌ بِالتَّسْخِيرِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ مِنَ الإِْنْسَانِ، وَإِلْزَامٌ بِالْحُكْمِ وَالأَْمْرِ، نَحْوَ قَوْله تَعَالَى: ﴿أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ﴾ (٢) وَقَوْلِهِ ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى﴾ . (٣)

فَيَكُونُ مَعْنَى الإِْلْزَامِ: الإِْيجَابَ عَلَى الْغَيْرِ.

وَلاَ يَخْرُجُ الْفُقَهَاءُ فِي اسْتِعْمَالِهِمْ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ (٤) .

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:

الإِْيجَابُ:

٢ - وَجَبَ الشَّيْءُ يَجِبُ وُجُوبًا أَيْ: لَزِمَ، وَأَوْجَبَهُ هُوَ وَأَوْجَبَهُ اللَّهُ تَعَالَى. وَفِي حَدِيثِ عُمَرَ ﵁

_________

(١) لسان العرب والمصباح المنير مادة: (لزم)

(٢) سورة هود / ٢٨

(٣) سورة الفتح / ٢٦

(٤) المفردات للراغب، وفتح القدير ٦ / ٣٥٦ ط دار إحياء التراث العربي، والتبصرة بهاش فتح العلي المالك ١ / ١٢، ١١٦ ط دار المعرفة بيروت

أَنَّهُ أَوْجَبَ نَجِيبًا، أَيْ أَهْدَاهُ فِي حَجٍّ أَوْ عَمْرَةٍ كَأَنَّهُ أَلْزَمَ نَفْسَهُ بِهِ، وَأَوْجَبَهُ إِيجَابًا أَيْ أَلْزَمَهُ.

وَقَدْ فَرَّقَ أَبُو هِلاَلٍ الْعَسْكَرِيُّ بَيْنَ الإِْيجَابِ وَالإِْلْزَامِ، فَقَال: الإِْلْزَامُ يَكُونُ فِي الْحَقِّ وَالْبَاطِل، يُقَال: أَلْزَمْتُهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِل. وَالإِْيجَابُ لاَ يَسْتَعْمِل إِلاَّ فِيمَا هُوَ حَقٌّ، فَإِنِ اسْتُعْمِل فِي غَيْرِهِ فَهُوَ مَجَازٌ، وَالْمُرَادُ بِهِ الإِْلْزَامُ (١) .

الإِْجْبَارُ وَالإِْكْرَاهُ:

٣ - الإِْجْبَارُ وَالإِْكْرَاهُ هُمَا الْحَمْل عَلَى الشَّيْءِ قَهْرًا، وَالإِْلْزَامُ قَدْ يَكُونُ بِالْقَهْرِ وَهُوَ مَا يُسَمَّى بِالإِْلْزَامِ الْحِسِّيِّ، وَقَدْ يَكُونُ بِدُونِهِ (٢) .

الاِلْتِزَامُ:

٤ - الاِلْتِزَامُ هُوَ: إِلْزَامُ الشَّخْصِ نَفْسَهُ شَيْئًا مِنَ الْمَعْرُوفِ.

فَالاِلْتِزَامُ يَكُونُ مِنَ الإِْنْسَانِ عَلَى نَفْسِهِ كَالنَّذْرِ وَالْوَعْدِ، وَالإِْلْزَامُ يَكُونُ مِنْهُ عَلَى الْغَيْرِ كَإِنْشَاءِ الإِْلْزَامِ مِنَ الْقَاضِي.

وَالاِلْتِزَامُ يَكُونُ وَاقِعًا عَلَى الشَّيْءِ، يُقَال: الْتَزَمْتُ الْعَمَل، وَالإِْلْزَامُ يَقَعُ عَلَى الشَّخْصِ، يُقَال: أَلْزَمْتُ فُلاَنًا الْمَال (٣) .

الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:

٥ - الأَْصْل امْتِنَاعُ الإِْلْزَامِ مِنَ النَّاسِ بَعْضِهِمْ

_________

(١) لسان العرب والفروق في اللغة لأبي هلال العسكري ص ٢١٩ ط أولى دار الآفاق بيروت

(٢) لسان العرب، والتبصرة بهامش فتح العلي ١ / ١٢، ١١٦

(٣) لسان العرب وفتح العلي المالك ١ / ٢١٧

لِبَعْضٍ لِمَا فِيهِ مِنَ التَّسَلُّطِ، وَإِنَّمَا يَكُونُ الإِْلْزَامُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى لِعِبَادِهِ وَمَخْلُوقَاتِهِ، إِمَّا بِطَرِيقِ التَّسْخِيرِ، وَإِمَّا بِطَرِيقِ الْحُكْمِ وَالأَْمْرِ (١) .

وَقَدْ يَقَعُ الإِْلْزَامُ مِنَ النَّاسِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ بِتَسْلِيطِ اللَّهِ تَعَالَى، وَذَلِكَ بِطَرِيقِ الْوِلاَيَةِ، سَوَاءٌ أَكَانَتْ خَاصَّةً أَمْ عَامَّةً، وَحِينَئِذٍ قَدْ يَكُونُ الإِْلْزَامُ وَاجِبًا، فَإِنَّ الإِْمَامَ يَجِبُ عَلَيْهِ إِلْزَامُ النَّاسِ بِالأَْخْذِ بِشَرِيعَةِ الإِْسْلاَمِ، وَلَهُ سُلْطَةُ إِلْزَامِهِمْ بِالْقُوَّةِ وَحَمْلِهِمْ عَلَى فِعْل الْوَاجِبَاتِ وَتَرْكِ الْمُحَرَّمَاتِ (٢) . وَلَقَدْ قَال النَّبِيُّ ﷺ: وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ بِحَطَبٍ فَيُحْطَبَ، ثُمَّ آمُرَ بِالصَّلاَةِ فَتُقَامَ، ثُمَّ آمُرَ رَجُلًا فَيُصَلِّيَ بِالنَّاسِ، ثُمَّ أَنْطَلِقَ مَعِي بِرِجَالٍ مَعَهُمْ حُزَمٌ مِنْ حَطَبٍ إِلَى قَوْمٍ لاَ يَشْهَدُونَ الصَّلاَةَ فَأُحَرِّقَ عَلَيْهِمْ بُيُوتَهُمْ بِالنَّارِ. (٣) وَقَدْ قَاتَل أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ مَانِعِي الزَّكَاةِ (٤) . وَمَنِ امْتَنَعَ مِنْ أَدَاءِ حُقُوقِ الآْدَمِيِّينَ مِنْ دُيُونِ وَغَيْرِهَا أُخِذَتْ مِنْهُ جَبْرًا إِذَا أَمْكَنَ، وَيُحْبَسُ بِهَا إِذَا تَعَذَّرَتْ، إِلاَّ أَنْ يَكُونَ مُعْسِرًا فَيُنْظَرَ إِلَى مَيْسَرَتِهِ (٥) .

بَل إِنَّ الشَّعَائِرَ الَّتِي لَيْسَتْ بِفَرْضٍ، فَإِنَّ لِلإِْمَامِ إِلْزَامَ النَّاسِ بِهَا كَمَا إِذَا اجْتَمَعَ أَهْل بَلَدٍ عَلَى تَرْكِ

_________

(١) المفردات للراغب، والموافقات للشاطبي ٣ / ١٢٠ ط مصطفى محمد

(٢) التبصرة بهامش فتح العلي المالك ٢ / ١٣٢، ٣٠٣، والأحكام السلطانية لأبي يعلى ص ٢٤٤ ط مصطفى الحلبي، والفواكه العديدة ٢ / ٩ ط المكتب الإسلامي

(٣) حديث: " والذي نفسي بيده، لقد هممت. . . " أخرجه البخاري (الفتح ٢ / ١٢٥ - ط السلفية) والأحكام السلطانية لأبي يعلى ص ٢٤٦

(٤) التبصرة ٢ / ١٣٨

(٥) المرجع السابق ص ٢٤٧

الأَْذَانِ، فَإِنَّ الإِْمَامَ أَوْ نَائِبَهُ يُقَاتِلُهُمْ، لأَِنَّهُ مِنْ شَعَائِرِ الإِْسْلاَمِ الظَّاهِرَةِ (١) . وَكَذَلِكَ الْقَاضِي وَالْمُحْتَسِبُ لَهُمْ هَذَا الْحَقُّ فِيمَا وُكِّل إِلَيْهِمْ (٢) .

وَقَدْ يَكُونُ الإِْلْزَامُ حَرَامًا، وَذَلِكَ فِي الأَْمْرِ بِالظُّلْمِ، لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: لاَ طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ (٣)، وَعَلَى ذَلِكَ فَمَنْ أَمَرَهُ الْوَالِي بِقَتْل رَجُلٍ ظُلْمًا أَوْ قَطْعِهِ أَوْ جَلْدِهِ أَوْ أَخْذِ مَالِهِ أَوْ بَيْعِ مَتَاعِهِ فَلاَ يَفْعَل شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ (٤) .

وَقَدْ يَكُونُ الإِْلْزَامُ جَائِزًا كَإِلْزَامِ الْوَالِي بَعْضَ النَّاسِ بِالْمُبَاحَاتِ لِمَصْلَحَةٍ يَرَاهَا (٥)، وَإِلْزَامِ الرَّجُل زَوْجَتَهُ بِالاِمْتِنَاعِ عَنْ مُبَاحٍ (٦) .

وَقَدْ يَكُونُ الإِْلْزَامُ مُسْتَحَبًّا، وَذَلِكَ عِنْدَمَا يَكُونُ مَوْضُوعُهُ مُسْتَحَبًّا، كَإِلْزَامِ الإِْمَامِ رَعِيَّتَهُ بِالاِجْتِمَاعِ عَلَى صَلاَةِ التَّرَاوِيحِ فِي الْمَسَاجِدِ (٧) .

مَوَاطِنُ الْبَحْثِ.

٦ - تَتَعَدَّدُ مَوَاطِنُ الإِْلْزَامِ بِتَعَدُّدِ أَسْبَابِهِ، فَقَدْ يَكُونُ

_________

(١) منتهى الإرادات ١ / ١٢٤ ط دار الفكر، والمهذب ١ / ٦٢ ط دار المعرفة

(٢) التبصرة ١ / ١٢، ١١٦، والأحكام السلطانية لأبي يعلى ص ٢٦٨

(٣) حديث: " لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق " أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٥ / ٢٢٦ - ط القدسي) بلفظ: " لا طاعة في معصية الله ﵎ "، وقال: رواه أحمد بألفاظ والطبراني وفي بعض طرقه: " لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ". ورجال أحمد رجال الصحيح "

(٤) التبصرة ٢ / ٢٧٢

(٥) التحفة ٩ / ٢١٨ ط دار صادر، وخبايا الزوايا ص ١٢١، ١٢٢

(٦) المغني ٧ / ١٩

(٧) المهذب١ / ٩١

بِسَبَبِ الإِْكْرَاهِ الْمُلْجِئِ عَلَى تَفْصِيلٍ فِيهِ. (ر: إِكْرَاه) .

وَمِنْ ذَلِكَ الْعُقُودُ الَّتِي يَكُونُ مِنْ آثَارِهَا الإِْلْزَامُ بِعَمَلٍ مُعَيَّنٍ كَالْبَيْعِ إِذَا تَمَّ، فَإِنَّهُ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ إِلْزَامُ الْبَائِعِ بِتَسْلِيمِ الْمَبِيعِ وَإِلْزَامُ الْمُشْتَرِي بِتَسْلِيمِ الثَّمَنِ.

وَكَالإِْجَارَةِ إِذَا تَمَّتْ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا إِلْزَامُ الْمُسْتَأْجِرِ بِالْقِيَامِ بِالْعَمَل (ر: عَقْد - بَيْع - إِجَارَة) .

إِلْغَاءٌ

التَّعْرِيفُ:

١ - الإِْلْغَاءُ مَصْدَرُ أَلْغَيْتُ الشَّيْءَ، أَيْ: أَبْطَلْتُهُ، وَمِنْهُ الأَْثَرُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ يُلْغِي طَلاَقَ الْمُكْرَهِ، أَيْ يُبْطِلُهُ (١) .

وَيُعَرِّفُهُ الأُْصُولِيُّونَ بِقَوْلِهِمْ: وُجُودُ الْحُكْمِ بِدُونِ الْوَصْفِ صُورَةً، وَحَاصِلُهُ عَدَمُ تَأْثِيرِ الْوَصْفِ أَيِ الْعِلَّةِ (٢) .

وَيَأْتِي الإِْلْغَاءُ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ بِمَعْنَى الإِْبْطَال وَالإِْسْقَاطِ وَالْفَسَادِ وَالْفَسْخِ، غَيْرَ أَنَّهُ لاَ بُدَّ فِي تَحَقُّقِ الإِْلْغَاءِ مِنْ قِيَامِ الْحَقِّ أَوِ الْمِلْكِ الَّذِي يُرَادُ إِلْغَاؤُهُ، إِذْ لاَ يَصِحُّ إِلْغَاءُ فِعْلٍ أَوْ شَيْءٍ لَمْ يُوجَدْ (٣) .

وَيُطْلِقُهُ الأُْصُولِيُّونَ فِي تَقْسِيمِ الْمَصَالِحِ إِلَى مُعْتَبَرَةٍ، وَمُرْسَلَةٍ، وَمُلْغَاةٍ، وَيَقْصِدُونَ بِهَذِهِ الأَْخِيرَةِ مَا أَبْطَلَهُ الشَّرْعُ، كَإِلْغَاءِ مَا فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَالرِّبَا مِنْ مَصَالِحَ

_________

(١) المصباح المنير ولسان العرب في المادة

(٢) التهانوي ٥ / ١٣١١

(٣) الشرح الصغير ٢ / ٣٨٢