الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٦
مَعْنَاهَا. وَاخْتُلِفَ فِي لُبْسِ الْمُحِدَّةِ لِبَعْضِ الثِّيَابِ الْمُلَوَّنَةِ عَلَى وَجْهِ الزِّينَةِ وَفِي لُبْسِ الْحُلِيِّ، وَتَفْصِيل ذَلِكَ يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ (إِحْدَاد: ج ٢ ص ١٠٣) .
د - لِبَاسُ الْعُلَمَاءِ:
٢٢ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ يُنْدَبُ لِلْعُلَمَاءِ أَنْ يَكُونَ لِبَاسُهُمْ فَاخِرًا، كَصُوفٍ وَجُوخٍ رَفِيعٍ وَأَبْرَادٍ رَقِيقَةٍ، وَأَنْ تَكُونَ ثِيَابُهُمْ وَاسِعَةً، وَيَحْسُنُ لَهُمْ لَفُّ عِمَامَةٍ طَوِيلَةٍ تَعَارَفُوهَا، فَإِنْ عُرِفَ عُرْفٌ فِي بِلاَدٍ أُخَرَ أَنَّهَا تُفْعَل بِغَيْرِ الطُّول يَفْعَل، لإِظْهَارِ مَقَامِ الْعِلْمِ، وَلأَِجْل أَنْ يُعْرَفُوا فَيُسْأَلُوا عَنْ أُمُورِ الدِّينِ (١) . فَقَدْ كَانَ أَصْحَابُ رَسُول اللَّه ﷺ يَعْتَمُّونَ، وَيُرْخُونَ الذُّؤَابَةَ بَيْنَ أَكْتَافِهِمْ، لأَِنَّ إِرْخَاءَهَا مِنْ زِيِّ أَهْل الْعِلْمِ وَالْفَضْل وَالشَّرَفِ، وَلِذَا لاَ يَجُوزُ أَنْ يُمَكَّنَ الْكُفَّارُ مِنَ التَّشَبُّهِ بِهِمْ، وَأَنْ يَلْبَسُوا الْقَلاَنِسَ إِذَا انْتَهَوْا فِي عِلْمِهِمْ وَعِزِّهِمْ وعَظُمَتْ مَنْزِلَتُهُمْ وَاقْتَدَى النَّاسُ بِهِمْ، فَيَتَمَيَّزُونَ بِهَا لِلشَّرَفِ عَلَى مَنْ دُونَهُمْ، لِمَا رَفَعَهُمُ اللَّهُ بِعِلْمِهِمْ عَلَى جَهَلَةِ خَلْقِهِ، وَكَذَلِكَ الْخُطَبَاءُ عَلَى الْمَنَابِرِ لِعُلُوِّ مَقَامِهِمْ (٢) .
وَعَلَى هَذَا فَمَا صَارَ شِعَارًا لِلْعُلَمَاءِ يُنْدَبُ لَهُمْ لُبْسُهُ لِيُعْرَفُوا بِذَلِكَ، فَيُسْأَلُوا، وَلِيُطَاوَعُوا فِيمَا عَنْهُ زَجَرُوا، وَعَلَّل ذَلِكَ ابْنُ عَبْدِ السَّلاَمِ بِأَنَّهُ سَبَبٌ لاِمْتِثَال أَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَالاِنْتِهَاءِ عَمَّا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ (٣) .
_________
(١) حاشية ابن عابدين ٣ / ٢٧٤، ٥ / ٢٢٦، وكشاف القناع ١ / ٢٧٩.
(٢) أحكام أهل الذمة لابن قيم الجوزية ٢ / ٧٣٨، ٧٤٦ الطبعة الأولى مطبعة جامعة دمشق.
(٣) نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج ٢ / ٣٧٠.
وَكَرِهَ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ لَهُمْ سَعَةَ ثِيَابِهِمْ وَطُولَهَا، وَطُول أَكْمَامِهِمْ، وَالْكِبْرَ الْخَارِجَ عَنْ عَادَةِ النَّاسِ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ إِضَاعَةٍ لِلْمَال الْمَنْهِيِّ عَنْهَا، وَقَدْ نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ إِضَاعَتِهِ، فَقَدْ يُفَصَّل مِنْ ذَلِكَ الْكُمِّ ثَوْبٌ غَيْرُهُ (١) وَرَوَى مَالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي مُوَطَّئِهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: إِزْرَةُ الْمُسْلِمِ إِلَى أَنْصَافِ سَاقَيْهِ. لاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْكَعْبَيْنِ. مَا أَسْفَل مِنْ ذَلِكَ فَفِي النَّارِ. مَا أَسْفَل مِنْ ذَلِكَ فَفِي النَّارِ. لاَ يَنْظُرُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَى مَنْ جَرَّ إِزَارَهُ بَطَرًا (٢) فَهَذَا نَصٌّ صَرِيحٌ مِنْهُ ﵊ أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ لِلإِْنْسَانِ أَنْ يَجُرَّ ثَوْبَهُ بِقَصْدِ التَّكَبُّرِ. إِذْ أَنَّ مَا تَحْتَ الْكَعْبَيْنِ لَيْسَ لِلإِْنْسَانِ بِهِ حَاجَةٌ فَمَنَعَهُ مِنْهُ. وَأَبَاحَ ذَلِكَ لِلنِّسَاءِ، فَلِلْمَرْأَةِ أَنْ تَجُرَّ ثَوْبَهَا خَلْفَهَا شِبْرًا أَوْ ذِرَاعًا لِلْحَاجَةِ الدَّاعِيَةِ إِلَى ذَلِكَ، وَهِيَ التَّسَتُّرُ وَالإِْبْلاَغُ فِيهِ، إِذْ أَنَّ الْمَرْأَةَ كُلَّهَا عَوْرَةٌ إِلاَّ مَا اسْتُثْنِيَ، وَذَلِكَ فِيهَا بِخِلاَفِ الرِّجَال.
لِبَاسُ أَهْل الذِّمَّةِ:
٢٣ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى وُجُوبِ أَخْذِ أَهْل الذِّمَّةِ بِمَا يُمَيِّزُهُمْ عَنِ الْمُسْلِمِينَ فِي لِبَاسِهِمْ، فَلاَ يَتَشَبَّهُونَ بِهِمْ، لأَِنَّهُمْ لَمَّا كَانُوا مُخَالِطِينَ لأَِهْل الإِْسْلاَمِ كَانَ لاَ بُدَّ مِنْ تَمْيِيزِهِمْ عَنْهُمْ، كَيْ تَكُونَ مُعَامَلَتُهُمْ مُخْتَلِفَةً عَنْ مُعَامَلَةِ الْمُسْلِمِينَ مِنَ التَّوْقِيرِ وَالإِْجْلاَل، وَذَلِكَ
_________
(١) المدخل لابن الحاج ١ / ١٢٤، ١٢٩، ١٣٥، والحطاب ٦ / ١٥٢، وكشاف القناع ١ / ٢٧٩، والآداب الشرعية ٣ / ٥٣٣ - ٥٣٤، والإنصاف ١١ / ٢٠٢.
(٢) حديث: " إزرة المسلم إلى أنصاف ساقيه. . . " أخرجه أبو داود (٤ / ٣٥٣ - ط عزت عبيد دعاس) وإسناده صحيح (فيض القدير ١ / ٤٨٠ - ط المكتبة التجارية) .
لاَ يَجُوزُ لَهُمْ. وَإِذَا وَجَبَ التَّمْيِيزُ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ بِمَا فِيهِ صَغَارُهُمْ لاَ إِعْزَازُهُمْ، وَفِي ذَلِكَ تَفْصِيلٌ يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ (أَهْل الذِّمَّةِ) .
الأَْلْبِسَةُ الَّتِي تُجْزِئُ فِي النَّفَقَةِ الْوَاجِبَةِ:
٢٤ - يَجِبُ لِلزَّوْجَةِ وَالأَْوْلاَدِ وَالْوَالِدَيْنِ وَمَنْ تَجِبُ لَهُمُ النَّفَقَةُ كِسْوَةٌ مُقَدَّرَةٌ عَلَى حَسَبِ حَال مَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ، عَلَى خِلاَفٍ فِي ذَلِكَ يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ (نَفَقَة) .
مَا يُجْزِئُ مِنَ الأَْلْبِسَةِ فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ:
٢٥ - فِي كَفَّارَةِ الأَْيْمَانِ إِنِ اخْتَارَ الْحَانِثُ أَنْ يُكَفِّرَ بِالْكِسْوَةِ كَسَا عَشَرَةَ مَسَاكِين بِمَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْمُ الْكِسْوَةِ، وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (كَفَّارَة) .
شِرَاءُ الأَْلْبِسَةِ أَوِ اسْتِئْجَارُهَا لِلصَّلاَةِ فِيهَا:
٢٦ - أَجَازَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ شِرَاءَ الأَْلْبِسَةِ أَوِ اسْتِئْجَارَهَا لِلصَّلاَةِ. وَقَال الْحَنَابِلَةُ: إِنْ وَجَدَ مَنْ يَبِيعُهُ ثَوْبًا بِثَمَنِ مِثْلِهِ، أَوْ يُؤَجِّرُهُ بِأُجْرَةِ مِثْلِهِ، أَوْ زِيَادَةٍ يَتَغَابَنُ النَّاسُ بِمِثْلِهَا، وَقَدَرَ عَلَى ذَلِكَ الْعِوَضِ لَزِمَهُ قَبُولُهُ. وَإِنْ كَانَتْ كَثِيرَةً لاَ يَتَغَابَنُ النَّاسُ بِمِثْلِهَا لَمْ يَلْزَمْهُ، وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: إِذَا كَانَ بِثَمَنٍ مُعْتَادٍ لَزِمَهُ وَإِلاَّ فَلاَ (١) .: (ر: صَلاَة، وَإِجَارَة) .
مَا يُتْرَكُ لِلْمُفْلِسِ مِنَ الأَْلْبِسَةِ:
٢٧ - إِذَا حُجِرَ عَلَى الْمُفْلِسِ يُتْرَكُ لَهُ مِنَ اللِّبَاسِ
_________
(١) الفتاوى الهندية ٤ / ٤٦٥ - ٤٦٦، والشرح الكبير وحاشية الدسوقي عليه ١ / ٢١١، وروضة الطالبين ٥ / ٢٢٥ ط المكتب الإسلامي، والمغني لابن قدامة ١ / ٥٩٤ ط الرياض الحديثة.
أَقَل مَا يَكْفِيهِ، وَمَا لاَ غِنَى لَهُ عَنْهُ: قَمِيصٌ وَسَرَاوِيل وَشَيْءٌ يَلْبَسُهُ عَلَى رَأْسِهِ، إِمَّا عِمَامَةٌ أَوْ قَلَنْسُوَةٌ أَوْ غَيْرُهُمَا مِمَّا جَرَتْ بِهِ عَادَتُهُ وَلِرِجْلِهِ حِذَاءٌ، وَإِنِ احْتَاجَ إِلَى جُبَّةٍ أَوْ فَرْوَةٍ أَوْ نَحْوِهِمَا تُرِكَ لَهُ ذَلِكَ. وَإِنْ كَانَ لَهُ ثِيَابٌ رَفِيعَةٌ لاَ يَلْبَسُ مِثْلُهُ مِثْلَهَا بِيعَتْ وَاشْتُرِيَ لَهُ كِسْوَةُ مِثْلِهِ، وَرُدَّ الْفَضْل عَلَى الْغُرَمَاءِ. فَإِنْ كَانَتْ إِذَا بِيعَتْ وَاشْتُرِيَ لَهُ كِسْوَةٌ لاَ يَفْضُل مِنْهَا شَيْءٌ تُرِكَتْ لَهُ، فَإِنَّهُ لاَ فَائِدَةَ فِي بَيْعِهَا. وَفِي قَوْلٍ لِلْحَنَفِيَّةِ: يُتْرَكُ لَهُ مِثْل مَا هُوَ لاَبِسُهُ، لأَِنَّهُ إِذَا غَسَل ثِيَابَهُ لاَ بُدَّ لَهُ مِنْ مَلْبَسٍ يَلْبَسُهُ.
وَتُزَادُ الْمَرْأَةُ مَا لاَ غِنَى لَهَا عَنْهُ، كَمِقْنَعَةٍ وَغَيْرِهَا مِمَّا يَلِيقُ بِهَا.
وَيُتْرَكُ لِعِيَالِهِ مِنَ الْمَلاَبِسِ وَالثِّيَابِ مِثْل مَا يُتْرَكُ لَهُ (١) . (ر: إِفْلاَس) .
سَلَبُ الْقَتِيل مِنَ الأَْلْبِسَةِ:
٢٨ - إِذَا قَال الإِْمَامُ: مَنْ قَتَل قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ، فَسَلَبُ الْقَتِيل مِنَ الأَْلْبِسَةِ مُبَاحٌ لِمَنْ حَارَبَ الْكُفَّارَ دِفَاعًا عَنِ الإِْسْلاَمِ وَالْمُسْلِمِينَ، وَقَتَل مِنْهُمْ مَنْ يَجُوزُ قَتْلُهُ، وَذَلِكَ اتِّفَاقًا، وَكَذَلِكَ إِذَا لَمْ يَقُل الإِْمَامُ ذَلِكَ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ. وَالأَْصْل فِيهِ قَوْلُهُ ﷺ مَنْ قَتَل قَتِيلًا لَهُ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ فَلَهُ سَلَبُهُ (٢) .
_________
(١) حاشية ابن عابدين ٥ / ٩٥، وشرح روض الطالب من أسنى المطالب ٢ / ١٩٣ ط المكتبة الإسلامية، وجواهر الإكليل ٢ / ٨٩، ومواهب الجليل لشرح مختصر خليل ٢ / ٥٠٢، والمغني لابن قدامة ٤ / ٤٩٠ ط الرياض الحديثة.
(٢) حديث: " من قتل قتيلا له عليه بينة فله سلبه. . . " أخرجه البخاري (الفتح ٨ / ٣٥ - ط السلفية) ومسلم (٣ / ١٣٧١ - ط الحلبي) .
وَسَلَبُ الْقَتِيل مَا كَانَ لاَبِسًا لَهُ مِنْ ثِيَابٍ وَعِمَامَةٍ وَقَلَنْسُوَةٍ وَمِنْطَقَةٍ وَدِرْعٍ وَمِغْفَرٍ وَبَيْضَةٍ وَتَاجٍ وَأَسْوِرَةٍ وَرَانٍ وَخُفٍّ بِمَا فِيهِ مِنْ حِلْيَةٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ (١) .
وَفِي إِعْطَائِهِ لِمَنْ قَتَلَهُ تَفْصِيلٌ يُرْجَعُ إِلَيْهِ فِي مُصْطَلَحِ (غَنِيمَة) .
سُنَنُ اللُّبْسِ وَآدَابُهُ وَأَدْعِيَتُهُ الْمَأْثُورَةُ:
٢٩ - مِنَ السُّنَّةِ أَنْ يَبْدَأَ الْمُسْلِمُ وَهُوَ يَلْبَسُ ثَوْبَهُ أَوْ نَعْلَهُ أَوْ سَرَاوِيلَهُ وَشِبْهَهَا بِالْيَمِينِ، بِإِدْخَال الْيَدِ الْيُمْنَى فِي كُمِّ الثَّوْبِ، وَالرِّجْل الْيُمْنَى فِي كُلٍّ مِنَ النَّعْل وَالسَّرَاوِيل، وَفِي الْخَلْعِ بِالأَْيْسَرِ ثُمَّ الأَْيْمَنِ.
فَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ رَسُول اللَّهِ ﷺ يُعْجِبُهُ التَّيَمُّنُ فِي شَأْنِهِ كُلِّهِ، فِي طُهُورِهِ وَتَنَعُّلِهِ وَتَرَجُّلِهِ (٢) وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى كَانَ رَسُول اللَّهِ ﷺ يُحِبُّ التَّيَامُنَ مَا اسْتَطَاعَ فِي طُهُورِهِ وَتَنَعُّلِهِ وَتَرَجُّلِهِ وَفِي شَأْنِهِ كُلِّهِ (٣) . وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَال كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا لَبِسَ قَمِيصًا بَدَأَ بِمَيَامِنِهِ (٤) وَعَنْهُ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: إِذَا لَبِسْتُمْ
_________
(١) رد المحتار على الدر المختار ٣ / ٢٣٨ - ٢٤١، والشرح الكبير وحاشية الدسوقي عليه ٢ / ١٩٠ - ١٩١، جواهر الإكليل ١ / ٢٦٠ - ٢٦١، والمهذب ٢ / ٢٣٨ - ٢٣٩، والمغني لابن قدامة ٨ / ٣٨٧ - ٣٩٤ ط الرياض الحديثة.
(٢) حديث: " كان يعجبه التيمن. . . . " أخرجه البخاري (الفتح ١ / ٢٦٩ ط السلفية) ومسلم (١ / ٢٢٦) واللفظ للبخاري.
(٣) عن عائشة: " كان رسول الله ﷺ يحب التيمن في شأنه كله. . . " أخرجه البخاري (الفتح ١ / ٥٢٣ ط السلفية) ومسلم (١ / ٢٢٦ ط الحلبي) .
(٤) حديث: " كان إذا لبس قميصا بدأ بميامنه. . . " أخرجه الترمذي (٤ / ٢٣٩ ط الحلبي) وإسناده صحيح. (فيض القدير ٥ / ١٥٩ - ط المكتبة التجارية) .
وَإِذَا تَوَضَّأْتُمْ فَابْدَءُوا بِمَيَامِنِكُمْ (١) وَعَنْ حَفْصَةَ ﵂ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَجْعَل يَمِينَهُ لِطَعَامِهِ وَشَرَابِهِ وَثِيَابِهِ، وَيَجْعَل شِمَالَهُ لِمَا سِوَى ذَلِكَ (٢) رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَأَحْمَدُ، وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ مَرْفُوعًا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ قَال: إِذَا انْتَعَل أَحَدُكُمْ فَلْيَبْدَأْ بِالْيَمِينِ، وَإِذَا نَزَعَ فَلْيَبْدَأْ بِالشِّمَال (٣) .
وَلِهَذَا اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى اسْتِحْبَابِ التَّيَامُنِ فِي الأُْمُورِ الشَّرِيفَةِ، وَالتَّيَاسُرِ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ. فَالتَّيَامُنُ كَلُبْسِ الثَّوْبِ وَالْخُفِّ وَالْمَدَاسِ وَالسَّرَاوِيل وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَالتَّيَاسُرُ كَخَلْعِ الثَّوْبِ وَالسَّرَاوِيل وَالْخُفِّ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، فَيُسْتَحَبُّ التَّيَاسُرُ فِيهِ، وَذَلِكَ لِكَرَامَةِ الْيَمِينِ وَشَرَفِهَا.
وَيُسْتَحَبُّ لِمَنْ لَبِسَ ثَوْبَهُ سَوَاءٌ أَكَانَ قَمِيصًا أَمْ إِزَارًا أَمْ عِمَامَةً أَمْ رِدَاءً أَنْ يَقُول: بِسْمِ اللَّهِ، وَأَنْ يَدْعُوَ بِمَا وَرَدَ.
فَعَنْ مُعَاذِ بْنِ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: مَنْ لَبِسَ ثَوْبًا جَدِيدًا فَقَال: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي كَسَانِي هَذَا، وَرَزَقَنِيهِ مِنْ غَيْرِ حَوْلٍ مِنِّي وَلاَ قُوَّةٍ،
_________
(١) حديث: " إذا لبستم وإذا توضأتم فابدءوا بميامنكم. . . " أخرجه أبو داود (٤ / ٣٧٩ - ط عزت عبيد دعاس) وصححه النووي في رياض الصالحين (ص ٣٣٧ - ط الرسالة) .
(٢) حديث: " كان يجعل يمينه. . . " أخرجه أحمد وأبو داود واللفظ له، وفي إسناده أبو أيوب الإفريقي، لينه أبو زرعة ووثقه ابن حبان، وقال النووي: إسناده جيد، وقال ابن سيد الناس: هو معلل. (عون المعبود ١ / ١٢، ١٣ ط الهند، وفيض القدير ٥ / ٢٠٤ ط المكتبة التجارية) .
(٣) حديث: " إذا انتعل أحدكم فليبدأ باليمين، وإذا نزع فليبدأ بالشمال. . . " أخرجه البخاري (الفتح ١٠ / ٣١١ ط السلفية) ومسلم (٣ / ١٦٦٠ ط الحلبي) .
غَفَرَ اللَّهُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ (١) .
وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَال: كَانَ رَسُول اللَّهِ ﷺ إِذَا اسْتَجَدَّ ثَوْبًا سَمَّاهُ بِاسْمِهِ عِمَامَةً أَوْ قَمِيصًا أَوْ رِدَاءً ثُمَّ يَقُول: اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ أَنْتَ كَسَوْتَنِيهِ، أَسْأَلُكَ خَيْرَهُ وَخَيْرَ مَا صُنِعَ لَهُ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّهِ وَشَرِّ مَا صُنِعَ لَهُ (٢) .
وَعَنْ عُمَرَ ﵁ قَال: سَمِعْتُ رَسُول اللَّهِ ﷺ يَقُول: مَنْ لَبِسَ ثَوْبًا جَدِيدًا فَقَال: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي كَسَانِي مَا أُدَارِي بِهِ عَوْرَتِي، وَأَتَجَمَّل بِهِ فِي حَيَاتِي، ثُمَّ عَمَدَ إِلَى الثَّوْبِ الَّذِي أَخْلَقَ فَتَصَدَّقَ بِهِ، كَانَ فِي حِفْظِ اللَّهِ وَفِي كَنَفِ اللَّهِ ﷿ وَفِي سَبِيل اللَّهِ حَيًّا وَمَيِّتًا (٣) .
ذَلِكَ هُوَ سُنَنُ اللُّبْسِ وَآدَابُهُ، وَمَا فِي ذَلِكَ مِنْ أَدْعِيَةٍ مَأْثُورَةٍ (٤) .
_________
(١) حديث معاذ بن أنس: " من لبس ثوبا جديدا. . . " أخرجه أبو داود (٤ / ٣١٠ ط عزت عبيد دعاس) وحسنه ابن حجر كما في الفتوحات (١ / ٣٠٠ ط. المنيرية) .
(٢) حديث: أبي سعيد الخدري: " كان إذا استجد ثوبا سماه باسمه. . . . ". أخرجه أبو داود (٤ / ٣٠٩ ط عزت عبيد دعاس) وحسنه ابن حجر كما في الفتوحات ١ / ٣٠٤ ط المنيرية) .
(٣) حديث:: " من لبس ثوبا. . . " أخرجه الحاكم (٤ / ١٣٩ ط دائرة المعارف العثمانية) وفي إسناده علي بن يزيد الألهاني وهو ضعيف.
(٤) نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج ٢ / ٣٧١، والمجموع شرح المهذب ٤ / ٤٦٠ - ٤٦١ ط المكتبة السلفية، والأذكار المنتخبة من كلام سيد الأبرار ﷺ ص٢٢ - ٢٤، والشرح الكبير ١ / ١٠٣، وكشاف القناع عن متن الإقناع ١ / ٢٨٨ ط النصر الحديثة، ومجمع الزوائد ومنبع الفوائد للهيثمي ١١٨ - ١١٩، وفتح الباري بشرح صحيح البخاري لابن حجر العسقلاني ١٠ / ٣٠٣.
الْتِبَاسٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الاِلْتِبَاسُ فِي اللُّغَةِ مِنَ اللَّبْسِ، وَهُوَ الْخَلْطُ. وَيَأْتِي بِمَعْنَى الاِشْتِبَاهِ وَالإِْشْكَال. يُقَال: الْتَبَسَ عَلَيْهِ الأَْمْرُ، أَيِ: اشْتَبَهَ وَأَشْكَل (١) .
وَلاَ يَخْرُجُ اسْتِعْمَال الْفُقَهَاءِ لِهَذَا اللَّفْظِ عَنْ هَذَا الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ، حَتَّى إِنَّ بَعْضَهُمْ سَوَّى بَيْنَ الاِشْتِبَاهِ وَالاِلْتِبَاسِ، وَعَرَّفَ أَحَدَهُمَا بِالآْخَرِ، كَمَا جَاءَ فِي كُتُبِ الْمَالِكِيَّةِ: قَال ابْنُ عَبْدِ السَّلاَمِ: الاِشْتِبَاهُ الاِلْتِبَاسُ (٢) .
٢ - وَيَظْهَرُ مِنْ تَتَبُّعِ عِبَارَاتِ الْفُقَهَاءِ أَنَّ الْمَالِكِيَّةَ قَدِ انْفَرَدُوا بِاسْتِعْمَال لَفْظِ (الاِلْتِبَاسِ)، وَغَيْرَ الْمَالِكِيَّةِ أَكْثَرُوا مِنِ اسْتِعْمَال لَفْظَيِ (اشْتِبَاهٍ وَشَكٍّ) بَدَلًا مِنْ كَلِمَةِ الْتِبَاسٍ، كَمَا هُوَ الْمُلاَحَظُ فِي بَحْثِ خَفَاءِ الْقِبْلَةِ، وَنِكَاحِ الأَْجْنَبِيَّةِ الَّتِي اشْتَبَهَتْ بِأُخْتِهِ، وَطَهَارَةِ الْمَاءِ وَالثِّيَابِ وَالأَْوَانِي الْمُلْتَبِسَةِ وَغَيْرِهَا (٣) .
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:
٣ - يَخْتَلِفُ حُكْمُ الاِلْتِبَاسِ تَبَعًا لاِخْتِلاَفِ مُتَعَلِّقِهِ، فَإِذَا الْتَبَسَ الْحَلاَل بِالْحَرَامِ يُرَجَّحُ جَانِبُ الْحُرْمَةِ احْتِيَاطًا، كَمَنِ الْتَبَسَتْ عَلَيْهِ الأَْجْنَبِيَّةُ بِأُخْتِهِ، بِأَنْ
_________
(١) المصباح المنير ولسان العرب مادة: (لبس) .
(٢) مواهب الجليل ١ / ١٧٣.
(٣) الاختيار ١ / ٤٧، والفروق للقرافي ١ / ٢٢٨، والشرح الكبير للدردير ١ / ٧، ونهاية المحتاج ١ / ٦٣، ٧٧، والإقناع ١ / ١٢.
شَكَّ فِي الأَْجْنَبِيَّةِ وَأُخْتِهِ مِنَ الرَّضَاعِ حَرُمَتَا مَعًا. وَكَذَا إِذَا اشْتَبَهَتِ الْمُذَكَّاةُ بِالْمَيْتَةِ (١) .
وَمَنِ الْتَبَسَتْ عَلَيْهِ الْقِبْلَةُ سَأَل وَاجْتَهَدَ وَتَحَرَّى، فَإِذَا خَفِيَتْ تَخَيَّرَ وَصَلَّى مَعَ تَفْصِيلٍ فِي ذَلِكَ (٢) .
كَذَلِكَ لَوِ اشْتَبَهَ عَلَى شَخْصٍ مَاءٌ طَاهِرٌ بِمَاءٍ نَجِسٍ، أَوِ الْتَبَسَتْ عَلَيْهِ الأَْوَانِي أَوِ الثِّيَابُ، يَجْتَهِدُ وَيَتَحَرَّى عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ، وَإِنْ كَانَ الأَْرْجَحُ عِنْدَ بَعْضِ الْحَنَفِيَّةِ الطَّهَارَةَ (٣) .
وَلِمَعْرِفَةِ أَحْكَامِ الاِلْتِبَاسِ وَالأَْلْفَاظِ ذَاتِ الصِّلَةِ بِهِ يُرْجَعُ إِلَى مُصْطَلَحِ (اشْتِبَاه) .
الْتِزَامٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الاِلْتِزَامُ فِي اللُّغَةِ يُقَال: لَزِمَ الشَّيْءُ يَلْزَمُ لُزُومًا أَيْ: ثَبَتَ وَدَامَ، وَلَزِمَهُ الْمَال وَجَبَ عَلَيْهِ، وَلَزِمَهُ الطَّلاَقُ: وَجَبَ حُكْمُهُ، وَأَلْزَمْتُهُ الْمَال وَالْعَمَل فَالْتَزَمَهُ، وَالاِلْتِزَامُ: الاِعْتِنَاقُ (٤) .
وَالاِلْتِزَامُ: إِلْزَامُ الشَّخْصِ نَفْسَهُ مَا لَمْ يَكُنْ لاَزِمًا لَهُ، أَيْ مَا لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا عَلَيْهِ قَبْل، وَهُوَ بِهَذَا الْمَعْنَى
_________
(١) لفروق للقرافي ١١ / ٢٢٧، ومسلم الثبوت ١ / ٩٦، الأشباه والنظائر لابن نجيم ص٦١ - ٦٥
(٢) الزيلعي ١ / ١٠١، والشرح الكبير للدردير ١ / ٢٢١، والمغني ١ / ٤٩٣.
(٣) البحر الرائق ١ / ١٤٣، والفروق للقرافي ١ / ٢٢٨، ونهاية المحتاج ١ / ٧٦، وكشاف القناع ١ / ٣٠.
(٤) لسان العرب والمصباح المنير.
شَامِلٌ لِلْبَيْعِ وَالإِْجَارَةِ وَالنِّكَاحِ وَسَائِرِ الْعُقُودِ (١) .
وَهَذَا الْمَعْنَى اللُّغَوِيُّ جَرَتْ عَلَيْهِ اسْتِعْمَالاَتُ الْفُقَهَاءِ، حَيْثُ تَدُل تَعْبِيرَاتُهُمْ عَلَى أَنَّ الاِلْتِزَامَ عَامٌّ فِي التَّصَرُّفَاتِ الاِخْتِيَارِيَّةِ، وَهِيَ تَشْمَل جَمِيعَ الْعُقُودِ، سَوَاءٌ فِي ذَلِكَ الْمُعَاوَضَاتُ وَالتَّبَرُّعَاتُ (٢) . وَهُوَ مَا اعْتَبَرَهُ الْحَطَّابُ اسْتِعْمَالًا لُغَوِيًّا، فَقَدْ عَرَّفَهُ بِأَنَّهُ: إِلْزَامُ الشَّخْصِ نَفْسَهُ شَيْئًا مِنَ الْمَعْرُوفِ مُطْلَقًا، أَوْ مُعَلَّقًا عَلَى شَيْءٍ، فَهُوَ بِمَعْنَى الْعَطِيَّةِ، فَدَخَل فِي ذَلِكَ الصَّدَقَةُ وَالْهِبَةُ وَالْحَبْسُ (الْوَقْفُ) وَالْعَارِيَّةُ وَالْعُمْرَى وَالْعَرِيَّةُ وَالْمِنْحَةُ وَالإِْرْفَاقُ وَالإِْخْدَامُ وَالإِْسْكَانُ وَالنَّذْرُ.
قَال الْحَطَّابُ فِي كِتَابِهِ تَحْرِيرِ الْكَلاَمِ فِي مَسَائِل الاِلْتِزَامِ: وَقَدْ يُطْلَقُ فِي الْعُرْفِ عَلَى مَا هُوَ أَخَصُّ مِنْ ذَلِكَ، وَهُوَ الْتِزَامُ الْمَعْرُوفِ بِلَفْظِ الاِلْتِزَامِ (٣) .
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الْعَقْدُ وَالْعَهْدُ:
٢ - مِنْ مَعَانِي الْعَقْدِ لُغَةً: الْعَهْدُ، وَيُقَال: عَهِدْتُ إِلَى فُلاَنٍ فِي كَذَا وَكَذَا، وَتَأْوِيلُهُ: أَلْزَمْتُهُ ذَلِكَ، فَإِذَا قُلْتَ عَاقَدْتُهُ أَوْ عَقَدْتُ عَلَيْهِ، فَتَأْوِيلُهُ: أَنَّكَ أَلْزَمْتَهُ ذَلِكَ بِاسْتِيثَاقٍ، وَتَعَاقَدَ الْقَوْمُ: تَعَاهَدُوا (٤) .
وَفِي الْمَجَلَّةِ الْعَدْلِيَّةِ: الْعَقْدُ: الْتِزَامُ الْمُتَعَاقِدَيْنِ
_________
(١) فتح العلي المالك ١ / ٢١٧ نشر دار المعرفة.
(٢) المنثور ٣ / ٣٩٢، وقواعد الأحكام ٢ / ٦٩، ٧٣، والمجلة م / ١٠٣، ومرشد الحيران مواد ٢١٣، ٢١٤، والبدائع ٥ / ١٦٨، وأحكام القرآن للجصاص ٢ / ٣٦٠، وإعلام الموقعين ١ / ٣٤٩، ٢ / ٢٩.
(٣) فتح العلي المالك ١ / ٢١٧، ٢١٨
(٤) لسان العرب مادة: (عقد) .