الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٦ الصفحة 27

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٦

مِنَ الأَْشْجَارِ مَا لاَ نَفْسَ لَهُ (١) . هَذَا مَا جَرَى عَلَيْهِ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ (٢) .

أَمَّا التَّصَاوِيرُ الْمَنْقُوشَةُ عَلَى السُّتُورِ وَالْبُسُطِ وَالْوَسَائِدِ وَالأَْبْوَابِ وَافْتِرَاشُهَا وَالْجُلُوسُ عَلَيْهَا وَتَعْلِيقُهَا وَاسْتِخْدَامَاتُهَا الْمُخْتَلِفَةُ فَالأَْحْكَامُ فِيهَا تُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ (تَصْوِير) .

ب - الأَْلْبِسَةُ الْمُزَعْفَرَةُ وَنَحْوُهَا:

١٤ - ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى تَحْرِيمِ لُبْسِ الثِّيَابِ الْمُزَعْفَرَةِ دُونَ الْمُعَصْفَرَةِ لِلرِّجَال وَإِبَاحَتِهَا لِلنِّسَاءِ، فَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَال: نَهَى النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَتَزَعْفَرَ الرَّجُل (٣)

وَلَوْ صَبَغَ بَعْضَ ثَوْبٍ بِزَعْفَرَانٍ، فَهَل هُوَ كَالتَّطْرِيفِ فَيَحْرُمُ مَا زَادَ عَلَى الأَْرْبَعِ الأَْصَابِعِ، أَوْ كَالْمَنْسُوجِ مِنَ الْحَرِيرِ وَغَيْرِهِ فَيُعْتَبَرُ الأَْكْثَرُ؟ الأَْوْجَهُ أَنَّ الْمَرْجِعَ فِي ذَلِكَ إِلَى الْعُرْفِ، فَإِنْ صَحَّ إِطْلاَقُ

_________

(١) الأثر عن ابن عباس " لما قال له المصور. . . " أخرجه البخاري (الفتح ٤ / ٤١٦ - ط السلفية) .

(٢) حاشية ابن عابدين ١ / ٦٠٧، والفتاوى الخانية بهامش الفتاوى الهندية ٦ / ٣٦٩، وحاشية قليوبي ٣ / ٢٩٧، وشرح روض الطالب من أسنى المطالب ٣ / ٢٢٥ - ٢٢٦، وروضة الطالبين ١ / ٢٨٩، ونهاية المحتاج إلى شرح المنهاج ٢ / ٣٦٩، والمجموع شرح المهذب ٣ / ١٨٦، والشرح الكبير ٢ / ٣٣٧ - ٣٣٨، وكشاف القناع عن متن الإقناع ١ / ٢٧٩ - ٢٨٠ ط النصر الحديثة، والمغني لابن قدامة ١ / ٥٩٠ ط الرياض الحديثة، والآداب الشرعية والمنح المرعية لابن مفلح الحنبلي ٣ / ٥١٢ - ٥١٤، ٥٢٣، ٥٢٤ ط الرياض الحديثة، ونيل الأوطار للشوكاني ٢ / ٩٧ - ١٠١ ط دار الجيل.

(٣) حديث: " نهى النبي ﷺ أن يتزعفر الرجل " أخرجه البخاري (الفتح ١٠ / ٣٠٤ - ط السلفية) ومسلم (٣ / ١٦٦٢ - ط الحلبي) .

الْمُزَعْفَرِ عَلَيْهِ عُرْفًا حَرُمَ وَإِلاَّ فَلاَ. وَلاَ يُكْرَهُ لِغَيْرِ الْمَرْأَةِ مَصْبُوغٌ بِغَيْرِ الزَّعْفَرَانِ وَالْعُصْفُرِ وَالأَْحْمَرِ وَالأَْصْفَرِ وَالأَْخْضَرِ وَغَيْرِهَا، سَوَاءٌ أَصُبِغَ قَبْل النَّسْجِ أَمْ بَعْدَهُ، لِعَدَمِ وُرُودِ نَهْيٍ فِي ذَلِكَ (١) .

وَقَال الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ بِكَرَاهَةِ لُبْسِ الثِّيَابِ الْمُزَعْفَرَةِ وَالْمُعَصْفَرَةِ لِلرِّجَال دُونَ النِّسَاءِ (٢)، لِحَدِيثِ أَنَسٍ السَّابِقِ، وَلِمَا رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵄ قَال: رَأَى النَّبِيُّ ﷺ عَلَيَّ ثَوْبَيْنِ مُعَصْفَرَيْنِ فَقَال: أَأُمُّكَ أَمَرَتْكَ بِهَذَا؟ قُلْتُ: أَغْسِلُهُمَا، قَال: بَل أَحْرِقْهُمَا (٣)

وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَال: نَهَانِي رَسُول اللَّهِ ﷺ عَنِ التَّخَتُّمِ بِالذَّهَبِ، وَعَنْ لِبَاسِ الْقِسِيِّ، وَعَنِ الْقِرَاءَةِ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَعَنْ لِبَاسِ الْمُعَصْفَرِ (٤)

وَأَجَازَ الْمَالِكِيَّةُ لِغَيْرِ الْمُحْرِمِ لُبْسَ الْمُعَصْفَرِ وَنَحْوِهِ كَالْمُزَعْفَرِ، مَا لَمْ يَكُنْ مُفَدَّمًا (أَيْ شَدِيدَ الْحُمْرَةِ) وَالْمُفَدَّمُ: هُوَ الْقَوِيُّ الصَّبْغِ الَّذِي رُدَّ فِي الْعُصْفُرِ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى، وَإِلاَّ كُرِهَ لُبْسُهُ لِلرِّجَال فِي غَيْرِ الإِْحْرَامِ.

وَحَرُمَ عِنْدَ الْجَمِيعِ عَلَى الْمُحْرِمِ لُبْسُ مَا كَانَ مُزَعْفَرًا أَوْ مُعَصْفَرًا، سَوَاءٌ كَانَ رَجُلًا أَوِ امْرَأَةً، إِذَا

_________

(١) نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج ٢ / ٣٦٩، والمجموع شرح المهذب ٤ / ٣٣٩.

(٢) حاشية ابن عابدين ٥ / ٢٢٨، ٤٨١، والفتاوى الهندية ٥ / ٣٣٢، والمغني لابن قدامة ١ / ٥٨٥ ط الرياض الحديثة، وكشاف القناع عن متن الإقناع ١ / ٢٨٤ ط النصر الحديثة.

(٣) حديث: " أأمك أمرتك بهذا؟ " أخرجه مسلم (٣ / ١٦٤٧ - ط الحلبي) .

(٤) حديث علي " نهاني رسول الله ﷺ عن التختم. . . . " أخرجه مسلم (٣ / ١٦٤٨ ط الحلبي) .

كَانَ رِيحُ الطِّيبِ بَاقِيًا، لأَِنَّهُ طَيِّبٌ، وَلاَ بَأْسَ بِسَائِرِ الأَْلْوَانِ غَيْرِ ذَلِكَ (١) .

ج - لُبْسُ مَا يَشِفُّ أَوْ يَصِفُ:

١٥ - لاَ يَجُوزُ لُبْسُ الرَّقِيقِ مِنَ الثِّيَابِ إِذَا كَانَ يَشِفُّ عَنِ الْعَوْرَةِ، فَيُعْلَمُ لَوْنُ الْجِلْدِ مِنْ بَيَاضٍ أَوْ حُمْرَةٍ، سَوَاءٌ فِي ذَلِكَ الرَّجُل وَالْمَرْأَةُ وَلَوْ فِي بَيْتِهَا، هَذَا إِنْ رَآهَا غَيْرُ زَوْجِهَا، لِمَا يَأْتِي مِنَ الأَْدِلَّةِ، وَهُوَ بِالإِْضَافَةِ إِلَى ذَلِكَ مُخِلٌّ بِالْمُرُوءَةِ، وَلِمُخَالَفَتِهِ لِزِيِّ السَّلَفِ، وَلاَ تَصِحُّ الصَّلاَةُ فِي مِثْل تِلْكَ الثِّيَابِ، وَيَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ لُبْسُهُ إِذَا كَانَ لاَ يَرَاهَا إِلاَّ زَوْجُهَا. أَمَّا مَا كَانَ رَقِيقًا يَسْتُرُ الْعَوْرَةَ، وَلَكِنَّهُ يَصِفُ حَجْمَهَا حَتَّى يُرِي شَكْل الْعُضْوِ فَإِنَّهُ مَكْرُوهٌ. لِقَوْل جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: " إِنَّ الرَّجُل لَيَلْبَسُ وَهُوَ عَارٍ، يَعْنِي الثِّيَابَ الرِّقَاقَ (٢) "

وَعَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ قَال: كَسَانِي رَسُول اللَّهِ ﷺ قُبْطِيَّةً كَثِيفَةً مِمَّا أَهْدَاهَا لَهُ دِحْيَةُ الْكَلْبِيُّ، فَكَسَوْتُهَا امْرَأَتِي، فَقَال لِي رَسُول اللَّهِ ﷺ مَا لَكَ لَمْ تَلْبَسِ الْقُبْطِيَّةَ؟ قُلْتُ: يَا رَسُول اللَّهِ كَسَوْتُهَا امْرَأَتِي. فَقَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: مُرْهَا فَلْتَجْعَل تَحْتَهَا غِلاَلَةً، فَإِنِّي أَخَافُ أَنْ تَصِفَ حَجْمَ عِظَامِهَا (٣)

_________

(١) الشرح الكبير وحاشية الدسوقي ٢ / ٥٩، جواهر الإكليل ١ / ١٨٨ ومواهب الجليل لشرح مختصر خليل ٣ / ١٤٧ - ١٤٨ ط النجاح بليبيا.

(٢) الأثر عن جرير " إن الرجل ليلبس وهو عار، يعني الثياب الرقاق " أخرجه الطبراني (٢ / ٣٢٩ - ط وزارة الأوقاف العراقية) وقال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح (مجمع الزوائد ٥ / ١٣٦ - ط القدسي) .

(٣) حديث: " أسامة: مرها فلتجعل تحتها غلالة. . . " أخرجه أحمد (٥ / ٢٠٥ - ط الميمنية) وحسنه الهيثمي في المجمع (٥ / ١٣٧ - ط القدسي) . وانظر: حاشية ابن عابدين ١ / ٢٧٤ - ٢٧٥، ٥ / ٢٣٨ والمهذب ١ / ٧١، وجواهر الإكليل ١ / ٤٢، وكشاف القناع عن متن الإقناع ١ / ٢٧٨ ط النصر الحديثة، والمغني لابن قدامة ١ / ٥٧٧ - ٥٧٩ ط الرياض الحديثة، والآداب الشرعية لابن مفلح الحنبلي ٣ / ٥٢٣ - ٥٢٤ ط الرياض الحديثة، ومجمع الزوائد ومنبع الفوائد للهيثمي ٥ / ١٣٦ ط القدسي.

فَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى النَّهْيِ عَنْ لُبْسِ اللِّبَاسِ الَّذِي يَصِفُ مَا تَحْتَهُ مِنَ الْبَدَنِ، وَلِهَذَا وَرَدَ فِي حَدِيثِ عَلْقَمَةَ عَنْ أُمِّهِ قَالَتْ: دَخَلَتْ حَفْصَةُ بِنْتُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَلَى عَائِشَةَ وَعَلَيْهَا خِمَارٌ رَقِيقٌ، فَشَقَّتْهُ عَائِشَةُ، وَكَسَتْهَا خِمَارًا كَثِيفًا (١) . وَالْخِمَارُ بِالْكَسْرِ هُوَ: مَا تُغَطِّي بِهِ الْمَرْأَةُ رَأْسَهَا (٢) .

وَعَنْ دِحْيَةَ الْكَلْبِيِّ قَال: أُتِيَ رَسُول اللَّهِ ﷺ بِقَبَاطِيَّ، فَأَعْطَانِي مِنْهَا قُبْطِيَّةً. فَقَال: اصْدَعْهَا صَدْعَيْنِ، فَاقْطَعْ أَحَدَهُمَا قَمِيصًا، وَأَعْطِ الآْخَرَ امْرَأَتَكَ تَخْتَمِرُ بِهِ، فَلَمَّا أَدْبَرَ قَال: وَأْمُرِ امْرَأَتَكَ أَنْ تَجْعَل تَحْتَهُ ثَوْبًا لاَ يَصِفُهَا، وَقَبَاطِيُّ جَمْعُ: قُبْطِيَّةٍ بِكَسْرٍ أَوْ ضَمٍّ وَسُكُونٍ، أَيْ ثَوْبٌ يَصْنَعُهُ قِبْطُ مِصْرَ رَقِيقٌ أَبْيَضُ (٣) . .

د - الأَْلْبِسَةُ الْمُخَالِفَةُ لِعَادَاتِ النَّاسِ:

١٦ - لُبْسُ الأَْلْبِسَةِ الَّتِي تُخَالِفُ عَادَاتِ النَّاسِ

_________

(١) حديث أم علقمة: " دخلت حفصة. . . " أخرجه البيهقي (٢ / ٢٣٥ - ط دائرة المعارف العثمانية) وفي إسناده جهالة (ميزان الاعتدال ٤ / ٦١٣ - ط الحلبي) .

(٢) مجمع الزوائد ومنبع الفوائد ٥ / ١٣٦.

(٣) حديث دحية الكلبي " اصدعها صدعين. . . " أخرجه أبو داود (٤ / ٣٦٤ - ط عزت عبيد دعاس) وفي إسناده جهالة.

مَكْرُوهٌ لِمَا فِيهِ مِنْ شُهْرَةٍ، أَيْ مَا يَشْتَهِرُ بِهِ عِنْدَ النَّاسِ وَيُشَارُ إِلَيْهِ بِالأَْصَابِعِ، لِئَلاَّ يَكُونَ ذَلِكَ سَبَبًا إِلَى حَمْلِهِمْ عَلَى غِيبَتِهِ، فَيُشَارِكَهُمْ فِي إِثْمِ الْغِيبَةِ.

فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ مَرْفُوعًا أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنِ الشُّهْرَتَيْنِ فَقِيل: يَا رَسُول اللَّهِ وَمَا الشُّهْرَتَانِ؟ قَال: رِقَّةُ الثِّيَابِ وَغِلَظُهَا، وَلِينُهَا وَخُشُونَتُهَا، وَطُولُهَا وَقِصَرُهَا، وَلَكِنْ سَدَادًا بَيْنَ ذَلِكَ وَاقْتِصَادًا (١)

وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا مَنْ لَبِسَ ثَوْبَ شُهْرَةٍ أَلْبَسَهُ اللَّهُ ثَوْبَ مَذَلَّةٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ (٢) قَال فِي لِسَانِ الْعَرَبِ: الشُّهْرَةُ ظُهُورُ الشَّيْءِ فِي شُنْعَةٍ حَتَّى يَشْهَرَهُ النَّاسُ، وَيُكْرَهُ لُبْسُ زِيٍّ مُزْرٍ بِهِ لأَِنَّهُ مِنَ الشُّهْرَةِ، فَإِنْ قَصَدَ بِهِ الاِخْتِيَال أَوْ إِظْهَارَ التَّوَاضُعِ حَرُمَ لأَِنَّهُ رِيَاءٌ: مَنْ سَمَّعَ سَمَّعَ اللَّهُ بِهِ، وَمَنْ رَاءَى رَاءَى بِهِ (٣) .

وَيُكْرَهُ زِيُّ أَهْل الشِّرْكِ، لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ (٤) كَمَا كُرِهَ طُول الرِّدَاءِ مَخَافَةَ أَنْ يَغْفُل عَنْهُ فَيَجُرَّهُ مِنْ خَلْفِهِ، وَقَدْ جَاءَ

_________

(١) حديث: " نهى عن الشهرتين. . . . " أخرجه البيهقي (٣ / ٢٧٣ - ط دائرة المعارف العثمانية) وقال: هذا منقطع.

(٢) حديث: " من لبس ثوب شهرة ألبسه الله ثوب مذلة. . . . " أخرجه أبو داود (٤ / ٣١٤ - عزت عبيد دعاس) وحسنه المنذري في الترغيب (٣ / ٤٤ - ط دار إحياء الكتب العربية) .

(٣) كشاف القناع عن متن الإقناع ١ / ٢٧٨ - ٢٧٩، ٢٨٥، ٢٨٦ - ط النصر الحديثة. وحديث: " من راءى راءى الله به. . . ". أخرجه مسلم (٤ / ٢٢٨٩ - ط الحلبي) .

(٤) الآداب الشرعية لابن مفلح الحنبلي ٣ / ٥٣٣. وحديث: " من تشبه بقوم فهو منهم. . . ". أخرجه أبو داود (٤ / ٣١٤ - ط عزت عبيد دعاس) وحسنه ابن حجر في الفتح (١٠ / ٢٢٢ - ط بولاق) .

النَّهْيُ عَنْ ذَلِكَ لِمَنْ فَعَلَهُ بَطَرًا، وَالتَّوَقِّي مِنْ ذَلِكَ عَلَى كُل حَالٍ مِنَ الأَْمْرِ الَّذِي يَنْبَغِي، لِقَوْلِهِ ﷺ لاَ يَنْظُرُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَى مَنْ جَرَّ إِزَارَهُ بَطَرًا (١) .

هـ - الأَْلْبِسَةُ النَّجِسَةُ:

١٧ - لُبْسُ الثَّوْبِ النَّجِسِ لِسَتْرِ الْعَوْرَةِ فِي غَيْرِ صَلاَةٍ جَائِزٌ.

أَمَّا فِي الصَّلاَةِ، فَلَوْ وَجَدَ سَاتِرًا نَجِسًا وَلَمْ يَجِدْ غَيْرَهُ فَإِنَّهُ يَسْتَتِرُ بِهِ وَلاَ يُصَلِّي عَارِيًّا، كَمَا هُوَ مَذْهَبُ الْحَنَابِلَةِ، وَأَحَدُ قَوْلَيْنِ لِكُلٍّ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ.

أَمَّا الْقَوْل الآْخَرُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، وَهُوَ الأَْظْهَرُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ فَإِنَّهُ يُصَلِّي عَارِيًّا وَلاَ يَسْتَتِرُ بِالنَّجِسِ. أَمَّا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ فَإِذَا كَانَ الرُّبُعُ مِنَ الثَّوْبِ طَاهِرًا وَجَبَ الاِسْتِتَارُ بِهِ وَلاَ يُصَلِّي عَارِيًّا، وَإِنْ كَانَ الطَّاهِرُ أَقَل مِنْ رُبُعِهِ يُخَيَّرُ بَيْنَ الاِسْتِتَارِ بِهِ أَوِ الصَّلاَةِ عَارِيًّا، وَإِنْ كَانَ كُلُّهُ نَجِسًا فَذَهَبَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ إِلَى أَنَّهُ يُصَلِّي بِهِ وَلاَ يُصَلِّي عُرْيَانًا، لأَِنَّ فِي الصَّلاَةِ بِهِ تَرْكَ فَرْضٍ وَاحِدٍ، وَفِي الصَّلاَةِ عُرْيَانًا تَرْكَ الْفُرُوضِ مِنْ قِيَامٍ وَرُكُوعٍ وَسُجُودٍ، بَل يُصَلِّي قَاعِدًا بِالإِْيمَاءِ. وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ إِلَى التَّفْرِيقِ فِي ذَلِكَ بَيْنَ النَّجِسِ الأَْصْلِيِّ كَجِلْدِ مَيْتَةٍ لَمْ يُدْبَغْ وَبَيْنَ الْمُتَنَجِّسِ، فَلاَ يَسْتَتِرُ بِالأَْوَّل، وَيَسْتَتِرُ بِالثَّانِي (٢) .

_________

(١) المدخل لابن الحاج ١ / ١٣٧، والدين الخالص ٤ / ٥٢١، ومجمع الزوائد ومنبع الفوائد ٥ / ١٣٥. وحديث: " لا ينظر الله يوم القيامة إلى من جر إزاره بطرا. . . " أخرجه البخاري (الفتح ١٠ / ٢٥٨ - ط السلفية) .

(٢) رد المحتار على الدر المختار ١ / ٢٧٦، وفتح القدير ١ / ١٨٤ ط بولاق، والطحطاوي على مراقي الفلاح ص ١٣٠، وروضة الطالبين ١ / ٢٨٨، والمجموع شرح المهذب ٣ / ١٤٣، وشرح الكبير وحاشية الدسوقي عليه ١ / ٢١٢، والمغني لابن قدامة ١ / ٥٨٧، ٥٩٤ - ٥٩٥ ط الرياض الحديثة.

و- الأَْلْبِسَةُ الْمَغْصُوبَةُ:

١٨ - لَيْسَ لِلْعَارِي أَخْذُ الثَّوْبِ قَهْرًا (غَصْبًا) مِنْ مَالِكِهِ لِلصَّلاَةِ فِيهِ، وَتَصِحُّ بِدُونِهِ مَا لَمْ يَجِدْ غَيْرَهُ، لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ حَقِّ الآْدَمِيِّ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ لَمْ يَجِدْ مَاءً يَتَوَضَّأُ بِهِ إِلاَّ أَنْ يَغْصِبَهُ، فَإِنَّهُ يَتَيَمَّمُ، وَهَذَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ (١) .

حُكْمُ اتِّخَاذِ الأَْلْبِسَةِ الْخَاصَّةِ

بِالْمُنَاسَبَاتِ وَالأَْشْخَاصِ

:

أ - مَلاَبِسُ الأَْعْيَادِ وَمَجَامِعِ النَّاسِ:

١٩ - جَعَل اللَّهُ تَعَالَى الأَْعْيَادَ أَيَّامَ فَرَحٍ وَسُرُورٍ وَزِينَةٍ لِلْمُسْلِمِينَ، وَلِذَا فَإِنَّ الْفُقَهَاءَ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ التَّطَيُّبَ وَالتَّزَيُّنَ لَهَا مُسْتَحَبٌّ، وَالتَّزَيُّنُ بِلُبْسِ الثِّيَابِ الْجَمِيلَةِ وَالْجَدِيدَةِ، وَأَفْضَلُهَا الْبَيَاضُ، لِقَوْلِهِ ﷺ: الْبَسُوا مِنْ ثِيَابِكُمُ الْبَيَاضَ، فَإِنَّهَا مِنْ خَيْرِ ثِيَابِكُمْ (٢) وَلِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ إِظْهَارِ نِعْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى عَبْدِهِ الَّتِي يُحِبُّ أَنْ يَرَى أَثَرَهَا عَلَيْهِ، وَلِذَا لاَ يَنْبَغِي تَرْكُ إِظْهَارِ الزِّينَةِ وَالتَّطَيُّبِ فِي الأَْعْيَادِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهَا تَقَشُّفًا، فَقَدْ وَرَدَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُحِبُّ أَنْ يَرَى أَثَرَ نِعْمَتِهِ عَلَى عَبْدِهِ (٣) .

_________

(١) الفتاوى الهندية ١ / ٥٩، وحاشية ابن عابدين ١ / ٢٧٦، وروضة الطالبين ١ / ٢٨٨، والشرح الكبير ١ / ٢١١، والمغني لابن قدامة ١ / ٥٩٥.

(٢) حديث: " البسوا من ثيابكم البياض، فإنها من خير ثيابكم. . . " أخرجه أبو داود، (٣ / ٢٠٩ - ط عزت عبيد دعاس) وإسناده صحيح.

(٣) حديث: " إن الله تعالى يحب أن يرى أثر. . . " سبق تخريجه (ف / ٢) .

وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَلْبَسُ فِي الْعِيدَيْنِ بُرْدَةً حِبَرَةً (١) .

وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ مَا عَلَى أَحَدِكُمْ لَوِ اشْتَرَى ثَوْبَيْنِ لِيَوْمِ الْجُمُعَةِ سِوَى ثَوْبِ مِهْنَتِهِ (٢) .

وَعَنْ جَابِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَعْتَمُّ، وَيَلْبَسُ بُرْدَهُ الأَْحْمَرَ فِي الْعِيدَيْنِ وَالْجُمُعَةِ (٣) .

وَعَنْ جَابِرٍ قَال: كَانَتْ لِلنَّبِيِّ ﷺ جُبَّةٌ يَلْبَسُهَا فِي الْعِيدَيْنِ وَيَوْمِ الْجُمُعَةِ (٤) .

وَكَانَ ﷺ يَلْبَسُ بُرْدَيْنِ أَخْضَرَيْنِ وَلَبِسَ مَرَّةً بُرْدًا أَحْمَرَ (٥) . وَرُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَنَّهُ كَانَ يَلْبَسُ كِسَاءَ خَزٍّ بِخَمْسِينَ

_________

(١) حديث: " كان رسول الله ﷺ يلبس في العيدين بردة حبرة " أخرجه ابن الأحمر كما في المغني لابن قدامة (٢ / ٣٧٠ - ط الرياض) وضعفه النووي في المجموع (٥ / ٦ - ط المنيرية) .

(٢) حديث: " ما على أحدكم لو اشترى ثوبين ليوم الجمعة سوى ثوب مهنته. . . " أخرجه ابن ماجه (١ / ٣٤٨ - ط الحلبي) وقال البوصيري: إسناده صحيح.

(٣) عن جابر " كان النبي ﷺ يعتم، ويلبس برده الأحمر في العيدين والجمعة. . . " أخرجه البيهقي (٣ / ٢٨٠ - ط دائرة المعارف العثمانية) وفي إسناده انقطاع.

(٤) حديث: " كان للنبي ﷺ جبة يلبسها في العيدين ويوم الجمعة. . . ". أخرجه ابن خزيمة (٣ / ١٣٢ - ط المكتب الإسلامي) وإسناده ضعيف. (فيض القدير ٥ / ١٧٤ ط المكتبة التجارية) . وانظر: رد المحتار على الدر المختار١ / ٥٥٦، وفتح القدير ٢ / ٤٠ ط دار إحياء التراث العربي، وحاشية الجمل على شرح المنهج ٢ / ٩٨، والمهذب ١ / ١٢٦، جواهر الإكليل ١ / ١٠٣، والمغني لابن قدامة ٢ / ٣٧٠ ط الرياض الحديثة، وكشاف القناع عن متن الإقناع ٢ / ٥١ - ٥٢ ط النصر الحديثة.

(٥) حديث البردين: أخرجه عبد الله بن أحمد في زوائد المسند (١٢ / ٧٦ - ط دار المعارف) وإسناده صحيح.

دِينَارًا، يَلْبَسُهُ فِي الشِّتَاءِ، فَإِذَا كَانَ الصَّيْفُ تَصَدَّقَ بِهِ، أَوْ بَاعَهُ فَتَصَدَّقَ بِثَمَنِهِ، وَكَانَ يَلْبَسُ فِي الصَّيْفِ ثَوْبَيْنِ مِنْ مَتَاعِ مِصْرَ مُمَشَّقَيْنِ (أَيْ مَصْبُوغَيْنِ بِالْمِشَقِ وَهُوَ صِبْغٌ أَحْمَرُ) وَيَقْرَأُ قَوْله تَعَالَى: ﴿قُل مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ (١) فَقَدْ دَلَّتْ عَلَى اسْتِحْبَابِ لِبَاسِ الرَّفِيعِ مِنَ الثِّيَابِ وَالتَّجَمُّل بِهَا فِي الْجُمَعِ وَالأَْعْيَادِ وَعِنْدَ لِقَاءِ النَّاسِ وَزِيَارَةِ الإِْخْوَانِ.

قَال أَبُو الْعَالِيَةِ: كَانَ الْمُسْلِمُونَ إِذَا تَزَاوَرُوا تَجَمَّلُوا. وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ رَأَى حُلَّةً سِيَرَاءَ تُبَاعُ عِنْدَ بَابِ الْمَسْجِدِ، فَقَال: يَا رَسُول اللَّهِ، لَوِ اشْتَرَيْتَهَا لِيَوْمِ الْجُمُعَةِ وَلِلْوُفُودِ إِذَا قَدِمُوا عَلَيْكَ، فَقَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: إِنَّمَا يَلْبَسُ هَذَا مَنْ لاَ خَلاَقَ لَهُ فِي الآْخِرَةِ (٢) فَمَا أَنْكَرَ ذِكْرَ التَّجَمُّل وَإِنَّمَا أَنْكَرَ عَلَيْهِ كَوْنَهَا سِيَرَاءَ، (وَالسِّيَرَاءُ نَوْعٌ مِنَ الْبُرُودِ، فِيهِ خُطُوطٌ صُفْرٌ، أَوْ يُخَالِطُهُ حَرِيرٌ) .

وَقَال أَبُو الْفَرَجِ: كَانَ السَّلَفُ يَلْبَسُونَ الثِّيَابَ الْمُتَوَسِّطَةَ لاَ الْمُتَرَفِّعَةَ وَلاَ الدُّونَ، وَيَتَخَيَّرُونَ أَجْوَدَهَا لِلْجُمُعَةِ وَالْعِيدَيْنِ وَلِلِقَاءِ الإِْخْوَانِ، وَلَمْ يَكُنْ تَخَيُّرُ الأَْجْوَدِ عِنْدَهُمْ قَبِيحًا.

وَأَمَّا اللِّبَاسُ الَّذِي يُزْرِي بِصَاحِبِهِ - أَيْ وَهُوَ يَجِدُ غَيْرَهُ - فَإِنَّهُ يَتَضَمَّنُ إِظْهَارَ الزُّهْدِ وَإِظْهَارَ الْفَقْرِ، وَكَأَنَّهُ لِسَانُ شَكْوَى مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، وَيُوجِبُ احْتِقَارَ اللاَّبِسِ، وَكُل ذَلِكَ مَكْرُوهٌ مَنْهِيٌّ عَنْهُ.

_________

(١) سورة الأعراف / ٣٢.

(٢) حديث عمر ﵁ " رأى حلة سيراء. . . " أخرجه مسلم (٣ / ١٦٤٠ - ط الحلبي) .

فَإِنْ قَال قَائِلٌ: تَجْوِيدُ اللِّبَاسِ - هَوَى النَّفْسِ وَقَدْ أُمِرْنَا بِمُجَاهَدَتِهَا، وَتَزَيُّنٌ لِلْخَلْقِ وَقَدْ أُمِرْنَا أَنْ تَكُونَ أَفْعَالُنَا لِلَّهِ لاَ لِلْخَلْقِ، فَالْجَوَابُ: أَنَّهُ لَيْسَ كُل مَا تَهْوَاهُ النَّفْسُ يُذَمُّ، وَلاَ كُل مَا يُتَزَيَّنُ بِهِ لِلنَّاسِ يُكْرَهُ. وَإِنَّمَا يُنْهَى عَنْ ذَلِكَ إِذَا كَانَ الشَّرْعُ قَدْ نَهَى عَنْهُ، أَوْ عَلَى وَجْهِ الرِّيَاءِ فِي بَابِ الدِّينِ، فَإِنَّ الإِْنْسَانَ يُحِبُّ أَنْ يُرَى جَمِيلًا، وَذَلِكَ حَظٌّ لِلنَّفْسِ لاَ يُلاَمُ عَلَيْهِ، وَلِهَذَا يُسَرِّحُ شَعْرَهُ، وَيَنْظُرُ فِي الْمِرْآةِ، وَيُسَوِّي عِمَامَتَهُ، وَيَلْبَسُ بِطَانَةَ الثَّوْبِ الْخَشِنَةِ إِلَى دَاخِلٍ، وَظِهَارَتَهُ الْحَسَنَةَ إِلَى خَارِجٍ، وَلَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ هَذَا مَا يُكْرَهُ وَلاَ يُذَمُّ.

وَقَدْ رَوَى مَكْحُولٌ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ نَفَرٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُول اللَّهِ ﷺ يَنْتَظِرُونَهُ عَلَى الْبَابِ، فَخَرَجَ يُرِيدُهُمْ، وَفِي الدَّارِ رَكْوَةٌ فِيهَا مَاءٌ، فَجَعَل يَنْظُرُ فِي الْمَاءِ، وَيُسَوِّي لِحْيَتَهُ وَشَعْرَهُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُول اللَّهِ، وَأَنْتَ تَفْعَل هَذَا؟ قَال: نَعَمْ، إِذَا خَرَجَ الرَّجُل إِلَى إِخْوَانِهِ فَلْيُهَيِّئْ مِنْ نَفْسِهِ، فَإِنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَال (١) .

ب - مَلاَبِسُ الإِْحْرَامِ بِالْحَجِّ:

٢٠ - يَلْبَسُ الْمُحْرِمُ مَلاَبِسَ خَاصَّةً، وَبَيَانُ مَا يُرَاعَى فِي ذَلِكَ تَقَدَّمَ فِي مُصْطَلَحِ (إِحْرَام) ج ٢ ص ١٢٨.

ج - مَلاَبِسُ الْمَرْأَةِ الْمُحِدَّةِ:

٢١ - الإِْحْدَادُ بِمَعْنَاهُ الْعَامِّ: تَرْكُ الزِّينَةِ وَمَا فِي

_________

(١) حديث: " إذا خرج الرجل إلى إخوانه فليهيئ. . . " أخرجه السمعاني في أدب الإملاء (ص ٣٢ - ط ليدن) وإسناده ضعيف لإرساله. . وانظر الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ٧ / ١٩٥ - ١٩٧، والمغني لابن قدامة ٢ / ٣٧٠ ط الرياض الحديثة.