الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٦
النَّبِيُّ ﷺ عَنِ الثَّوْبِ الْمُصْمَتِ مِنَ الْحَرِيرِ (١) أَيِ الْخَالِصِ الَّذِي لاَ يُخَالِطُهُ شَيْءٌ، وَهَذَا مَا عَلَيْهِ عَامَّةُ الْفُقَهَاءِ (٢) .
وَلِتَفْصِيلِهِ يُنْظَرُ مُصْطَلَحُ (حَرِير) (وَذَهَب) .
حِكْمَةُ مَشْرُوعِيَّةِ اللِّبَاسِ:
٣ - لَمَّا كَانَ فِي إِظْهَارِ الْعَوْرَةِ أَمَامَ الْغَيْرِ عَلَى نَحْوِ مَا كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ إِخْلاَلٌ بِالصِّفَةِ الإِْنْسَانِيَّةِ الْكَرِيمَةِ وَالآْدَابِ الْعَامَّةِ، وَلِمَا يُسَبِّبُهُ كَشْفُهَا مِنْ إِخْلاَلٍ بِالأَْخْلاَقِ وَذُيُوعِ مَفَاسِدَ عَظِيمَةِ الأَْثَرِ بَيْنَ أَفْرَادِ الْمُجْتَمَعِ، كَانَ لاَ بُدَّ لِلشَّارِعِ تَكْرِيمًا لِلإِْنْسَانِ كَمَا فِي قَوْلِهِ ﷾: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ (٣) وَاحْتِرَامًا لآِدَمِيَّتِهِ، وَتَمْيِيزًا لَهُ عَنْ سَائِرِ الْحَيَوَانَاتِ - مِنْ أَنْ يَحْفَظَ عَلَيْهِ إِنْسَانِيَّتَهُ، فَأَنْعَمَ عَلَيْهِ بِنِعَمِهِ الَّتِي لاَ تُعَدُّ وَلاَ تُحْصَى، وَكَانَ مِنْهَا اللِّبَاسُ شِرْعَةً مِنْهُ لِلآْدَمِيِّينَ لِتُسْتَرَ بِهِ عَوْرَاتُهُمْ، وَلِيَكُونَ لَهُمْ بِهَذَا السِّتْرِ مَا يُزَيِّنُهُمْ وَيُجَمِّلُهُمْ، بَدَلًا مِنْ قُبْحِ الْعُرْيِ الَّذِي كَانَ مُتَفَشِّيًا بَيْنَهُمْ وَشَنَاعَتِهِ مَظْهَرًا وَمَخْبَرًا، وَفِي هَذَا يَقُول اللَّهُ ﵎: ﴿يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ
_________
(١) حديث: " إنما نهى عن الثوب المصمت من الحرير. . . " أخرجه أحمد (٣ / ٢٦٧ ط دار المعارف) وإسناده صحيح.
(٢) رد المحتار على الدر المختار ٥ / ٢٢٣ - ٢٢٤، والمغني لابن قدامة ١ / ٥٨٢ - ٥٨٧ ط مطبعة الرياض الحديثة، وروضة الطالبين ٢ / ٦٥ - ٦٩، والمهذب في فقه الإمام الشافعي ١ / ٧٣، ١١٥، ونهاية المحتاج إلى شرح المنهاج ٢ / ٣٦٢، ٣٦٥، ٣٦٩، والشرح الكبير ١ / ٢١١ - ٢٢٠، والشرح الصغير ١ / ٥٩.
(٣) سورة الإسراء / ٧٠.
يَذَّكَّرُونَ﴾ (١) وقَوْله تَعَالَى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُل مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلاَ تُسْرِفُوا إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ (٢) فَقَدْ أَمَرَ سُبْحَانَهُ بِأَخْذِ الزِّينَةِ وَأَهَمُّهَا سَتْرُ الْعَوْرَةِ، وَتَفْصِيل مَا يَتَّصِل بِسَتْرِ الْعَوْرَةِ يُنْظَرُ فِي (اسْتِتَار، وَعَوْرَة، وَصَلاَة) .
حُكْمُ الأَْلْبِسَةِ تَبَعًا لِذَوَاتِهَا:
٤ - الأَْصْل فِي اللِّبَاسِ الْحِل مَهْمَا كَانَتِ الْمَادَّةُ الَّتِي صُنِعَ مِنْهَا إِلاَّ مَا وَرَدَ نَصٌّ بِتَحْرِيمِهِ كَالْحَرِيرِ لِلذُّكُورِ، وَتَفْصِيلُهُ فِي مُصْطَلَحِ (حَرِير) .
وَكَذَلِكَ مَا كَانَ مِنْ جُلُودِ الْمَيْتَةِ وَمَا لاَ يُزَكَّى، فَإِذَا دُبِغَتْ طَهُرَتْ، وَحَل لُبْسُهَا وَلَوْ فِي الصَّلاَةِ. وَتَفْصِيلُهُ فِي (إِهَاب) (وَدِبَاغَة) .
وَأَمَّا الْمَلاَبِسُ الْمَصْنُوعَةُ مِنَ الصُّوفِ أَوِ الشَّعْرِ أَوِ الْوَبَرِ، فَإِنْ كَانَتْ مِنْ مَأْكُول اللَّحْمِ فَهِيَ طَاهِرَةٌ حَلاَلٌ، سَوَاءٌ أُخِذَتْ مِنْهُ فِي حَيَاتِهِ أَوْ بَعْدَ تَذْكِيَتِهِ أَوْ بَعْدَ مَوْتِهِ، وَإِنَّمَا حَلَّتْ - وَلَوْ جُزَّتْ مِنَ الْمَيْتَةِ - لأَِنَّهَا لاَ تُحِلُّهَا الْحَيَاةُ.
وَفِيمَا أُخِذَ مِنْ غَيْرِ مَأْكُول اللَّحْمِ أَوْ مِنْ نَجِسِ الْعَيْنِ، تَفْصِيلٌ وَخِلاَفٌ يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ (شَعْر (٣» .
_________
(١) سورة الأعراف / ٢٦.
(٢) سورة الأعراف / ٣١.
(٣) الأشباه والنظائر لابن نجيم ص ١١٥، والدسوقي ١ / ٢٢٠، ونهاية المحتاج ٢ / ٣٦٦، والمغني ١ / ٥٨٩، وكشاف القناع ١ / ٢٨٢.
لُبْسُ جُلُودِ السِّبَاعِ:
٥ - جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ (الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ) عَلَى جَوَازِ الاِنْتِفَاعِ بِجُلُودِ السِّبَاعِ بِشَرْطِ الدِّبَاغِ (١) لِقَوْلِهِ ﵇: أَيُّمَا إِهَابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ (٢)
وَقَال الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى الْحَنْبَلِيُّ: لاَ يَجُوزُ الاِنْتِفَاعُ بِهَا قَبْل الدَّبْغِ وَلاَ بَعْدَهُ، لِمَا رَوَى أَبُو رَيْحَانَةَ قَال: كَانَ رَسُول اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ رُكُوبِ النُّمُورِ (٣) أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ.
وَعَنْ مُعَاوِيَةَ وَالْمِقْدَادِ بْنِ مَعْدِي كَرِبَ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ كَانَ يَنْهَى عَنْ لُبْسِ جُلُودِ السِّبَاعِ وَالرُّكُوبِ عَلَيْهَا (٤) رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. وَرُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنِ افْتِرَاشِ جُلُودِ السِّبَاعِ (٥)
وَأَمَّا الثَّعَالِبُ فَيُبْنَى حُكْمُهَا عَلَى حِلِّهَا، وَفِيهَا لِلْحَنَابِلَةِ رِوَايَتَانِ، كَذَلِكَ يُخَرَّجُ فِي جُلُودِهَا، فَإِنْ قِيل بِتَحْرِيمِهَا فَحُكْمُ جُلُودِهَا حُكْمُ جُلُودِ بَقِيَّةِ
_________
(١) ابن عابدين ٥ / ٢٢٤، والمهذب ١ / ١٧، والدسوقي ١ / ٥٥.
(٢) حديث: " أيما إهاب دبغ. . " أخرجه مسلم (١ / ٢٧٧ ط الحلبي) من حديث ابن عباس.
(٣) حديث كان النبي ﷺ: " ينهى عن ركوب النمور. . . " أخرجه ابن ماجه (٢ / ١٢٠٥ - ط الحلبي) وأبو داود (٤ / ٣٧٢ ط عزت عبيد الدعاس) من حديث معاوية، وإسناده صحيح.
(٤) حديث: " أن النبي ﷺ نهى عن لبس جلود السباع. . . " أخرجه أبو داود (٤ / ٣٧٣ ط عزت عبيد دعاس) وإسناده حسن.
(٥) حديث أن النبي ﷺ " نهى عن افتراش جلود السباع. . . " أخرجه الترمذي (٤ / ٢٤١ ط الحلبي) . من حديث أبي المليح عن أبيه بلفظ: " نهى النبي ﷺ عن جلود السباع أن تفترش " وإسناده صحيح.
السِّبَاعِ وَكَذَلِكَ السَّنَانِيرُ الْبَرِّيَّةُ (١) . .
لُبْسُ الثِّيَابِ الْجَمِيلَةِ:
٦ - مِنَ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ أَنَّهُ يُبَاحُ مِنَ الأَْلْبِسَةِ الثَّوْبُ الْجَمِيل مَا لَمْ يَكُنْ مِنْ مُحَرَّمٍ كَالْحَرِيرِ لِلذُّكُورِ، وَيُسْتَحَبُّ التَّزَيُّنُ فِي الأَْعْيَادِ وَالْجُمَعِ وَمَجَامِعِ النَّاسِ، وَذَلِكَ بِدُونِ صَلَفٍ وَلاَ خُيَلاَءَ (٢) .
وَمَنْ تَرَكَ ذَلِكَ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَيْهِ تَزَمُّتًا أَوْ تَدَيُّنًا فَقَدْ أَخْطَأَ، فَلَيْسَ ذَلِكَ مِمَّا يَدْعُو إِلَيْهِ الشَّرْعُ، وَانْظُرِ الْقُرْطُبِيَّ فِي تَفْسِيرِ قَوْله تَعَالَى: ﴿قُل مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ (٣) .
الأَْلْبِسَةُ مِنْ حَيْثُ أَلْوَانُهَا وَأَشْكَالُهَا وَصِفَاتُهَا وَمُنَاسَبَتُهَا لِعَادَاتِ النَّاسِ:
تَخْتَلِفُ الأَْلْبِسَةُ مِنْ حَيْثُ أَلْوَانُهَا:
أ - اللَّوْنُ الأَْبْيَضُ:
٧ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى اسْتِحْبَابِ لُبْسِ مَا كَانَ أَبْيَضَ اللَّوْنِ مِنَ الثِّيَابِ، وَتَكْفِينِ الْمَوْتَى بِهِ، لِحَدِيثِ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: الْبَسُوا مِنْ ثِيَابِكُمُ الْبَيَاضَ، فَإِنَّهَا أَطْهَرُ وَأَطْيَبُ، وَكَفِّنُوا فِيهَا مَوْتَاكُمْ (٤)
قَال الشَّوْكَانِيُّ: أَمَّا كَوْنُهُ أَطْيَبَ فَظَاهِرٌ، وَأَمَّا كَوْنُهُ أَطْهَرَ فَلأَِنَّ أَدْنَى شَيْءٍ يَقَعُ عَلَيْهِ يَظْهَرُ،
_________
(١) المغني ١ / ٦٦ - ٨٠.
(٢) حاشية ابن عابدين ٥ / ٢٢٣ - ٢٢٤، ونهاية المحتاج إلى شرح المنهاج ٢ / ٣٦١، ٣٨٣.
(٣) الجامع لأحكام القران ٧ / ١٩٦ - ١٩٨، والآية من سورة الأعراف / ٣٢.
(٤) حديث: " البسوا من ثيابكم البياض. . . " أخرجه النسائي (٤ / ٣٤ ط المكتبة التجارية) وصححه ابن حجر في الفتح ٣ / ١٣٥ ط السلفية.
فَيُغْسَل إِذَا كَانَ مِنْ جِنْسِ النَّجَاسَةِ، فَيَكُونُ نَقِيًّا. كَمَا ثَبَتَ عَنْهُ ﷺ فِي دُعَائِهِ وَنَقِّنِي مِنَ الْخَطَايَا كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الأَْبْيَضُ مِنَ الدَّنَسِ (١) .
وَقَدِ اسْتَحَبَّ عُمَرُ ﵁ لُبْسَ الْبَيَاضِ لِقَارِئِ الْقُرْآنِ (٢) .
ب - اللَّوْنُ الأَْحْمَرُ:
٨ - ذَهَبَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ إِلَى الْقَوْل بِكَرَاهَةِ لُبْسِ مَا لَوْنُهُ أَحْمَرُ مَتَى كَانَ غَيْرَ مَشُوبٍ بِغَيْرِهِ مِنَ الأَْلْوَانِ لِلرِّجَال دُونَ النِّسَاءِ، لِقَوْل الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ نَهَانَا النَّبِيُّ ﷺ عَنِ الْمَيَاثِرِ الْحُمْرِ وَالْقِسِيِّ (٣) وَلِقَوْل عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵄ مَرَّ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ رَجُلٌ عَلَيْهِ ثَوْبَانِ أَحْمَرَانِ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ (٤)
وَاسْتَدَلُّوا عَلَى جَوَازِ لُبْسِ الثَّوْبِ الأَْحْمَرِ إِذَا خَالَطَهُ لَوْنٌ آخَرُ بِأَحَادِيثَ مِنْهَا: حَدِيثُ هِلاَل بْنِ عَامِرٍ عَنْ أَبِيهِ قَال: رَأَيْتُ رَسُول اللَّهِ ﷺ بِمِنًى
_________
(١) حديث: " ونقني من الخطايا. . . " أخرجه البخاري (فتح الباري ٢ / ٢٢٧ ط السلفية) .
(٢) رد المحتار على الدر المختار ١١ / ٥٤٥، ٥٥٦، والمهذب في فقه الإمام الشافعي ١ / ٢١١، وروضة الطالبين٢ / ٧٦، والمجموع شرح المهذب ٤ / ٤٥٢، وحاشية الجمل على شرح المنهج ٢ / ٩٨ - ٩٩، والشرح الكبير ١ / ٣٨١، وكشاف القناع عن متن الإقناع ١ / ٨٦ ط مطبعة النصر الحديثة، والمغني لابن قدامة ١ / ٥٨٧ مطبعة الرياض الحديثة، وفتح الباري بشرح صحيح البخاري ١٠ / ٣٠٥ - ٣٠٦، ونيل الأوطار للشوكاني ٢ / ١١٠.
(٣) حديث البراء " نهانا النبي ﷺ عن المياثر الحمر والقسي. . . " أخرجه البخاري (الفتح ١٠ / ٢٩٢ ط السلفية) .
(٤) حديث: " مر على النبي ﷺ رجل عليه ثوبان أحمران. . . " أخرجه أبو داود (٤ / ٣٣٦ - ط عزت عبيد دعاس) وأعله ابن حجر في الفتح (١٠ / ٣٠٦) براو ضعيف فيه.
يَخْطُبُ عَلَى بَغْلَةٍ، وَعَلَيْهِ بُرْدٌ أَحْمَرُ، وَعَلِيُّ أَمَامَهُ يُعَبِّرُ عَنْهُ (١) وَحَدِيثُ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَال: كَانَ رَسُول اللَّهِ ﷺ مَرْبُوعًا، وَقَدْ رَأَيْتُهُ فِي حُلَّةٍ حَمْرَاءَ، لَمْ أَرَ شَيْئًا قَطُّ أَحْسَنَ مِنْهُ ﷺ (٢) .
وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ أَنَّهُ ﵊ كَانَ يَلْبَسُ يَوْمَ الْعِيدِ بُرْدَةً حَمْرَاءَ (٣) .
وَالْمُرَادُ بِالْحُلَّةِ الْحَمْرَاءِ بُرْدَانِ يَمَنِيَّانِ مَنْسُوجَانِ بِخُطُوطٍ حُمْرٍ مَعَ سُودٍ، أَوْ خُضْرٍ، كَسَائِرِ الْبُرُودِ الْيَمَنِيَّةِ، وَوُصِفَتْ بِالْحُمْرَةِ بِاعْتِبَارِ مَا فِيهَا مِنَ الْخُطُوطِ الْحُمْرِ، وَإِلاَّ فَالأَْحْمَرُ الْبَحْتُ مَنْهِيٌّ عَنْهُ عِنْدَهُمْ وَمَكْرُوهٌ لُبْسُهُ، وَبِهَذَا حَمَلُوا الأَْحَادِيثَ الْمُبِيحَةَ عَلَى أَنَّهَا وَرَدَتْ بِشَأْنِ الْبُرُودِ الْيَمَنِيَّةِ وَهِيَ الَّتِي تَشْتَمِل عَلَى اللَّوْنِ الأَْحْمَرِ وَغَيْرِهِ (٤)
وَأَمَّا أَحَادِيثُ النَّهْيِ فَهِيَ خَاصَّةٌ بِمَا كَانَ أَحْمَرَ خَالِصًا لاَ يُخَالِطُهُ شَيْءٌ.
وَذَهَبَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ إِلَى الْقَوْل بِجَوَازِ لُبْسِ الثَّوْبِ الأَْحْمَرِ الْخَالِصِ غَيْرِ الْمُزَعْفَرِ وَالْمُعَصْفَرِ، لِحَدِيثِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ وَحَدِيثِ هِلاَل بْنِ عَامِرٍ الْمُتَقَدِّمَيْنِ، وَلِقَوْل ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄
_________
(١) حديث عامر: " رأيت رسول الله ﷺ بمنى يخطب. . . " أخرجه أبو داود (٤ / ٣٣٨ - ط عزت عبيد دعاس) وحسنة ابن حجر في الفتح (١٠ / ٣٠٥ - ط السلفية) .
(٢) حديث: " كان رسول الله مربوعا وقد رأيته في حلة حمراء. . . . " أخرجه البخاري (الفتح ١٠ / ٣٠٥ - ط السلفية) .
(٣) حديث: " كان يلبس يوم العيد بردة حمراء ". أخرجه البيهقي (٣ / ٢٨٠ - ط العثمانية) وإسناده صحيح.
(٤) حاشية ابن عابدين ١ / ٥٥٦، ٥ / ٢٢٨، والمجموع شرح المهذب ٤ / ٤٥٢، والشرح الكبير ١ / ٣٨١، والمغني لابن قدامة ١ / ٥٨٦ ط طبعة الرياض الحديثة، وكشاف القناع عن متن الإقناع ١ / ٢٨٤ ط النصر الحديثة.
كَانَ رَسُول اللَّهِ ﷺ يَلْبَسُ يَوْمَ الْعِيدِ بُرْدَةً حَمْرَاءَ (١) .
ج - اللَّوْنُ الأَْسْوَدُ:
٩ - أَجَازَ الْفُقَهَاءُ لُبْسَ الأَْسْوَدِ بِغَيْرِ كَرَاهَةٍ فِي ذَلِكَ لِلرَّجُل وَالْمَرْأَةِ، لِمَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا قَالَتْ: خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ ذَاتَ غَدَاةٍ، وَعَلَيْهِ مِرْطٌ مُرَحَّلٌ مِنْ شَعْرٍ أَسْوَدَ (٢)
وَعَنْ جَابِرٍ قَال: رَأَيْتُ رَسُول اللَّهِ ﷺ دَخَل يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ وَعَلَيْهِ عِمَامَةٌ سَوْدَاءُ (٣) وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: صَنَعْتُ لِرَسُول اللَّهِ ﷺ بُرْدَةً سَوْدَاءَ فَلَبِسَهَا فَلَمَّا عَرِقَ فِيهَا وَجَدَ رِيحَ الصُّوفِ فَقَذَفَهَا، وَكَانَتْ تُعْجِبُهُ الرِّيحُ الطَّيِّبَةُ (٤) .
وَعَنْ أُمِّ خَالِدٍ قَالَتْ: أُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بِثِيَابٍ فِيهَا خَمِيصَةٌ سَوْدَاءُ؟ قَال: مَنْ تَرَوْنَ نَكْسُو هَذِهِ الْخَمِيصَةَ؟ فَأُسْكِتَ الْقَوْمُ، فَقَال: ائْتُونِي بِأُمِّ خَالِدٍ، فَأُتِيَ بِي إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَأَلْبَسَنِيهَا بِيَدِهِ وَقَال: أَبْلِي وَأَخْلِقِي مَرَّتَيْنِ وَجَعَل يَنْظُرُ إِلَى عَلَمِ الْخَمِيصَةِ وَيُشِيرُ بِيَدِهِ إِلَيَّ وَيَقُول: يَا أُمَّ خَالِدٍ هَذَا سَنَا، هَذَا سَنَا. وَالسَّنَا بِلِسَانِ الْحَبَشَةِ:
_________
(١) حديث ابن عباس: " كان رسول الله ﷺ يلبس يوم العيد. . . " سبق تخريجه آنفا.
(٢) حديث: " عن خرج النبي ﷺ ذات غداة وعليه مرط مرحل من شعر أسود ". أخرجه مسلم (٤ / ١٦٤٩ ط الحلبي) .
(٣) حديث جابر: " رأيت رسول الله ﷺ يوم فتح مكة وعليه عمامة سوداء ". أخرجه مسلم (٢ / ٩٩٠ - ط الحلبي) .
(٤) حديث عائشة: صنعت لرسول الله ﷺ بردة سوداء. . . أخرجه أحمد (٦ / ١٣٢ - ط الميمنية) وأبو داود (٤ / ٣٣٩ - ط عزت عبيد دعاس) وإسناده صحيح.
الْحَسَنُ " (١) .
وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ لِلنِّسَاءِ لِبَاسُ الثِّيَابِ السُّودِ، وَلاَ خِلاَفَ فِي ذَلِكَ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ كَمَا قَالَهُ الشَّوْكَانِيُّ (٢) .
د - اللَّوْنُ الأَْصْفَرُ:
١٠ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى جَوَازِ لُبْسِ الأَْصْفَرِ مَا لَمْ يَكُنْ مُعَصْفَرًا أَوْ مُزَعْفَرًا (٣) لِقَوْل عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ: رَأَيْتُ عَلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ ثَوْبَيْنِ أَصْفَرَيْنِ (٤) وَلِقَوْل عِمْرَانَ بْنِ مُسْلِمٍ: رَأَيْتُ عَلَى أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ إِزَارًا أَصْفَرَ (٥) .
هـ - اللَّوْنُ الأَْخْضَرُ:
١١ - ذَهَبَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ إِلَى اسْتِحْبَابِ لُبْسِهِ لأَِنَّهُ
_________
(١) حديث: " ائتوني بأم خالد. . . " أخرجه البخاري (الفتح ١٠ / ٣٠٣ ط السلفية) .
(٢) حاشية ابن عابدين ١ / ٥٤٥، والمجموع شرح المهذب ٤ / ٤٥٢، والشرح الكبير ١ / ٣٨١، وكشاف القناع عن متن الإقناع ١ / ٣٨٦ ط النصر الحديثة، ونيل الأوطار للشوكاني ٢ / ١١٣.
(٣) رد المحتار على الدر المختار ١ / ٣٥٦، والمجموع شرح المهذب ٤ / ٤٥٢، والشرح الكبير ١ / ٣٨١، وكشاف القناع عن متن الإقناع ١ / ٢٨٦ ط النصر الحديثة، ومجمع الزوائد ٥ / ١٢٩.
(٤) حديث عبد الله بن جعفر: " رأيت على رسول الله ﷺ ثوبين أصفرين. . . " أخرجه الطبراني كما في مجمع الزوائد (٥ / ١٢٩ - ط القدسي) وقال الهيثمي: فيه عبد الله بن مصعب الزهري ضعفه ابن معين.
(٥) الأثر عن عمران بن مسلم: " رأيت على أنس بن مالك إزارا أصفر. . . " أخرجه الطبراني كما في مجمع الزوائد (٥ / ١٣٠) وقال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح.
لِبَاسُ أَهْل الْجَنَّةِ، لِمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ﴾ (١) .
وَلِحَدِيثِ أَبِي رِمْثَةَ قَال: رَأَيْتُ رَسُول اللَّهِ ﷺ وَعَلَيْهِ بُرْدَانِ أَخْضَرَانِ (٢) .
و الْمُخَطَّطُ الأَْلْوَانِ:
١٢ - وَذَلِكَ يَجُوزُ لُبْسُهُ، لِمَا رُوِيَ عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَال: كَانَ أَحَبُّ الثِّيَابِ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ أَنْ يَلْبَسَهَا الْحِبَرَةَ وَالْحِبَرَةُ هِيَ الثَّوْبُ الْمُخَطَّطُ الأَْلْوَانِ كَمَا قَال الْجَوْهَرِيُّ (٣) .
مَا يَحْرُمُ أَوْ يُكْرَهُ مِنَ الأَْلْبِسَةِ:
أ - الأَْلْبِسَةُ الَّتِي عَلَيْهَا نُقُوشٌ أَوْ تَصَاوِيرُ أَوْ صُلْبَانٌ أَوْ آيَاتٌ:
١٣ - يَحْرُمُ عَلَى الرَّجُل وَالْمَرْأَةِ لُبْسُ الثِّيَابِ الَّتِي عَلَيْهَا تَصَاوِيرُ الْحَيَوَانَاتِ عَلَى الأَْصَحِّ، لِحَدِيثِ أَبِي طَلْحَةَ قَال: سَمِعْتُ رَسُول اللَّهِ ﷺ يَقُول: لاَ تَدْخُل الْمَلاَئِكَةُ بَيْتًا فِيهِ كَلْبٌ وَلاَ تَصَاوِيرُ (٤) فَإِنْ أُزِيل مِنَ الصُّورَةِ مَا لاَ تَبْقَى بِإِزَالَتِهِ الْحَيَاةُ كَالرَّأْسِ، أَوْ لَمْ يَكُنْ لَهَا رَأْسٌ فَلاَ بَأْسَ بِهِ.
_________
(١) سورة الإنسان / ٢١.
(٢) حديث أبي رمثة: " رأيت رسول الله ﷺ وعليه بردان أخضران. . . " أخرجه أبو داود (٤ / ٣٣٤ - ط عزت عبيد دعاس) وإسناده صحيح.
(٣) نيل الأوطار ٢ / ٩٥ ط دار الجيل. وحديث: " كان أحب الثياب. . . " أخرجه البخاري (الفتح ١٠ / ٢٧٦ ط السلفية) .
(٤) حديث: " لا تدخل الملائكة بيتا فيه كلب ولا تصاوير ". أخرجه البخاري (الفتح ١٠ / ٣٨٠ - ط السلفية) .
كَمَا يَحْرُمُ جَعْل الصَّلِيبِ فِي الثَّوْبِ وَنَحْوِهِ كَالطَّاقِيَّةِ وَغَيْرِهَا مِمَّا يُلْبَسُ، لِقَوْل عَائِشَةَ ﵂ إِنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ كَانَ لاَ يَتْرُكُ فِي بَيْتِهِ شَيْئًا فِيهِ تَصْلِيبٌ إِلاَّ قَضَبَهُ (١) أَيْ قَطَعَ مَوْضِعَ الصَّلِيبِ مِنْهُ دُونَ غَيْرِهِ، وَالْقَضْبُ الْقَطْعُ. وَهَذَا الشَّيْءُ يَشْمَل الْمَلْبُوسَ وَالسُّتُورَ وَالْبُسُطَ وَالآْلاَتِ وَغَيْرَ ذَلِكَ. كَمَا يَحْرُمُ تَصْوِيرُهَا فِي نَسْجِ الثِّيَابِ عَلَى الأَْصَحِّ، لِقَوْلِهِ ﷺ: إِنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَذَابًا عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الْمُصَوِّرُونَ (٢)
وَالصَّلاَةُ فِي الثَّوْبِ الَّذِي عَلَيْهِ تَصَاوِيرُ الْحَيَوَانَاتِ أَوِ الصُّلْبَانِ حَرَامٌ مَعَ صِحَّةِ الصَّلاَةِ، لِحَدِيثِ أَنَسٍ قَال: كَانَ قِرَامٌ لِعَائِشَةَ سَتَرَتْ بِهِ جَانِبَ بَيْتِهَا، فَقَال لَهَا: أَمِيطِي عَنَّا قِرَامَكِ هَذَا، فَإِنَّهُ لاَ تَزَال تَصَاوِيرُهُ تَعْرِضُ لِي فِي صَلاَتِي (٣) وَالْقِرَامُ بِكَسْرِ الْقَافِ: سِتْرٌ رَقِيقٌ.
وَكَذَلِكَ لُبْسُ الثَّوْبِ الَّذِي نُقِشَتْ فِيهِ آيَاتٌ تُلْهِي الْمُصَلِّيَ عَنْ صَلاَتِهِ، أَوْ كَانَ مِنْ شَأْنِ لُبْسِهِ امْتِهَانُهَا.
وَلاَ بَأْسَ بِلُبْسِ الثِّيَابِ الْمُصَوَّرَةِ بِصُوَرِ غَيْرِ الْحَيَوَانَاتِ، كَشَجَرٍ وَقَمَرٍ وَجِبَالٍ وَكُل مَا لاَ رَوْحَ فِيهِ، لِمَا رَوَى الْبُخَارِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ لَمَّا قَال لَهُ الْمُصَوِّرُ: لاَ أَعْرِفُ صَنْعَةً غَيْرَهَا. قَال: إِنْ لَمْ يَكُنْ بُدٌّ فَصَوِّرْ
_________
(١) حديث: " كان لا يترك في بيته شيئا فيه. . " أخرجه البخاري (الفتح ١٠ / ٣٨٥ - ط السلفية) .
(٢) حديث: " إن أشد الناس عذابا يوم القيامة. . . " أخرجه البخاري (الفتح ١٠ / ٣٨٢ - ط السلفية) .
(٣) حديث أنس: " كان قرام لعائشة. . . " أخرجه البخاري (الفتح ١٠ / ٣٩١ - ط السلفية) .