الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٦
عَادٍ﴾ أَيْ سَدَّ الْجَوْعَةَ فَأَكَل ﴿فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ (١) . قَال الزَّرْكَشِيُّ: وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ خَوْفُ حُصُول الشَّيْنِ الْفَاحِشِ فِي عُضْوٍ ظَاهِرٍ، كَخَوْفِ طُول الْمَرَضِ كَمَا فِي التَّيَمُّمِ. وَاكْتَفَى بِالظَّنِّ، كَمَا فِي الإِْكْرَاهِ عَلَى أَكْل ذَلِكَ، فَلاَ يُشْتَرَطُ فِيهِ التَّيَقُّنُ وَلاَ الإِْشْرَافُ عَلَى الْمَوْتِ (٢) . وَلِلْمُضْطَرِّ أَنْ يَأْكُل مَا يَسُدُّ الرَّمَقَ أَيْ مَا يَحْفَظُ الْحَيَاةَ وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ، وَهُوَ الأَْظْهَرُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ. قَال الْمَوَّاقُ: وَنَصُّ الْمُوَطَّأِ: وَمِنْ أَحْسَنِ مَا سَمِعْتُهُ فِي الرَّجُل يُضْطَرُّ إِلَى الْمَيْتَةِ أَنَّهُ يَأْكُل مِنْهَا حَتَّى يَشْبَعَ وَيَتَزَوَّدَ مِنْهَا، فَإِنْ وَجَدَ عَنْهَا غِنًى طَرَحَهَا (٣) .
وَيَحْرُمُ الأَْكْل مِنَ الْمَيْتَةِ عَلَى الْمُضْطَرِّ فِي سَفَرِ الْمَعْصِيَةِ، كَقَاطِعِ الطَّرِيقِ وَالآْبِقِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ (٤) قَال مُجَاهِدٌ: غَيْرَ بَاغٍ عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَلاَ عَادٍ عَلَيْهِمْ. وَقَال سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: إِذَا خَرَجَ يَقْطَعُ الطَّرِيقَ فَلاَ رُخْصَةَ لَهُ (٥)، فَإِنْ تَابَ وَأَقْلَعَ عَنْ مَعْصِيَتِهِ حَل لَهُ الأَْكْل (٦) . وَفِي ذَلِكَ خِلاَفٌ وَتَفْصِيلٌ يُرْجَعُ إِلَيْهِ تَحْتَ عِنْوَانِ (اضْطِرَار) .
وَإِنِ اضْطُرَّ فَلَمْ يَجِدْ مَيْتَةً، وَمَعَ رَجُلٍ شَيْءٌ كَانَ لَهُ أَنْ يُكَابِرَهُ، وَعَلَى الرَّجُل أَنْ يُعْطِيَهُ، وَإِذَا كَابَرَهُ أَعْطَاهُ ثَمَنَهُ وَافِيًا، فَإِنْ كَانَ إِذَا أَخَذَ شَيْئًا خَافَ
_________
(١) سورة البقرة / ١٧٣.
(٢) أسنى المطالب ١ / ٥٧٠.
(٣) ابن عابدين ٣ / ٥٧، والمواق ٣ / ٢٣٣، وقليوبي ٤ / ٢٦٢، والمغني ١١ / ٧٣.
(٤) سورة البقرة / ١٧٣.
(٥) المغني لابن قدامة ١١ / ٧٥، ٧٦.
(٦) أسنى المطالب ١ / ٥٧٢.
مَالِكُ الْمَال عَلَى نَفْسِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ مُكَابَرَتُهُ (١) .
قَال الْقَرَافِيُّ فِي الذَّخِيرَةِ: وَإِذَا أَكَل مَال مُسْلِمٍ اقْتَصَرَ عَلَى سَدِّ الرَّمَقِ، إِلاَّ أَنْ يَعْلَمَ طُول الطَّرِيقِ فَلْيَتَزَوَّدْ، لأَِنَّ مُوَاسَاتَهُ تَجِبُ إِذَا جَاعَ.
ب - الأَْكْل مِنْ بُسْتَانِ الْغَيْرِ وَزَرْعِهِ دُونَ إِذْنِهِ:
٢٧ - قَال صَاحِبُ الْمُغْنِي مِنَ الْحَنَابِلَةِ: مَنْ مَرَّ بِبُسْتَانِ غَيْرِهِ يُبَاحُ لَهُ الأَْكْل مِنْهُ، مِنْ غَيْرِ فَرْقٍ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ مُضْطَرًّا إِلَى الأَْكْل أَوْ لاَ، وَمَحَل ذَلِكَ إِذَا لَمْ يَكُنْ لِلْبُسْتَانِ حَائِطٌ، أَيْ جِدَارٌ يَمْنَعُ الدُّخُول إِلَيْهِ لِحِرْزِهِ، لِمَا فِي ذَلِكَ مِنَ الإِْشْعَارِ بِعَدَمِ الرِّضَا.
وَدَلِيل ذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: إِذَا أَتَى أَحَدُكُمْ حَائِطًا، فَأَرَادَ أَنْ يَأْكُل، فَلْيُنَادِ: يَا صَاحِبَ الْحَائِطِ، ثَلاَثًا، فَإِنْ أَجَابَهُ وَإِلاَّ فَلْيَأْكُل، وَإِذَا مَرَّ أَحَدُكُمْ بِإِبِلٍ فَأَرَادَ أَنْ يَشْرَبَ مِنْ أَلْبَانِهَا، فَلْيُنَادِ: يَا صَاحِبَ الإِْبِل أَوْ يَا رَاعِيَ الإِْبِل، فَإِنْ أَجَابَهُ، وَإِلاَّ فَلْيَشْرَبْ (٢) .
وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ قَال: يَأْكُل مِمَّا تَحْتَ الشَّجَرِ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ تَحْتَ الشَّجَرِ فَلاَ يَأْكُل ثِمَارَ النَّاسِ وَهُوَ غَنِيٌّ، وَلاَ يَأْكُل بِضَرْبٍ بِحَجَرٍ، وَلاَ يَرْمِي، لأَِنَّ هَذَا يُفْسِدُ.
_________
(١) الأم ٢ / ٢٥.
(٢) حديث: " إذا أتى أحدكم حائطا. . . " أخرجه أحمد بن حنبل في مسنده. من حديث أبي سعيد ﵁ مرفوعا. وعزاه الشوكاني فضلا عما سبق إلى أبي يعلى بهذا اللفظ وابن ماجه وابن حبان والحاكم والمقدسي وصححه الألباني. (مسند أحمد بن حنبل ٣ / ٧، ٨ ط الميمنية وسنن ابن ماجه. ٢ / ٧٧١، ط عيسى الحلبي، وفتح الباري ٥ / ٨٩ ط السلفية، والجامع الصغير بتحقيق الألباني١ / ١٣٥، ١٣٦، ونيل الأوطار ٨ / ١٥٤ ط المطبعة العثمانية المصرية) .
غَيْرَ أَنَّهُ يَمْتَنِعُ عَلَى الإِْنْسَانِ أَنْ يَأْخُذَ خُبْنَةً، وَهِيَ مَا تَحْمِلُهُ وَتَخْرُجُ بِهِ مِنْ ثِمَارِ الْغَيْرِ، لأَِنَّ هَذَا مَنْهِيٌّ عَنْهُ بِنَصِّ الْحَدِيثِ الشَّرِيفِ، فَقَدْ سُئِل النَّبِيُّ ﷺ عَنِ الثَّمَرِ الْمُعَلَّقِ فَقَال: مَنْ أَصَابَ بِفِيهِ مِنْ ذِي حَاجَةٍ غَيْرَ مُتَّخَذٍ خُبْنَةً فَلاَ شَيْءَ عَلَيْهِ، وَمَنْ خَرَجَ بِشَيْءٍ مِنْهُ فَعَلَيْهِ غَرَامَةُ مِثْلَيْهِ وَالْعُقُوبَةُ (١) .
وَقَوْل الْمَالِكِيَّةِ كَقَوْل الْحَنَابِلَةِ، وَلَكِنْ قَيَّدُوهُ بِحَال الْحَاجَةِ. أَمَّا فِي غَيْرِ الْحَاجَةِ فَالأَْصَحُّ عِنْدَهُمُ الْمَنْعُ (٢) .
وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ قَال النَّوَوِيُّ: مَنْ مَرَّ بِثَمَرِ غَيْرِهِ أَوْ زَرْعِهِ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ، وَلاَ يَأْكُل بِغَيْرِ إِذْنِ صَاحِبِهِ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ مُضْطَرًّا فَيَأْكُل وَيَضْمَنَ.
وَحُكْمُ الثِّمَارِ السَّاقِطَةِ مِنَ الأَْشْجَارِ حُكْمُ سَائِرِ الثِّمَارِ إِنْ كَانَتْ دَاخِل الْجِدَارِ، فَإِنْ كَانَتْ خَارِجَهُ فَكَذَلِكَ إِنْ لَمْ تَجْرِ عَادَتُهُمْ بِإِبَاحَتِهَا، فَإِنْ جَرَتْ بِذَلِكَ، فَهَل تَجْرِي الْعَادَةُ الْمُطَّرِدَةُ مَجْرَى الإِْبَاحَةِ؟ وَالأَْصَحُّ: أَنَّهَا تَجْرِي مَجْرَى الإِْبَاحَةِ (٣) .
وَأَمَّا الأَْكْل مِنَ الزَّرْعِ فَعَنْ أَحْمَدَ فِيهِ رِوَايَتَانِ:
إِحْدَاهُمَا: قَال: لاَ يَأْكُل، إِنَّمَا رَخَّصَ فِي الثِّمَارِ وَلَيْسَ الزَّرْعَ، وَقَال: مَا سَمِعْنَا فِي الزَّرْعِ أَنْ يَمَسَّ مِنْهُ. وَوَجْهُهُ أَنَّ الثِّمَارَ خَلَقَهَا اللَّهُ لِلأَْكْل رَطْبَةً، وَالنُّفُوسُ
_________
(١) حديث: " فقد سئل النبي ﷺ عن الثمر المعلق. . . " أخرجه أحمد والترمذي وأبو داود واللفظ له من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص. قال الترمذي: هذا حديث حسن، وقال أحمد شاكر تعليقا على إسناد أحمد بن حنبل: إسناده صحيح (مسند أحمد بن حنبل بتحقيق أحمد شاكر ١١ / ١٦٠ رقم ٦٩٣٦، وسنن الترمذي ٣ / ٥٨٤ ط إستانبول، وسنن أبي داود ٢ / ٣٣٥، ٣٣٦ ط عزت عبيد دعاس) .
(٢) الفواكه الدواني ٢ / ٣٧٥ - ٣٧٦.
(٣) الروضة ٣ / ٢٩٢، وشرح الروض ١ / ٥٧٤، والمهذب ١ / ٢٥٨ ط دار المعرفة.
تَتَشَوَّقُ إِلَيْهَا، وَالزَّرْعُ بِخِلاَفِهَا.
وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: قَال: يَأْكُل مِنَ الْفَرِيكِ، لأَِنَّ الْعَادَةَ جَارِيَةٌ بِأَكْلِهِ رَطْبًا، أَشْبَهَ الثَّمَرَ. وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي الْبَاقِلاَءِ وَالْحِمَّصِ وَشَبَهِهِ مِمَّا يُؤْكَل رَطْبًا، فَأَمَّا الشَّعِيرُ وَمَا لَمْ تَجْرِ الْعَادَةُ بِأَكْلِهِ فَلاَ يَجُوزُ الأَْكْل مِنْهُ، قَال: وَالأَْوْلَى فِي الثِّمَارِ وَغَيْرِهَا أَلاَّ يُؤْكَل مِنْهَا إِلاَّ بِإِذْنٍ، لِمَا فِيهِ مِنَ الْخِلاَفِ وَالأَْخْبَارِ الدَّالَّةِ عَلَى التَّحْرِيمِ (١) .
وَعَنْهُ أَيْضًا فِي حَلْبِ الْمَاشِيَةِ رِوَايَتَانِ: إِحْدَاهُمَا: يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَحْلُبَ وَيَشْرَبَ وَلاَ يَحْمِل. وَالثَّانِيَةُ: لاَ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَحْلُبَ وَلاَ يَشْرَبَ، وَلِكُلٍّ مِنْهُمَا مَا يُسْنِدُهُ مِنْ قَوْل الرَّسُول ﷺ.
فَالإِْبَاحَةُ يُسْنِدُهَا الْحَدِيثُ الْمُتَقَدِّمُ.
وَالْحَظْرُ يَدُل لَهُ حَدِيثُ الرَّسُول ﷺ قَال: لاَ يَحْلُبَنَّ أَحَدٌ مَاشِيَةَ امْرِئٍ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تُؤْتَى مَشْرَبَتُهُ فَتُكْسَرَ خِزَانَتُهُ فَيَنْتَقِل طَعَامُهُ، فَإِنَّمَا تُخَزِّنُ لَهُمْ ضُرُوعُ مَاشِيَتِهِمْ أَطْعِمَاتِهِمْ، فَلاَ يَحْلُبَنَّ أَحَدٌ مَاشِيَةَ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِهِ (٢) .
حُكْمُ أَخْذِ النِّثَارِ فِي الْعُرْسِ وَغَيْرِهِ:
٢٨ - النِّثَارُ مَكْرُوهٌ فِي الْعُرْسِ وَغَيْرِهِ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْبَدْرِيِّ وَعِكْرِمَةَ وَابْنِ سِيرِينَ وَعَطَاءٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ الْخِطْمِيِّ وَطَلْحَةَ وَزُبَيْدٍ الْيَامِيِّ، وَبِهِ قَال مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنِ النُّهْبَى وَالْمُثْلَةِ (٣) . وَلأَِنَّ فِيهِ نَهْبًا وَتَزَاحُمًا وَقِتَالًا، وَرُبَّمَا أَخَذَهُ مَنْ يَكْرَهُ صَاحِبُ النِّثَارِ
_________
(١) المغني لابن قدامة ١١ / ٧٧.
(٢) حديث: " لا يحلبن أحد ماشية أحد. . . " سبق تخريجه ف / ٢٥.
(٣) حديث: " أن النبي ﷺ نهى عن النهبى والمثلة. . . " أخرجه البخاري (٥ / ١١٩ - الفتح - ط السلفية) .
لِحِرْصِهِ وَشَرَهِهِ وَدَنَاءَةِ نَفْسِهِ، وَيُحْرَمُهُ مِنْ يُحِبُّ صَاحِبُهُ لِمُرُوءَتِهِ وَصِيَانَةِ نَفْسِهِ وَعِرْضِهِ. وَالْغَالِبُ هَذَا، فَإِنَّ أَهْل الْمُرُوءَاتِ يَصُونُونَ أَنْفُسَهُمْ عَنْ مُزَاحَمَةِ سَفَلَةِ النَّاسِ عَلَى شَيْءٍ مِنَ الطَّعَامِ أَوْ غَيْرِهِ، وَلأَِنَّ فِي هَذَا دَنَاءَةً، وَاَللَّهُ يُحِبُّ مَعَالِيَ الأُْمُورِ وَيَكْرَهُ سَفْسَافَهَا.
وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ ثَانِيَةٌ: أَنَّهُ لَيْسَ بِمَكْرُوهٍ، اخْتَارَهَا أَبُو بَكْرٍ، وَهُوَ قَوْل الْحَسَنِ وَقَتَادَةَ وَالنَّخَعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي عُبَيْدٍ وَابْنِ الْمُنْذِرِ، لِمَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ قُرْطٍ قَال: قُرِّبَ إِلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ خَمْسُ بَدَنَاتٍ أَوْ سِتٌّ، فَطَفِقْنَ يَزْدَلِفْنَ إِلَيْهِ، بِأَيَّتِهِنَّ يَبْدَأُ، فَنَحَرَهَا رَسُول اللَّهِ ﷺ وَقَال كَلِمَةً لَمْ أَسْمَعْهَا، فَسَأَلْتُ مَنْ قَرُبَ مِنْهُ، فَقَال: قَال: مَنْ شَاءَ اقْتَطَعَ (١) وَهَذَا جَارٍ مَجْرَى النِّثَارِ، وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دُعِيَ إِلَى وَلِيمَةِ رَجُلٍ مِنَ الأَْنْصَارِ ثُمَّ أَتَوْا بِنَهْبٍ فَأَنْهَبَ عَلَيْهِ. قَال الرَّاوِي: وَنَظَرْتُ إِلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ يُزَاحِمُ النَّاسَ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ، قُلْتُ: يَا رَسُول اللَّهِ أَوَمَا نَهَيْتَنَا عَنِ النُّهْبَةِ؟ قَال: " نَهَيْتُكُمْ عَنْ نُهْبَةِ الْعَسَاكِرِ " (٢) وَلأَِنَّهُ نَوْعُ إِبَاحَةٍ فَأَشْبَهَ إِبَاحَةَ الطَّعَامِ لِلضِّيفَانِ (٣) .
_________
(١) حديث: " من شاء اقتطع. . . " أخرجه أبو داود وقال عبد القادر الأرناؤوط محقق جامع الأصول: إسناده قوي. (سنن أبي داود ٢ / ٣٧٠ ط عزت عبيد دعاس، وجامع الأصول ٣ / ٣٥٥)
(٢) حديث: " نهيتكم عن نهبة العساكر. . . " أورده ابن الأثير في النهاية بلفظ. " أنه نثر شيء في إملاك فلم يأخذوه، فقال النبي ﷺ " ما لكم لا تنتهبون؟ قالوا: أو ليس قد نهيت عن النهبى؟ فقال: إنما نهيت عن نهبى العساكر، فانتبهوا ". ولم نعثر عليه ف
(٣) مواهب الجليل ٤ / ٦ والمغني مع الشرح الكبير ٨ / ١١٨.
زَمَانُ الأَْكْل بِالنِّسْبَةِ لِلصَّائِمِ:
٢٩ - يُسَنُّ لِلصَّائِمِ أَنْ يُؤَخِّرَ سُحُورَهُ إِلَى آخِرِ اللَّيْل مَعَ تَحَقُّقِ بَقَاءِ اللَّيْل، وَأَنْ يُعَجِّل فُطُورَهُ بَعْدَ التَّيَقُّنِ مِنْ غُرُوبِ الشَّمْسِ (١) . وَتَفْصِيل ذَلِكَ يَنْظُرُ تَحْتَ عِنْوَانِ (الصَّوْم) .
أَكُولَةٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الأَْكُولَةُ لُغَةً: صِيغَةُ مُبَالَغَةٍ، بِمَعْنَى: كَثِيرَةِ الأَْكْل، وَتَكُونُ بِمَعْنَى الْمَفْعُول أَيْضًا أَيِ الْمَأْكُولَةِ، وَفِي الْحَدِيثِ: نُهِيَ الْمُصَدِّقُ عَنْ أَخْذِ الأَْكُولَةِ مِنَ الأَْنْعَامِ فِي الصَّدَقَةِ (٢) . وَاخْتُلِفَ فِي تَفْسِيرِ الأَْكُولَةِ فَقِيل: هِيَ الشَّاةُ الَّتِي تُعْزَل لِلأَْكْل وَتُسَمَّنُ. وَقِيل: أَكُولَةُ غَنْمِ الرَّجُل: الْخَصِيُّ وَالْهَرِمَةُ وَالْعَاقِرُ وَالْكَبْشُ (٣) .
وَعِنْدَ الْفُقَهَاءِ: شَاةُ اللَّحْمِ تُسَمَّنُ لِتُؤْكَل، ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى، وَكَذَا تُوصَفُ بِهِ الْمَرْأَةُ الْكَثِيرَةُ الأَْكْل (٤) .
_________
(١) كتاب الأم ٢ / ٨٢، وأسنى المطالب ١ / ٤١٩.
(٢) عن سفيان بن عبد الله أن عمر بن الحطاب بعثه مصدقا فكان فيما قال له: ". . . . لا تأخذ الأكولة ". أخرجه مالك (١ / ٢٦٥ - ط الحلبي) وصححه النووي كما في نصب الراية (٢ / ٢٥٥ - ط الحلبي) .
(٣) ترتيب القاموس، والمختار مادة: " أكل "، وطلبة الطلبة ص ١٧.
(٤) الخرشي ٢٢ / ١٥٢ ط دار صادر، وابن عابدين ٢ / ٢٢ ط بولاق، والقليوبي ٢ / ١١ ط مصطفى الحلبي، والفروع ١ / ٧٦١ ط المنار الأولى.
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
٢ - الرُّبَّى: الشَّاةُ الَّتِي تُرَبَّى لِلَّبَنِ، وَهِيَ مِنْ كَرَائِمِ الأَْمْوَال، مِثْل الشَّاةِ الأَْكُولَةِ (١) .
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ وَمَوَاطِنُ الْبَحْثِ:
٣ - يَتَّفِقُ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ لِلسَّاعِي أَنْ يَأْخُذَ الأَْكُولَةَ مِنَ الْغَنَمِ، لأَِنَّهَا مِنْ كَرَائِمِ الأَْمْوَال (٢) .
لِقَوْلِهِ لِمُعَاذٍ حِينَ بَعَثَهُ إِلَى الْيَمَنِ: إِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ (٣)، هَذَا إِنْ كَانَتِ الْغَنَمُ خِيَارًا وَلِئَامًا، وَكَذَا إِنْ كَانَتْ كُلُّهَا لِئَامًا، لاَ يَأْخُذُ السَّاعِي الأَْكُولَةَ إِلاَّ بِرِضَا الْمَالِكِ (٤) . فَإِنْ كَانَتْ كُلُّهَا خِيَارًا فَإِنَّ مِنَ الْفُقَهَاءِ مَنْ قَال: تَجِبُ الأَْكُولَةُ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَال: تَكْفِي الْوَسَطُ (٥) .
٤ - وَالزَّوْجَةُ الأَْكُولَةُ لاَ تَخْتَلِفُ عَنْ غَيْرِهَا فِي مِقْدَارِ النَّفَقَةِ عِنْدَ مَنْ يُقَدِّرُ لِلزَّوْجَةِ بِحَسَبِ يَسَارِ الزَّوْجِ أَوْ إِعْسَارِهِ، وَكَذَا لاَ تَخْتَلِفُ عَنْ غَيْرِهَا عِنْدَ مَنْ يَقُول بِالْكِفَايَةِ، غَيْرَ أَنَّ الْمَالِكِيَّةَ قَالُوا: إِنَّ الزَّوْجَةَ الأَْكُولَةَ يَجِبُ لَهَا كِفَايَتُهَا مِنَ الأَْكْل أَوْ يُطَلِّقُهَا، وَلاَ خِيَارَ لَهُ فِي فَسْخِ النِّكَاحِ وَإِمْضَائِهِ، وَهَذَا مَا لَمْ يَشْتَرِطْ كَوْنَهَا غَيْرَ أَكُولَةٍ، وَإِلاَّ فَلَهُ رَدُّهَا مَا لَمْ تَرْضَ بِالْوَسَطِ (٦) .
_________
(١) القاموس مادة " رب ".
(٢) الخرشي ٢ / ١٥٢ ط دار صادر، وابن عابدين ٢ / ٢٢ ط بولاق، والقليوبي ٢ / ١١ ط مصطفى الحلبي، والفروع ١ / ٧٦١ ط المنار الأولى.
(٣) ابن عابدين ٢ / ٢٢. والحديث " إياك وكرائم أموالهم " أخرجه البخاري (٣ / ٣٢٢ - الفتح - ط السلفية) ومسلم (١ / ٥١ - ط الحلبي) .
(٤) الخرشي ٢ / ١٥٢، وابن عابدين ٢ / ٢٢، والقليوبي ٢ / ١١، ومطالب أولي النهى ٢ / ٤١.
(٥) ابن عابدين ٢ / ٢٣، والقليوبي ٢ / ١١، والخرشي ٢ / ١٥٢، والفواكه الدواني ١ / ٤٠١، ومطالب أولي النهى ٢ / ٤١، والفروع ١ / ٧٦١.
(٦) الدسوقي ٢ / ٥٠٩ ط الحلبي، ومنح الجليل ٣ / ٧٦١.
أَلْبِسَةٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الأَْلْبِسَةُ: جَمْعُ لِبَاسٍ، وَهُوَ مَا يَسْتُرُ الْبَدَنَ وَيَدْفَعُ الْحَرَّ وَالْبَرْدَ، وَمِثْلُهُ الْمَلْبَسُ، وَاللِّبْسُ بِالْكَسْرِ. وَلِبْسُ الْكَعْبَةِ وَالْهَوْدَجِ: كِسْوَتُهُمَا.
وَيُقَال: لَبِسْتُ امْرَأَةً، أَيْ تَمَتَّعْتُ بِهَا زَمَانًا. وَلِبَاسُ كُل شَيْءٍ غِشَاؤُهُ. وَاللَّبُوسُ بِفَتْحِ اللاَّمِ مَا يُلْبَسُ، وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ﴾ يَعْنِي الدِّرْعَ (١) . قَال اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ (٢) . .
الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ:
٢ - اسْتِعْمَال اللِّبَاسِ تَعْتَرِيهِ الأَْحْكَامُ الْخَمْسَةُ: فَالْفَرْضُ مِنْهُ: مَا يَسْتُرُ الْعَوْرَةَ وَيَدْفَعُ الْحَرَّ وَالْبَرْدَ، قَال تَعَالَى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُل مَسْجِدٍ﴾ (٣) أَيْ مَا يَسْتُرُ عَوْرَتَكُمْ عِنْدَ الصَّلاَةِ.
وَالْمَنْدُوبُ إِلَيْهِ أَوِ الْمُسْتَحَبُّ: هُوَ مَا يَحْصُل بِهِ أَصْل الزِّينَةِ وَإِظْهَارُ النِّعْمَةِ، قَال تَعَالَى: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّك فَحَدِّثْ﴾ (٤)، وَعَنْ أَبِي الأَْحْوَصِ عَنْ
_________
(١) الصحاح للمرعشلي، والصباح المنير، ولسان العرب، ومختار الصحاح للرازي مادة (لبس) . والآية من سورة الأنبياء / ٨٠.
(٢) سورة الأعراف / ٢٦.
(٣) سورة الأعراف / ٣١.
(٤) سورة الضحى / ١١.
أَبِيهِ قَال: دَخَلْتُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَرَآنِي سَيِّئَ الْهَيْئَةِ فَقَال: أَلَكَ شَيْءٌ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، مِنْ كُل الْمَال قَدْ آتَانِي اللَّهُ تَعَالَى، فَقَال: إِذَا كَانَ لَكَ مَالٌ فَلْيُرَ عَلَيْكَ (١) .
وَعَنِ ابْنِ عَمْرٍو ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ أَنْ يَرَى أَثَرَ نِعْمَتِهِ عَلَى عَبْدِهِ (٢) .
وَمِنَ الْمَنْدُوبِ: اللُّبْسُ لِلتَّزَيُّنِ، وَلاَ سِيَّمَا فِي الْجُمَعِ وَالأَْعْيَادِ وَمَجَامِعِ النَّاسِ، لِحَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: مَا عَلَى أَحَدِكُمْ إِنْ وَجَدَ سَعَةً أَنْ يَتَّخِذَ ثَوْبَيْنِ لِيَوْمِ الْجُمُعَةِ غَيْرَ ثَوْبَيْ مِهْنَتِهِ (٣) وَمَحَلُّهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ لِلتَّكَبُّرِ.
وَالْمَكْرُوهُ: هُوَ اللِّبَاسُ الَّذِي يَكُونُ مَظِنَّةً لِلتَّكَبُّرِ وَالْخُيَلاَءِ، لِحَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَالْبَسُوا مِنْ غَيْرِ إِسْرَافٍ وَلاَ مَخِيلَةٍ (٤) .
وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَال: كُل مَا شِئْتَ، وَالْبَسْ مَا شِئْتَ، مَا أَخْطَأَتْكَ اثْنَتَانِ: سَرَفٌ وَمَخِيلَةٌ (٥) وَالْمَخِيلَةُ هِيَ الْكِبْرُ. وَقَال
_________
(١) حديث: " إذا كان لك مال فلير عليك. . " أخرجه أحمد (٣ / ٤٧٣ - ط الميمنية) والنسائي (٨ / ١٩٦ ط المكتبة التجارية) وإسناده صحيح.
(٢) حديث: " إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده. . . . ". أخرجه الترمذي (٥ / ١٢٢ ط الحلبي) وإسناده حسن.
(٣) حديث: " ما على أحدكم. . . " أخرجه ابن ماجه (١ / ٣٤٨ ط الحلبي)، وفي الزوائد: إسناده صحيح.
(٤) حديث: " كلوا واشربوا. . . " أخرجه أحمد (٢ / ١٨١ ط الميمنية) والحاكم (٤ / ١٣٥ ط دائرة المعارف العثمانية) وصححه ووافقه الذهبي.
(٥) عن ابن عباس قال: " كل ما شئت. . . " أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (٨ / ٤٠٥ ط الدار السلفية) وإسناده صحيح.
عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو: قُلْتُ: يَا رَسُول اللَّهِ: أَمِنَ الْكِبْرِ أَنْ يَكُونَ لِي الْحُلَّةُ فَأَلْبَسُهَا؟ قَال: لاَ. قُلْتُ: أَمِنَ الْكِبْرِ أَنْ تَكُونَ لِي رَاحِلَةٌ فَأَرْكَبَهَا؟ قَال: لاَ. قُلْتُ: أَمِنَ الْكِبْرِ أَنْ أَصْنَعَ طَعَامًا فَأَدْعُوَ أَصْحَابِي؟ قَال: لاَ. الْكِبْرُ أَنْ تُسَفِّهَ الْحَقَّ وَتَغْمِصَ النَّاسَ (١) وَسَفَهُ الْحَقِّ: جَهْلُهُ. وَغَمْصُ النَّاسِ: احْتِقَارُهُمْ.
وَالْحَرَامُ: هُوَ اللُّبْسُ بِقَصْدِ الْكِبْرِ وَالْخُيَلاَءِ، لِمَا وَرَدَ فِي الأَْحَادِيثِ السَّابِقَةِ. وَمِنَ الْحَرَامِ لُبْسُ الْحَرِيرِ وَالذَّهَبِ مَثَلًا بِالنِّسْبَةِ لِلرِّجَال، وَلَوْ بِحَائِلٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ بَدَنِهِ، مَا لَمْ يَدْعُ إِلَى لُبْسِهِ ضَرُورَةٌ، أَوْ مَرَضٌ كَحَكَّةٍ بِهِ، فَيَلْبَسُ الْحَرِيرَ لِذَلِكَ، لِمَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَال: أَخَذَ رَسُول اللَّهِ ﷺ حَرِيرًا فَجَعَلَهُ فِي يَمِينِهِ، وَذَهَبًا فَجَعَلَهُ فِي شِمَالِهِ. فَقَال: إِنَّ هَذَيْنِ حَرَامٌ عَلَى ذُكُورِ أُمَّتِي (٢) .
وَعَنْ أَبِي مُوسَى الأَْشْعَرِيِّ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: حُرِّمَ لِبَاسُ الْحَرِيرِ وَالذَّهَبِ عَلَى ذُكُورِ أُمَّتِي، وَأُحِل لإِنَاثِهِمْ (٣) .
وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَال: " إِنَّمَا نَهَى
_________
(١) حديث: " الكبر أن تسفه الحق. . . " أخرجه أحمد (٢ / ١٧٠ ط الميمنية) . وقال الهيثمي في مجمع الزوائد: رجاله ثقات. (٤ / ٢٢٠ ط القدسي) .
(٢) حديث: " إن هذين حرام على ذكور أمتي. . . " أخرجه أبو داود (٤ / ٣٣٠ ط عزت عبيد دعاس)، والنسائي (٨ / ١٦٠ ط المكتبة التجارية الكبرى) من حديث علي بن أبي طالب وهو صحيح لطرقه.
(٣) حديث: " حرم لباس الحرير والذهب على ذكور أمتي وأحل لإناثهم. . . . " أخرجه أحمد (٤ / ٣٩٢ ط الميمنية) والنسائي (٨ / ١٦١ ط المكتبة التجارية) . من حديث أبي موسى الأشعري، وهو صحيح لطرقه.