الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٦ الصفحة 24

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٦

مَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ قَال: كُنْتُ غُلاَمًا فِي حِجْرِ النَّبِيِّ ﷺ وَكَانَتْ يَدَيَّ تَطِيشُ فِي الصَّحْفَةِ، فَقَال لِي: يَا غُلاَمُ سَمِّ اللَّهَ وَكُل بِيَمِينِكَ وَكُل مِمَّا يَلِيكَ، قَال: فَمَا زَالَتْ تِلْكَ طُعْمَتِي بَعْدُ (١) .

إِلاَّ أَنَّهُ إِنْ كَانَ الطَّعَامُ تَمْرًا أَوْ أَجْنَاسًا فَقَدْ نَقَلُوا إِبَاحَةَ اخْتِلاَفِ الأَْيْدِي فِي الطَّبَقِ وَنَحْوِهِ (٢) .

ج - غَسْل الْيَدِ بَعْدَ الطَّعَامِ:

١٤ - تَحْصُل السُّنَّةُ بِمُجَرَّدِ الْغَسْل بِالْمَاءِ، قَال ابْنُ رَسْلاَنَ: وَالأَْوْلَى غَسْل الْيَدِ بِالأُْشْنَانِ أَوِ الصَّابُونِ أَوْ مَا فِي مَعْنَاهُمَا. فَقَدْ أَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَنَسٍ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: إِنَّ الشَّيْطَانَ حَسَّاسٌ لَحَّاسٌ، فَاحْذَرُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ، مَنْ بَاتَ وَفِي يَدِهِ غُمَرٌ فَأَصَابَهُ شَيْءٌ فَلاَ يَلُومَنَّ إِلاَّ نَفْسَهُ (٣)

هَذَا وَالْغَسْل مُسْتَحَبٌّ قَبْل الأَْكْل وَبَعْدَهُ، وَلَوْ كَانَ الشَّخْصُ عَلَى وُضُوءٍ. وَرَوَى سَلْمَانُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: بَرَكَةُ الطَّعَامِ الْوُضُوءُ قَبْلَهُ، وَالْوُضُوءُ

_________

(١) حديث: " كنت غلاما. . . " سبق تخريجه (ف ١١) .

(٢) المغني لابن قدامة ١١ / ٩١.

(٣) نيل الأوطار ٩ / ٤٢ وما بعدها، وحاشية ابن عابدين ٥ / ٢١٦، والمحلى ٧ / ٤٣٥. وحديث: " إن الشيطان حساس لحاس. . . " أخرجه الترمذي عن طريق يعقوب بن الوليد المدني من حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعا وقال: هذا حديث غريب من هذا الوجه، وحسنه المنذري بعد أن ذكر طرق الحديث المختلفة (تحفة الأحوذي ٤ / ٥٩٦ نشر المكتبة السلفية، والترغيب والترهيب ٤ / ٢١٢، ٢١٣ ط المكتبة التجارية) .

بَعْدَهُ (١)، قَال الطِّيبِيُّ: الْمُرَادُ بِالْوُضُوءِ تَنْظِيفُ الْيَدِ بِغَسْلِهَا، وَلَيْسَ الْوُضُوءَ الشَّرْعِيَّ (٢) .

د - الْمَضْمَضَةُ بَعْدَ الطَّعَامِ:

١٥ - الْمَضْمَضَةُ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنَ الطَّعَامِ مُسْتَحَبَّةٌ (٣)، لِمَا رَوَى بَشِيرُ بْنُ يَسَارٍ عَنْ سُوَيْدِ بْنِ النُّعْمَانِ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّهُمْ كَانُوا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ بِالصَّهْبَاءِ - وَهِيَ عَلَى رَوْحَةٍ مِنْ خَيْبَرَ - فَحَضَرَتِ الصَّلاَةُ، فَدَعَا بِطَعَامٍ فَلَمْ يَجِدْهُ إِلاَّ سَوِيقًا فَلاَكَ مِنْهُ، فَلُكْنَا مَعَهُ ثُمَّ دَعَا بِمَاءٍ فَمَضْمَضَ، ثُمَّ صَلَّى وَصَلَّيْنَا وَلَمْ يَتَوَضَّأْ (٤) .

هـ - الدُّعَاءُ لِلْمُضِيفِ:

١٦ - فَقَدْ رَوَى أَنَسٌ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ جَاءَ إِلَى سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ فَجَاءَ بِخُبْزٍ وَزَيْتٍ فَأَكَل، ثُمَّ قَال النَّبِيُّ ﷺ: أَفْطَرَ عِنْدَكُمُ الصَّائِمُونَ، وَأَكَل طَعَامَكُمُ الأَْبْرَارُ، وَصَلَّتْ عَلَيْكُمُ الْمَلاَئِكَةُ (٥) . وَعَنْ جَابِرٍ

_________

(١) حديث: " بركة إطعام. . . " أخرجه الترمذي (تحفة الأحوذي ٥ / ٥٧٨ نشر المكتبة السلفية) وأبو داود (سنن أبي داود ٤ / ١٣٩ ط عزت عبيد دعاس) . قال أبو داود: هو ضعيف. وقال الترمذي: لا نعرف هذا الحديث إلا من حديث قيس بن الربيع، وقيس يضعف في الحديث. قال المنذري بعد نقل كلام الترمذي هذا: قيس بن الربيع صدوق وفيه كلام لسوء حفظه لا يخرج الإسناد عن حد الحسن.

(٢) المغني ١١ / ٩١، وفيض القدير ٣ / ٢٠٠.

(٣) فتح الباري ٩ / ٤٥٧، والمحلى ٧ / ٤٣٥.

(٤) حديث: " روى بشير بن يسار عن سويد بن النعمان أنه أخبره. . . " أخرجه البخاري (فتح الباري ٩ / ٥٣٤ ط السلفية) .

(٥) حديث أنس: " أن النبي ﷺ جاء إلى سعد بن عبادة. . . " أخرجه أبو داود واللفظ له والبيهقي. وسكت عنه المنذري وقال عبد القادر الأرناؤوط محقق جامع الأصول: هو حديث صحيح. (عون المعبود ٣ / ٤٣٣ ط الهند. والسنن الكبرى للبيهقي ٧ / ٢٨٧ ط دائرة المعارف العثمانية، وجامع الأصول ٤ / ٣١١) .

قَال صَنَعَ أَبُو الْهَيْثَمِ بْنُ النَّبْهَانِ لِلنَّبِيِّ ﷺ طَعَامًا فَدَعَا النَّبِيَّ ﷺ وَأَصْحَابَهُ، فَلَمَّا فَرَغُوا قَال: أَثِيبُوا أَخَاكُمْ، قَالُوا: يَا رَسُول اللَّهِ وَمَا إِثَابَتُهُ؟ قَال: إِنَّ الرَّجُل إِذَا دَخَل بَيْتَهُ فَأَكَل طَعَامَهُ وَشَرِبَ شَرَابَهُ فَدَعَوْا لَهُ، فَذَلِكَ إِثَابَتُهُ (١)

- و- الأَْكْل بِثَلاَثَةِ أَصَابِعَ:

١٧ - السُّنَّةُ الأَْكْل بِثَلاَثَةِ أَصَابِعَ، قَال عِيَاضٌ: وَالأَْكْل بِأَكْثَرَ مِنْهَا مِنَ الشَّرَهِ وَسُوءِ الأَْدَبِ، وَلأَِنَّهُ غَيْرُ مُضْطَرٍّ لِذَلِكَ لِجَمْعِهِ اللُّقْمَةَ وَإِمْسَاكِهَا مِنْ جِهَاتِهَا الثَّلاَثِ: وَإِنِ اضْطُرَّ إِلَى الأَْكْل بِأَكْثَرَ مِنْ ثَلاَثَةِ أَصَابِعَ، لِخِفَّةِ الطَّعَامِ وَعَدَمِ تَلْفِيقِهِ بِالثَّلاَثِ يَدْعَمُهُ بِالرَّابِعَةِ أَوِ الْخَامِسَةِ (٢) . هَذَا إِنْ أَكَل بِيَدِهِ، وَلاَ بَأْسَ بِاسْتِعْمَال الْمِلْعَقَةِ وَنَحْوِهَا كَمَا يَأْتِي.

ز - أَكْل اللُّقْمَةِ السَّاقِطَةِ:

١٨ - إِذَا وَقَعَتِ اللُّقْمَةُ فَلْيُمِطِ الآْكِل عَنْهَا الأَْذَى وَلْيَأْكُلْهَا وَلاَ يَدَعْهَا لِلشَّيْطَانِ، لأَِنَّهُ لاَ يَدْرِي مَوْضِعَ الْبَرَكَةِ فِي طَعَامِهِ، وَقَدْ يَكُونُ فِي هَذِهِ اللُّقْمَةِ السَّاقِطَةِ، فَتَرْكُهَا يُفَوِّتُ عَلَى الْمَرْءِ بَرَكَةَ الطَّعَامِ (٣)، لِمَا رُوِيَ عَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ

_________

(١) حديث جابر قال: " صنع أبو الهيثم. . . " أخرجه أبو داود وقال المنذري: فيه رجل مجهول، وفيه يزيد بن عبد الرحمن أبو خالد المعروف بالدالاني وقد وثقه غير واحد وتكلم فيه بعضهم. (عون المعبود ٣ / ٤٣٣ ط الهند) .

(٢) نيل الأوطار ٩ / ٤٩، وأسنى المطالب ٣ / ٢٢٧.

(٣) نيل الأوطار ٩ / ٤٤ وما بعدها.

إِذَا طَعِمَ طَعَامًا لَعِقَ أَصَابِعَهُ الثَّلاَثَ، وَقَال: وَإِذَا سَقَطَتْ لُقْمَةُ أَحَدِكُمْ فَلْيُمِطْ عَنْهَا الأَْذَى وَلْيَأْكُلْهَا، وَلاَ يَدَعْهَا لِلشَّيْطَانِ (١) .

ج - عَدَمُ الاِتِّكَاءِ أَثْنَاءَ الأَْكْل:

١٩ - وَذَلِكَ لِقَوْلِهِ ﷺ أَمَّا أَنَا فَلاَ آكُل مُتَّكِئًا (٢) قَال الْخَطَّابِيُّ: الْمُتَّكِئُ هُنَا الْجَالِسُ مُعْتَمِدًا عَلَى وِطَاءٍ تَحْتَهُ، كَقُعُودِ مَنْ يُرِيدُ الإِْكْثَارَ مِنَ الطَّعَامِ. وَسَبَبُ الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ قِصَّةُ الأَْعْرَابِيِّ الْمَذْكُورِ فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ قَال: أُهْدِيَتْ لِلنَّبِيِّ ﷺ شَاةٌ، فَجَثَا رَسُول اللَّهِ ﷺ عَلَى رُكْبَتَيْهِ يَأْكُل، فَقَال أَعْرَابِيٌّ: مَا هَذِهِ الْجِلْسَةُ؟ فَقَال: إِنَّ اللَّهَ جَعَلَنِي عَبْدًا كَرِيمًا، وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا عَنِيدًا. . . (٣)

وَاخْتُلِفَ فِي صِفَةِ الاِتِّكَاءِ، لَكِنَّ مُرَادَهُمْ أَنَّ الإِْكْثَارَ مِنَ الطَّعَامِ مَذْمُومٌ، وَمُرَادُهُ ﷺ ذَمُّ فِعْل مَنْ يَسْتَكْثِرُ الطَّعَامَ، وَمَدْحُ مَنْ لاَ يَأْكُل إِلاَّ الْبُلْغَةَ مِنَ الزَّادِ، وَلِذَلِكَ قَعَدَ مُسْتَوْفِزًا (٤) .

ط - التَّسْوِيَةُ بَيْنَ الْحَاضِرِينَ عَلَى الطَّعَامِ:

٢٠ - فَقَدْ رُوِيَ عَنْ جَابِرٍ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ أَتَى

_________

(١) حديث أنس: " أن النبي ﷺ كان إذا كل طعاما. . . ". أخرجه مسلم (٣ / ١٦٠٧ ط عيسى الحلبي) .

(٢) حديث: " أما أنا فلا آكل متكئا. . . ". أخرجه البخاري من حديث جحيفة ﵁ بلفظ: " إني لا آكل متكئا " وفي رواية: " لا آكل وأنا متكئ " وأما اللفظ الوارد في صلب الموسوعة فهو للترمذي. (فتح الباري ٩ / ٥٤٠ ط السلفية، وتحفة الأحوذي ٥ / ٥٥٧ - ٥٥٩ نشر المكتبة السلفية) .

(٣) حديث عبد الله بن بسر قال: " أهديت للنبي ﷺ. . . " أخرجه ابن ماجه. وقال الحافظ البوصيري في الزوائد: إسناده صحيح رجاله ثقات (سنن ابن ماجه ٢ / ١٠٨٦ ط عيسى الحلبي) .

(٤) أسنى المطالب ٣ / ٢٢٧، ونيل الأوطار ٩ / ٤٤ وما بعدها.

بَعْضَ حُجَرِ نِسَائِهِ، فَدَخَل، ثُمَّ أَذِنَ لِي فَدَخَلْتُ الْحِجَابَ عَلَيْهَا، فَقَال: هَل مِنْ غَدَاءٍ؟ فَقَالُوا: نَعَمْ. فَأُتِيَ بِثَلاَثَةِ أَقْرِصَةٍ فَوُضِعْنَ عَلَى نَبِيٍّ (مَائِدَةٍ مِنْ خُوصٍ) فَأَخَذَ رَسُول اللَّهِ ﷺ قُرْصًا فَوَضَعَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَأَخَذَ قُرْصًا آخَرَ فَوَضَعَهُ بَيْنَ يَدَيَّ، ثُمَّ أَخَذَ الثَّالِثَ فَكَسَرَهُ اثْنَيْنِ، فَحَمَل نِصْفَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ وَنِصْفَهُ بَيْنَ يَدَيَّ، ثُمَّ قَال: هَل مِنْ أُدْمٍ؟ قَالُوا: لاَ، إِلاَّ شَيْءٌ مِنْ خَلٍّ، قَال: هَاتُوهُ، فَنِعْمَ الأُْدْمُ هُوَ (١) . وَالتَّسْوِيَةُ بَيْنَ الْحَاضِرِينَ عَلَى الطَّعَامِ مُسْتَحَبَّةٌ، حَتَّى لَوْ كَانَ بَعْضُ الْحَاضِرِينَ أَفْضَل مِنْ بَعْضٍ (٢) .

هَذَا وَمِنْ آدَابِ الأَْكْل أَثْنَاءَ الطَّعَامِ إِكْرَامُ الْخُبْزِ، لِحَدِيثِ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا: أَكْرِمُوا الْخُبْزَ (٣)، وَعَدَمُ الْبُصَاقِ وَالْمُخَاطِ حَال الأَْكْل إِلاَّ لِضَرُورَةٍ. وَمِنْ آدَابِهِ كَذَلِكَ الأَْكْل مَعَ الْجَمَاعَةِ، وَالْحَدِيثُ غَيْرُ الْمُحَرَّمِ عَلَى الطَّعَامِ، وَمُؤَاكَلَةُ صِغَارِهِ وَزَوْجَاتِهِ، وَأَلاَّ يَخُصَّ نَفْسَهُ بِطَعَامٍ إِلاَّ لِعُذْرٍ كَدَوَاءٍ، بَل يُؤْثِرُهُمْ عَلَى نَفْسِهِ فَاخِرَ الطَّعَامِ، كَقِطْعَةِ لَحْمٍ وَخُبْزٍ لَيِّنٍ أَوْ طَيِّبٍ.

_________

(١) حديث جابر: أخرجه مسلم (٣ / ١٦٢٢، ١٦٢٣ ط عيسى الحلبي، ونيل الأوطار ٨ / ١٦٣ ط دائرة المعارف العثمانية) .

(٢) فتح الباري ٩ / ٤٣٧.

(٣) حديث: " أكرموا الخبز. . . ". أخرجه الحاكم والبيهقي من حديث عائشة ﵂. وذكر السخاوي والمناوي طرق الحديث المختلفة وكلها مطعون فيها، لكن صنيع الحافظ العراقي يؤذن بأنه شديد الضعف لا موضوع، وأمثل طرقه طريق الحاكم والبيهقي من حديث عائشة المشار إليه آنفا. وحكم الألباني بحسنه. (فيض القدير ٢ / ٩١ - ٩٣، والمقاصد الحسنة ص ٧٨ نشر مكتبة الخانجي، وصحيح الجامع الصغير ١ / ٣٨٩) .

وَإِذَا فَرَغَ ضَيْفُهُ مِنَ الطَّعَامِ وَرَفَعَ يَدَهُ قَال صَاحِبُ الطَّعَامِ: كُل، وَيُكَرِّرُهَا عَلَيْهِ مَا لَمْ يَتَحَقَّقْ أَنَّهُ اكْتَفَى مِنْهُ، وَلاَ يَزِيدُ عَلَى ثَلاَثِ مَرَّاتٍ، وَأَنْ يَتَخَلَّل، وَلاَ يَبْتَلِعَ مَا يَخْرُجُ مِنْ أَسْنَانِهِ بِالْخِلاَل بَل يَرْمِيهِ (١) .

آدَابُ الأَْكْل بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْهُ:

٢٢ - يُسَنُّ أَنْ يَقُول الآْكِل مَا وَرَدَ مِنْ حَمْدِ اللَّهِ وَالدُّعَاءِ بَعْدَ تَمَامِ الأَْكْل، فَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا رَفَعَ مَائِدَتَهُ قَال: " الْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ غَيْرَ مَكْفِيٍّ (٢) وَلاَ مُوَدَّعٍ وَلاَ مُسْتَغْنًى عَنْهُ رَبَّنَا " (٣) وَقَدْ كَانَ الرَّسُول ﷺ إِذَا أَكَل طَعَامًا غَيْرَ اللَّبَنِ قَال: " اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِيهِ، وَأَطْعِمْنَا خَيْرًا مِنْهُ " وَإِذَا شَرِبَ لَبَنًا قَال: " اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِيهِ، وَزِدْنَا مِنْهُ " (٤) .

وَقَدْ رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: " مَنْ أَطْعَمَهُ اللَّهُ طَعَامًا فَلْيَقُل: اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِيهِ وَأَطْعِمْنَا خَيْرًا مِنْهُ، وَمَنْ سَقَاهُ اللَّهُ لَبَنًا فَلْيَقُل: اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِيهِ وَزِدْنَا مِنْهُ " (٥) .

_________

(١) أسنى المطالب ٣ / ٢٢٧.

(٢) أحسن ما قيل في تفسيره: أنه وصف لله تعالى، أي غير محتاج إلى أحد، لكنه هو الذي يطعم عباده ويكفيهم.

(٣) حديث: " كان النبي ﷺ إذا رفع مائدته. . . " أخرجه البخاري (فتح الباري ٩ / ٥٨٠ ط السلفية) .

(٤) حديث: " وقد كان رسول الله ﷺ إذا أكل طعاما غير اللبن. . . " أخرجه الترمذي بلفظ: " من أطعمه الله الطعام فليقل: اللهم بارك لنا فيه وأطعمنا خيرا منه، ومن سقاه الله لبنا فليقل: اللهم بارك لنا فيه وزدنا منه ". وقال: هذا حديث حسن. (سنن الترمذي٥ / ٥٠٦، ٥٠٧ ط استانبول.)

(٥) نيل الأوطار ٩ / ٥٥٢، وحاشية ابن عابدين ٥ / ٢١٥ وحديث: " من أطعمه الله طعاما. . . " أخرجه الترمذي وأبو داود. وقال الترمذي: هذا حديث حسن. وفي إسناده عمر بن حرملة، ويقال: ابن أبي حرملة سئل عنه أبو زرعة فقال: بصري لا أعرفه إلا في هذا الحديث. كما أن في إسناده علي بن زيد بن جدعان أبو الحسن البصري وقد ضعفه جماعة من الأئمة. (تحفة الأحوذي ٩ / ٤٢١، ٤٢٢ نشر المكتبة السلفية، وعون المعبود ٣ / ٣٩٣ ط الهند) .

آدَابٌ عَامَّةٌ فِي الأَْكْل:

أ - عَدَمُ ذَمِّ الطَّعَامِ:

٢٣ - رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ قَال: مَا عَابَ النَّبِيُّ ﷺ طَعَامًا قَطُّ، إِنِ اشْتَهَاهُ أَكَلَهُ، وَإِنْ كَرِهَهُ تَرَكَهُ (١) وَالْمُرَادُ الطَّعَامُ الْمُبَاحُ، أَمَّا الْحَرَامُ فَكَانَ يَعِيبُهُ وَيَذُمُّهُ وَيَنْهَى عَنْهُ.

وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّهُ إِنْ كَانَ الْعَيْبُ مِنْ جِهَةِ الْخِلْقَةِ كُرِهَ، وَإِنْ كَانَ مِنْ جِهَةِ الصَّنْعَةِ لَمْ يُكْرَهْ، لأَِنَّ صَنْعَةَ اللَّهِ لاَ تُعَابُ وَصَنْعَةَ الآْدَمِيِّينَ تُعَابُ. وَاَلَّذِي يَظْهَرُ التَّعْمِيمُ، فَإِنَّ فِيهِ كَسْرَ قَلْبِ الصَّانِعِ.

قَال النَّوَوِيُّ: مِنْ آدَابِ الطَّعَامِ الْمُتَأَكِّدَةِ أَلاَّ يُعَابَ كَقَوْلِهِ: مَالِحٌ، حَامِضٌ، قَلِيل الْمِلْحِ، غَلِيظٌ، رَقِيقٌ، غَيْرُ نَاضِجٍ، وَغَيْرُ ذَلِكَ - قَال ابْنُ بَطَّالٍ: هَذَا مِنْ حَسَنِ الآْدَابِ، لأَِنَّ الْمَرْءَ قَدْ لاَ يَشْتَهِي الشَّيْءَ وَيَشْتَهِيهِ غَيْرُهُ، وَكُل مَأْذُونٍ فِي أَكْلِهِ مِنْ قِبَل الشَّرْعِ لَيْسَ فِيهِ عَيْبٌ (٢) .

_________

(١) حديث: " ما عاب النبي ﷺ طعاما. . . ". أخرجه البخاري ومسلم (فتح الباري ٩ / ٥٤٧ ط السلفية، وصحيح مسلم ٣ / ١٦٣٢ ط عيسى الحلبي) .

(٢) فتح الباري ٩ / ٥٤٧.

ب - اسْتِعْمَال الْمَلاَعِقِ وَالسَّكَاكِينِ وَأَدَوَاتِ الطَّعَامِ:

٢٤ - يَجُوزُ اسْتِعْمَال السِّكِّينِ وَمَا فِي مَعْنَاهُ، لِخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيِّ أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ ﷺ يَحْتَزُّ مِنْ كَتِفِ شَاةٍ فِي يَدِهِ، فَدُعِيَ إِلَى الصَّلاَةِ، فَأَلْقَاهَا وَالسِّكِّينَ الَّتِي يَحْتَزُّ بِهَا، ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ (١) .

وَأَمَّا خَبَرُ لاَ تَقْطَعُوا اللَّحْمَ بِالسِّكِّينِ (٢) فَقَدْ سُئِل عَنْهُ الإِْمَامُ أَحْمَدُ فَقَال: لَيْسَ بِصَحِيحٍ. وَقَال ابْنُ مُفْلِحٍ: أَمَّا تَقْطِيعُ الْخُبْزِ بِالسِّكِّينِ فَلَمْ أَجِدْ فِيهِ كَلاَمًا (٣) .

- ج - تَحَرِّي الأَْكْل مِنَ الْحَلاَل:

٢٥ - قَال اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِل إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ (٤) .

وَقَال النَّبِيُّ ﷺ: لاَ يَحْلُبَنَّ أَحَدٌ مَاشِيَةَ امْرِئٍ

_________

(١) حديث عمر بن أمية الضمري: " أنه رأى النبي ﷺ يحتز من كتف شاة. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري ٩ / ٥٤٧ ط السلفية) .

(٢) حديث: " لا تقطعوا اللحم بالسكين. . . " أخرجه أبو داود من حديث عائشة ﵂ مرفوعا وقال: وليس هو بالقوي. قال المنذري: في إسناده أبو مشعر السدي المدني واسمه نجيح وكان يحيى بن سعيد القطان لا يحدث عنه ويستضعفه جدا ويضحك إذا ذكره غيره وتكلم فيه غير واحد من الأئمة. وقال أبو عبد الرحمن السناني: أبو معشر له أحاديث مناكير منها هذا. (عون المعبود ٣ / ٤١١ ط الهند)

(٣) الآداب الشرعية لابن مفلح ٣ / ٢٢١ ط المنار. وترى اللجنة أن هذا من الأمور العادية والأصل فيها الإباحة.

(٤) سورة النساء / ٢٩.

بِغَيْرِ إِذْنِهِ، أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تُؤْتَى مَشْرَبَتُهُ (١)، فَتُكْسَرَ خِزَانَتُهُ، فَيَنْتَقِل طَعَامُهُ، فَإِنَّمَا تُخَزِّنُ لَهُمْ ضُرُوعُ مَاشِيَتِهِمْ أَطْعِمَاتِهِمْ، فَلاَ يَحْلُبَنَّ أَحَدٌ مَاشِيَةَ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِهِ (٢)

قَال الشَّافِعِيُّ ﵀: أَصْل الْمَأْكُول وَالْمَشْرُوبِ إِذَا لَمْ يَكُنْ لِمَالِكٍ مِنَ الآْدَمِيِّينَ، أَوْ أَحَلَّهُ مَالِكُهُ، أَنَّهُ حَلاَلٌ إِلاَّ مَا حَرَّمَ اللَّهُ ﷿ فِي كِتَابِهِ أَوْ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ ﷺ فَإِنَّ مَا حَرَّمَ رَسُول اللَّهِ ﷺ لَزِمَ فِي كِتَابِ اللَّهِ ﷿ أَنْ يُحَرَّمَ. وَيَحْرُمُ مَا لَمْ يَخْتَلِفِ الْمُسْلِمُونَ فِي تَحْرِيمِهِ، وَكَانَ فِي مَعْنَى كِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ أَوْ إِجْمَاعٍ، فَإِنْ قَال قَائِلٌ: فَمَا الْحُجَّةُ فِي أَنَّ كُل مَا كَانَ مُبَاحَ الأَْصْل يَحْرُمُ بِمَالِكِهِ، حَتَّى يَأْذَنَ فِيهِ مَالِكُهُ فَالْحُجَّةُ فِيهِ: أَنَّ اللَّهَ ﷿ قَال: ﴿لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِل إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ (٣) . وَقَال ﵎: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ (٤) وَقَال: ﴿وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ﴾ (٥)، مَعَ آيٍ كَثِيرَةٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ ﷿ حَظَرَ فِيهَا أَمْوَال النَّاسِ إِلاَّ بِطِيبِ أَنْفُسِهِمْ (٦) .

وَمِمَّا رُوِيَ فِي تَحْرِيمِ مَال الْغَيْرِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ مَا وَرَدَ عَنْ عُمَيْرٍ مَوْلَى أَبِي اللَّحْمِ قَال: أَقْبَلْتُ مَعَ سَادَتِي نُرِيدُ الْهِجْرَةَ، حَتَّى أَنْ دَنَوْنَا مِنَ الْمَدِينَةِ، قَال:

_________

(١) المشربة بضم الراء وفتحها: الغرفة (المصباح) .

(٢) حديث: " لا يحلبن أحدكم ماشية أحد. . . " أخرجه البخاري من حديث عبد الله بن عمر ﵄ مرفوعا. (فتح الباري ٥ / ٨٨ ط السلفية) .

(٣) سورة النساء / ٢٩.

(٤) سورة النساء / ٤.

(٥) سورة النساء / ٢.

(٦) الأم ٢ / ٢١٣.

فَدَخَلُوا الْمَدِينَةَ، وَخَلَّفُونِي فِي ظَهْرِهِمْ، قَال: فَأَصَابَنِي مَجَاعَةٌ شَدِيدَةٌ، قَال: فَمَرَّ بِي بَعْضُ مَنْ يَخْرُجُ مِنَ الْمَدِينَةِ فَقَالُوا لِي: لَوْ دَخَلْتَ الْمَدِينَةَ فَأَصَبْتَ مِنْ تَمْرِ حَوَائِطِهَا، فَدَخَلْتُ حَائِطًا، فَقَطَعْتُ مِنْهُ قِنْوَيْنِ، فَأَتَانِي صَاحِبُ الْحَائِطِ، فَأَتَى بِي إِلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ وَأَخْبَرَهُ خَبَرِي، وَعَلَيَّ ثَوْبَانِ، فَقَال لِي: أَيُّهُمَا أَفْضَل؟ فَأَشَرْتُ لَهُ إِلَى أَحَدِهِمَا، فَقَال: خُذْهُ، وَأَعْطَى صَاحِبَ الْحَائِطِ الآْخَرَ، وَأَخْلَى سَبِيلِي (١) وَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْحَاجَةَ لاَ تُبِيحُ الإِْقْدَامَ عَلَى مَال الْغَيْرِ مَعَ وُجُودِ مَا يُمْكِنُ الاِنْتِفَاعُ بِهِ أَوْ بِقِيمَتِهِ، وَلَوْ كَانَ مِمَّا تَدْعُو حَاجَةُ الإِْنْسَانِ إِلَيْهِ، فَإِنَّهُ هُنَا أَخَذَ أَحَدَ ثَوْبَيْهِ، وَدَفَعَهُ إِلَى صَاحِبِ النَّخْل (٢) .

مَا يَتَرَتَّبُ عَلَى قَاعِدَةِ تَحَرِّي الْحَلاَل فِي الأَْكْل:

أ - حُكْمُ الْمُضْطَرِّ:

٢٦ - مَنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ هَلاَكُ نَفْسِهِ، وَلَمْ يَجِدْ إِلاَّ مَيْتَةً أَوْ نَحْوَهَا مِنَ الْمُحَرَّمَاتِ أَوْ مَال الْغَيْرِ، لَزِمَهُ الأَْكْل مِنْهُ بِقَدْرِ مَا يُحْيِي نَفْسَهُ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلاَ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ (٣) . وقَوْله تَعَالَى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ﴾ أَيْ عَلَى مُضْطَرٍّ آخَرَ ﴿وَلاَ

_________

(١) حديث عمير قال " أقبلت مع سادتي. . . " أخرجه أحمد بن حنبل بهذا اللفظ من حديث عمير مولى أبي اللحم: وفي إسناده عبد الرحمن بن إسحاق تكلم فيه جماعة، وقال النسائي وابن خزيمة ليس به بأس ونقل الشوكاني قول الهيثمي: إن حديث عمير هذا أخرجه أحمد بإسنادين وأحدهما ابن لهيعة، وفي الآخر أبو بكر بن زيد بن المهاجر، ذكره ابن أبي حاتم ولم يذكر فيه حرجا ولا تعديلا: وبقية رجاله ثقات. مسند أحمد ٥٥ / ٢٢٣ ط الميمنية، ونيل الأوطار ٨ / ١٥٣ ط المطبعة العثمانية المصرية) .

(٢) نيل الأوطار ٩ / ١٣٢.

(٣) سورة البقرة / ١٩٥.