الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٦
وَتَعَهُّدُهُمَا أَمْرًا، وَهُوَ عِبَارَةٌ عَنِ ارْتِبَاطِ الإِْيجَابِ بِالْقَبُول (١) .
وَبِذَلِكَ يَكُونُ الْعَقْدُ الْتِزَامًا.
٣ - أَمَّا الْعَهْدُ فَهُوَ فِي اللُّغَةِ: الْوَصِيَّةُ، يُقَال عَهِدَ إِلَيْهِ يَعْهَدُ: إِذَا أَوْصَاهُ، وَالْعَهْدُ: الأَْمَانُ، وَالْمَوْثِقُ، وَالذِّمَّةُ.
وَالْعَهْدُ: كُل مَا عُوهِدَ اللَّهُ عَلَيْهِ، وَكُل مَا بَيْنَ الْعِبَادِ مِنَ الْمَوَاثِيقِ فَهُوَ عَهْدٌ، وَالْعَهْدُ: الْيَمِينُ يَحْلِفُ بِهَا الرَّجُل.
وَبِذَلِكَ يُعْتَبَرُ الْعَهْدُ نَوْعًا مِنْ أَنْوَاعِ الاِلْتِزَامِ أَيْضًا (٢) .
ب - التَّصَرُّفُ:
٤ - يُقَال صَرَفَ الشَّيْءَ: إِذَا أَعْمَلَهُ فِي غَيْرِ وَجْهٍ كَأَنَّهُ يَصْرِفُهُ عَنْ وَجْهٍ إِلَى وَجْهٍ، وَمِنْهُ التَّصَرُّفُ فِي الأُْمُورِ (٣) .
وَبِهَذَا الْمَعْنَى يَكُونُ التَّصَرُّفُ أَعَمَّ مِنَ الاِلْتِزَامِ، إِذْ مِنَ التَّصَرُّفِ مَا لَيْسَ فِيهِ الْتِزَامٌ.
ج - الإِْلْزَامُ:
٥ - الإِْلْزَامُ: الإِْثْبَاتُ وَالإِْدَامَةُ، وَأَلْزَمْتُهُ الْمَال وَالْعَمَل وَغَيْرَهُ (٤) .
فَالإِْلْزَامُ سَبَبُ الاِلْتِزَامِ، سَوَاءٌ أَكَانَ ذَلِكَ بِإِلْزَامِ الشَّخْصِ نَفْسَهُ شَيْئًا، أَمْ بِإِلْزَامِ الشَّارِعِ لَهُ.
_________
(١) المجلة العدلية م / ١٠٣.
(٢) المصباح المنير ولسان العرب مادة: (عهد)، وأحكام القرآن للجصاص ٢ / ٣٦١.
(٣) لسان العرب مادة: (صرف) .
(٤) المصباح المنير ولسان العرب مادة: (لزم) .
يَقُول الرَّاغِبُ الأَْصْفَهَانِيُّ: الإِْلْزَامُ ضَرْبَانِ: إِلْزَامٌ بِالتَّسْخِيرِ مِنَ اللَّهِ، أَوْ مِنَ الإِْنْسَانِ. وَإِلْزَامٌ بِالْحُكْمِ وَالأَْمْرِ (١)، وَالإِْلْزَامُ لاَ يَتَوَقَّفُ عَلَى الْقَبُول (٢) .
د - اللُّزُومُ:
٦ - اللُّزُومُ: الثُّبُوتُ وَالدَّوَامُ، وَلَزِمَهُ الْمَال: وَجَبَ عَلَيْهِ، وَلَزِمَهُ الطَّلاَقُ: وَجَبَ حُكْمُهُ (٣) . فَاللُّزُومُ يَصْدُقُ عَلَى مَا يَتَرَتَّبُ عَلَى الاِلْتِزَامِ مَتَى تَوَفَّرَتْ شُرُوطُهُ، وَعَلَى مَا يُقَرِّرُهُ الشَّرْعُ إِذَا تَوَافَرَتْ شُرُوطٌ مُعَيَّنَةٌ. أَمَّا الاِلْتِزَامُ فَهُوَ أَمْرٌ يُقَرِّرُهُ الإِْنْسَانُ بِاخْتِيَارِهِ ابْتِدَاءً.
هـ - الْحَقُّ:
٧ - الْحَقُّ ضِدُّ الْبَاطِل، وَحَقَّ الأَْمْرُ أَيْ ثَبَتَ، قَال الأَْزْهَرِيُّ: مَعْنَاهُ وَجَبَ يَجِبُ وُجُوبًا، وَهُوَ مَصْدَرُ حَقَّ الشَّيْءُ إِذَا وَجَبَ وَثَبَتَ.
وَالْحَقُّ اصْطِلاَحًا: هُوَ مَوْضُوعُ الاِلْتِزَامِ، أَيْ مَا يَلْتَزِمُ بِهِ الإِْنْسَانُ تُجَاهَ اللَّهِ، أَوْ تُجَاهَ غَيْرِهِ مِنَ النَّاسِ (٤) .
والْوَعْدُ:
٨ - الْوَعْدُ يَدُل عَلَى تَرْجِيَةٍ بِقَوْلٍ، وَالْوَعْدُ يُسْتَعْمَل فِي الْخَيْرِ حَقِيقَةً وَفِي الشَّرِّ مَجَازًا. وَالْوَعْدُ: الْعَهْدُ (٥) .
_________
(١) المفردات للراغب الأصفهاني (لزم) .
(٢) البدائع ٧ / ٣٣٢.
(٣) لسان العرب مادة: (لزم) .
(٤) المصباح المنير مادة (حقق)، وابن عابدين ٤ / ١٨٨، والمنثور في القواعد للزركشي ٢ / ٥٨ - ٦٤، والفروق للقرافي ١ / ١٤٠، ١٩٥، والذخيرة ص ٦٨.
(٥) مقاييس اللغة لابن فارس والمصباح المنير ولسان العرب مادة: (وعد) .
وَالْعِدَةُ لَيْسَ فِيهَا إِلْزَامُ الشَّخْصِ نَفْسَهُ شَيْئًا الآْنَ، وَإِنَّمَا هِيَ كَمَا قَال ابْنُ عَرَفَةَ: إِخْبَارٌ عَنْ إِنْشَاءِ الْمُخْبِرِ مَعْرُوفًا فِي الْمُسْتَقْبَل.
وَالْفَرْقُ بَيْنَ مَا يَدُل عَلَى الاِلْتِزَامِ، وَمَا يَدُل عَلَى الْعِدَةِ: هُوَ مَا يُفْهَمُ مِنْ سِيَاقِ الْكَلاَمِ وَقَرَائِنِ الأَْحْوَال. وَالظَّاهِرُ مِنْ صِيغَةِ الْمُضَارِعِ: الْوَعْدُ، مِثْل: أَنَا أَفْعَل، إِلاَّ أَنْ تَدُل قَرِينَةٌ عَلَى الاِلْتِزَامِ كَمَا يُفْهَمُ مِنْ كَلاَمِ ابْنِ رُشْدٍ. وَذَلِكَ مِثْل مَا لَوْ سَأَلَك مَدِينٌ أَنْ تُؤَخِّرَهُ إِلَى أَجَل كَذَا، فَقُلْتَ: أَنَا أُؤَخِّرُكَ، فَهُوَ عِدَةٌ، وَلَوْ قُلْتَ: قَدْ أَخَّرْتُكَ، فَهُوَ الْتِزَامٌ (١) .
أَسْبَابُ الاِلْتِزَامِ:
٩ - مِنْ تَعْرِيفِ الاِلْتِزَامِ اللُّغَوِيِّ وَالشَّرْعِيِّ، وَمِنِ اسْتِعْمَالاَتِ الْفُقَهَاءِ وَعِبَارَاتِهِمْ، يَتَبَيَّنُ أَنَّ سَبَبَ الاِلْتِزَامِ هُوَ تَصَرُّفَاتُ الإِْنْسَانِ الاِخْتِيَارِيَّةُ الَّتِي يُوجِبُ بِهَا حَقًّا عَلَى نَفْسِهِ، وَسَوَاءٌ أَكَانَ هَذَا الْحَقُّ تُجَاهَ شَخْصٍ، كَالاِلْتِزَامَاتِ الَّتِي يُبْرِمُهَا، وَمِنْهَا الْعُقُودُ وَالْعُهُودُ الَّتِي يَتَعَهَّدُ بِهَا، وَالأَْيْمَانُ الَّتِي يَعْقِدُهَا، وَالشُّرُوطُ الَّتِي يَشْتَرِطُهَا. أَمْ كَانَ لِحَقِّ اللَّهِ، كَنَذْرِ صَلاَةٍ أَوْ صَوْمٍ أَوِ اعْتِكَافٍ أَوْ صَدَقَةٍ مَثَلًا.
وَهُنَاكَ أَسْبَابٌ أُخْرَى سَيَأْتِي ذِكْرُهَا فِيمَا بَعْدُ. وَبَيَانُ ذَلِكَ فِيمَا يَأْتِي.
التَّصَرُّفَاتُ الاِخْتِيَارِيَّةُ:
١٠ - التَّصَرُّفَاتُ الَّتِي يُبَاشِرُهَا الإِْنْسَانُ بِاخْتِيَارِهِ
_________
(١) فتح العلي المالك ١ / ٢٥٤، ٢٥٧.
وَيُوجِبُ بِهَا حَقًّا عَلَى نَفْسِهِ تَتَنَاوَل الْعُقُودَ بِالْمَعْنَى الْعَامِّ الَّذِي أَطْلَقَهُ الْفُقَهَاءُ، وَهِيَ الَّتِي تَنْعَقِدُ بِإِرَادَتَيْنِ مُتَقَابِلَتَيْنِ (أَيْ بِالإِْيجَابِ وَالْقَبُول) أَوِ الَّتِي تَنْعَقِدُ بِإِرَادَةٍ وَاحِدَةٍ (أَيْ بِالإِْيجَابِ فَقَطْ) وَهَذِهِ قَدْ تُسَمَّى عُقُودًا عَلَى سَبِيل التَّوَسُّعِ.
وَالتَّصَرُّفُ يَتِمُّ بِإِيجَابٍ وَقَبُولٍ إِذَا كَانَ مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يُرَتِّبَ الْتِزَامًا فِي جَانِبِ كُلٍّ مِنَ الطَّرَفَيْنِ، كَالْبَيْعِ وَالإِْجَارَةِ وَالْمُسَاقَاةِ وَالْمُزَارَعَةِ. أَمَّا التَّصَرُّفُ الَّذِي يُرَتِّبُ الْتِزَامًا فِي جَانِبِ أَحَدِ الطَّرَفَيْنِ دُونَ الآْخَرِ فَيَتِمُّ بِإِيجَابِ الطَّرَفِ الْمُلْتَزِمِ وَحْدَهُ، كَالْوَقْفِ وَالْوَصِيَّةِ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ وَالْجِعَالَةِ وَالإِْبْرَاءِ مِنَ الدَّيْنِ وَالضَّمَانِ وَالْهِبَةِ وَالْعَارِيَّةِ. وَهَذَا فِي الْجُمْلَةِ مَعَ مُرَاعَاةِ اخْتِلاَفِ الْفُقَهَاءِ فِي اشْتِرَاطِ الْقَبُول فِي بَعْضِهَا.
وَيَدْخُل فِيمَا يَتِمُّ بِإِرَادَةٍ مُنْفَرِدَةٍ: الأَْيْمَانُ وَالنُّذُورُ، وَمَا شَاكَل ذَلِكَ. فَهَذِهِ التَّصَرُّفَاتُ كُلُّهَا الَّتِي تَتِمُّ بِإِرَادَتَيْنِ، أَوْ بِإِرَادَةٍ وَاحِدَةٍ مَتَى اسْتَوْفَتْ أَرْكَانَهَا وَشَرَائِطَهَا عَلَى النَّحْوِ الْمَشْرُوعِ، فَإِنَّهُ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا الاِلْتِزَامُ بِأَحْكَامِهَا.
١١ - وَنُصُوصُ الْفُقَهَاءِ صَرِيحَةٌ فِي أَنَّ الاِلْتِزَامَ يَشْمَل كُل مَا ذُكِرَ، وَمِنْ هَذِهِ النُّصُوصِ:
أ - فِي كِتَابِ الْبُيُوعِ مِنَ الْمَجَلَّةِ الْعَدْلِيَّةِ. الْعَقْدُ: الْتِزَامُ الْمُتَعَاقِدَيْنِ وَتَعَهُّدُهُمَا أَمْرًا، وَهُوَ عِبَارَةٌ عَنِ ارْتِبَاطِ الإِْيجَابِ بِالْقَبُول (١) .
ب - جَاءَ فِي الْمَنْثُورِ فِي الْقَوَاعِدِ لِلزَّرْكَشِيِّ: الْعَقْدُ الشَّرْعِيُّ يَنْقَسِمُ بِاعْتِبَارِ الاِسْتِقْلاَل بِهِ وَعَدَمِهِ إِلَى ضَرْبَيْنِ:
الأَْوَّل: عَقْدٌ يَنْفَرِدُ بِهِ الْعَاقِدُ، مِثْل عَقْدِ النَّذْرِ
_________
(١) المادة ١٠٣ من المجلة العدلية.
وَالْيَمِينِ وَالْوَقْفِ، إِذَا لَمْ يُشْتَرَطِ الْقَبُول فِيهِ، وَعَدَّ بَعْضُهُمْ مِنْهُ الطَّلاَقَ وَالْعَتَاقَ إِذَا كَانَا بِغَيْرِ عِوَضٍ، قَال الزَّرْكَشِيُّ: وَإِنَّمَا هُوَ رَفْعٌ لِلْعَقْدِ.
وَالثَّانِي: عَقْدٌ لاَ بُدَّ فِيهِ مِنْ مُتَعَاقِدَيْنِ، كَالْبَيْعِ وَالإِْجَارَةِ وَالسَّلَمِ وَالصُّلْحِ وَالْحَوَالَةِ وَالْمُسَاقَاةِ وَالْهِبَةِ وَالشَّرِكَةِ وَالْوَكَالَةِ وَالْمُضَارَبَةِ وَالْوَصِيَّةِ وَالْعَارِيَّةِ وَالْوَدِيعَةِ وَالْقَرْضِ وَالْجِعَالَةِ وَالْمُكَاتَبَةِ وَالنِّكَاحِ وَالرَّهْنِ وَالضَّمَانِ وَالْكَفَالَةِ (١) .
ج - وَفِي الْمَنْثُورِ أَيْضًا: مَا أَوْجَبَهُ اللَّهُ عَلَى الْمُكَلَّفِينَ يَنْقَسِمُ إِلَى مَا يَكُونُ سَبَبُهُ جِنَايَةً وَيُسَمَّى عُقُوبَةً، وَإِلَى مَا يَكُونُ سَبَبُهُ الْتِزَامًا وَيُسَمَّى ثَمَنًا أَوْ أُجْرَةً أَوْ مَهْرًا أَوْ غَيْرَهُ (٢)
د - فِي الْقَوَاعِدِ لِلْعِزِّ بْنِ عَبْدِ السَّلاَمِ: الْمُسَاقَاةُ وَالْمُزَارَعَةُ التَّابِعَةُ لَهَا هِيَ الْتِزَامُ أَعْمَال الْفِلاَحَةِ بِجُزْءٍ شَائِعٍ مِنَ الْغَلَّةِ الْمَعْمُول عَلَى تَحْصِيلِهَا.
وَفِيهِ كَذَلِكَ: الْتِزَامُ الْحُقُوقِ مِنْ غَيْرِ قَبُولٍ. أَنْوَاعٌ:
أَحَدُهَا: بِنَذْرٍ فِي الذِّمَمِ وَالأَْعْيَانِ.
الثَّانِي: الْتِزَامُ الدُّيُونِ بِالضَّمَانِ.
الثَّالِثُ: ضَمَانُ الدَّرْكِ.
الرَّابِعُ: ضَمَانُ الْوَجْهِ.
الْخَامِسُ: ضَمَانُ مَا يَجِبُ إِحْضَارُهُ مِنَ الأَْعْيَانِ الْمَضْمُونَاتِ (٣) .
هـ - مِنَ الأَْمْثِلَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا الْحَطَّابُ فِي الاِلْتِزَامَاتِ:
_________
(١) المنثور في القواعد ٢ / ٣٩٧، ٣٩٨.
(٢) المنثور في القواعد ٣ / ٣٩٢.
(٣) وقواعد الأحكام في مصالح الأنام ٢ / ٦٩، ٧٣ وأحكام القرآن للجصاص ٢ / ٣٦٠، وأحكام القران لابن العربي ٢ / ٥٢٤.
(١) إِذَا قَال لَهُ: إِنْ بِعْتَنِي سِلْعَتَكَ بِكَذَا فَقَدِ الْتَزَمْتُ لَكَ كَذَا وَكَذَا، فَالشَّيْءُ الْمُلْتَزَمُ بِهِ دَاخِلٌ فِي جُمْلَةِ الثَّمَنِ، فَيُشْتَرَطُ فِيهِ مَا يُشْتَرَطُ فِي الثَّمَنِ.
(٢) إِذَا قَال لَهُ: إِنْ أَسْكَنْتَنِي دَارَكَ سَنَةً، فَهَذَا مِنْ بَابِ الإِْجَارَةِ، فَيُشْتَرَطُ فِيهِ شُرُوطُ الإِْجَارَةِ، بِأَنْ تَكُونَ الْمُدَّةُ مَعْلُومَةً وَالْمَنْفَعَةُ مَعْلُومَةً، وَأَنْ يَكُونَ الشَّيْءُ الْمُلْتَزَمُ بِهِ مِمَّا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ أُجْرَةً (١) .
وَأَمْثَال هَذِهِ النُّصُوصِ كَثِيرَةٌ فِي كُتُبِ الْفِقْهِ.
وَمِنْهَا يُمْكِنُ الْقَوْل بِأَنَّ الأَْسْبَابَ الْحَقِيقِيَّةَ لِلاِلْتِزَامَاتِ: هِيَ تَصَرُّفَاتُ الإِْنْسَانِ الاِخْتِيَارِيَّةُ.
إِلاَّ أَنَّ الْمُشْتَغِلِينَ بِالْفِقْهِ فِي الْعَصْرِ الْحَدِيثِ زَادُوا عَلَى ذَلِكَ ثَلاَثَةَ مَصَادِرَ أُخْرَى (٢) لَيْسَتْ فِي الْحَقِيقَةِ الْتِزَامًا، بَل هِيَ إِلْزَامٌ أَوْ لُزُومٌ، وَلَكِنْ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا مِثْل مَا يَتَرَتَّبُ بِالاِلْتِزَامِ بِاعْتِبَارِ التَّسَبُّبِ أَوِ الْمُبَاشَرَةِ. وَبَيَانُهَا كَمَا يَلِي:
(١) الْفِعْل الضَّارُّ أَوِ (الْفِعْل غَيْرُ الْمَشْرُوعِ):
١٢ - الْفِعْل الضَّارُّ الَّذِي يُصِيبُ الْجِسْمَ أَوِ الْمَال يَسْتَوْجِبُ الْعُقُوبَةَ أَوِ الضَّمَانَ.
وَالأَْضْرَارُ مُتَعَدِّدَةٌ فَمِنْهَا إِتْلاَفُ مَال الْغَيْرِ، وَمِنْهَا الْجِنَايَةُ عَلَى النَّفْسِ أَوِ الأَْطْرَافِ، وَمِنْهَا التَّعَدِّي بِالْغَصْبِ، أَوْ بِالسَّرِقَةِ، أَوْ بِالتَّجَاوُزِ فِي الاِسْتِعْمَال الْمَأْذُونِ فِيهِ، كَتَجَاوُزِ الْمُسْتَأْجِرِ، وَالْمُسْتَعِيرِ، وَالْحَجَّامِ، وَالطَّبِيبِ، وَالْمُنْتَفِعِ بِالطَّرِيقِ، وَمِنْهَا
_________
(١) فتح العلي المالك ١ / ٢٧٥، ٢٧٦.
(٢) انظر في ذلك: مذكرة مبتدأة في بيان الالتزامات للأستاذ أحمد إبراهيم ٣٦، ٣٧، والمدخل إلى نظرية الالتزام العامة للدكتور مصطفى الزرقا ٢ / ٩٦ وما بعدها، ومصادر الحق للدكتور السنهوري ١ / ٣٩ وما بعدها.
التَّفْرِيطُ فِي الأَْمَانَاتِ كَالْوَدَائِعِ وَالرُّهُونِ.
فَفِي كُل ذَلِكَ يَصِيرُ الْفَاعِل مُلْزَمًا بِضَمَانِ فِعْلِهِ، وَعَلَيْهِ الْعِوَضُ فِي الْمِثْلِيِّ بِمِثْلِهِ، وَفِي الْقِيَمِيِّ بِقِيمَتِهِ، وَهَذَا فِي الْجُمْلَةِ، إِذْ مِنَ الإِْتْلاَفَاتِ مَا لاَ ضَمَانَ فِيهِ، كَمَنْ صَال عَلَيْهِ إِنْسَانٌ أَوْ بَهِيمَةٌ وَلَمْ يَنْدَفِعْ إِلاَّ بِالْقَتْل فَقَتَلَهُ، كَمَا أَنَّ مِنَ الأَْعْمَال الْمُبَاحَةِ مَا فِيهِ الضَّمَانُ، كَالْمُضْطَرِّ الَّذِي يَأْكُل مَال غَيْرِهِ، فَفِيهِ الضَّمَانُ عِنْدَ غَيْرِ الْمَالِكِيَّةِ.
وَالضَّابِطُ فِي ذَلِكَ مَا قَال الزَّرْكَشِيُّ: أَنَّ التَّعَدِّيَ مَضْمُونٌ أَبَدًا إِلاَّ مَا قَامَ دَلِيلُهُ، وَفِعْل الْمُبَاحِ سَاقِطٌ أَبَدًا إِلاَّ مَا قَامَ دَلِيلُهُ.
وَالأَْصْل فِي مَنْعِ الضَّرَرِ قَوْل النَّبِيِّ ﷺ: لاَ ضَرَرَ وَلاَ ضِرَارَ (١) وَفِي كُل مَا سَبَقَ تَفْصِيلاَتٌ كَثِيرَةٌ يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحَاتِهَا وَأَبْوَابِهَا.
(٢) الْفِعْل النَّافِعُ أَوِ (الإِْثْرَاءُ بِلاَ سَبَبٍ):
١٣ - قَدْ يَقُومُ الإِْنْسَانُ بِفِعْلٍ نَافِعٍ لِغَيْرِهِ، فَيَصِيرُ دَائِنًا لِذَلِكَ الْغَيْرِ بِمَا قَامَ بِهِ أَوْ بِمَا أَدَّى عَنْهُ. وَهَذَا مَا يُسَمِّيهِ الْمُشْتَغِلُونَ بِالْفِقْهِ فِي الْعَصْرِ الْحَدِيثِ (الإِْثْرَاءُ
_________
(١) انظر في ذلك أشباه ابن نجيم ٢٨٩، ٢٩٠، والمنثور في القواعد ٢ / ٦٠، ٣٢٢ - ٣٣٢، والتبصرة لابن فرحون بهامش فتح العلي ٢ / ٣٤٦ - ٣٥٨ نشر دار المعارف بيروت، والفروق للقرافي ١ / ١٩٥، ١٩٦، والقواعد لابن رجب من ٢٠٤ - ٢٠٧ و٢٨٥ - ٢٩١. وحديث: " لا ضرر ولا ضرار. . . . " أخرجه مالك من حديث يحيى المازني مرسلا، ووصله ابن ماجه عن عبادة بن الصامت: وفي إسناده انقطاع. والحديث حسنه النووي وقال: له طرق يقوي بعضها بعضا وقال العلائي: للحديث شواهد ينتهي مجموعها إلى درجة الصحة أو الحسن المحتج به. (الموطأ ٢ / ٧٤٥ ط عيسى الحلبي، وسنن ابن ماجه ٢ / ٧٨٤ ط عيسى الحلبي، وفيض القدير ٦ / ٤٣١، ٤٣٢ ط المكتبة التجارية)
بِلاَ سَبَبٍ) وَهُمْ يَعْنُونَ بِذَلِكَ: أَنَّ مَنْ أَدَّى عَنْ غَيْرِهِ دَيْنًا أَوْ أَحْدَثَ لَهُ مَنْفَعَةً فَقَدِ افْتَقَرَ الْمُؤَدِّي وَأَثْرَى الْمُؤَدَّى عَنْهُ بِلاَ سَبَبٍ، وَبِذَلِكَ يُصْبِحُ الْمُثْرَى مُلْزَمًا بِأَدَاءِ أَوْ ضَمَانِ مَا أَدَّاهُ عَنْهُ غَيْرُهُ أَوْ قَامَ بِهِ.
وَلَيْسَتْ هُنَاكَ قَاعِدَةٌ يَنْدَرِجُ تَحْتَهَا ذَلِكَ، وَإِنَّمَا هِيَ مَسَائِل مُتَفَرِّقَةٌ فِي أَبْوَابِ الْفِقْهِ، كَإِنْفَاقِ الْمُرْتَهِنِ عَلَى الرَّهْنِ، وَالْمُلْتَقِطِ عَلَى اللَّقِيطِ أَوِ اللُّقَطَةِ، وَالنَّفَقَةِ عَلَى الرَّقِيقِ وَالزَّوْجَاتِ وَالأَْقَارِبِ وَالْبَهَائِمِ إِذَا امْتَنَعَ مَنْ يَجِبُ عَلَيْهِ الإِْنْفَاقُ، وَإِنْفَاقِ أَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ عَلَى الْمَال الْمُشْتَرَكِ مَعَ غَيْبَةِ الآْخَرِ أَوِ امْتِنَاعِهِ. وَمِنْ ذَلِكَ: بِنَاءُ صَاحِبِ الْعُلُوِّ السُّفْل بِدُونِ إِذْنِ صَاحِبِهِ، أَوْ إِذْنِ الْحَاكِمِ لاِضْطِرَارِهِ لِذَلِكَ، وَبِنَاءُ الْحَائِطِ الْمُشْتَرَكِ، وَدَفْعُ الزَّكَاةِ لِغَيْرِ الْمُسْتَحِقِّ. . وَهَكَذَا.
فَفِي مِثْل هَذِهِ الْمَسَائِل يَكُونُ الْمُنْتَفِعُ مُلْزَمًا بِمَا أَدَّى عَنْهُ، وَيَكُونُ لِمَنْ أَنْفَقَ حَقُّ الرُّجُوعِ بِمَا أَنْفَقَ فِي بَعْضِ الأَْحْوَال (١) .
وَفِي ذَلِكَ خِلاَفٌ وَتَفْصِيلٌ فِي بَيَانِ مَتَى يَحِقُّ لَهُ الرُّجُوعُ، وَمَتَى لاَ يَحِقُّ، إِذِ الْقَاعِدَةُ الْفِقْهِيَّةُ: أَنَّ مَنْ دَفَعَ دَيْنًا عَنْ غَيْرِهِ بِلاَ أَمْرِهِ يُعْتَبَرُ مُتَبَرِّعًا، وَلاَ يَرْجِعُ بِمَا دَفَعَ.
وَالْقَاعِدَةُ الْخَامِسَةُ وَالسَّبْعُونَ فِي قَوَاعِدِ ابْنِ رَجَبٍ هِيَ فِيمَنْ يَرْجِعُ بِمَا أَنْفَقَ عَلَى مَال غَيْرِهِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، وَفِيهَا كَثِيرٌ مِنْ هَذِهِ الْمَسَائِل.
_________
(١) نظر في ذلك البزازية ٦ ٦؟ / ٦٥، ٦٦، ومنح الجليل ٣ / ٩٨، وفتح العلي المالك ٢ / ٢٧٥، ٢٨٨، ومنتهى الإرادات ٢ / ٢٤٣، ٢٥٠، ٢٥٥، ٤٨٢، والقواعد لابن رجب ص١٣٧ وما بعدها. مرشد الحيران المواد ٢٠٢، ٧٦٥، ومجمع الضمانات ٤٥٨، ٤٥٩
وَتُنْظَرُ هَذِهِ الْمَسَائِل فِي أَبْوَابِ الْفِقْهِ، كَالشَّرِكَةِ وَالرَّهْنِ وَاللُّقَطَةِ وَالزَّكَاةِ وَغَيْرِهَا، وَفِي مَجْمَعِ الضَّمَانَاتِ كَثِيرٌ مِنْ هَذِهِ الأَْمْثِلَةِ، وَفِي الْفُرُوقِ لِلْقَرَافِيِّ: كُل مَنْ عَمِل عَمَلًا أَوْ أَوْصَل نَفْعًا لِغَيْرِهِ مِنْ مَالٍ أَوْ غَيْرِهِ بِأَمْرِهِ أَوْ بِغَيْرِ أَمْرِهِ نَفَذَ ذَلِكَ، فَإِنْ كَانَ مُتَبَرِّعًا لَمْ يَرْجِعْ بِهِ، أَوْ غَيْرَ مُتَبَرِّعٍ وَهُوَ مَنْفَعَةٌ فَلَهُ أَجْرُ مِثْلِهِ، أَوْ مَالٌ فَلَهُ أَخْذُهُ مِمَّنْ دَفَعَهُ عَنْهُ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ الْمُنْتَفِعُ لاَ بُدَّ لَهُ مِنْ عَمَل ذَلِكَ (١) .
(٣) الشَّرْعُ:
١٤ - يُعْتَبَرُ الْمُسْلِمُ بِإِسْلاَمِهِ مُلْتَزِمًا بِأَحْكَامِ الإِْسْلاَمِ وَتَكَالِيفِهِ.
جَاءَ فِي مُسَلَّمِ الثُّبُوتِ: الإِْسْلاَمُ: الْتِزَامُ حَقِيقَةِ مَا جَاءَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ (٢) .
وَمِمَّا يُعْتَبَرُ الْمُسْلِمُ مُلْتَزِمًا بِهِ مَا يُلْزِمُهُ بِهِ الشَّارِعُ نَتِيجَةَ ارْتِبَاطَاتٍ وَعَلاَقَاتٍ خَاصَّةٍ.
وَمِنْ ذَلِكَ: إِلْزَامُهُ بِالنَّفَقَةِ عَلَى أَقَارِبِهِ الْفُقَرَاءِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾، وَقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْل ذَلِكَ﴾ (٣) وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَقَضَى رَبُّك أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ (٤) .
وَمِنْ ذَلِكَ الْوِلاَيَةُ الشَّرْعِيَّةُ، كَوِلاَيَةِ الأَْبِ وَالْجَدِّ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ
_________
(١) الفروق ٣ / ١٨٩، وتهذيب الفروق ٣ / ٢١٩ (الفرق١٧١)، والمنثور ١ / ١٥٧.
(٢) فواتح الرحموت شرح مسلم الثبوت ١ / ١٨٠.
(٣) سورة البقرة / ٢٣٣.
(٤) سورة الإسراء / ٢٣.
أَمْوَالَهُمْ﴾ (١) . وَذَلِكَ لِوُفُورِ الشَّفَقَةِ فِي الْوَلِيِّ وَعَدَمِ حُسْنِ تَصَرُّفِ الْقَاصِرِ.
وَمِنْ ذَلِكَ الاِلْتِزَامُ بِقَبُول الْمِيرَاثِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يُعْتَبَرُ الْمُسْلِمُ مُلْتَزِمًا بِهِ دُونَ تَوَقُّفٍ عَلَى قَبُولِهِ.
يَقُول الْكَاسَانِيُّ: اللُّزُومُ هُنَا بِإِلْزَامِ مَنْ لَهُ وِلاَيَةُ الإِْلْزَامِ، وَهُوَ اللَّهُ ﵎، فَلَمْ يَتَوَقَّفْ عَلَى الْقَبُول، كَسَائِرِ الأَْحْكَامِ الَّتِي تَلْزَمُ بِإِلْزَامِ الشَّرْعِ ابْتِدَاءً (٢) .
عَلَى أَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يُضَافَ إِلَى هَذِهِ الأَْسْبَابِ: الشُّرُوعُ، فَمَنْ شَرَعَ فِي عِبَادَةٍ غَيْرِ وَاجِبَةٍ أَصْبَحَ مُلْتَزِمًا بِإِتْمَامِهَا بِالشُّرُوعِ فِيهَا، وَوَجَبَ الْقَضَاءُ بِفَسَادِهَا، كَمَا يَقُول الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَفِيَّةُ (٣) .
هَذِهِ هِيَ الْمَصَادِرُ الثَّلاَثَةُ (الْفِعْل الضَّارُّ - وَالْفِعْل النَّافِعُ - وَالشَّرْعُ) الَّتِي عَدَّهَا الْمُشْتَغِلُونَ بِالْفِقْهِ الإِْسْلاَمِيِّ فِي الْعَصْرِ الْحَدِيثِ مِنْ مَصَادِرِ الاِلْتِزَامِ، إِلاَّ أَنَّهَا فِي الْحَقِيقَةِ تُعْتَبَرُ مِنْ بَابِ الإِْلْزَامِ، وَلَيْسَتْ مِنْ بَابِ الاِلْتِزَامِ، كَمَا مَرَّ فِي كَلاَمِ الْكَاسَانِيِّ.
١٥ - وَالْفُقَهَاءُ عَبَّرُوا فِي التَّصَرُّفَاتِ النَّاشِئَةِ عَنْ إِرَادَةِ الإِْنْسَانِ بِأَنَّهَا الْتِزَامٌ، أَمَّا مَا كَانَ بِغَيْرِ إِرَادَتِهِ فَالتَّعْبِيرُ فِيهَا بِالإِْلْزَامِ أَوِ اللُّزُومِ. ذَلِكَ أَنَّ الاِلْتِزَامَ الْحَقِيقِيَّ. هُوَ مَا أَوْجَبَهُ الإِْنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ وَالْتَزَمَ بِهِ. وَلِذَلِكَ يَقُول الْقَرَافِيُّ: إِنَّ الْكَافِرَ إِذَا أَسْلَمَ يَلْزَمُهُ ثَمَنُ الْبِيَاعَاتِ وَأَجْرُ الإِْجَارَاتِ وَدَفْعُ الدُّيُونِ الَّتِي اقْتَرَضَهَا وَنَحْوُ ذَلِكَ، وَلاَ يَلْزَمُهُ الْقِصَاصُ وَالْغَصْبُ
_________
(١) سورة النساء / ٦.
(٢) منح الجليل ٢ / ٤٤٧، والمهذب ٢ / ١٦٦، ومنتهى الإرادات ٣ / ٢٥٤، والهداية ٢ / ٤٨، والأشباه للسيوطي ١٧٢، والبدائع ٧ / ٣٣٢.
(٣) ابن عابدين ١ / ٤٥٢ ط أولى، والحطاب ٢ / ٩٠ ط النجاح بليبيا.