الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٦
ج - إِذَا كَانَ الاِخْتِتَانُ - إِزَالَةُ الْقُلْفَةِ - فَرْضًا، أَوْ سُنَّةً، فَلَوْ أَزَالَهَا إِنْسَانٌ بِغَيْرِ إِذْنِ صَاحِبِهَا فَلاَ ضَمَانَ عَلَيْهِ. (١)
د - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ إِذَا كَانَ هُنَاكَ حَرَجٌ فِي غَسْل مَا تَحْتَ الْقُلْفَةِ فَلاَ يُطْلَبُ تَطْهِيرُهَا دَفْعًا لِلْحَرَجِ.
أَمَّا إِذَا كَانَ تَطْهِيرُهَا مُمْكِنًا مِنْ غَيْرِ حَرَجٍ فَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ يُوجِبُونَ تَطْهِيرَ مَا تَحْتَ الْقُلْفَةِ فِي الْغُسْل وَالاِسْتِنْجَاءِ، (٢) لأَِنَّهَا وَاجِبَةُ الإِْزَالَةِ، وَمَا تَحْتَهَا لَهُ حُكْمُ الظَّاهِرِ.
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى اسْتِحْبَابِ غَسْلِهَا فِي الْغُسْل وَالاِسْتِنْجَاءِ، وَيُفْهَمُ مِنْ عِبَارَةِ مَوَاهِبِ الْجَلِيل أَنَّ الْمَالِكِيَّةَ لاَ يَرَوْنَ وُجُوبَ غَسْل مَا تَحْتَ الْقُلْفَةِ. (٣)
هـ - ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ، وَهُمْ مَنْ يَقُولُونَ بِوُجُوبِ تَطْهِيرِ مَا تَحْتَ الْقُلْفَةِ، إِلَى أَنَّهُ إِذَا لَمْ يَغْسِل مَا تَحْتَهَا لاَ تَصِحُّ طَهَارَتُهُ، وَبِالتَّالِي لاَ تَصِحُّ إِمَامَتُهُ.
وَأَمَّا الْحَنَفِيَّةُ فَتَصِحُّ إِمَامَتُهُ عِنْدَهُمْ مَعَ الْكَرَاهَةِ التَّنْزِيهِيَّةِ، وَالْمَالِكِيَّةُ يَرَوْنَ جَوَازَ إِمَامَةِ الأَْقْلَفِ، وَلَكِنَّهُمْ يَرَوْنَ كَرَاهَةَ تَعْيِينِهِ إِمَامًا رَاتِبًا، وَمَعَ هَذَا لَوْ صَلَّى النَّاسُ خَلْفَهُ لَمْ يُعِيدُوا صَلاَتَهُمْ. (٤)
_________
(١) أسنى المطالب ١ / ٦٩.
(٢) حاشية ابن عابدين ١ / ١٠٣، وأسنى المطالب ١ / ٦٩، وحاشية الجمل ١ / ١٦١، والإنصاف ٢ / ٢٥٦.
(٣) مواهب الجليل ٢ / ١٠٥ - الطبعة الثانية.
(٤) تحفة الودود ص ١١٩، ومواهب الجليل ٢ / ١٠٥، وجواهر الإكليل ١ / ٧٩، والإنصاف في مسائل الخلاف ٢ / ٢٥٦ - ٢٥٧.
أَقَل الْجَمْعِ
التَّعْرِيفُ:
١ - الْجَمْعُ فِي اللُّغَةِ: تَأْلِيفُ الْمُتَفَرِّقِ، وَضَمُّ الشَّيْءِ بِتَقْرِيبِ بَعْضِهِ مِنْ بَعْضٍ. (١)
وَفِي اصْطِلاَحِ النُّحَاةِ وَالصَّرْفِيِّينَ: اسْمٌ دَل عَلَى جُمْلَةِ آحَادٍ مَقْصُودَةٍ بِحُرُوفِ مُفْرَدِهِ بِتَغَيُّرٍ مَا (٢) .
وَفِيمَا يُفِيدُهُ أَقَل الْجَمْعِ مِنْ حَيْثُ الْعَدَدُ آرَاءٌ:
أ - رَأْيُ النُّحَاةِ وَالصَّرْفِيِّينَ:
٢ - أَفَادَ الرَّضِيُّ فِي الْكَافِيَةِ أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ إِطْلاَقُ الْجَمْعِ عَلَى الْوَاحِدِ وَالاِثْنَيْنِ، فَلاَ يَقَعُ رِجَالٌ عَلَى رَجُلٍ وَلاَ رَجُلَيْنِ (٣) .، وَصَرَّحَ ابْنُ يَعِيشَ بِأَنَّ الْقَلِيل الَّذِي جُعِل الْقِلَّةُ لَهُ هُوَ الثَّلاَثَةُ فَمَا فَوْقَهَا إِلَى الْعَشَرَةِ. (٤)
ب - رَأْيُ الأُْصُولِيِّينَ وَالْفُقَهَاءِ:
٣ - ذَكَرَ الأُْصُولِيُّونَ الْخِلاَفَ فِي أَقَل عَدَدٍ تُطْلَقُ عَلَيْهِ صِيغَةُ الْجَمْعِ، فَجَاءَ فِي التَّلْوِيحِ، وَنَحْوِهِ فِي مُسَلَّمِ الثُّبُوتِ: أَنَّ أَكْثَرَ الصَّحَابَةِ وَالْفُقَهَاءِ وَأَئِمَّةِ اللُّغَةِ ذَهَبُوا إِلَى أَنَّ أَقَل الْجَمْعِ ثَلاَثَةٌ، فَلاَ يَصِحُّ الإِْطْلاَقُ
_________
(١) تاج العروس ولسان العرب.
(٢) كشاف اصطلاحات الفنون.
(٣) شرح الكافية ٢ / ١٧٨ ط إستامبول.
(٤) شرح المفصل ٥ / ٩.
عَلَى أَقَل مِنْهُ إِلاَّ مَجَازًا، حَتَّى لَوْ حَلَفَ لاَ يَتَزَوَّجُ نِسَاءً لاَ يَحْنَثُ بِتَزَوُّجِ امْرَأَتَيْنِ.
وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ كَحُجَّةِ الإِْسْلاَمِ الْغَزَالِيِّ، وَسِيبَوَيْهِ مِنَ النُّحَاةِ، إِلَى أَنَّ أَقَل الْجَمْعِ اثْنَانِ حَقِيقَةً، حَتَّى يَحْنَثَ بِتَزَوُّجِ امْرَأَتَيْنِ.
وَقِيل: لاَ يَصِحُّ لِلاِثْنَيْنِ لاَ حَقِيقَةً وَلاَ مَجَازًا.
وَبَعْدَ عَرْضِ أَدِلَّةِ كُل فَرِيقٍ، وَالرَّدِّ عَلَيْهَا، يَذْكُرُ صَاحِبَا التَّلْوِيحِ وَمُسَلَّمِ الثُّبُوتِ أَنَّ النِّزَاعَ لَيْسَ فِي لَفْظِ الْجَمْعِ الْمُؤَلَّفِ مِنْ (ج م ع) وَإِنَّمَا النِّزَاعُ فِي الْمُسَمَّى، أَيْ فِي الصِّيَغِ الْمُسَمَّاةِ بِهِ، كَرِجَالٍ وَمُسْلِمِينَ. (١)
وَذَكَرَ الْقُرْطُبِيُّ عِنْدَ تَفْسِيرِ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُِمِّهِ السُّدُسُ﴾ (٢) أَنَّ أَقَل الْجَمْعِ اثْنَانِ، لأَِنَّ التَّثْنِيَةَ جَمْعُ شَيْءٍ إِلَى مِثْلِهِ، وَاسْتَدَل بِرَأْيِ سِيبَوَيْهِ فِيمَا يَرْوِيهِ عَنِ الْخَلِيل.
وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْقُرْطُبِيَّ أَرَادَ بِقَوْلِهِ: إِنَّ أَقَل الْجَمْعِ اثْنَانِ - الْمِيرَاثَ؛ لأَِنَّهُ قَال بَعْدَ ذَلِكَ: وَمِمَّنْ قَال: إِنَّ أَقَل الْجَمْعِ ثَلاَثَةٌ - وَإِنْ لَمْ يَقُل بِهِ هُنَا - (يَقْصِدُ الْمِيرَاثَ) ابْنُ مَسْعُودٍ وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَغَيْرُهُمْ. (٣)
وَبِالنَّظَرِ فِي أَبْوَابِ الْفِقْهِ الْمُخْتَلِفَةِ نَجِدُ أَنَّ أَقَل الْجَمْعِ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ ثَلاَثَةٌ فَصَاعِدًا عَدَا الْمِيرَاثَ، (٤) وَسَيَأْتِي بَيَانُ ذَلِكَ.
_________
(١) التلويح على التوضيح ١ / ٥٠ ط صبيح، ومسلم الثبوت ١ / ٢٦٩.
(٢) سورة النساء / ١١.
(٣) تفسير القرطبي ٥ / ٧٢، ٧٣ ط دار الكتب.
(٤) منتهى الإرادات ٢ / ٥١٤، ٥٦١ ط دار الفكر، والمهذب ١ / ٤٥٢، ٤٦٤ ط دار المعرفة، ومنح الجليل ١ / ٦٧٧ و٣ / ٤١٣ ط النجاح ليبيا، وابن عابدين٣ / ١١٢، و٤ / ٤٦٩ ط بولاق ثالثة.
ج - رَأْيُ الْفَرْضِيِّينَ:
٤ - الْفَرَضِيُّونَ - عَدَا ابْنَ عَبَّاسٍ - يَعْتَبِرُونَ أَنَّ أَقَل الْجَمْعِ اثْنَانِ، فَقَدْ جَاءَ فِي الْعَذْبِ الْفَائِضِ عِنْدَ الْكَلاَمِ عَلَى مِيرَاثِ الأُْمِّ مَعَ الإِْخْوَةِ أَنَّ أَقَل الْجَمْعِ اثْنَانِ، قَال ابْنُ سُرَاقَةَ وَقَدْ وَرَدَ ذَلِكَ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ (١) . يُرِيدُ اخْتَصَمَا، ثُمَّ قَال: وَمِنْ أَهْل اللُّغَةِ مَنْ يَجْعَل الاِثْنَيْنِ جَمْعًا حَقِيقَةً، وَقَدْ حُكِيَ عَنِ الْفَرَّاءِ أَنَّهُ قَال: أَوَّل الْجَمْعِ التَّثْنِيَةُ، وَهُوَ الأَْصْل فِي اللُّغَةِ، وَالاِثْنَانِ مِنْ جِنْسِ الإِْخْوَةِ يَرُدَّانِ الأُْمَّ إِلَى السُّدُسِ (٢) وَجَاءَ فِي السِّرَاجِيَّةِ أَنَّ حُكْمَ الاِثْنَيْنِ فِي الْمِيرَاثِ حُكْمُ الْجَمَاعَةِ، فَحُكْمُ الْبِنْتَيْنِ وَالأُْخْتَيْنِ كَحُكْمِ الْبَنَاتِ وَالأَْخَوَاتِ فِي اسْتِحْقَاقِ الثُّلُثَيْنِ، فَكَذَا فِي الْحَجْبِ. (٣)
وَهَذَا الْحُكْمُ لَمْ يُخَالِفْ فِيهِ سِوَى ابْنِ عَبَّاسٍ.
مَا يَتَفَرَّعُ عَلَى هَذِهِ الْقَاعِدَةِ:
أَوَّلًا - عِنْدَ الْفُقَهَاءِ:
٥ - يَبْنِي الْفُقَهَاءُ أَحْكَامَهُمْ عَلَى اعْتِبَارِ أَنَّ أَقَل الْجَمْعِ ثَلاَثَةٌ، وَهَذَا فِيمَا يُسْتَعْمَل فِيهِ مِنَ الْمَسَائِل الْفِقْهِيَّةِ الْمُتَفَرِّقَةِ عَدَا مَسَائِل الْمِيرَاثِ، عِنْدَ جَمِيعِ الْفُقَهَاءِ، وَالْوَصِيَّةُ كَذَلِكَ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، فَتُبْنَى الأَْحْكَامُ فِيهَا بِاعْتِبَارِ أَنَّ أَقَل الْجَمْعِ اثْنَانِ، وَذَلِكَ كَمَا جَاءَ فِي عِبَارَاتِهِمْ.
وَيَجِبُ أَنْ يُلاَحَظَ أَنَّ الْمَقْصُودَ هُوَ الْجَمْعُ الْمُنَكَّرُ
_________
(١) سورة الحج / ١٩.
(٢) العذب الفائض شرح عمدة الفارض ١ / ٥٦ ط مصطفى الحلبي.
(٣) شرح السراجية ص ١٢٩ ط الكردي.
كَمَا سَنَرَى فِي الأَْمْثِلَةِ، إِذْ هُوَ الَّذِي يَتِمُّ الْحُكْمُ بِانْطِبَاقِهِ عَلَى ثَلاَثَةٍ مِنْ أَفْرَادِهِ بِاعْتِبَارِهَا أَقَل مَا يَنْطَبِقُ عَلَيْهِ.
الأَْمْثِلَةُ فِي غَيْرِ الْمِيرَاثِ:
٦ - أ - فِي الْوَصِيَّةِ: مَنْ وَصَّى بِكَفَّارَةِ أَيْمَانٍ فَأَقَل مَا يَجِبُ لِتَنْفِيذِ هَذِهِ الْوَصِيَّةِ أَنْ يُكَفَّرَ عَنْ ثَلاَثَةِ أَيْمَانٍ، لأَِنَّ الثَّلاَثَةَ أَقَل الْجَمْعِ، وَهَذَا عِنْدَ الْجُمْهُورِ. (١) أَمَّا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ فَيَجِبُ التَّكْفِيرُ عَنْ يَمِينَيْنِ فَصَاعِدًا، اعْتِبَارًا لِمَعْنَى الْجَمْعِ، وَأَقَلُّهُ اثْنَانِ فِي الْوَصِيَّةِ، وَالْوَصِيَّةُ أُخْتُ الْمِيرَاثِ، وَفِي الْمِيرَاثِ أَقَل الْجَمْعِ اثْنَانِ. (٢)
ب - فِي الْوَقْفِ: مَنْ وَقَفَ لِجَمَاعَةٍ أَوْ لِجَمْعٍ مِنْ أَقْرَبِ النَّاسِ إِلَيْهِ صُرِفَ رِيعُ الْوَقْفِ إِلَى ثَلاَثَةٍ، لأَِنَّهَا أَقَل الْجَمْعِ، فَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ أَقْرَبُ النَّاسِ إِلَيْهِ ثَلاَثَةً يُتَمَّمُ الْعَدَدُ مِمَّا بَعْدَ الدَّرَجَةِ الأُْولَى. فَمَثَلًا: إِنْ كَانَ لِمَنْ وَقَفَ ابْنَانِ وَأَوْلاَدُ ابْنٍ، فَإِنَّهُ يَخْرُجُ مِنْ أَوْلاَدِ ابْنِهِ وَاحِدٌ مِنْهُمْ بِالْقُرْعَةِ. وَيُضَمُّ لِلاِبْنَيْنِ وَيُعْطَوْنَ الْوَقْفَ. (٣)
ج - فِي الإِْقْرَارِ: لَوْ قَال: لَهُ عِنْدِي دَرَاهِمُ، لَزِمَهُ ثَلاَثَةُ دَرَاهِمَ، لأَِنَّهُ جَمْعٌ، وَأَقَل الْجَمْعِ ثَلاَثَةٌ. (٤)
د - فِي الْيَمِينِ: مَنْ حَلَفَ عَلَى تَرْكِ شَيْءٍ، أَوْ عَلَى أَلاَّ يُكَلِّمَ غَيْرَهُ أَيَّامًا أَوْ شُهُورًا أَوْ سِنِينَ، مُنَكِّرًا
_________
(١) منتهى الإرادات ٢ / ٥٦١، والمهذب ١ / ٤٦٤.
(٢) الاختيار ٥ / ٧٨ ط دار المعرفة، والهداية ٤ / ٢٥١.
(٣) منتهى الإرادات ٢ / ٥١٤، والمهذب ١ / ٤٥٢.
(٤) منح الجليل ٣٣ / ٤١٣، والمهذب ٢ / ٣٤٩، والمنثور في القواعد للزركشي ٢ / ١٢ ط الأوقاف بالكويت، وابن عابدين ٤ / ٤٦٩، ٤٧٠، والمغني ٥ / ١٧٤.
لَفْظَ الأَْيَّامِ وَالشُّهُورِ وَالسِّنِينَ لَزِمَهُ ثَلاَثَةٌ، لأَِنَّهُ أَقَل الْجَمْعِ. (١)
٧ - أَمَّا بِالنِّسْبَةِ لِلْمِيرَاثِ فَتُبْنَى الأَْحْكَامُ فِيهِ بِاعْتِبَارِ أَنَّ أَقَل الْجَمْعِ اثْنَانِ. وَيَتَّضِحُ ذَلِكَ فِي مِيرَاثِ الأُْمِّ مَعَ الإِْخْوَةِ، فَقَدْ أَجْمَعَ أَهْل الْعِلْمِ - إِلاَّ مَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - عَلَى أَنَّ الأَْخَوَيْنِ (فَصَاعِدًا) ذُكُورًا كَانُوا أَوْ إِنَاثًا يَحْجُبَانِ الأُْمَّ عَنِ الثُّلُثِ إِلَى السُّدُسِ، عَمَلًا بِظَاهِرِ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُِمِّهِ السُّدُسُ﴾ . لأَِنَّ أَقَل الْجَمْعِ هُنَا اثْنَانِ، وَقَدْ قَال الزَّمَخْشَرِيُّ: لَفْظُ الإِْخْوَةِ هُنَا يَتَنَاوَل الأَْخَوَيْنِ، لأَِنَّ الْجَمْعَ مِنَ الاِجْتِمَاعِ، وَأَنَّهُ يَتَحَقَّقُ بِاجْتِمَاعِ الاِثْنَيْنِ. وَلأَِنَّ الْجَمْعَ يُذْكَرُ بِمَعْنَى التَّثْنِيَةِ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ (٢) هَذَا رَأْيُ الْجُمْهُورِ.
وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ ابْنُ عَبَّاسٍ فَجَعَل الاِثْنَيْنِ مِنَ الإِْخْوَةِ فِي حُكْمِ الْوَاحِدِ وَلاَ يَحْجُبُ الأُْمَّ أَقَل مِنْ ثَلاَثٍ، لِظَاهِرِ الآْيَةِ، وَقَدْ وَقَعَ الْكَلاَمُ فِي ذَلِكَ بَيْنَ عُثْمَانَ وَابْنِ عَبَّاسٍ، فَقَال لَهُ عُثْمَانُ: إِنَّ قَوْمَكَ (يَعْنِي قُرَيْشًا) حَجَبُوهَا - يَعْنِي الأُْمَّ - وَهُمْ أَهْل الْفَصَاحَةِ وَالْبَلاَغَةِ (٣) .
ثَانِيًا - عِنْدَ الأُْصُولِيِّينَ:
٨ - ذَكَرَ الأُْصُولِيُّونَ الْخِلاَفَ فِي مُسَمَّى الْجَمْعِ، وَهَل يُطْلَقُ عَلَى الثَّلاَثَةِ فَأَكْثَرَ، أَوْ يَصِحُّ أَنْ يُطْلَقَ
_________
(١) منح الجليل ١ / ٦٧٧ وابن عابدين ٣ / ١١٢.
(٢) سورة التحريم / ٤.
(٣) شرح السراجية ص ١٢٩، وشرح الرحبية ج ٤٠، والعذب الفائض ١ / ٥٦، وحاشية البغوي ص ١٩، والقرطبي ٥ / ٧٢، ٧٣ ومنح الجليل ٣ / ٧٠٤ والمهذب ٢ / ٢٧، والاختيار ٥ / ٩٠ ومنتهى الإرادات ٢ / ٥٨٥.
عَلَى الاِثْنَيْنِ عَلَى نَحْوِ مَا سَبَقَ بَيَانُهُ.
وَهُمْ يَذْكُرُونَ ذَلِكَ فِي مَعْرِضِ الْكَلاَمِ عَنِ الْعَامِّ وَتَخْصِيصِهِ، بِاعْتِبَارِ أَنَّ الْجَمْعَ مِنْ أَلْفَاظِ الْعُمُومِ، وَأَنَّ الْعَامَّ إِذَا كَانَ جَمْعًا مِثْل الرِّجَال جَازَ تَخْصِيصُهُ إِلَى الثَّلاَثَةِ، تَفْرِيعًا عَلَى أَنَّ الثَّلاَثَةَ أَقَل الْجَمْعِ، لأَِنَّ التَّخْصِيصَ إِلَى مَا دُونَ الثَّلاَثَةِ يُخْرِجُ اللَّفْظَ عَنِ الدَّلاَلَةِ عَلَى الْجَمْعِ فَيَصِيرُ نَسْخًا، (١) وَتَفْصِيل هَذَا يُنْظَرُ فِي الْمُلْحَقِ الأُْصُولِيِّ.
مَوَاطِنُ الْبَحْثِ:
٩ - أَقَل الْجَمْعِ يُسْتَعْمَل فِي الْمَسَائِل الَّتِي يُسْتَعْمَل فِيهَا الْجَمْعُ الْمُنَكَّرُ، كَالنَّذْرِ وَالأَْيْمَانِ وَالْعِتْقِ وَالطَّلاَقِ وَغَيْرِ ذَلِكَ.
أَقَل مَا قِيل
التَّعْرِيفُ:
١ - الأَْخْذُ بِأَقَل مَا قِيل عِنْدَ الأُْصُولِيِّينَ أَنْ يَخْتَلِفَ الصَّحَابَةُ فِي أَمْرٍ مُقَدَّرٍ عَلَى أَقَاوِيل، فَيُؤْخَذُ بِأَقَلِّهَا، إِذَا لَمْ يَدُل عَلَى الزِّيَادَةِ دَلِيلٌ. وَذَلِكَ مِثْل اخْتِلاَفِهِمْ فِي دِيَةِ الْيَهُودِيِّ هَل هِيَ مُسَاوِيَةٌ لِدِيَةِ الْمُسْلِمِ، أَوْ عَلَى النِّصْفِ، أَوْ عَلَى الثُّلُثِ؟ فَالْقَوْل بِأَقَلِّهَا وَهُوَ الثُّلُثُ - أَخْذٌ بِأَقَل مَا قِيل. (٢)
وَيُقَارِبُهُ: الأَْخْذُ بِأَخَفِّ مَا قِيل. وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا هُوَ
_________
(١) جمع الجوامع ٢ / ٣.
(٢) إرشاد الفحول ص ٢٤٤ ط م الحلبي.
مِنْ حَيْثُ الْكَمُّ وَالْكَيْفُ.
وَيُقَابِلُهُ: الأَْخْذُ بِأَكْثَرِ مَا قِيل.
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:
٢ - اخْتَلَفَ الأُْصُولِيُّونَ فِي الأَْخْذِ بِأَقَل مَا قِيل، هَل يُعْتَبَرُ دَلِيلًا يُعْتَمَدُ فِي إِثْبَاتِ الْحُكْمِ؟ فَأَثْبَتَهُ الإِْمَامُ الشَّافِعِيُّ، وَالْبَاقِلاَّنِيُّ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ، وَقَال الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ مِنْهُمْ: وَحَكَى بَعْضُ الأُْصُولِيِّينَ إِجْمَاعَ أَهْل النَّظَرِ عَلَيْهِ.
وَنَفَاهُ جَمَاعَةٌ، مِنْهُمُ ابْنُ حَزْمٍ، بَل حَكَى قَوْلًا بِأَنَّهُ يُؤْخَذُ بِأَكْثَرِ مَا قِيل، لِيَخْرُجَ عَنْ عُهْدَةِ التَّكْلِيفِ بِيَقِينٍ، وَكَمَا اخْتَلَفُوا فِي الأَْخْذِ بِالأَْقَل اخْتَلَفُوا فِي الأَْخْذِ بِالأَْخَفِّ. وَمَحَل تَفْصِيل ذَلِكَ - الْمُلْحَقُ الأُْصُولِيُّ. (١)
مَوَاطِنُ الْبَحْثِ:
٣ - ذَكَرَ الأُْصُولِيُّونَ الأَْخْذَ بِأَقَل مَا قِيل فِي مَبْحَثِ الاِسْتِدْلاَل. وَالاِسْتِدْلاَل هُنَا فِي اصْطِلاَحِهِمْ: مَا كَانَ مِنَ الأَْدِلَّةِ لَيْسَ بِنَصٍّ وَلاَ إِجْمَاعٍ وَلاَ قِيَاسٍ. كَمَا ذَكَرُوهُ فِي الْكَلاَمِ عَلَى الإِْجْمَاعِ لِبَيَانِ عَلاَقَتِهِ بِهِ. (٢)
اكْتِحَالٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الاِكْتِحَال لُغَةً: مَصْدَرُ اكْتَحَل. يُقَال اكْتَحَل:
_________
(١) المرجع السابق، وفواتح الرحموت ٢ / ٢٤٢، ٢٥٨.
(٢) المرجعين السابقين.
إِذَا وَضَعَ الْكُحْل فِي عَيْنِهِ. (١)
وَهُوَ فِي الاِصْطِلاَحِ مُسْتَعْمَلٌ بِهَذَا الْمَعْنَى.
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:
٢ - اسْتَحَبَّ الْحَنَابِلَةُ وَالشَّافِعِيَّةُ الاِكْتِحَال وِتْرًا، لِقَوْلِهِ ﵊: مَنِ اكْتَحَل فَلْيُوتِرْ (٢)، وَأَجَازَهُ مَالِكٌ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ لِلرِّجَال، وَكَرِهَهُ فِي قَوْلِهِ الآْخَرِ لِلتَّشَبُّهِ بِالنِّسَاءِ.
أَمَّا الْحَنَفِيَّةُ، فَقَالُوا بِالْجَوَازِ إِذَا لَمْ يَقْصِدْ بِهِ الرَّجُل الزِّينَةَ، وَأَوْضَحَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّ الْمَمْنُوعَ هُوَ التَّزَيُّنُ لِلتَّكَبُّرِ، لاَ بِقَصْدِ الْجَمَال وَالْوَقَارِ.
وَلاَ خِلاَفَ فِي جَوَازِ الاِكْتِحَال لِلنِّسَاءِ وَلَوْ بِقَصْدِ الزِّينَةِ، وَكَذَلِكَ لِلرِّجَال بِقَصْدِ التَّدَاوِي (٣)
وَلِلتَّفْصِيل يُنْظَرُ مُصْطَلَحُ (تَزَيُّن) .
الاِكْتِحَال بِالْمُتَنَجَّسِ:
٣ - يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مَا يُكْتَحَل بِهِ طَاهِرًا حَلاَلًا، أَمَّا الاِكْتِحَال بِالنَّجِسِ أَوِ الْمُحَرَّمِ فَهُوَ غَيْرُ جَائِزٍ لِعُمُومِ النَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ. أَمَّا إِذَا كَانَ الاِكْتِحَال لِضَرُورَةٍ فَقَدْ أَجَازَهُ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ، وَمَنَعَهُ الْمَالِكِيَّةُ (٤) .
_________
(١) المصباح المنير في مادة: " كحل ".
(٢) حديث: " من اكتحل. . . " أخرجه أبو داود ١ / ٣٣ ط عزت عبيد دعاس، وذكر ابن حجر: أن في إسناده جهالة. (التلخيص الحبير ط شركة الطباعة الفنية) .
(٣) الحطاب ١ / ٢٦٥، وابن عابدين ٢ / ١١٣، والبجيرمي على الخطيب ٤ / ٢٩١ ط المعرفة، والمغني ١ / ٩٣ ط الرياض، والفتاوى الهندية ٥ / ٣٥٩، والفواكه الدواني ٢ / ٤٤١.
(٤) ابن عابدين ١ / ١٤٠، ٢٠٤، ٢٩٠، ٤٠٢، ٥ / ٢٤٩، وشرح البهجة ٥ / ١٠٤، وقليوبي ٢ / ١٣٤، ٤ / ٢٠٣، والبجيرمي على الخطيب١ / ٢٧٦، وجواهر الإكليل ٢ / ٢٩٦، والشرح الصغير ١ / ٥٨، والدسوقي ٤ / ٣٥٣ - ٣٥٤.
الاِكْتِحَال فِي الإِْحْرَامِ:
٤ - أَجَازَ الْحَنَفِيَّةُ الاِكْتِحَال بِالإِْثْمِدِ لِلْمُحْرِمِ بِغَيْرِ كَرَاهَةٍ مَا دَامَ بِغَيْرِ طِيبٍ، فَإِذَا كَانَ بِطِيبٍ وَفَعَلَهُ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ فَعَلَيْهِ صَدَقَةٌ، فَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ فَعَلَيْهِ دَمٌ.
وَمَنَعَهُ الْمَالِكِيَّةُ وَإِنْ كَانَ مِنْ غَيْرِ طِيبٍ، إِلاَّ إِذَا كَانَ لِضَرُورَةٍ، فَإِنِ اكْتَحَل فَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ.
وَأَجَازَهُ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ مَعَ الْكَرَاهَةِ، وَاشْتَرَطَ الْحَنَابِلَةُ عَدَمَ قَصْدِ الزِّينَةِ بِهِ. (١) (ر - إِحْرَام) .
الاِكْتِحَال فِي الصَّوْمِ:
٥ - إِذَا اكْتَحَل الصَّائِمُ بِمَا يَصِل إِلَى جَوْفِهِ فَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ - وَهُوَ اخْتِيَارُ ابْنِ تَيْمِيَّةَ - لاَ يَفْسُدُ صَوْمُهُ، وَإِنْ وَجَدَ طَعْمَهُ فِي حَلْقِهِ، وَلَوْنَهُ فِي نُخَامَتِهِ، لأَِنَّهُ لَمْ يَصِل إِلَى الْجَوْفِ مِنْ مَنْفَذٍ مُبَاشِرٍ، بَل بِطَرِيقِ الْمَسَامِّ. (٢)
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: إِنَّهُ يُفْسِدُ صَوْمَهُ إِذَا وَصَل إِلَى الْحَلْقِ. (٣)
وَلِلتَّفْصِيل يُنْظَرُ (صَوْم) .
الاِكْتِحَال لِلْمُعْتَدَّةِ مِنَ الْوَفَاةِ:
٦ - إِذَا كَانَ الاِكْتِحَال بِمَا لاَ يُتَزَيَّنُ بِهِ عَادَةً فَلاَ بَأْسَ
_________
(١) ابن عابدين ٢ / ١٦٤، والدسوقي ٢ / ٦١، وقليوبي ٢ / ١٣٤، والمغني ٣ / ٣٢٧.
(٢) فتح القدير ٢ / ٧٣، وحواشي الشرواني وابن قاسم العبادي على التحفة ٣ / ٤٠٢، ٤٠٣، وكشاف القناع ٢ / ٢٨٦، والنووي ٦ / ٣١٢
(٣) الخرشي ٢ / ١٦٢، والتحفة بشرح المنهاج ٣ / ٤٠٣، والمجموع ٦ / ٣١٢، والفتاوى لابن تيمية ٢٥ / ٢٣٣، والإنصاف ٣ / ٢٩٩.