الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٦
بِهِ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا. أَمَّا إِذَا كَانَ مِمَّا يُتَزَيَّنُ بِهِ كَالإِْثْمِدِ، فَالأَْصْل عَدَمُ جَوَازِهِ إِلاَّ لِحَاجَةٍ، فَإِنْ دَعَتِ الْحَاجَةُ إِلَى ذَلِكَ جَازَ. وَصَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ أَنَّ الْمُرَادَ - فِي هَذِهِ الْحَال - تَكْتَحِل لَيْلًا وَتَغْسِلُهُ نَهَارًا وُجُوبًا. (١)
الاِكْتِحَال لِلْمُعْتَدَّةِ مِنَ الطَّلاَقِ:
٧ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى إِبَاحَةِ الاِكْتِحَال لِلْمُعْتَدَّةِ مِنْ طَلاَقٍ رَجْعِيٍّ. بَل صَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ بِأَنَّهُ يُفْرَضُ عَلَى زَوْجِ الْمُعْتَدَّةِ ثَمَنُ الزِّينَةِ الَّتِي تَسْتَضِرُّ بِتَرْكِهَا.
وَاخْتَلَفُوا فِي الْمُعْتَدَّةِ مِنْ طَلاَقٍ بَائِنٍ. قَال الْحَنَفِيَّةُ، وَهُوَ رَأْيٌ لِلشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ: يَجِبُ عَلَيْهَا تَرْكُ الاِكْتِحَال وَالزِّينَةِ، وَفِي رَأْيٍ لِلشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ: يُسْتَحْسَنُ لَهَا ذَلِكَ. (٢) أَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فَعِنْدَهُمُ الإِْبَاحَةُ مُطْلَقًا لِلْمُطَلَّقَةِ (ر - عِدَّة) .
الاِكْتِحَال فِي الاِعْتِكَافِ:
٨ - تَكَلَّمَ الشَّافِعِيَّةُ عَلَى الزِّينَةِ فِي الاِعْتِكَافِ وَالاِكْتِحَال فِيهِ، وَصَرَّحُوا بِأَنَّهُ لاَ يَضُرُّ فِيهِ الاِكْتِحَال وَلاَ الزِّينَةُ. (٣) وَقَوَاعِدُ الْمَذَاهِبِ الأُْخْرَى لاَ تُنَافِيهِ. (ر - اعْتِكَاف) .
الاِكْتِحَال فِي يَوْمِ عَاشُورَاءَ:
٩ - تَكَلَّمَ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى الاِكْتِحَال فِي يَوْمِ عَاشُورَاءَ وَعَلَى اسْتِحْبَابِهِ، وَأَبَانُوا بِأَنَّهُ لَمْ يَرِدْ فِي ذَلِكَ نَصٌّ
_________
(١) ابن عابدين ٢ / ٦١٧، والشرح الصغير ٢ / ٦٨٦، وقليوبي ٤ / ٥٣، والمغني ٧ / ٥١٧، ٥١٩.
(٢) ابن عابدين ٢ / ٥٣٦، والشرح الصغير ٢ / ٦٨٥، والدسوقي ٢ / ٥١٠، وقليوبي ٤ / ٥٢، ٨١، والمغني ٧ / ٥٢٧.
(٣) قليوبي ٢ / ٧٧.
صَحِيحٌ، وَقَال بَعْضُهُمْ: بِأَنَّهُ بِدْعَةٌ. (١) (ر - بِدْعَة) .
اكْتِسَابٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الاِكْتِسَابُ: طَلَبُ الرِّزْقِ وَتَحْصِيل الْمَال عَلَى الْعُمُومِ. (٢) وَأَضَافَ الْفُقَهَاءُ إِلَى ذَلِكَ مَا يُفْصِحُ عَنِ الْحُكْمِ، فَقَالُوا: الاِكْتِسَابُ هُوَ تَحْصِيل الْمَال بِمَا حَل مِنَ الأَْسْبَابِ (٣) .
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الْكَسْبُ:
٢ - يَفْتَرِقُ الْكَسْبُ عَنِ الاِكْتِسَابِ بِأَنَّ الاِكْتِسَابَ لاَ يَكُونُ إِلاَّ بِبَذْل الْجُهْدِ، أَمَّا الْكَسْبُ فَإِنَّهُ لاَ يَعْنِي أَكْثَرَ مِنَ الإِْصَابَةِ (٤)، يُقَال: كَسَبَ مَالًا: إِذَا أَصَابَ مَالًا، سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ بِبَذْل جُهْدٍ، بِأَنِ اكْتَسَبَهُ بِعَرَقِ جَبِينِهِ، أَوْ كَسَبَهُ مِنْ غَيْرِ جُهْدٍ، كَمَا إِذَا آل إِلَيْهِ بِمِيرَاثٍ مَثَلًا.
ب - الاِحْتِرَافُ، أَوِ الْعَمَل:
٣ - يَفْتَرِقُ الاِكْتِسَابُ عَنِ الاِحْتِرَافِ أَوِ الْعَمَل بِأَنَّهُمَا مِنْ وَسَائِل الاِكْتِسَابِ، وَلَيْسَا بِاكْتِسَابٍ، إِذِ
_________
(١) ابن عابدين ٢ / ١١٣.
(٢) القاموس المحيط، والمصباح المنير، ولسان العرب مادة " كسب ".
(٣) المبسوط للسرخسي ٣٠ / ٢٤٤ نشر دار المعرفة.
(٤) لسان العرب، ومفردات الراغب الأصبهاني.
الاِكْتِسَابُ قَدْ يَكُونُ بِاحْتِرَافِ حِرْفَةٍ، وَقَدْ يَكُونُ بِغَيْرِ احْتِرَافِ حِرْفَةٍ، كَمَنْ يَعْمَل يَوْمًا عِنْدَ نَجَّارٍ، وَيَوْمًا عِنْدَ حَدَّادٍ، وَيَوْمًا حَمَّالًا، دُونَ أَنْ يَبْرَعَ أَوْ يَسْتَقِرَّ فِي عَمَلٍ.
الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ:
٤ - أ - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّ الاِكْتِسَابَ فَرْضٌ عَلَى الْمُحْتَاجِ إِلَيْهِ إِذَا كَانَ قَادِرًا عَلَيْهِ، لأَِنَّهُ بِهِ يَقُومُ الْمُكَلَّفُ بِمَا وَجَبَ عَلَيْهِ مِنَ التَّكَالِيفِ الْمَالِيَّةِ، مِنَ الإِْنْفَاقِ عَلَى النَّفْسِ وَالزَّوْجَةِ وَالأَْوْلاَدِ الصِّغَارِ، وَالأَْبَوَيْنِ الْمُعْسِرَيْنِ، وَالْجِهَادِ فِي سَبِيل اللَّهِ (١) وَغَيْرِ ذَلِكَ.
ب - وَيُفَصِّل ابْنُ مُفْلِحٍ الْحَنْبَلِيُّ حُكْمَ الاِكْتِسَابِ بِحَسَبِ أَحْوَال الْمُكْتَسِبِ، وَخُلاَصَةُ كَلاَمِهِ: يُسَنُّ التَّكَسُّبُ مَعَ تَوَفُّرِ الْكِفَايَةِ لِلْمُكْتَسِبِ، قَال الْمَرْوَزِيُّ: سَمِعْتُ رَجُلًا يَقُول لأَِبِي عَبْدِ اللَّهِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ: إِنِّي فِي كِفَايَةٍ، قَال الإِْمَامُ أَحْمَدُ: الْزَمِ السُّوقَ تَصِل بِهِ رَحِمَكَ، وَتَعُدْ بِهِ عَلَى نَفْسِكَ.
وَيُبَاحُ التَّكَسُّبُ لِزِيَادَةِ الْمَال وَالْجَاهِ وَالتَّرَفُّهِ وَالتَّنَعُّمِ وَالتَّوْسِعَةِ عَلَى الْعِيَال، مَعَ سَلاَمَةِ الدِّينِ وَالْعِرْضِ وَالْمُرُوءَةِ وَبَرَاءَةِ الذِّمَّةِ.
وَيَجِبُ التَّكَسُّبُ عَلَى مَنْ لاَ قُوتَ لَهُ وَلَمِنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ، وَعَلَى مَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ أَوْ نَذْرُ طَاعَةٍ أَوْ كَفَّارَةٌ (٢) . وَقَدْ فَصَّل الْفُقَهَاءُ ذَلِكَ فِي أَبْوَابِ النَّفَقَةِ.
وَيَرَى الْمَاوَرْدِيُّ - الشَّافِعِيُّ - فِي كِتَابِهِ أَدَبِ الدُّنْيَا
_________
(١) انظر المبسوط ٣٠ / ٢٤٤ وما بعدها. .، ومغني المحتاج ٣ / ٤٤٨ وجمع الجوامع ٢ / ٤٣٦ طبع البابي الحلبي ١٣٥٦.
(٢) الآداب الشرعية ٣ / ٢٧٨ و٢٨٢ طبع المنار سنة ١٣٤٩.
وَالدِّينِ: أَنَّ طَلَبَ الْمَرْءِ مِنَ الْكَسْبِ قَدْرَ كِفَايَتِهِ، وَالْتِمَاسَهُ مِنْهُ وَفْقَ حَاجَتِهِ هُوَ أَحْمَدُ أَحْوَال الطَّالِبِينَ، وَأَعْدَل مَرَاتِبِ الْقَاصِدِينَ. (١)
مَنْ لاَ يُكَلَّفُ الاِكْتِسَابَ:
٥ - أ - لاَ تُكَلَّفُ الْمَرْأَةُ الاِكْتِسَابَ لِلإِْنْفَاقِ عَلَى نَفْسِهَا أَوْ عَلَى غَيْرِهَا، وَتَكُونُ نَفَقَتُهَا إِنْ كَانَتْ فَقِيرَةً وَاجِبَةً عَلَى غَيْرِهَا، سَوَاءٌ كَانَتْ مُتَزَوِّجَةً أَمْ لَيْسَتْ بِذَاتِ زَوْجٍ.
ب - وَلاَ يُكَلَّفُ الصَّغِيرُ الَّذِي لَيْسَ بِأَهْلٍ لِلْكَسْبِ الاِكْتِسَابَ، وَمِنْ جُمْلَةِ هَذِهِ الأَْهْلِيَّةِ الْقُدْرَةُ الْجَسَدِيَّةُ وَالْفِكْرِيَّةُ الَّتِي يُفَرَّقُ فِيهَا بَيْنَ الْحَلاَل وَالْحَرَامِ، لِمَا رَوَى الإِْمَامُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ أَنَّهُ قَال: لاَ تُكَلِّفُوا الصَّغِيرَ الْكَسْبَ، فَإِنَّهُ إِذَا لَمْ يَجِدْ سَرَقَ (٢) .
أَمَّا الْكَبِيرُ فَإِنَّهُ يُكَلَّفُ الاِكْتِسَابَ كَمَا تَقَدَّمَ. (٣)
طُرُقُ الاِكْتِسَابِ:
٦ - إِذَا كَانَ الاِكْتِسَابُ لاَ بُدَّ فِيهِ مِنْ بَذْل الْجَهْدِ - عَلَى خِلاَفِ الْكَسْبِ الَّذِي قَدْ يَكُونُ بِبَذْل الْجَهْدِ، وَقَدْ يَكُونُ بِغَيْرِ بَذْل جَهْدٍ - فَإِنَّهُ لاَ يَكُونُ إِلاَّ بِالْعَمَل، وَعِنْدَئِذٍ يُشْتَرَطُ فِي الْعَمَل أَنْ يَكُونَ حَلاَلًا، فَلاَ يَجُوزُ الاِكْتِسَابُ بِتَقْدِيمِ الْخَمْرِ
_________
(١) منهاج اليقين بشرح أدب الدنيا والدين ص ٣٧٠.
(٢) الموطأ ٢ / ٩٨٠.
(٣) الهداية بشرح فتح القدير ٣ / ٣٧٧ و٣٨٢، والحطاب ٦ / ٣٣٦ و٣٣٧ طبع ليبيا، وتحفة المحتاج مع الشرواني وابن القاسم ١٠ / ٣٥٤ طبع دار صادر بيروت، والمغني مع الشرح الكبير ٢ / ٢٦٩ طبع المنار الأولى.
لِشَارِبِيهِ، سَوَاءٌ احْتَرَفَ ذَلِكَ أَمْ لَمْ يَحْتَرِفْهُ، كَمَا يُكْرَهُ الاِكْتِسَابُ عَنْ طَرِيقِ حِرْفَةٍ وَضِيعَةٍ بِقُيُودٍ وَشُرُوطٍ ذُكِرَتْ فِي (احْتِرَاف) .
أَكْدَرِيَّةٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الأَْكْدَرِيَّةُ هِيَ: إِحْدَى الْمَسَائِل الْمُلَقَّبَاتِ فِي الْفَرَائِضِ، وَهِيَ زَوْجٌ، وَأُمٌّ، وَجَدٌّ، وَأُخْتٌ لأَِبٍ وَأُمٍّ، أَوْ لأَِبٍ.
وَلُقِّبَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ بِالأَْكْدَرِيَّةِ، لأَِنَّهَا وَاقِعَةُ امْرَأَةٍ مِنْ بَنِي أَكْدَرَ مَاتَتْ وَخَلَّفَتْ أُولَئِكَ الْوَرَثَةَ الْمَذْكُورِينَ، وَاشْتَبَهَ عَلَى زَيْدٍ مَذْهَبُهُ فِيهَا فَنُسِبَتْ إِلَيْهَا. وَقِيل: إِنَّ شَخْصًا مِنْ هَذِهِ الْقَبِيلَةِ كَانَ يُحْسِنُ مَذْهَبَ زَيْدٍ فِي الْفَرَائِضِ، فَسَأَلَهُ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ عَنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَأَخْطَأَ فِي جَوَابِهَا، فَنُسِبَتْ إِلَى قَبِيلَتِهِ. وَقِيل: سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لأَِنَّهَا كَدَّرَتْ عَلَى زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ أُصُولَهُ فِي التَّوْرِيثِ، وَقِيل: لأَِنَّ الْجَدَّ كَدَّرَ عَلَى الأُْخْتِ نَصِيبَهَا، وَأَهْل الْعِرَاقِ يُسَمُّونَهَا الْغَرَّاءَ، لِشُهْرَتِهَا فِيمَا بَيْنَهُمْ (١) .
وَلِلْعُلَمَاءِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ثَلاَثَةُ مَذَاهِبَ:
٢ - (أَحَدُهَا): مَذْهَبُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ﵁
_________
(١) المصباح، وترتيب القاموس مادة: " كدر "، وشرح السراجية ص ١٥٣ ط مصطفى الحلبي، والعذب الفائض ١ / ٩٠، وشرح الرحبية ص ٨٣ ط صبيح.
، وَبِهِ أَخَذَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ، وَهُوَ أَنَّ لِلزَّوْجِ النِّصْفَ، وَلِلأُْمِّ الثُّلُثَ، وَلِلْجَدِّ السُّدُسَ وَلِلأُْخْتِ النِّصْفَ، ثُمَّ يُضَمُّ نَصِيبُ الْجَدِّ إِلَى نَصِيبِ الأُْخْتِ، وَيُقْسَمُ مَجْمُوعُ النَّصِيبَيْنِ بَيْنَهُمَا، لِلذَّكَرِ مِثْل حَظِّ الأُْنْثَيَيْنِ. (١)
أَصْل الْمَسْأَلَةِ مِنْ سِتَّةٍ، وَتَعُول إِلَى تِسْعَةٍ: لِلزَّوْجِ ثَلاَثَةٌ، وَلِلأُْمِّ اثْنَانِ، وَلِلْجَدِّ وَاحِدٌ، وَلِلأُْخْتِ ثَلاَثَةٌ، وَمَجْمُوعُ النَّصِيبَيْنِ أَرْبَعَةٌ، فَنَقْسِمُهَا عَلَى الْجَدِّ وَالأُْخْتِ لِلذَّكَرِ مِثْل حَظِّ الأُْنْثَيَيْنِ، وَتَصِحُّ مِنْ سَبْعَةٍ وَعِشْرِينَ: لِلزَّوْجِ تِسْعَةٌ، وَلِلأُْمِّ سِتَّةٌ، وَلِلْجَدِّ ثَمَانِيَةٌ، وَلِلأُْخْتِ أَرْبَعَةٌ.
فَقَدْ جَعَل زَيْدٌ هَاهُنَا الأُْخْتَ ابْتِدَاءً صَاحِبَةَ فَرْضٍ، كَيْ لاَ تُحْرَمَ الْمِيرَاثَ بِالْمَرَّةِ، وَجَعَلَهَا عَصَبَةً بِالآْخِرَةِ، كَيْ لاَ يَزِيدَ نَصِيبُهَا عَلَى نَصِيبِ الْجَدِّ الَّذِي هُوَ كَالأَْخِ. (٢)
(الْمَذْهَبُ الثَّانِي): وَهُوَ قَوْل أَبِي بَكْرٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ ﵃، حَاصِلُهُ: لِلزَّوْجِ النِّصْفُ، وَلِلأُْمِّ الثُّلُثُ، وَالسُّدُسُ الْبَاقِي لِلْجَدِّ، وَتَسْقُطُ الأُْخْتُ، وَقَدْ أَخَذَ بِهَذَا أَبُو حَنِيفَةَ (٣) .
(الْمَذْهَبُ الثَّالِثُ): وَهُوَ قَوْل عُمَرَ وَابْنِ مَسْعُودٍ، لِلزَّوْجِ النِّصْفُ، وَلِلأُْخْتِ النِّصْفُ، وَلِلأُْمِّ السُّدُسُ، وَلِلْجَدِّ السُّدُسُ، وَأَصْلُهَا مِنْ سِتَّةٍ وَتَعُول
_________
(١) شرح الرحبية ص ١٥٢، والعذب الفائض ١ / ٩٠، ٩١، والمغني ٦ / ٢٢٢ ط الرياض.
(٢) شرح السراجية ص ١٥٢.
(٣) شرح الرحبية ص ٨٣.
إِلَى ثَمَانِيَةٍ، لِلزَّوْجِ ثَلاَثَةٌ، وَثَلاَثَةٌ لِلأُْخْتِ أَيْضًا وَالْجَدُّ يَأْخُذُ سُدُسًا عَائِلًا وَهُوَ وَاحِدٌ، وَكَذَا الأُْمُّ. (١) وَإِنَّمَا جَعَلُوا لِلأُْمِّ السُّدُسَ كَيْ لاَ يُفَضِّلُوهَا عَلَى الْجَدِّ.
صِلَةُ الأَْكْدَرِيَّةِ بِغَيْرِهَا مِنَ الْمَسَائِل الْمُلَقَّبَاتِ:
٣ - الأَْكْدَرِيَّةُ إِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا زَوْجٌ فَهِيَ الْخَرْقَاءُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا جَدٌّ كَانَتِ الْمُبَاهَلَةَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا أُخْتٌ كَانَتْ إِحْدَى الْغَرَّاوَيْنِ، وَأَحْكَامُ هَذِهِ الْمَسَائِل تُذْكَرُ فِي (إِرْث) .
إِكْرَاهٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - قَال فِي لِسَانِ الْعَرَبِ: أَكْرَهْتُهُ، حَمَلْتُهُ عَلَى أَمْرٍ هُوَ لَهُ كَارِهٌ - وَفِي مُفْرَدَاتِ الرَّاغِبِ نَحْوُهُ - وَمَضَى صَاحِبُ اللِّسَانِ يَقُول: وَذَكَرَ اللَّهُ ﷿ الْكُرْهَ وَالْكَرْهَ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنْ كِتَابِهِ الْعَزِيزِ، وَاخْتَلَفَ الْقُرَّاءُ فِي فَتْحِ الْكَافِ وَضَمِّهَا. قَال أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى: وَلاَ أَعْلَمُ بَيْنَ الأَْحْرُفِ الَّتِي ضَمَّهَا هَؤُلاَءِ وَبَيْنَ الَّتِي فَتَحُوهَا فَرْقًا فِي الْعَرَبِيَّةِ، وَلاَ فِي سُنَّةٍ تُتَّبَعُ.
وَفِي الْمِصْبَاحِ الْمُنِيرِ: " الْكَرْهُ (بِالْفَتْحِ): الْمَشَقَّةُ، وَبِالضَّمِّ: الْقَهْرُ، وَقِيل: (بِالْفَتْحِ) الإِْكْرَاهُ، " وَبِالضَّمِّ " الْمَشَقَّةُ. وَأَكْرَهْتُهُ عَلَى الأَْمْرِ إِكْرَاهًا: حَمَلْتُهُ عَلَيْهِ قَهْرًا. يُقَال: فَعَلْتُهُ كَرْهًا " بِالْفَتْحِ " أَيْ
_________
(١) المغني ٦ / ٢٢٤.
إِكْرَاهًا - وَعَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى: ﴿طَوْعًا أَوْ كَرْهًا﴾ (١) فَجَمَعَ بَيْنَ الضِّدَّيْنِ. (٢)
وَلَخَصَّ ذَلِكَ كُلَّهُ فُقَهَاؤُنَا إِذْ قَالُوا: الإِْكْرَاهُ لُغَةً: حَمْل الإِْنْسَانِ عَلَى شَيْءٍ يَكْرَهُهُ، يُقَال: أَكْرَهْتُ فُلاَنًا إِكْرَاهًا: حَمَلْتُهُ عَلَى أَمْرٍ يَكْرَهُهُ. (٣) وَالْكَرْهُ " بِالْفَتْحِ " اسْمٌ مِنْهُ (أَيِ اسْمُ مَصْدَرٍ) . (٤)
أَمَّا الإِْكْرَاهُ فِي اصْطِلاَحِ الْفُقَهَاءِ فَهُوَ: فِعْلٌ يَفْعَلُهُ الْمَرْءُ بِغَيْرِهِ، فَيَنْتَفِي بِهِ رِضَاهُ، أَوْ يَفْسُدُ بِهِ اخْتِيَارُهُ.
وَعَرَّفَهُ الْبَزْدَوِيُّ بِأَنَّهُ: حَمْل الْغَيْرِ عَلَى أَمْرٍ يَمْتَنِعُ عَنْهُ بِتَخْوِيفٍ يَقْدِرُ الْحَامِل عَلَى إِيقَاعِهِ وَيَصِيرُ الْغَيْرُ خَائِفًا بِهِ. (٥)
أَوْ هُوَ: فِعْلٌ يُوجَدُ مِنَ الْمُكْرِهِ (بِكَسْرِ الرَّاءِ) فَيُحْدِثُ فِي الْمَحَل (أَيِ الْمُكْرَهِ بِفَتْحِ الرَّاءِ) مَعْنًى يَصِيرُ بِهِ مَدْفُوعًا إِلَى الْفِعْل الَّذِي طُلِبَ مِنْهُ. (٦)
وَالْمَعْنَى الْمَذْكُورُ فِي هَذَا التَّعْرِيفِ، فَسَّرُوهُ بِالْخَوْفِ، (٧) وَلَوْ مِمَّا يَفْعَلُهُ الْحُكَّامُ الظَّلَمَةُ بِالْمُتَّهَمِينَ كَيْدًا. فَإِذَا كَانَ الدَّافِعُ هُوَ الْحَيَاءَ مَثَلًا، أَوِ التَّوَدُّدَ، فَلَيْسَ بِإِكْرَاهٍ. (٨)
٢ - وَالْفِعْل - فِي جَانِبِ الْمُكْرِهِ (بِكَسْرِ الرَّاءِ)
_________
(١) سورة فصلت / ٤١.
(٢) لسان العرب والمصباح المنير مادة: " كره ".
(٣) رد المحتار ٥ / ٨٠.
(٤) مجمع الأنهر ٢ / ٤١٢.
(٥) كشف الأسرار ٤ / ١٥٠٣.
(٦) الهداية وتكملة فتح القدير ٧ / ٢٩٢، ٢٩٣، والبدائع ٩ / ٤٤٧٩ ط الإمام، ورد المحتار ٥ / ٨٠. ولو عبروا عن المكره (بالكسر) بالحامل، وعن المكره (بالفتح) بالفاعل أو المحمول، لتجنبوا الدور.
(٧) رد المحتار ٥ / ٨٠.
(٨) رد المحتار ٥ / ٨٩، المنحة على تحفة ابن عاصم ٢ / ٤١.
لَيْسَ عَلَى مَا يَتَبَادَرُ مِنْهُ مِنْ خِلاَفِ الْقَوْل، وَلَوْ إِشَارَةَ الأَْخْرَسِ، أَوْ مُجَرَّدَ الْكِتَابَةِ، بَل هُوَ أَعَمُّ، فَيَشْمَل التَّهْدِيدَ - لأَِنَّهُ مِنْ عَمَل اللِّسَانِ - وَلَوْ مَفْهُومًا بِدَلاَلَةِ الْحَال مِنْ مُجَرَّدِ الأَْمْرِ: كَأَمْرِ السُّلْطَانِ أَوِ الأَْمِيرِ، وَأَمْرِ قَاطِعِ الطَّرِيقِ، وَأَمْرِ الْخَانِقِ الَّذِي يَبْدُو مِنْهُ الإِْصْرَارُ. (١)
وَالْحَنَفِيَّةُ يَقُولُونَ: أَمْرُ السُّلْطَانِ إِكْرَاهٌ - وَإِنْ لَمْ يَتَوَعَّدْ - وَأَمْرُ غَيْرِهِ لَيْسَ بِإِكْرَاهٍ، إِلاَّ أَنْ يَعْلَمَ تَضَمُّنَهُ التَّهْدِيدَ بِدَلاَلَةِ الْحَال. (٢)
وَغَيْرُ الْحَنَفِيَّةِ يُسَوُّونَ بَيْنَ ذَوِي الْبَطْشِ وَالسَّطْوَةِ أَيًّا كَانُوا، (٣) وَصَاحِبُ الْمَبْسُوطِ نَفْسُهُ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ يَقُول: إِنَّ مِنْ عَادَةِ الْمُتَجَبِّرِينَ التَّرَفُّعَ عَنِ التَّهْدِيدِ بِالْقَتْل، وَلَكِنَّهُمْ لاَ يُعَاقِبُونَ مُخَالِفِيهِمْ إِلاَّ بِهِ. (٤)
٣ - ثُمَّ الْمُرَادُ بِالْفِعْل الْمَذْكُورِ - فِعْلٌ وَاقِعٌ عَلَى الْمُكْرَهِ (بِالْفَتْحِ) نَفْسِهِ - وَلَوْ كَانَ تَهْدِيدًا بِأَخْذِ أَوْ حَبْسِ مَالِهِ الَّذِي لَهُ وَقْعٌ، لاَ التَّافِهِ الَّذِي لاَ يُعْتَدُّ بِهِ، أَوْ تَهْدِيدًا بِالْفُجُورِ بِامْرَأَتِهِ إِنْ لَمْ يُطَلِّقْهَا. (٥) وَيَسْتَوِي التَّهْدِيدُ الْمُقْتَرِنُ بِالْفِعْل الْمُهَدَّدِ بِهِ؛ كَمَا فِي حَدِيثِ (٦): أَخَذَ عَمَّارَ بْنَ يَاسِرٍ، وَغَطَّهُ فِي الْمَاءِ لِيَرْتَدَّ، وَالتَّهْدِيدُ الْمُجَرَّدُ، خِلاَفًا لِمَنْ لَمْ يَعْتَدَّ بِمُجَرَّدِ التَّهْدِيدِ، كَأَبِي
_________
(١) البحر الرائق ٨ / ٨٠، ٨٤، ورد المحتار ٥ / ٨٠، وتحفة المحتاج ٧ / ٣٧، والمنحة على تحفة ابن عاصم ٢ / ٤١.
(٢) إتحاف الأبصار ص ٤٤٠، والأتاسي على المجلة ٣ / ٥٦١.
(٣) قليوبي ٤ / ١٠١، وفروع ابن مفلح ٣ / ١٧٦.
(٤) المبسوط ٢٤ / ٧٦.
(٥) رد المحتار ٥ / ٨٠، وتحفة المحتاج ٧ / ٣٧، والمنحة على تحفة ابن عاصم ٢ / ٤١، فروع ابن مفلح ٣ / ١٧٦.
(٦) حديث " أخذ عمار بن ياسر وغطه في الماء ليرتد. . . " أخرجه ابن سعد في طبقاته (٣ / ٢٤٩ - ط دار صادر) وإسناده ضعيف لإرساله.
إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ، (١) وَاعْتَمَدَهُ. الْخِرَقِيُّ مِنَ الْحَنَابِلَةِ، تَمَسُّكًا بِحَدِيثِ عَمَّارٍ هَذَا، وَاسْتَدَل الآْخَرُونَ بِالْقِيَاسِ حَيْثُ لاَ فَرْقَ، وَإِلاَّ تَوَصَّل الْمُعْتَدُونَ إِلَى أَغْرَاضِهِمْ - بِالتَّهْدِيدِ الْمُجَرَّدِ - دُونَ تَحَمُّل تَبَعَةٍ، أَوْ هَلَكَ الْوَاقِعُ عَلَيْهِمْ هَذَا التَّهْدِيدُ إِذَا رَفَضُوا الاِنْصِيَاعَ لَهُ، فَكَانَ إِلْقَاءً بِالأَْيْدِي فِي التَّهْلُكَةِ، وَكِلاَهُمَا مَحْذُورٌ لاَ يَأْتِي الشَّرْعُ بِمِثْلِهِ. بَل فِي الأَْثَرِ عَنْ عُمَرَ - وَفِيهِ انْقِطَاعٌ - مَا يُفِيدُ هَذَا التَّعْمِيمَ: ذَلِكَ أَنَّ رَجُلًا فِي عَهْدِهِ تَدَلَّى يَشْتَارُ (يَسْتَخْرِجُ) عَسَلًا، فَوَقَفَتِ امْرَأَتُهُ عَلَى الْحَبْل، وَقَالَتْ: طَلِّقْنِي ثَلاَثًا، وَإِلاَّ قَطَعْتُهُ، فَذَكَّرَهَا اللَّهَ وَالإِْسْلاَمَ، فَقَالَتْ: لَتَفْعَلَنَّ، أَوْ لأَفْعَلَنَّ، فَطَلَّقَهَا ثَلاَثًا. وَرُفِعَتِ الْقِصَّةُ إِلَى عُمَرَ، فَرَأَى طَلاَقَ الرَّجُل لَغْوًا، وَرَدَّ عَلَيْهِ الْمَرْأَةَ (٢)، وَلِذَا اعْتَمَدَ ابْنُ قُدَامَةَ عَدَمَ الْفَرْقِ. (٣)
وَيَتَفَرَّعُ عَلَى هَذَا التَّفْسِيرِ أَنَّهُ لَوْ وَقَعَ التَّهْدِيدُ بِقَتْل رَجُلٍ لاَ يَمُتُّ إِلَى الْمُهَدَّدِ بِسَبَبٍ، إِنْ هُوَ لَمْ يَدُل عَلَى مَكَانِ شَخْصٍ بِعَيْنِهِ يُرَادُ لِلْقَتْل، فَإِنَّ هَذَا لاَ يَكُونُ إِكْرَاهًا، (٤) حَتَّى لَوْ أَنَّهُ وَقَعَتِ الدَّلاَلَةُ مِمَّنْ طُلِبَتْ مِنْهُ، ثُمَّ قُتِل الشَّخْصُ الْمَذْكُورُ، لَكَانَ الدَّال مُعِينًا عَلَى هَذَا الْقَتْل عَنْ طَوَاعِيَةٍ إِنْ عَلِمَ أَنَّهُ الْمَقْصُودُ. وَالْمُعِينُ شَرِيكٌ لِلْقَاتِل عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْل
_________
(١) روضة الطالبين ٨ / ٥٨.
(٢) أثر عمر ﵁ " أن رجلا تدلى بحبل ليشتار عسلا " أخرجه البيهقي (٧ - ٣٥٧ - ط دائرة المعارف العثمانية) وقال ابن حجر: وهو منقطع، لأن قدامة لم يدرك عمر التلخيص (٣ / ٢١٦ - ط دار المحاسن) .
(٣) المغني ٨ / ٢٦١، والشرح الكبير ٨ / ٢٤٣، والشوكاني ٦ / ٢٦٨.
(٤) الخرشي ٣ / ١٧٥، والدسوقي ٢ / ٣٢٨، وقواعد ابن رجب ٣٧.