الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٥
وَنَصَّ شَارِحُ الْمُنْتَهَى مِنَ الْحَنَابِلَةِ عَلَى أَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَيْهِ التَّصَرُّفُ فِي مَالِهِ بِمَا يَضُرُّ غَرِيمَهُ (١) .
وَصِيغَةُ الْحَجْرِ أَنْ يَقُول الْحَاكِمُ: مَنَعْتُكَ مِنَ التَّصَرُّفِ، أَوْ حَجَرْتُ عَلَيْكَ لِلْفَلَسِ. وَيَقْتَضِي كَلاَمُ الْجُمْهُورِ التَّخْيِيرَ بَيْنَ الصِّيغَتَيْنِ، وَنَحْوِهِمَا - كَفَلَّسْتُكَ - مِنْ كُل مَا يُفِيدُ مَعْنَى الْحَجْرِ (٢) .
الإِْثْبَاتُ:
١٤ - لاَ حَجْرَ بِالدَّيْنِ إِلاَّ إِنْ ثَبَتَ لَدَى الْقَاضِي بِطَرِيقٍ مِنْ طُرُقِ الإِْثْبَاتِ الشَّرْعِيَّةِ (ر: إِثْبَاتٌ) .
إِشْهَارُ الْحَجْرِ بِالإِْفْلاَسِ وَالإِْشْهَادُ عَلَيْهِ:
١٥ - الَّذِينَ قَالُوا بِمَشْرُوعِيَّةِ الْحَجْرِ عَلَى الْمُفْلِسِ قَالُوا: يُسْتَحَبُّ إِظْهَارُ الْحَجْرِ عَلَيْهِ وَإِشْهَارُهُ لِتُجْتَنَبَ مُعَامَلَتُهُ، كَيْ لاَ يَسْتَضِرَّ النَّاسُ بِضَيَاعِ أَمْوَالِهِمْ (٣) .
وَقَال الْحَنَفِيَّةُ - عَلَى رَأْيِ الصَّاحِبَيْنِ - وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: وَيُسَنُّ الإِْشْهَادُ عَلَيْهِ لِيَنْتَشِرَ ذَلِكَ عَنْهُ، وَلأَِنَّهُ رُبَّمَا عُزِل الْحَاكِمُ أَوْ مَاتَ، فَيَثْبُتُ الْحَجْرُ عِنْدَ الآْخَرِ فَيُمْضِيهِ، وَلاَ يَحْتَاجُ إِلَى ابْتِدَاءِ حَجْرٍ ثَانٍ. وَلأَِنَّ الْحَجْرَ تَتَعَلَّقُ بِهِ أَحْكَامٌ، وَرُبَّمَا يَقَعُ التَّجَاحُدُ
_________
(١) المغني ٤ / ٤٣٨، وشرح المنتهى ٢ / ٢٧٨ مطبعة أنصار السنة.
(٢) نهاية المحتاج وحاشية الشبراملسي ٤ / ٣٠٢، والدسوقي ٣ / ٢٦٤.
(٣) واللجنة ترى أن أي وسيلة من وسائل الإشهار أو الإعلان كالصحف وغيرها كافية. وفي تسجيل الحكم وضبط وقائعه بالطرق المعروفة ما يكفي لدفع الضرر عن الراغبين بالمعاملة مع هذا الشخص.
فَيَحْتَاجُ إِلَى إِثْبَاتِهِ (١) . وَلَمْ يَتَعَرَّضِ الْمَالِكِيَّةُ لِذَلِكَ فِيمَا اطَّلَعْنَا عَلَيْهِ مِنْ كَلاَمِهِمْ.
آثَارُ الْحَجْرِ عَلَى الْمُفْلِسِ:
١٦ - إِذَا حَجَرَ الْقَاضِي عَلَى الْمُفْلِسِ، تَعَلَّقَ بِذَلِكَ مِنَ الآْثَارِ مَا يَلِي:
أ - تَتَعَلَّقُ حُقُوقُ الْغُرَمَاءِ بِمَالِهِ، وَيُمْنَعُ مِنَ الإِْقْرَارِ عَلَى ذَلِكَ الْمَال وَالتَّصَرُّفِ فِيهِ.
ب - انْقِطَاعُ الطَّلَبِ عَنْهُ بِدَيْنٍ جَدِيدٍ بَعْدَ الْحُكْمِ بِالإِْفْلاَسِ.
ج - حُلُول الدَّيْنِ الْمُؤَجَّل فِي ذِمَّةِ الْمَدِينِ.
د - اسْتِحْقَاقُ مَنْ وَجَدَ عَيْنَ مَالِهِ عِنْدَ الْمَدِينِ اسْتِرْجَاعَهُ.
هـ - اسْتِحْقَاقُ بَيْعِ مَال الْمُفَلَّسِ وَقَسْمِهِ بَيْنَ الْغُرَمَاءِ. وَفِيمَا يَلِي تَفْصِيل الْقَوْل فِي هَذِهِ الآْثَارِ.
الأَْوَّل: تَعَلُّقُ حَقِّ الْغُرَمَاءِ بِالْمَال:
١٧ - بِالْحَجْرِ يَتَعَلَّقُ حَقُّ الْغُرَمَاءِ بِالْمَال، نَظِيرُ تَعَلُّقِ حَقِّ الرَّاهِنِ بِالْمَال الْمَرْهُونِ، فَلاَ يَنْفُذُ تَصَرُّفُ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ الْمَال بِمَا يَضُرُّهُمْ، وَلاَ يَنْفُذُ إِقْرَارُهُ عَلَيْهِ. وَالْمَال الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِهِ حَقُّ الْغُرَمَاءِ هُوَ مَال الْمَدِينِ الَّذِي يَمْلِكُهُ حَال الْحَجْرِ اتِّفَاقًا عِنْدَ مَنْ يَقُول بِجَوَازِ تَفْلِيسِ الْمَدِينِ. وَأَمَّا مَا يَحْدُثُ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ فَلاَ يَشْمَلُهُ الْحَجْرُ عِنْدَ صَاحِبَيْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵏ وَالْمَالِكِيَّةِ، وَعَلَى قَوْلٍ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ -
_________
(١) المغني ٤ / ٤٤٠، والفتاوى الهندية ٥ / ٦٢، ونهاية المحتاج ٤ / ٣٠٥.
هُوَ مُقَابِل الأَْصَحِّ عِنْدَهُمْ - قَالُوا: كَمَا لاَ يَتَعَدَّى حَجْرُ الرَّاهِنِ عَلَى نَفْسِهِ فِي الْعَيْنِ الْمَرْهُونَةِ إِلَى غَيْرِهَا. وَالأَْصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَمَذْهَبُ الْحَنَابِلَةِ: يَشْمَلُهُ الْحَجْرُ كَذَلِكَ مَا دَامَ الْحَجْرُ قَائِمًا، نَحْوُ مَا مَلَكَهُ بِإِرْثٍ، أَوْ هِبَةٍ أَوِ اصْطِيَادٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ دِيَةٍ أَوْ وَصِيَّةٍ، قَال الشَّافِعِيَّةُ: أَوْ شِرَاءٍ فِي الذِّمَّةِ. قَالُوا: لأَِنَّ مَقْصُودَ الْحَجْرِ وُصُول الْحُقُوقِ إِلَى أَهْلِهَا، وَذَلِكَ لاَ يَخْتَصُّ بِالْمَوْجُودِ (١) .
فَعَلَى قَوْل الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ يَتَصَرَّفُ الْمَحْجُورُ عَلَيْهِ لِفَلَسٍ فِيمَا تَجَدَّدَ لَهُ بَعْدَ الْحَجْرِ مِنَ الْمَال، سَوَاءٌ كَانَ عَنْ أَصْلٍ، كَرِبْحِ مَالٍ تَرَكَهُ بِيَدِهِ بَعْضُ مَنْ فَلَّسَهُ، أَوْ عَنْ مُعَامَلَةٍ جَدِيدَةٍ، أَوْ عَنْ غَيْرِ أَصْلٍ كَمِيرَاثٍ وَهِبَةٍ وَوَصِيَّةٍ. وَلاَ يُمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ التَّصَرُّفِ إِلاَّ بِحَجْرٍ جَدِيدٍ عَلَى مَا صَرَّحَ بِهِ الْمَالِكِيَّةُ (٢) .
الإِْقْرَارُ:
١٨ - عَلَى قَوْل الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ - وَهُوَ خِلاَفُ الأَْظْهَرِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ - لاَ يُقْبَل عَلَى الْغُرَمَاءِ إِقْرَارُ الْمُفَلَّسِ بِشَيْءٍ مِنْ مَالِهِ الَّذِي حُجِرَ عَلَيْهِ فِيهِ، لاِحْتِمَال التَّوَاطُؤِ بَيْنَ الْمُفَلَّسِ وَمَنْ أَقَرَّ لَهُ، وَيَلْزَمُهُ مَا أَقَرَّ بِهِ بَعْدَ فَكِّ الْحَجْرِ عَنْهُ. وَالأَْظْهَرُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: أَنَّهُ يُقْبَل فِي حَقِّ الْغُرَمَاءِ، إِنْ أُسْنِدَ وُجُوبُهُ إِلَى مَا قَبْل الْحَجْرِ عَلَيْهِ أَوْ
_________
(١) الفتاوى الهندية ٥ / ٦٢، والزرقاني ٥ / ٢٦٨، والشرح الكبير مع حاشية الدسوقي ٣ / ٢٦٨، وشرح المنتهى ٢ / ٢٧٨، ونهاية المحتاج ٤ / ٣٠٩.
(٢) الزرقاني والبناني على خليل ٥ / ٢٦٨، والشرح الكبير الدسوقي ٣ / ٢٦٨.
أُطْلِقَ، لاَ إِنْ أَضَافَهُ إِلَى مَا بَعْدَ الْحَجْرِ. وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ تَفْصِيلٌ، قَالُوا: يُقْبَل إِقْرَارُهُ عَلَى غُرَمَائِهِ إِنْ أَقَرَّ بِالْمَجْلِسِ الَّذِي حُجِرَ عَلَيْهِ فِيهِ، أَوْ قَرِيبًا مِنْهُ، إِنْ كَانَ دَيْنُهُ الَّذِي حُجِرَ عَلَيْهِ بِهِ ثَبَتَ بِالإِْقْرَارِ، أَوْ عُلِمَ تَقَدُّمُ الْمُعَامَلَةِ بَيْنَهُمَا. أَمَّا فِي غَيْرِ ذَلِكَ إِنْ ثَبَتَ بِالْبَيِّنَةِ، فَلاَ يُقْبَل إِمْرَارُهُ عَلَيْهِ لِغَيْرِهِمْ (١) .
تَصَرُّفَاتُ الْمُفَلِّسِ فِي الْمَال:
١٩ - تَصَرُّفَاتُ الْمُفَلِّسِ ثَلاَثَةُ أَنْوَاعٍ: الأَْوَّل: تَصَرُّفَاتٌ نَافِعَةٌ لِلْغُرَمَاءِ، كَقَبُولِهِ الْهِبَةَ وَالصَّدَقَةَ، فَهَذِهِ لاَ يُمْنَعُ مِنْهَا. الثَّانِي: تَصَرُّفَاتٌ ضَارَّةٌ، كَهِبَتِهِ لِمَالِهِ، وَوَقْفِهِ لَهُ، وَتَصَدُّقِهِ بِهِ، وَالإِْبْرَاءِ مِنْهُ، وَسَائِرِ التَّبَرُّعَاتِ، فَهَذِهِ يُؤَثِّرُ فِيهَا الْحَجْرُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، وَعَلَى الأَْظْهَرِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ. وَالْقَوْل الثَّانِي عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: أَنَّ التَّصَرُّفَ يَقَعُ مَوْقُوفًا، فَإِنْ فَضَل ذَلِكَ عَنِ الدَّيْنِ نَفَذَ وَإِلاَّ لَغَا. وَمِنْ أَجْل ذَلِكَ قَال الْحَنَابِلَةُ: لاَ يُكَفِّرُ الْمُفَلِّسُ بِغَيْرِ الصَّوْمِ، لِئَلاَّ يَضُرَّ بِالْغُرَمَاءِ. وَيُسْتَثْنَى مِنْ هَذَا النَّوْعِ التَّصَرُّفُ بَعْدَ الْمَوْتِ، كَمَا لَوْ أَوْصَى بِمَالٍ. وَإِنَّمَا صَحَّ هَذَا لأَِنَّ الْوَصِيَّةَ تَخْرُجُ مِنَ الثُّلُثِ بَعْدَ حَقِّ الدَّائِنِينَ.
_________
(١) الفتاوى الهندية ٥ / ٦٢، والشرح الكبير وحاشية الدسوقي ٣ / ٢٦٧، ٢٦٨، وشرح المنهاج ٢ / ٢٨٧، والمغني ٤ / ٤٣٩، وشرح المنتهى ٢ / ٢٧٨.
َاسْتَثْنَى الْحَنَابِلَةُ أَيْضًا تَصَرُّفَهُ بِالصَّدَقَةِ الْيَسِيرَةِ (١) .
الثَّالِثُ: تَصَرُّفَاتٌ دَائِرَةٌ بَيْنَ النَّفْعِ وَالضَّرِّ، كَالْبُيُوعِ وَالإِْجَارَةِ. وَالأَْصْل فِي هَذَا النَّوْعِ أَنَّهُ بَاطِلٌ عَلَى قَوْل بَعْضِ الْفُقَهَاءِ، مِنْهُمُ الْحَنَابِلَةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي الأَْظْهَرِ، وَابْنُ عَبْدِ السَّلاَمِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ. وَمَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ: أَنَّهُ يُمْنَعُ مِنَ التَّصَرُّفِ الْمَذْكُورِ، فَإِنْ أَوْقَعَهُ وَقَعَ مَوْقُوفًا عَلَى نَظَرِ الْحَاكِمِ إِنِ اخْتَلَفَ الْغُرَمَاءُ، وَعَلَى نَظَرِهِمْ إِنِ اتَّفَقُوا، وَمَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ عَلَى قَوْل الصَّاحِبَيْنِ أَنَّ لِلْمُفَلِّسِ أَنْ يَبِيعَ مَالَهُ بِثَمَنٍ مِثْلِهِ، لأَِنَّهُ لاَ يُبْطِل حَقَّ الْغُرَمَاءِ، وَإِنْ بَاعَ بِالْغَبْنِ لاَ يَصِحُّ مِنْهُ، سَوَاءٌ أَكَانَ الْغَبْنُ يَسِيرًا أَمْ فَاحِشًا، وَيُخَيَّرُ الْمُشْتَرِي بَيْنَ إِزَالَةِ الْغَبْنِ وَبَيْنَ الْفَسْخِ (٢) .
وَلَوْ بَاعَ بَعْضَ مَالِهِ لِغَرِيمِهِ بِدَيْنِهِ، فَقَال الْحَنَابِلَةُ: لاَ يَصِحُّ، لأَِنَّهُ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ. وَقَال الشَّافِعِيَّةُ فِي الأَْصَحِّ عِنْدَهُمْ: لاَ يَصِحُّ إِلاَّ بِإِذْنِ الْقَاضِي، لأَِنَّ الْحَجْرَ يَثْبُتُ عَلَى الْعُمُومِ، وَمِنَ الْجَائِزِ أَنْ يَظْهَرَ لَهُ غَرِيمٌ آخَرُ. وَمُقَابِلُهُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: يَصِحُّ، وَلَوْ بِغَيْرِ إِذْنِ الْقَاضِي، لأَِنَّ الأَْصْل عَدَمُ الْغَرِيمِ الآْخَرِ. لَكِنْ لاَ يَصِحُّ إِلاَّ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ الْبَيْعُ لِلْغُرَمَاءِ جَمِيعِهِمْ بِلَفْظٍ وَاحِدٍ، وَأَنْ يَكُونَ دَيْنُهُمْ مِنْ نَوْعٍ وَاحِدٍ.
_________
(١) الفتاوى الهندية ٥ / ٦٢، وشرح المنتهى ٢ / ٢٧٨، وشرح المنهاج وحاشية القليوبي ٢ / ٢٨٧، والزرقاني على خليل ٥ / ٢٦٢ - ٢٦٦.
(٢) الاختيار لتعليل المختار ١ / ٢٦٩ ط صبيح، وتكملة شرح فتح القدير ٨ / ٢٠٦، وحاشية الدسوقي على الشرح الكبير ٣ / ٢٦٥، والزرقاني والبناني ٥ / ٢٦٦، وشرح المنهاج ٣ / ٢٨٦، وشرح المنتهى ٢ / ٢٧٨.
وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: إِنْ بَاعَ مَالَهُ مِنَ الْغَرِيمِ، وَجَعَل الدَّيْنَ بِالثَّمَنِ عَلَى سَبِيل الْمُقَاصَّةِ صَحَّ إِنْ كَانَ الْغَرِيمُ وَاحِدًا. وَإِنْ كَانَ الْغَرِيمُ أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدٍ، فَبَاعَ مَالَهُ مِنْ أَحَدِهِمْ بِمِثْل قِيمَتِهِ يَصِحُّ، كَمَا لَوْ بَاعَ مِنْ أَجْنَبِيٍّ بِمِثْل قِيمَتِهِ، وَلَكِنَّ الْمُقَاصَّةَ لاَ تَصِحُّ، كَمَا لَوْ قَضَى دَيْنَ بَعْضِ الْغُرَمَاءِ دُونَ بَعْضٍ. وَلَمْ نَجِدِ الْمَالِكِيَّةَ تَعَرَّضُوا لِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِخُصُوصِهَا، فَيَظْهَرُ أَنَّهَا عِنْدَهُمْ أَيْضًا مَوْقُوفَةٌ عَلَى نَظَرِ الْقَاضِي أَوِ الْغُرَمَاءِ كَمَا تَقَدَّمَ (١) .
التَّصَرُّفُ فِي الذِّمَّةِ مِنَ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ لِفَلَسٍ:
٢٠ - لَوْ تَصَرَّفَ الْمَحْجُورُ عَلَيْهِ لِفَلَسٍ تَصَرُّفًا فِي ذِمَّتِهِ بِشِرَاءٍ أَوْ بَيْعٍ أَوْ كِرَاءٍ صَحَّ، نَصَّ عَلَى ذَلِكَ الْمَالِكِيَّةُ، وَالشَّافِعِيَّةُ عَلَى الصَّحِيحِ عِنْدَهُمْ، وَالْحَنَابِلَةُ، وَهُوَ مُقْتَضَى مَذْهَبِ الصَّاحِبَيْنِ، لأَِهْلِيَّتِهِ لِلتَّصَرُّفِ، وَالْحَجْرُ يَتَعَلَّقُ بِمَالِهِ لاَ بِذِمَّتِهِ، وَلأَِنَّهُ لاَ ضَرَرَ فِيهِ عَلَى الْغُرَمَاءِ، وَيُتْبَعُ بِهِ بَعْدَ فَكِّ الْحَجْرِ عَنْهُ (٢) . إِمْضَاءُ التَّصَرُّفَاتِ السَّابِقَةِ عَلَى الْحَجْرِ أَوْ إِلْغَاؤُهَا:
٢١ - ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ لِلْمُفَلِّسِ بَعْدَ الْحَجْرِ عَلَيْهِ إِمْضَاءُ خِيَارٍ، وَفَسْخٌ لِعَيْبٍ فِيمَا اشْتَرَاهُ قَبْل الْحَجْرِ، لأَِنَّهُ إِتْمَامٌ لِتَصَرُّفٍ سَابِقٍ عَلَى حَجْرِهِ فَلَمْ يُمْنَعْ مِنْهُ، كَاسْتِرْدَادِ وَدِيعَةٍ أَوْدَعَهَا قَبْل الْحَجْرِ
_________
(١) الفتاوى الهندية ٥ / ٦٢، وشرح المنهاج مع حاشية القليوبي ٢ / ٦٢٨٦، وشرح المنتهى ٢ / ٢٧٨.
(٢) الزرقاني والبناني على خليل ٥ / ٢٦٦، وشرح المنتهى ٢ / ٢٧٨، ونهاية المحتاج ٤ / ٣٠٦.
عَلَيْهِ، وَسَوَاءٌ أَكَانَ فِي ذَلِكَ الإِْمْضَاءِ أَوِ الْفَسْخِ حَظٌّ لِلْمُفَلِّسِ أَوْ لَمْ يَكُنْ. وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: يَنْتَقِل الْخِيَارُ لِلْحَاكِمِ أَوْ لِلْغُرَمَاءِ، فَلَهُمُ الرَّدُّ أَوِ الإِْمْضَاءُ. وَصَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ بِأَنَّ الْبَيْعَ، إِنْ كَانَ بِمِثْل الْقِيمَةِ جَازَ مِنَ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ، فَيُؤْخَذُ مِنْهُ مُرَاعَاةً لِحَظِّ الْغُرَمَاءِ فِي الْفَسْخِ أَوِ الإِْمْضَاءِ (١) .
حُكْمُ مَا يَلْزَمُ الْمُفَلِّسَ مِنَ الْحُقُوقِ فِي مُدَّةِ الْحَجْرِ:
٢٢ - مَا لَزِمَ الْمُفَلِّسَ مِنْ دِيَةٍ أَوْ أَرْشِ جِنَايَةٍ زَاحَمَ مُسْتَحِقُّهَا الْغُرَمَاءَ، وَكَذَا كُل حَقٍّ لَزِمَهُ بِغَيْرِ رِضَى الْغَرِيمِ وَاخْتِيَارِهِ، كَضَمَانِ إِتْلاَفِ الْمَال، لاِنْتِفَاءِ تَقْصِيرِهِ. بِخِلاَفِ التَّصَرُّفَاتِ الَّتِي تَقَدَّمَ ذِكْرُ الْمَنْعِ مِنْهَا، فَإِنَّهَا تَكُونُ بِرِضَا الْغَرِيمِ وَاخْتِيَارِهِ. قَال الشَّافِعِيَّةُ عَلَى الأَْصَحِّ عِنْدَهُمْ: وَلَوْ أَقَرَّ الْمُفَلِّسُ بِجِنَايَةٍ قَبْل إِقْرَارِهِ عَلَى الْغُرَمَاءِ، سَوَاءٌ أَسْنَدَ الْمُفَلِّسُ سَبَبَ الْحَقِّ إِلَى مَا قَبْل الْحَجْرِ أَوْ إِلَى مَا بَعْدَهُ. (٢)
وَجَعَل مِنْ ذَلِكَ صَاحِبُ الْمُغْنِي أَنَّهُ لَوْ أَفْلَسَ، وَلَهُ دَارٌ مُسْتَأْجَرَةٌ فَانْهَدَمَتْ، بَعْدَمَا قَبَضَ الْمُفَلِّسُ الأُْجْرَةَ، انْفَسَخَتِ الإِْجَارَةُ فِيمَا بَقِيَ مِنَ الْمُدَّةِ، وَسَقَطَ مِنَ الأُْجْرَةِ بِقَدْرِ ذَلِكَ. ثُمَّ إِنْ وَجَدَ عَيْنَ مَا لَهُ أَخَذَ بِقَدْرِ ذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ يَجِدْهُ شَارَكَ الْغُرَمَاءَ بِقَدْرِهِ. (٣)
_________
(١) مطالب أولي النهى ٣ / ٣٧٦، والقليوبي ٢ / ٢٨٦، والدسوقي ٣ / ١٠١، والهندية ٤ / ٦٢.
(٢) الفتاوى الهندية ٥ / ٦٢، ونهاية المحتاج ٤ / ٣٠٨، والمغني ٤ / ٤٤٠، ومطالب أولي النهى ٣ / ٣٧٧.
(٣) المغني ٤ / ٤٤١.
الأَْثَرُ الثَّانِي - انْقِطَاعُ الْمُطَالَبَةِ عَنْهُ:
٢٣ - وَذَلِكَ لِقَوْل اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ (١) وَقَوْل النَّبِيِّ لِغُرَمَاءِ مُعَاذٍ: خُذُوا مَا وَجَدْتُمْ، وَلَيْسَ لَكُمْ إِلاَّ ذَلِكَ وَفِي رِوَايَةٍ وَلاَ سَبِيل لَكُمْ عَلَيْهِ (٢) فَمَنْ أَقْرَضَهُ شَيْئًا أَوْ بَاعَهُ شَيْئًا عَالِمًا بِحَجْرِهِ لَمْ يَمْلِكْ مُطَالَبَتَهُ بِبَدَلِهِ حَتَّى يَنْفَكَّ الْحَجْرَ عَنْهُ، لِتَعَلُّقِ حَقِّ الْغُرَمَاءِ حَالَةَ الْحَجْرِ بِعَيْنِ مَال الْمُفَلِّسِ، وَلأَِنَّهُ هُوَ الْمُتْلِفُ لِمَالِهِ بِمُعَامَلَةِ مَنْ لاَ شَيْءَ مَعَهُ، لَكِنْ إِنْ وَجَدَ الْمُقْرِضُ أَوِ الْبَائِعُ أَعْيَانَ مَا لَهُمَا فَلَهُمَا أَخْذُهَا كَمَا سَبَقَ، إِنْ لَمْ يَعْلَمَا بِالْحَجْرِ (٣) .
الأَْثَرُ الثَّالِثُ - حُلُول الدَّيْنِ الْمُؤَجَّل:
٢٤ - فِي حُلُول الدُّيُونِ الَّتِي عَلَى الْمُفَلِّسِ بِالْحَجْرِ عَلَيْهِ قَوْلاَنِ لِلْفُقَهَاءِ:
الأَْوَّل وَهُوَ قَوْل الْمَالِكِيَّةِ الْمَشْهُورُ عِنْدَهُمْ، وَقَوْلٌ لِلشَّافِعِيِّ هُوَ خِلاَفُ الأَْظْهَرِ عِنْدَ أَصْحَابِهِ، وَرِوَايَةً عَنْ أَحْمَدَ: أَنَّ الدُّيُونَ الْمُؤَجَّلَةَ الَّتِي عَلَى الْمُفَلِّسِ تَحِل بِتَفْلِيسِهِ. قَال الْمَالِكِيَّةُ: مَا لَمْ يَكُنِ الْمَدِينُ قَدِ اشْتَرَطَ عَدَمَ حُلُولِهَا بِالتَّفْلِيسِ. وَاحْتَجَّ أَصْحَابُ هَذَا الْقَوْل: بِأَنَّ التَّفْلِيسَ يَتَعَلَّقُ بِهِ الدَّيْنُ بِالْمَال، فَيَسْقُطُ الأَْجَل، كَالْمَوْتِ.
_________
(١) سورة البقرة / ٢٨٠.
(٢) حديث " خذوا ما وجدتم، وليس لكم إلا ذلك ". وفي رواية " ولا سبيل لكم عليه " أخرجه مسلم من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ مرفوعا بلفظ " أصيب رجل في عهد رسول الله ﷺ في ثمار ابتاعها، فكثر دينه، فقال رسول الله ﷺ: " تصدق
(٣) كشاف القناع ٣ / ٤٤٢، ومطالب أولي النهى ٣ / ٤٠٠.
قَال الْمَالِكِيَّةُ: وَلَوْ طَلَبَ الدَّائِنُ بَقَاءَ دَيْنِهِ مُؤَجَّلًا لَمْ يَجِبْ لِذَلِكَ.
وَالثَّانِي، وَهُوَ قَوْل الْحَنَفِيَّةِ، وَالشَّافِعِيِّ وَهُوَ الأَْظْهَرُ عِنْدَ أَصْحَابِهِ، وَرِوَايَةً عَنْ أَحْمَدَ هِيَ الَّتِي اقْتَصَرَ عَلَيْهَا فِي الإِْقْنَاعِ: لاَ يَحِل الأَْجَل بِالتَّفْلِيسِ.
قَالُوا: لأَِنَّ الأَْجَل حَقٌّ لِلْمُفَلِّسِ، فَلاَ يَسْقُطُ بِفَلَسِهِ، كَسَائِرِ حُقُوقِهِ، وَلأَِنَّهُ لاَ يُوجِبُ حُلُول مَا لَهُ، فَلاَ يُوجِبُ حُلُول مَا عَلَيْهِ، كَالْجُنُونِ وَالإِْغْمَاءِ، وَلَيْسَ هُوَ كَالْمَوْتِ، فَإِنَّ الْمَوْتَ تَخْرَبُ بِهِ الذِّمَّةُ، بِخِلاَفِ التَّفْلِيسِ.
فَعَلَى هَذَا الْقَوْل: لاَ يُشَارِكُ أَصْحَابُ الدُّيُونِ الْمُؤَجَّلَةِ أَصْحَابَ الدُّيُونِ الْحَالَّةِ، إِلاَّ إِنْ حَل الْمُؤَجَّل قَبْل قِسْمَةِ الْمَال فَيُحَاصَّهُمْ. أَوْ قَبْل قِسْمَةِ بَعْضِهِ فَيُشَارِكُهُمُ الدَّائِنُ فِي ذَلِكَ الْبَعْضِ. قَال الرَّمْلِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ، وَصَاحِبُ الإِْقْنَاعِ مِنَ الْحَنَابِلَةِ: وَإِذَا بِيعَتْ أَمْوَال الْمُفَلِّسِ لَمْ يُدَّخَرْ مِنْهَا شَيْءٌ لِلْمُؤَجَّل.
وَلاَ يَرْجِعُ رَبُّ الدَّيْنِ الْمُؤَجَّل عَلَى الْغُرَمَاءِ إِذَا حَل دَيْنُهُ بِشَيْءٍ، لأَِنَّهُ لَمْ يَسْتَحِقَّ مُشَارَكَتَهُمْ حَال الْقِسْمَةِ. وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: يُرْجَعُ عَلَيْهِمْ فِيمَا قَبَضُوا بِالْحِصَصِ.
أَمَّا عَلَى الْقَوْل الأَْوَّل: فَيُشَارِكُ أَصْحَابُ الدُّيُونِ الْمُؤَجَّلَةِ أَصْحَابَ الدُّيُونِ الْحَالَّةِ فِي مَال الْمُفَلِّسِ (١) .
_________
(١) الزرقاني على خليل ٥ / ٢٦٧، والشرح الكبير مع الدسوقي ٣ / ٢٦٦، والمغني ٤ / ٤٣٥، وشرح الإقناع ٣ / ٤٣٨، ونهاية المحتاج ٤ / ٣٠٥، وشرح المنهاج، وحاشية القليوبي ٢ / ٢٨٥، والفتاوى الهندية ٥ / ٦٤.
أَمَّا دُيُونُ الْمُفَلِّسِ عَلَى النَّاسِ فَلاَ تَحِل بِفَلَسِهِ إِذَا كَانَتْ مُؤَجَّلَةً، لاَ يُعْلَمُ فِي ذَلِكَ خِلاَفٌ (١) .
الأَْثَرُ الرَّابِعُ: مَدَى اسْتِحْقَاقِ الْغَرِيمِ أَخْذَ عَيْنِ مَالِهِ إِنْ وَجَدَهَا:
إِذَا أَوْقَعَ الْحَجْرَ عَلَى الْمُفَلِّسِ، فَوَجَدَ أَحَدُ أَصْحَابِ الدُّيُونِ عَيْنَ مَالِهِ الَّتِي بَاعَهَا لِلْمُفَلِّسِ وَأَقْبَضَهَا لَهُ (٢)، فَفِي أَحَقِّيَّتِهِ بِاسْتِرْجَاعِهَا قَوْلاَنِ لِلْعُلَمَاءِ:
٢٥ - الْقَوْل الأَْوَّل: أَنَّ بَائِعَهَا أَحَقُّ بِهَا بِشُرُوطِهِ، وَهُوَ قَوْل مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَالأَْوْزَاعِيِّ وَالْعَنْبَرِيِّ وَإِسْحَاقَ وَأَبِي ثَوْرٍ وَابْنِ الْمُنْذِرِ، وَرُوِيَ هَذَا الْقَوْل عَنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ، مِنْهُمْ عُثْمَانُ وَعَلِيٌّ ﵄، وَعَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ مِنَ التَّابِعِينَ.
وَاحْتَجَّ أَصْحَابُ هَذَا الْقَوْل بِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ الْمَرْفُوعِ مَنْ أَدْرَكَ مَالَهُ بِعَيْنِهِ عِنْدَ رَجُلٍ أَوْ إِنْسَانٍ قَدْ أَفْلَسَ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ مِنْ غَيْرِهِ (٣) .
وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِأَنَّ هَذَا عَقْدٌ يَلْحَقُهُ الْفَسْخُ بِالإِْقَالَةِ، فَجَازَ فِيهِ الْفَسْخُ لِتَعَذُّرِ الْعِوَضِ، كَالْمُسْلَمِ فِيهِ إِذَا تَعَذَّرَ، وَبِأَنَّهُ لَوْ شَرَطَ فِي الْعَقْدِ رَهْنًا، فَعَجَزَ
_________
(١) كشاف القناع شرح الإقناع للبهوتي ٣ / ٤٣٧.
(٢) أما إن لم يقبضها له فهو أحق بها اتفاقا، لأنها من ضمانه (بداية المجتهد) .
(٣) الشرح الكبير مع حاشيته ٣ / ٢٨٢، شرح المنهاج ٢ / ٢٩٣، والمغني ٤ / ٤٥٣ ط الرياض. وحديث " من أدرك ماله بعينه عند رجل أو إنسان قد أفلس فهو أحق به من غيره ". أخرجه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعا. (فتح الباري ٥ / ٦٢ ط السلفية، وصحيح مسلم ٣ / ١١٩٣ ط عيسى الحلبي) .