الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٥
عَنْ تَسْلِيمِهِ، اسْتَحَقَّ الْفَسْخَ، وَهُوَ وَثِيقَةٌ بِالثَّمَنِ، فَالْعَجْزُ عَنْ تَسْلِيمِ الثَّمَنِ نَفْسِهِ أَوْلَى (١) .
٢٦ - الْقَوْل الثَّانِي: قَوْل أَبِي حَنِيفَةَ وَأَهْل الْكُوفَةِ وَقَوْل ابْنِ سِيرِينَ وَإِبْرَاهِيمَ مِنَ التَّابِعِينَ وَابْنِ شُبْرُمَةَ. وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ ﵁: أَنَّهُ لَيْسَ أَحَقَّ بِهَا، بَل هُوَ فِي ثَمَنِهَا أُسْوَةُ الْغُرَمَاءِ.
وَاحْتَجُّوا بِأَنَّ هَذَا مُقْتَضَى الأُْصُول الْيَقِينِيَّةِ الْمَقْطُوعِ بِهَا، قَالُوا: وَخَبَرُ الْوَاحِدِ إِذَا خَالَفَ الأُْصُول يُرَدُّ، كَمَا قَال عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁: لاَ نَدَعُ كِتَابَ رَبِّنَا وَسُنَّةَ نَبِيِّنَا لِحَدِيثِ امْرَأَةٍ.
قَالُوا: وَلِمَا رُوِيَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ مَرْفُوعًا: أَيُّمَا رَجُلٍ مَاتَ أَوْ أَفْلَسَ فَوَجَدَ بَعْضُ، غُرَمَائِهِ مَالَهُ بِعَيْنِهِ فَهُوَ أُسْوَةُ الْغُرَمَاءِ (٢) .
_________
(١) المغني ٤ / ٤١٠، ونيل المآرب ١ / ١٢١، وشرح المنهاج مع حاشية القليوبي ٢ / ٢٩٣، وحاشية الدسوقي على الشرح الكبير ٣ / ٢٨٢.
(٢) حديث " أيما رجل مات أو أفلس فوجد بعض غرمائه ماله بعينه فهو أسوة الغرماء " أورده ابن رشد في بداية المجتهد بهذا اللفظ وقال: رواه الزهري عن أبي بكر بن عبد الرحمن عن أبي هريرة مرفوعا، وذكره البابرتي في العناية بلفظ مقارب وقال: رواه الخصاف بإسناده، إلا أنن وتعقبه بقوله: " قلت: المرسل عندنا (الحنفية) حجة، وأسنده الخصاف والرازي (بداية المجتهد ٢ / ٢٨٧ نشر دار المعرفة، والعناية بهامش فتح القدير ٨ / ٢١٠ ط دار إحياء التراث العربي، والعناية شرح الهداية ٨ / ٢٧٦ ط دار الفكر) .
قَالُوا: وَهَذَا الْحَدِيثُ أَوْلَى مِنْ غَيْرِهِ، لِمُوَافَقَتِهِ الأُْصُول الْعَامَّةَ، وَلأَِنَّ الذِّمَّةَ بَاقِيَةٌ وَحَقُّهُ فِيهَا (١) .
الرُّجُوعُ فِيمَا قَبَضَهُ الْمَدِينُ بِغَيْرِ الشِّرَاءِ:
٢٧ - اخْتَلَفَ الْقَائِلُونَ بِالرُّجُوعِ فِيمَا قَبَضَهُ الْغَرِيمُ بِغَيْرِ الشِّرَاءِ
أ - فَقَدْ عَمَّمَ الشَّافِعِيَّةُ الْقَوْل بِأَنَّ لَهُ الرُّجُوعَ فِي عَيْنِ مَالِهِ بِالْفَسْخِ فِي سَائِرِ الْمُعَاوَضَاتِ الْمَالِيَّةِ الْمَحْضَةِ كَالْقَرْضِ وَالسَّلَمِ، بِخِلاَفِ غَيْرِهَا، كَالْهِبَةِ، وَالنِّكَاحِ وَالصُّلْحِ عَنْ دَمِ الْعَمْدِ وَالْخُلْعِ.
وَصَنِيعُ الْحَنَابِلَةِ يُوحِي بِأَنَّ قَوْلَهُمْ فِي ذَلِكَ كَقَوْل الشَّافِعِيَّةِ، وَإِنْ لَمْ نَرَهُمْ صَرَّحُوا بِذَلِكَ، لَكِنَّ تَمْثِيلَهُمْ لِمَا يُرْجَعُ فِيهِ بِعَيْنِ الْقَرْضِ وَرَأْسِ مَال السَّلَمِ وَالْعَيْنِ الْمُؤَجَّرَةِ يَدُل عَلَى ذَلِكَ.
ب - وَأَجَازَ الْمَالِكِيَّةُ الرُّجُوعَ لِلْوَارِثِ، وَمَنْ ذَهَبَ لَهُ الثَّمَنُ، أَوْ تُصُدِّقَ عَلَيْهِ بِهِ، أَوْ أُحِيل بِهِ.
وَأَبَوْا الرُّجُوعَ فِيمَا لاَ يُمْكِنُ الرُّجُوعُ فِيهِ كَعِصْمَةٍ، فَلَوْ خَالَعَتْ زَوْجَهَا عَلَى مَالٍ، ثُمَّ فَلَّسَتْ قَبْل أَدَاءِ الْبَدَل، لَمْ يَكُنْ لِمُخَالِعِهَا الرُّجُوعُ بِالْعِصْمَةِ لأَِنَّهَا خَرَجَتْ مِنْهُ، وَيُحَاصُّ الْغُرَمَاءُ بِبَدَل الْخُلْعِ، وَكَمَا لَوْ فَلَّسَ الْجَانِي بَعْدَ الصُّلْحِ عَنِ الْقِصَاصِ لَمْ يَكُنْ لأَِوْلِيَاءِ الْقَتِيل الرُّجُوعُ إِلَى الْقِصَاصِ، لِتَعَذُّرِ ذَلِكَ شَرْعًا بَعْدَ الْعَفْوِ، بَل يُحَاصُّونَ الْغُرَمَاءَ بِعِوَضِ الصُّلْحِ (٢) .
_________
(١) بداية المجتهد ٢ / ٢٨٨ وفتح القدير ٨ / ٢١٠.
(٢) الشرح الكبير وحاشية الدسوقي ٣ / ٢٨٣، والزرقاني ٥ / ٢٨٢، وكشاف القناع ٣ / ٤٢٥، ومطالب أولي النهى ٣ / ٣٧٨، ونهاية المحتاج ٤ / ٣٢٦، والقليوبي ٢ / ٢٩٣.
شُرُوطُ الرُّجُوعِ فِي عَيْنِ الْمَال:
جُمْلَةُ الشُّرُوطِ الَّتِي اشْتَرَطَهَا الْقَائِلُونَ بِالرُّجُوعِ فِي عَيْنِ الْمَال الَّتِي عِنْدَ الْمُفَلِّسِ هِيَ كَمَا يَلِي:
الشَّرْطُ الأَْوَّل:
٢٨ - أَنْ يَكُونَ الْمُفَلِّسُ قَدْ مَلَكَهَا قَبْل الْحَجْرِ لاَ بَعْدَهُ. فَإِنْ كَانَ مَلَكَهَا بَعْدَ الْحَجْرِ فَلَيْسَ الْبَائِعُ أَحَقَّ بِهَا، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ عَالِمًا بِالْحَجْرِ، وَذَلِكَ لأَِنَّهُ لَيْسَ لَهُ الْمُطَالَبَةُ بِثَمَنِهَا فِي الْحَال، فَلَمْ يَمْلِكِ الْفَسْخَ.
وَقِيل: لَيْسَ هَذَا شَرْطًا، لِعُمُومِ الْخَبَرِ. وَقِيل بِالتَّفْرِيقِ بَيْنَ الْعَالِمِ وَمَنْ لَمْ يَعْلَمْ (١) .
الشَّرْطُ الثَّانِي:
٢٩ - قَال الْحَنَابِلَةُ: أَنْ تَكُونَ السِّلْعَةُ بَاقِيَةً بِعَيْنِهَا، وَلَمْ يَتْلَفْ بَعْضُهَا، فَإِنْ تَلِفَتْ كُلُّهَا أَوْ تَلِفَ جُزْءٌ مِنْهَا، كَمَا لَوِ انْهَدَمَ بَعْضُ الدَّارِ، أَوْ تَلِفَتْ ثَمَرَةُ الْبُسْتَانِ، لَمْ يَكُنْ لِلْبَائِعِ الرُّجُوعُ، وَكَانَ أُسْوَةَ الْغُرَمَاءِ.
وَاحْتَجُّوا بِقَوْل النَّبِيِّ: مَنْ أَدْرَكَ مَالَهُ بِعَيْنِهِ عِنْدَ رَجُلٍ أَوْ إِنْسَانٍ قَدْ أَفْلَسَ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ مِنْ غَيْرِهِ (٢) قَالُوا: فَإِنَّ قَوْلَهُ: " بِعَيْنِهِ " يَقْتَضِي ذَلِكَ.
وَلأَِنَّهُ إِذَا أَدْرَكَهُ بِعَيْنِهِ فَأَخَذَهُ انْقَطَعَتِ الْخُصُومَةُ بَيْنَهُمَا.
وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ يَمْنَعُ تَلَفُ كُلِّهِ
_________
(١) المغني ٤ / ٤١٠، وحاشية الدسوقي ٣ / ٢٨٢، والزرقاني ٥ / ٢٨٢.
(٢) حديث " من أدرك ماله بعينه عند رجل أو إنسان قد أفلس فهو أحق به " سبق تخريجه. ف ٢٥.
الرُّجُوعَ، وَلاَ يَمْنَعُ تَلَفُ بَعْضِهِ الرُّجُوعَ، عَلَى تَفْصِيلٍ عِنْدَهُمْ فِي ذَلِكَ يُرْجَعُ. إِلَيْهِ فِي بَابِهِ (١) .
الشَّرْطُ الثَّالِثُ:
٣٠ - أَنْ تَكُونَ السِّلْعَةُ عِنْدَ الْمُفَلِّسِ عَلَى حَالِهَا الَّتِي اشْتَرَاهَا عَلَيْهَا. فَإِنِ انْتَقَلَتْ عَيْنُ السِّلْعَةِ عَنِ الْحَال الَّتِي اشْتَرَاهَا عَلَيْهَا، بَعْدَ شِرَائِهِ لَهَا - قَال الْحَنَابِلَةُ: بِمَا يُزِيل اسْمَهَا - مَنَعَ ذَلِكَ الرُّجُوعَ، كَمَا لَوْ طَحَنَ الْحِنْطَةَ، أَوْ فَصَّل الثَّوْبَ، أَوْ ذَبَحَ الْكَبْشَ، أَوْ تَتَمَّرَ رُطَبُهُ، أَوْ نَجَّرَ الْخَشَبَةَ بَابًا، أَوْ نَسَجَ الْغَزْل، أَوْ فَصَّل الْقُمَاشَ قَمِيصًا. وَهَذَا عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ. وَقَالُوا: لأَِنَّهُ لَمْ يَجِدْ عَيْنَ مَالِهِ.
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: إِنْ لَمْ تَزِدِ الْقِيمَةُ بِهَذَا الاِنْتِقَال رَجَعَ وَلاَ شَيْءَ لِلْمُفَلِّسِ. وَإِنْ نَقَصَتْ فَلاَ شَيْءَ لِلْبَائِعِ إِنْ رَجَعَ بِهِ. وَإِنْ زَادَتْ، فَالأَْظْهَرُ أَنَّهُ يُبَاعُ وَلِلْمُفَلِّسِ مِنْ ثَمَنِهِ بِنِسْبَةِ مَا زَادَ (٢) .
الشَّرْطُ الرَّابِعُ:
٣١ - أَلاَّ يَكُونَ الْمَبِيعُ قَدْ زَادَ عِنْدَ الْمُفَلِّسِ زِيَادَةً. مُتَّصِلَةً، كَالسِّمَنِ وَالْكِبَرِ، وَتَجَدَّدَ الْحَمْل - مَا لَمْ تَلِدْ - وَهَذَا عَلَى قَوْلٍ فِي مَذْهَبِ أَحْمَدَ.
وَقَوْل الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ، وَهُوَ رِوَايَةً عَنْ أَحْمَدَ: أَنَّ الزِّيَادَةَ الْمُتَّصِلَةَ الْمُتَوَلِّدَةَ لاَ تَمْنَعُ الرُّجُوعَ، وَيَفُوزُ بِهَا الْبَائِعُ، إِلاَّ أَنَّ الْمَالِكِيَّةَ يُخَيِّرُونَ الْغُرَمَاءَ بَيْنَ أَنْ يُعْطُوا السِّلْعَةَ، أَوْ ثَمَنَهَا الَّذِي بَاعَهَا بِهِ (٣) .
_________
(١) المغني ٤ / ٤١٣، وشرح المنهاج ٢ / ٢٩٤، وبلغة السالك ٢ / ١٣٥.
(٢) الزرقاني ٥ / ٢٨٣، والمغني ٤ / ٤١٦، وشرح المنهاج بحاشية القليوبي ٢ / ٢٩٧.
(٣) المغني ٤ / ٤٦٥.
وَهَذَا بِخِلاَفِ نَقْصِ الصِّفَةِ فَلاَ يَمْنَعُ الرُّجُوعَ (١) .
أَمَّا الزِّيَادَةُ الْمُنْفَصِلَةُ فَإِنَّهَا لاَ تَمْنَعُ الرُّجُوعَ، وَذَلِكَ كَالثَّمَرَةِ وَالْوَلَدِ. وَهَذَا قَوْل مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ، سَوَاءٌ أَنَقَصَ بِهَا الْمَبِيعُ أَمْ لَمْ يَنْقُصْ، إِذَا كَانَ نَقْصَ صِفَةٍ. وَالزِّيَادَةُ الْمُنْفَصِلَةُ لِلْمُشْتَرِي وَهُوَ الْمُفَلِّسُ (٢) .
الشَّرْطُ الْخَامِسُ:
٣٢ - أَلاَّ يَكُونَ قَدْ تَعَلَّقَ بِالسِّلْعَةِ حَقٌّ لِلْغَيْرِ، كَأَنْ وَهَبَهَا الْمُشْتَرِي أَوْ بَاعَهَا أَوْ وَقَفَهَا فَلاَ رُجُوعَ، لأَِنَّهُ لَمْ يُدْرِكْ مَتَاعَهُ بِعَيْنِهِ عِنْدَ الْمُفَلِّسِ، فَلاَ يَدْخُل فِي النَّصِّ (٣) .
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ فِي الْمَرْهُونِ: إِنَّ لِلدَّائِنِ أَنْ يَفُكَّ الرَّهْنَ بِدَفْعِ مَا رُهِنَتْ بِهِ الْعَيْنُ، وَيَأْخُذُهَا، وَيُحَاصُّ الْغُرَمَاءَ بِمَا دَفَعَ (٤) .
الشَّرْطُ السَّادِسُ:
٣٣ - وَهُوَ لِلشَّافِعِيَّةِ. قَالُوا: أَنْ يَكُونَ الثَّمَنُ دَيْنًا، فَلَوْ كَانَ الثَّمَنُ عَيْنًا قُدِّمَ عَلَى الْغُرَمَاءِ بِقَبْضِ الْعَيْنِ الَّتِي هِيَ ثَمَنٌ، وَذَلِكَ كَمَا لَوْ بَاعَ بَقَرَةً بِبَعِيرٍ، ثُمَّ أَفْلَسَ الْمُشْتَرِي، فَالْبَائِعُ يَرْجِعُ بِالْبَعِيرِ وَلاَ يَرْجِعُ بِالْمَبِيعِ، أَيِ الْبَقَرَةِ (٥) .
_________
(١) المغني ٤ / ٤٦٤.
(٢) المغني ٤ / ٤٦٥.
(٣) المغني ٤ / ٤٣١، ٤٣٢، ونهاية المحتاج ٤ / ٣٣٠، ٣٣٢.
(٤) الشرح الكبير وحاشية الدسوقي ٢ / ٢٨٥.
(٥) نهاية المحتاج وحاشية الرشيدي ٤ / ٣٣٢.
الشَّرْطُ السَّابِعُ:
٣٤ - قَال الشَّافِعِيَّةُ: أَنْ يَكُونَ الثَّمَنُ حَالًّا عِنْدَ الرُّجُوعِ، فَلاَ رُجُوعَ فِيمَا كَانَ ثَمَنُهُ مُؤَجَّلًا وَلَمْ يَحِل، إِذْ لاَ مُطَالَبَةَ فِي الْحَال.
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: إِنْ كَانَ الثَّمَنُ مُؤَجَّلًا لَمْ يَحِل رُجُوعُ الْبَائِعِ فِي السِّلْعَةِ، فَتَوَقَّفَ إِلَى الأَْجَل، فَيَخْتَارُ الْبَائِعُ حِينَئِذٍ بَيْنَ الْفَسْخِ وَالتَّرْكِ. وَلاَ تُبَاعُ فِيمَا يُبَاعُ مِنْ مَال الْمُفَلِّسِ. قَالُوا: لأَِنَّ حَقَّ الْبَائِعِ تَعَلَّقَ بِهَا، فَقُدِّمَ عَلَى غَيْرِهِ، وَإِنْ كَانَ مُؤَجَّلًا، كَالْمُرْتَهِنِ (١) .
الشَّرْطُ الثَّامِنُ:
٣٥ - وَهُوَ لِلْحَنَابِلَةِ، قَالُوا: يُشْتَرَطُ أَلاَّ يَكُونَ الْبَائِعُ قَدْ قَبَضَ مِنْ ثَمَنِهَا شَيْئًا. وَإِلاَّ سَقَطَ حَقُّهُ فِي الرُّجُوعِ. قَالُوا: وَالإِْبْرَاءُ مِنْ بَعْضِ الثَّمَنِ كَقَبْضِهِ.
وَاحْتَجُّوا بِمَا رَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: أَيُّمَا رَجُلٍ بَاعَ سِلْعَةً، فَأَدْرَكَ سِلْعَتَهُ بِعَيْنِهَا عِنْدَ رَجُلٍ قَدْ أَفْلَسَ، وَلَمْ يَكُنْ قَبَضَ مِنْ ثَمَنِهَا شَيْئًا، فَهِيَ لَهُ. وَإِنْ كَانَ قَبَضَ مِنْ ثَمَنِهَا شَيْئًا فَهُوَ أُسْوَةُ الْغُرَمَاءِ (٢) .
وَقَال الشَّافِعِيُّ فِي مَذْهَبِهِ الْجَدِيدِ: لِلْبَائِعِ أَنْ يَرْجِعَ بِمَا يُقَابِل الْبَاقِيَ مِنْ دَيْنِهِ. وَقَال مَالِكٌ: هُوَ مُخَيَّرٌ إِنْ شَاءَ رَدَّ مَا أَخَذَهُ وَرَجَعَ فِي جَمِيعِ الْعَيْنِ، وَإِنْ شَاءَ حَاصَّ الْغُرَمَاءَ وَلَمْ يَرْجِعْ (٣) .
_________
(١) نهاية المحتاج ٤ / ٣٢٨، وكشاف القناع ٣ / ٤٢٥.
(٢) حديث " أيما رجل باع سلعة فأدرك سلعته بعينها عند رجل قد أفلس. . . " أخرجه الدارقطني وفي إسناده إسماعيل بن عياش، قال الدراقطني: إسماعيل بن عياش مضطرب الحديث ولا يثبت هذا عن الزهري مسندا وإنما هو مرسل (سنن الدارقطني ٣ / ٢٩ - ٣٠ ط دار المحاسن) .
(٣) المغني ٤ / ٤٣٠، وكشاف القناع ٤ / ٤٢٦، ونهاية المحتاج ٤ / ٣٣٢، ٣٣٣، وبداية المجتهد ٢ / ٢٨٨، والدسوقي على الشرح الكبير ٣ / ٢٨٦.
الشَّرْطُ التَّاسِعُ:
٣٦ - وَهُوَ لِلْمَالِكِيَّةِ، قَالُوا: يُشْتَرَطُ أَلاَّ يَفْدِيَهُ الْغُرَمَاءُ بِثَمَنِهِ الَّذِي عَلَى الْمُفَلِّسِ، فَإِنْ فَدَوْهُ - وَلَوْ بِمَا لَهُمْ - لَمْ يَأْخُذْهُ، وَكَذَا لَوْ ضَمِنُوا لَهُ الثَّمَنَ، وَهُمْ ثِقَاتٌ، أَوْ أَعْطَوْا بِهِ كَفِيلًا ثِقَةً.
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: لاَ يَسْقُطُ حَقُّهُ فِي الْفَسْخِ، وَلَوْ قَال الْغُرَمَاءُ لَهُ: لاَ تَفْسَخْ وَنَحْنُ نُقَدِّمُكَ بِالثَّمَنِ مِنَ التَّرِكَةِ. قَال الْحَنَابِلَةُ: لِعُمُومِ الأَْدِلَّةِ. وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: لِمَا فِي ذَلِكَ مِنَ الْمِنَّةِ، وَلِخَوْفِ ظُهُورِ غَرِيمٍ آخَرَ. لَكِنْ لَوْ أَنَّ الْغُرَمَاءَ بَذَلُوا الثَّمَنَ لِلْمُفَلِّسِ، فَأَعْطَاهُ لِلْبَائِعِ سَقَطَ حَقُّهُ فِي الْفَسْخِ (١) .
الشَّرْطُ الْعَاشِرُ:
٣٧ - أَنْ يَكُونَ الْمُفَلِّسُ حَيًّا إِلَى أَخْذِهَا، فَإِنْ مَاتَ بَعْدَ الْحَجْرِ عَلَيْهِ، سَقَطَ حَقُّ الْبَائِعِ فِي الرُّجُوعِ.
وَهَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَحْمَدَ. لِحَدِيثِ:. . . فَإِنْ مَاتَ فَصَاحِبُ الْمَتَاعِ أُسْوَةُ الْغُرَمَاءِ (٢) . وَفِي رِوَايَةٍ:
_________
(١) الزرقاني ٥ / ٢٨٢، ونهاية المحتاج ٤ / ٣٢٩، وكشاف القناع ٣ / ٤٢٥.
(٢) حديث: ". . . فإن مات فصاحب المتاع أسوة الغرماء ". أخرجه أبو داود من حديث أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، بلفظ: " أن رسول الله ﷺ قال: أيما رجل باع متاعا، فأفلس الذي ابتاعه، ولم يقبض الذي باعه من ثمنه شيئا، فوجد متاعه بعين (عون المعبود ٣ / ٣٠٩ ط الهند.) .
أَيُّمَا امْرِئٍ مَاتَ، وَعِنْدَهُ مَال امْرِئٍ بِعَيْنِهِ، اقْتَضَى مِنْهُ شَيْئًا أَوْ لَمْ يَقْتَضِ فَهُوَ أُسْوَةُ الْغُرَمَاءِ (١) .
قَالُوا: وَلأَِنَّهُ تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ غَيْرِ الْمُفَلِّسِ، وَهُمُ الْوَرَثَةُ، كَالْمَرْهُونِ، وَكَمَا لَوْ بَاعَهُ.
وَقَال الشَّافِعِيُّ: لَهُ الْفَسْخُ وَاسْتِرْجَاعُ الْعَيْنِ، لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: أَيُّمَا رَجُلٍ مَاتَ أَوْ أَفْلَسَ فَصَاحِبُ الْمَتَاعِ أَحَقُّ بِمَتَاعِهِ، إِذَا وَجَدَهُ بِعَيْنِهِ (٢) .
الشَّرْطُ الْحَادِيَ عَشَرَ:
٣٨ - أَنْ يَكُونَ الْبَائِعُ أَيْضًا حَيًّا، فَلَوْ مَاتَ قَبْل الرُّجُوعِ فَلاَ رُجُوعَ عَلَى قَوْلٍ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ. وَفِي الإِْنْصَافِ: لِلْوَرَثَةِ الرُّجُوعُ (٣) .
_________
(١) حديث " أيما امرئ مات وعنده مال امرئ بعينه. . . ". أخرجه ابن ماجه والدارقطني من حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعا، وفي إسناديهما اليمان بن عدي، قال عنه الدراقطني: ضعيف الحديث (سنن ابن ماجه ٢ / ٧٩١ ط عيسى الحلبي، وسنن الدراقطني ٣ / ٣٠ ط دار المحاسن) .
(٢) المغني ٤ / ٤٥٣، ٤٥٤، ومطالب أولي النهى ٣ / ٣٧٩، ونهاية المحتاج ٤ / ٣٢٥. وحديث " أيما رجل مات أو أفلس فصاحب المتاع أحق بمتاعه إذا وجده بعينه " أخرجه أبو داود وابن ماجه والحاكم من حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعا، وفي إسناده أبو المعتمر، قال عنه أبو داود: لا يعرف، قال الحافظ ابن حجر هو حديث حسن يحتج بمثله، وصححه الحاكم وأقره الذهبي. (عون المعبود ٣ / ٣٠٩ ط الهند، ومختصر سنن أبي داود للمنذري ٥ / ١٧٧ نشر دار المعرفة، وسنن ابن ماجه ٢ / ٧٩٠ ط عيسى الحلبي، وفتح الباري ٤ / ٦٤ ط السلفية، والمستدرك ٢ / ٥٠ - ٥١ نشر دار الكتاب العربي) .
(٣) كشاف القناع ٣ / ٤٢٨، ٤٢٩.
الشَّرْطُ الثَّانِيَ عَشَرَ:
٣٩ - قَال الشَّافِعِيَّةُ عَلَى الأَْصَحِّ عِنْدَهُمْ: لَهُ أَنْ يَرْجِعَ فَوْرَ عِلْمِهِ بِالْحَجْرِ، فَإِنْ تَرَاخَى فِي الرُّجُوعِ، وَادَّعَى أَنَّهُ جَهِل أَنَّ الرُّجُوعَ عَلَى الْفَوْرِ، قُبِل مِنْهُ.
وَلَوْ صُولِحَ عَنِ الرُّجُوعِ عَلَى مَالٍ لَمْ يَصِحَّ الصُّلْحُ، وَبَطَل حَقُّهُ مِنَ الْفَسْخِ إِنْ عَلِمَ.
وَوَجْهُ اشْتِرَاطِهِ عِنْدَهُمْ أَنَّهُ كَالرَّدِّ بِالْعَيْبِ، بِجَامِعِ دَفْعِ الضَّرَرِ.
وَالْقَوْل الآْخَرُ لِلشَّافِعِيَّةِ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْحَنَابِلَةِ: أَنَّ الرُّجُوعَ عَلَى التَّرَاخِي. قَالُوا: وَهُوَ كَرُجُوعِ الأَْبِ فِي هِبَتِهِ لاِبْنِهِ. (١)
الرُّجُوعُ بِعَيْنِ الثَّمَنِ:
٤٠ - لَوْ كَانَ الْغَرِيمُ اشْتَرَى مِنَ الْمُفَلِّسِ شَيْئًا فِي الذِّمَّةِ، وَأَسْلَمَ الثَّمَنُ، وَلَمْ يَقْبِضِ السِّلْعَةَ، حَتَّى حُجِرَ عَلَى الْمُفَلِّسِ، فَهَل يَرْجِعُ الْغَرِيمُ بِمَا أَسْلَمَهُ مِنَ النُّقُودِ؟ قَال الْمَالِكِيَّةُ: نَعَمْ يَرْجِعُ إِنْ ثَبَتَ عَيْنُهَا بِبَيِّنَةٍ أَوْ طَبْعٍ، قِيَاسًا لِلثَّمَنِ عَلَى الْمُثَمَّنِ.
وَقَال أَشْهَبُ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ: لاَ يَرْجِعُ، لأَِنَّ الأَْحَادِيثَ إِنَّمَا فِيهَا مَنْ وَجَدَ سِلْعَتَهُ. . . (٢)
_________
(١) نهاية المحتاج ٤ / ٣٢٥، ٣٢٦، وكشاف القناع ٣ / ٤٢٩.
(٢) حديث " من وجد سلعته. . . " أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة ﵁ بلفظ: " إذا أفلس الرجل فوجد الرجل عنده سلعته بعينها فهو أحق به ". (صحيح مسلم ٣ / ١١٩٤ ط عيسى الحلبي) .
وَ: مَنْ وَجَدَ مَتَاعَهُ. . . (١) وَالنَّقْدَانِ لاَ يُطْلَقُ عَلَيْهِمَا ذَلِكَ عُرْفًا (٢) .
ثُمَّ قَدْ قَال الْمَالِكِيَّةُ: وَلَوِ اشْتَرَى شِرَاءً فَاسِدًا فَفَسَخَهُ الْحَاكِمُ وَأَفْلَسَ الْبَائِعُ، فَالْمُشْتَرِي أَحَقُّ بِالثَّمَنِ إِنْ كَانَ مَوْجُودًا لَمْ يَفُتْ (٣) .
وَلَمْ نَعْثُرْ عَلَى نَصٍّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ لِسَائِرِ الْمَذَاهِبِ.
اسْتِحْقَاقُ مُشْتَرِي الْعَيْنِ أَخْذَهَا إِنْ حُجِرَ عَلَى الْبَائِعِ لِلْفَلَسِ قَبْل تَقْبِيضِهَا:
٤١ - نَصَّ الْحَنَابِلَةُ عَلَى أَنَّ الرَّجُل لَوْ بَاعَ عَيْنًا، ثُمَّ أَفْلَسَ قَبْل تَقْبِيضِهَا، فَالْمُشْتَرِي أَحَقُّ بِهَا مِنَ الْغُرَمَاءِ، لأَِنَّهَا عَيْنُ مِلْكِهِ، وَذَلِكَ صَادِقٌ عِنْدَهُمْ سَوَاءٌ كَانَتِ السِّلْعَةُ مِمَّا لاَ يَحْتَاجُ لِحَقِّ تَوْفِيَةٍ، كَدَارٍ وَسَيَّارَةٍ، أَوْ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ، كَالْمَكِيل وَالْمَوْزُونِ (٤) .
وَلَمْ نَجِدْ تَعَرُّضًا لِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي الْمَذَاهِبِ الأُْخْرَى.
هَل يَحْتَاجُ الرُّجُوعُ إِلَى حُكْمِ حَاكِمٍ:
٤٢ - لاَ يَفْتَقِرُ الرُّجُوعُ فِي الْعَيْنِ إِلَى حُكْمِ حَاكِمٍ، عَلَى مَذْهَبِ الْحَنَابِلَةِ، وَعَلَى الأَْصَحِّ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيَّةِ. قَالُوا: لأَِنَّهُ ثَبَتَ بِالنَّصِّ (٥) .
_________
(١) حديث " من وجد متاعه. . . . " أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة بلفظ: " إذا أفلس الرجل فوجد الرجل متاعه بعينه فهو أحق بها ". (صحيح مسلم ٣ / ١١٩٤ ط عيسى الحلبي) .
(٢) الزرقاني ٥ / ٢٨٢، والدسوقي ٣ / ٨٣.
(٣) الشرح الكبير والدسوقي ٣ / ٢٩٠، وجواهر الإكليل ٢ / ٩٧.
(٤) كشاف القناع ٣ / ٤٣٧.
(٥) كشاف القناع ٣ / ٤٢٩، ونهاية المحتاج ٤ / ٣٢٦، وشرح المحلي على المنهاج ٢ / ٢٩٣.