الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٥
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ وَمَوَاطِنُ الْبَحْثِ:
٢ - الإِْفْكُ حَرَامٌ، فِيهِ يُصَوَّرُ الْحَقُّ بِصُورَةِ الْبَاطِل، وَلاَ يَخْرُجُ فِي عُقُوبَتِهِ عَنْ عُقُوبَةِ الْكَذِبِ، وَفِيهِ التَّعْزِيرُ، إِلاَّ أَنْ يَكُونَ قَذْفًا بِالْمَفْهُومِ الشَّرْعِيِّ، وَهُوَ مَا كَانَ مَوْضُوعُهُ الاِتِّهَامَ كَذِبًا بِالْفَاحِشَةِ، فَيَكُونُ فِيهِ الْحَدُّ. وَتَفْصِيلُهُ فِي (الْقَذْفِ) .
إِفْلاَسٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الإِْفْلاَسُ مَصْدَرُ أَفْلَسَ، وَهُوَ لاَزِمٌ، يُقَال: أَفْلَسَ الرَّجُل إِذَا صَارَ ذَا فُلُوسٍ بَعْدَ أَنْ كَانَ ذَا ذَهَبٍ وَفِضَّةٍ، أَوْ صَارَ إِلَى حَالٍ لَيْسَ لَهُ فُلُوسٌ. وَالْفَلَسُ اسْمُ الْمَصْدَرِ، بِمَعْنَى الإِْفْلاَسِ (١) .
وَالإِْفْلاَسُ فِي الاِصْطِلاَحِ: أَنْ يَكُونَ الدَّيْنُ الَّذِي عَلَى الرَّجُل أَكْثَرَ مِنْ مَالِهِ، وَسَوَاءٌ أَكَانَ غَيْرَ ذِي مَالٍ أَصْلًا، أَمْ كَانَ لَهُ مَالٌ إِلاَّ أَنَّهُ أَقَل مِنْ دَيْنِهِ (٢) .
قَال ابْنُ قُدَامَةَ: وَإِنَّمَا سُمِّيَ مَنْ غَلَبَ دَيْنُهُ مَالَهُ مُفْلِسًا وَإِنْ كَانَ لَهُ مَالٌ، لأَِنَّ مَالَهُ مُسْتَحَقُّ الصَّرْفِ فِي جِهَةِ دَيْنِهِ، فَكَأَنَّهُ مَعْدُومٌ (٣) .
_________
(١) لسان العرب، والمصباح، والمغني ٤ / ٤٠٨ ط ٣، والزرقاني على خليل ٥ / ٢٦١.
(٢) كما يفهم من كلام ابن رشد في بداية المجتهد ٢ / ٢٨٤، ٢٩٣ ط ثالثة عيسى الحلبي ١٣٧٩ هـ.
(٣) المغني ٤ / ٤٠٨.
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - التَّفْلِيسُ:
٢ - التَّفْلِيسُ هُوَ: مَصْدَرُ فَلَّسْتُ الرَّجُل، إِذَا نَسَبْتُهُ إِلَى الإِْفْلاَسِ. وَاصْطِلاَحًا: جَعْل الْحَاكِمِ الْمَدِينَ مُفْلِسًا بِمَنْعِهِ مِنَ التَّصَرُّفِ فِي مَالِهِ (١) .
وَهَذَا مَا صَرَّحَ بِهِ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ عِنْدَمَا عَرَّفُوا التَّفْلِيسَ بِالْمَعْنَى الأَْخَصِّ. وَالْعَلاَقَةُ بَيْنَ التَّفْلِيسِ وَالإِْفْلاَسِ: أَنَّ الإِْفْلاَسَ أَثَرُ التَّفْلِيسِ فِي الْجُمْلَةِ. وَجَرَى الْمَالِكِيَّةُ عَلَى أَنَّ التَّفْلِيسَ يُطْلَقُ عَلَى مَا قَبْل الْحَجْرِ بَعْدَ قِيَامِ الْغُرَمَاءِ عَلَى الْمَدِينِ، قَالُوا: وَيُقَال حِينَئِذٍ: إِنَّهُ تَفْلِيسٌ بِالْمَعْنَى الأَْعَمِّ، وَيُطْلَقُ عَلَى مَا بَعْدَ الْحَجْرِ عَلَيْهِ بِحُكْمِ الْحَاكِمِ، وَيَكُونُ حِينَئِذٍ تَفْلِيسًا بِالْمَعْنَى الأَْخَصِّ (٢) .
ب - الإِْعْسَارُ:
٣ - الإِْعْسَارُ فِي اللُّغَةِ: مَصْدَرُ أَعْسَرَ، وَهُوَ ضِدُّ الْيَسَارِ. وَالْعُسْرُ: اسْمُ مَصْدَرٍ، وَهُوَ الضِّيقُ وَالشِّدَّةُ وَالصُّعُوبَةُ. وَفِي الاِصْطِلاَحِ: عَدَمُ الْقُدْرَةِ عَلَى النَّفَقَةِ بِمَالٍ وَلاَ كَسْبٍ. فَبَيْنَ الإِْعْسَارِ وَالإِْفْلاَسِ عُمُومٌ وَخُصُوصٌ مُطْلَقٌ، فَكُل مُفْلِسٍ مُعْسِرٌ، وَلاَ عَكْسَ.
_________
(١) الجمل على المنهج ٣ / ٣٠٩، ونهاية المحتاج ٤ / ٣٠٠، ورد المحتار ٥ / ٩٦.
(٢) الدسوقي على الشرح الكبير ٣ / ٢٦٣ ط عيسى الحلبي، والبناني على الزرقاني ٥ / ٢٦٢، ٢٦٥، والمغني ٤ / ٤٥٣ ط الرياض.
ج - الْحَجْرُ:
٤ - الْحَجْرُ لُغَةً: الْمَنْعُ مُطْلَقًا، وَشَرْعًا: مَنْعُ نَفَاذِ تَصَرُّفٍ قَوْلِيٍّ. وَهُوَ أَعَمُّ مِنَ التَّفْلِيسِ مِنْ حَيْثُ الأَْثَرُ، إِذْ يَشْمَل مَنْعَ الصَّبِيِّ وَالسَّفِيهِ وَالْمَجْنُونِ وَمَنْ فِي حُكْمِهِمْ مِنَ التَّصَرُّفِ فِي الْمَال.
حُكْمُ الإِْفْلاَسِ:
٥ - لَمَّا كَانَ الإِْفْلاَسُ صِفَةً لِلشَّخْصِ لاَ فِعْلًا لَهُ لَمْ يُوصَفْ بِحِلٍّ وَلاَ حُرْمَةٍ، وَلَكِنْ لِلإِْفْلاَسِ مُقَدِّمَاتٌ هِيَ مِنْ فِعْل الْمُكَلَّفِ، كَالاِسْتِدَانَةِ، وَهَذِهِ قَدْ تَرِدُ عَلَيْهَا الأَْحْكَامُ التَّكْلِيفِيَّةُ، وَيُرْجَعُ فِي ذَلِكَ إِلَى مُصْطَلَحِ (اسْتِدَانَةٌ) . وَقَدْ يَكُونُ سَبَبُ الإِْفْلاَسِ الإِْعْسَارَ، وَلَهُ أَحْكَامٌ وَضْعِيَّةٌ (آثَارٌ) مُفَصَّلَةٌ فِي مُصْطَلَحِ (إِعْسَارٌ)، وَأَمَّا الإِْفْلاَسُ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ أَثَرٌ لِلتَّفْلِيسِ، فَإِنَّهُ يُنَاسِبُ هُنَا الْكَلاَمَ عَلَى أَحْكَامِ التَّفْلِيسِ.
الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ لِلتَّفْلِيسِ:
٦ - إِذَا أَحَاطَ الدَّيْنُ بِمَال الْمَدِينِ، وَطَلَبَ الْغُرَمَاءُ الْحَجْرَ عَلَيْهِ، وَجَبَ عَلَى الْحَاكِمِ تَفْلِيسُهُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، وَصَاحِبَيْ أَبِي حَنِيفَةَ، وَهُوَ الْمُفْتَى بِهِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ. وَاشْتَرَطَ الْمَالِكِيَّةُ لِوُجُوبِ ذَلِكَ أَلاَّ يُمْكِنَ لِلْغُرَمَاءِ الْوُصُول إِلَى حَقِّهِمْ إِلاَّ بِهِ. أَمَّا إِذَا أَمْكَنَ الْوُصُول إِلَى حَقِّهِمْ بِغَيْرِ ذَلِكَ كَبَيْعِ بَعْضِ مَالِهِ، فَإِنَّهُ لاَ يُصَارُ إِلَى التَّفْلِيسِ. وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ إِلَى أَنَّهُ لاَ يُفَلَّسُ، لأَِنَّهُ كَامِل الأَْهْلِيَّةِ، وَفِي الْحَجْرِ عَلَيْهِ إِهْدَارٌ لآِدَمِيَّتِهِ. وَاسْتَدَل الْقَائِلُونَ بِتَفْلِيسِهِ: بِأَنَّ الْكُل مُجْمِعٌ
عَلَى الْحَجْرِ عَلَى الْمَرِيضِ مَرَضَ الْمَوْتِ فِيمَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ لِحَقِّ الْوَرَثَةِ، فَلأَنْ يُحْجَرَ عَلَيْهِ وَيُمْنَعَ مِنَ التَّصَرُّفِ فِي أَمْوَالِهِ لِحَقِّ الْغُرَمَاءِ أَوْلَى. وَمِمَّا يَتَّصِل بِهَذَا الْمَوْضُوعِ: أَنَّهُ هَل يَجُوزُ لِلْحَاكِمِ أَنْ يَبِيعَ مَالَهُ جَبْرًا عَلَيْهِ أَوْ لاَ؟ ذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى جَوَازِ ذَلِكَ مُسْتَدِلِّينَ بِحَدِيثِ مُعَاذٍ: ﴿أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ حَجَرَ عَلَيْهِ، وَبَاعَ مَالَهُ فِي دَيْنٍ كَانَ عَلَيْهِ، وَقَسَمَهُ بَيْنَ غُرَمَائِهِ. . .﴾ (١)
وَكَذَلِكَ أَثَرُ أُسَيْفِعٍ: أَنَّهُ كَانَ يَشْتَرِي الرَّوَاحِل، فَيُغَالِي بِهَا، ثُمَّ يُسْرِعُ فِي السَّيْرِ فَيَسْبِقُ الْحَاجَّ، فَأَفْلَسَ، فَرُفِعَ أَمْرُهُ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَقَال: " أَمَّا بَعْدُ: أَيُّهَا النَّاسُ فَإِنَّ الأُْسَيْفِعَ أَسَفْعَ جُهَيْنَةَ رَضِيَ مِنْ دِينِهِ وَأَمَانَتِهِ أَنْ يُقَال: سَبَقَ الْحَاجَّ، إِلاَّ أَنَّهُ قَدِ ادان مُغْرِضًا، فَأَصْبَحَ وَقَدْ رِينَ بِهِ، فَمَنْ كَانَ لَهُ دَيْنٌ فَلْيَأْتِنَا بِالْغَدَاةِ نَقْسِمُ مَالَهُ بَيْنَ غُرَمَائِهِ، وَإِيَّاكُمْ وَالدَّيْنَ. . . (٢)
وَلأَِنَّهُ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ مُحْتَاجٌ إِلَى قَضَاءِ دَيْنِهِ فَجَازَ بَيْعُ مَالِهِ بِغَيْرِ رِضَاهُ، كَالصَّغِيرِ وَالْمَجْنُونِ. وَقَال أَبُو حَنِيفَةَ: لاَ يُبَاعُ مَالُهُ جَبْرًا عَنْهُ، لأَِنَّهُ لاَ وِلاَيَةَ عَلَيْهِ فِي مَالِهِ، إِلاَّ أَنَّ الْحَاكِمَ يُجْبِرُهُ عَلَى الْبَيْعِ إِذَا لَمْ يُمْكِنِ الإِْيفَاءُ بِدُونِ إِجْبَارٍ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى:
_________
(١) حديث معاذ أخرجه البيهقي، وقد روي متصلا ومرسلا، ونقل ابن حجر عن عبد الحق قوله: المرسل أصح من المتصل (سنن البيهقي ٦ / ٤٨ ط الهند، والتلخيص الحبير ٣ / ٣٧ ط شركة الطباعة الفنية المتحدة) .
(٢) الأثر عن عمر ﵁ أخرجه مالك والبيهقي. وفيه جهالة كما في التاريخ الكبير للبخاري (السنن الكبرى للبيهقي ٦ / ٤٩ ط الهند، والموطأ للإمام مالك ٢ / ٧٧٠ ط عيسى الحلبي، والتاريخ الكبير للبخاري ٥ / ٣٢٨ ط دار المعارف العثمانية) .
﴿لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِل إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ (١) .
وَاسْتَثْنَى أَبُو حَنِيفَةَ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ إِذَا كَانَ دَيْنُهُ دَرَاهِمَ، وَفِي الْمَال دَرَاهِمُ، دُفِعَتْ لِلْغَرِيمِ جَبْرًا. وَكَذَلِكَ إِنْ كَانَ دَيْنُهُ دَنَانِيرَ وَفِي الْمَال دَنَانِيرُ، دُفِعَتْ لِلدَّائِنِينَ جَبْرًا. وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ عَلَيْهِ أَحَدُ النَّقْدَيْنِ وَفِي مَالِهِ النَّقْدُ الآْخَرُ، لأَِنَّهُمَا كَجِنْسٍ وَاحِدٍ. وَاسْتَدَل لِذَلِكَ بِأَنَّ الْغَرِيمَ إِذَا ظَفِرَ بِمِثْل دَيْنِهِ أَخَذَهُ جَبْرًا، فَالْحَاكِمُ أَوْلَى، وَهَذَا الاِسْتِثْنَاءُ عِنْدَهُ مِنْ قَبِيل الاِسْتِحْسَانِ. وَمِمَّا يَتَّصِل بِهَذَا أَنَّ الْمَدِينَ الْمُسْتَغْرِقَ بِالدَّيْنِ، يَحْرُمُ عَلَيْهِ دِيَانَةً كُل تَصَرُّفٍ يَضُرُّ بِالدَّائِنِينَ، كَمَا يَحْرُمُ عَلَى الآْخَرِينَ أَنْ يَتَعَامَلُوا مَعَهُ بِمَا يَضُرُّ بِدَائِنِيهِ مَتَى عَلِمُوا. وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي (اسْتِدَانَةٌ) (٢) .
شَرَائِطُ الْحَجْرِ عَلَى الْمُفْلِسِ:
الشَّرِيطَةُ الأُْولَى:
٧ - يُشْتَرَطُ لِلْحَجْرِ عَلَى الْمُفْلِسِ عِنْدَ كُل مَنْ أَجَازَهُ أَنْ يَطْلُبَ الْغُرَمَاءُ أَوْ مَنْ يَنُوبُ عَنْهُمْ أَوْ يَخْلُفُهُمْ
_________
(١) سورة النساء / ٢٩.
(٢) شرح الزرقاني على خليل وحاشية البناني عليه ٥ / ٢٦١ - ٢٦٥، وبداية المجتهد ٢ / ٢٨٤، ٢٨٥، وقواعد ابن رجب (قاعدة ١٢ ص ١٤، والقاعدة ٥٣ ص ٨٧، والمغني ٤ / ٤٣٨، وشرح المنتهى ٢ / ٢٧٨ ط مطبعة أنصار السنة، والزيلعي ٥ / ١٩٩، والاختيار ١ / ٢٦٩، وشرح المنهاج بحاشية القليوبي ٢ / ٢٨٥ ط عيسى الحلبي، وكشاف القناع ٣ / ٤٢٣، والهداية وشروحها ٨ / ٢٠٢ - ٢٠٧، وحاشية الدسوقي على الشرح الكبير ٣ / ٢٦٣، ٢٦٤، ومجلة الأحكام الشرعية بشرح الأتاسي ٣ / ٥٥٣.
الْحَجْرَ عَلَيْهِ. فَلَوْ طَالَبُوا بِدُيُونِهِمْ وَلَمْ يَطْلُبُوا الْحَجْرَ لَمْ يُحْجَرْ عَلَيْهِ. وَلاَ يُشْتَرَطُ أَنْ يَطْلُبَهُ جَمِيعُ الْغُرَمَاءِ، بَل لَوْ طَلَبَهُ وَاحِدٌ مِنْهُمْ لَزِمَ، وَإِنْ أَبَى بَقِيَّةُ الْغُرَمَاءِ ذَلِكَ أَوْ سَكَتُوا، أَوْ طَلَبُوا تَرْكَهُ لِيَسْعَى. وَإِذَا فُلِّسَ لِطَلَبِ بَعْضِهِمْ كَانَ لِلْبَاقِينَ الْمُحَاصَّةُ. وَلَوْ طَلَبَ الْمَدِينُ تَفْلِيسَ نَفْسِهِ وَالْحَجْرَ عَلَيْهِ لَمْ يُجِبْهُ الْحَاكِمُ إِلَى ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ طَلَبِ الْغُرَمَاءِ. وَهَذَا عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ (١)، وَهُوَ مُقَابِل الأَْصَحِّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ. وَالأَْصَحُّ عِنْدَهُمْ يُحْجَرُ عَلَى الْمَدِينِ بِسُؤَالِهِ أَوْ سُؤَال وَكِيلِهِ، قِيل: وُجُوبًا، وَقِيل: جَوَازًا. قَالُوا: لأَِنَّ لَهُ غَرَضًا ظَاهِرًا فِي ذَلِكَ، وَهُوَ صَرْفُ مَالِهِ إِلَى دُيُونِهِ. وَوَجْهُ الأَْوَّل أَنَّ الْحَجْرَ يُنَافِي الْحُرِّيَّةَ وَالرُّشْدَ، وَإِنَّمَا حُجِرَ بِطَلَبِ الْغُرَمَاءِ لِلضَّرُورَةِ، وَأَنَّهُمْ لاَ يَتَمَكَّنُونَ مِنْ تَحْصِيل مَقْصُودِهِمْ إِلاَّ بِالْحَجْرِ، خَشْيَةَ الضَّيَاعِ، بِخِلاَفِ الْمَدِينِ فَإِنَّ غَرَضَهُ الْوَفَاءُ، وَهُوَ مُتَمَكِّنٌ مِنْهُ بِبَيْعِ أَمْوَالِهِ وَقِسْمَتِهَا عَلَى غُرَمَائِهِ. وَجَعَل بَعْضُهُمْ مِنَ الْحَجْرِ بِطَلَبِ الْمَدِينِ حَجْرَ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى مُعَاذٍ. قَالُوا: الأَْصْوَبُ أَنَّهُ كَانَ بِسُؤَال مُعَاذٍ نَفْسِهِ (٢) .
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: وَلَوْ كَانَ الدَّيْنُ لِقَاصِرٍ، وَلَمْ يَسْأَل وَلِيُّهُ الْحَجْرَ، وَجَبَ عَلَى الْحَاكِمِ الْحَجْرُ مِنْ غَيْرِ سُؤَالٍ، لأَِنَّهُ نَاظِرٌ لِمَصْلَحَتِهِ.
_________
(١) الدسوقي على الشرح الكبير ٣ / ١٦٤، وشرح المنهاج بحاشية القليوبي ٢ / ٢٨٥، وشرح المنتهى ٢ / ٧.
(٢) نهاية المحتاج وحواشيه ٤ / ٣٠٠، ٣٠١، ٣٠٥.
وَمِثْلُهُ عِنْدَهُمْ مَا لَوْ كَانَتِ الدُّيُونُ لِمَسْجِدٍ، أَوْ جِهَةٍ عَامَّةٍ كَالْفُقَرَاءِ (١) .
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ أَيْضًا فِي حَالَةِ مَا إِذَا طَلَبَ بَعْضُ الدَّائِنِينَ الْحَجْرَ دُونَ بَعْضٍ: يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ دَيْنُ الطَّالِبِ أَكْثَرَ مِنْ مَال الْمَدِينِ، وَإِلاَّ فَلاَ حَجْرَ، لأَِنَّ دَيْنَهُ يُمْكِنُ وَفَاؤُهُ بِكَمَالِهِ. وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ عِنْدَهُمْ، وَفِي قَوْلٍ: يُعْتَبَرُ أَنْ يَزِيدَ دَيْنُ الْجَمِيعِ عَلَى مَالِهِ، لاَ دَيْنُ طَالِبِ الْحَجْرِ فَقَطْ (٢) .
الشَّرِيطَةُ الثَّانِيَةُ:
٨ - يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الدَّيْنُ الَّذِي طَلَبَ رَبُّهُ الْحَجْرَ عَلَى الْمَدِينِ بِسَبَبِهِ دَيْنًا حَالًّا، سَوَاءٌ أَكَانَ حَالًّا أَصَالَةً، أَمْ حَل بِانْتِهَاءِ أَجَلِهِ، فَلاَ حَجْرَ بِالدَّيْنِ الْمُؤَجَّل، لأَِنَّهُ لاَ يُطَالَبُ بِهِ فِي الْحَال، وَلَوْ طُولِبَ بِهِ لَمْ يَلْزَمْهُ الأَْدَاءُ (٣) .
الشَّرِيطَةُ الثَّالِثَةُ:
٩ - يُشْتَرَطُ أَنْ تَكُونَ الدُّيُونُ عَلَى الْمُفْلِسِ أَكْثَرَ مِنْ مَالِهِ (٤) .
وَعَلَى هَذَا فَلاَ يُفَلَّسُ بِدَيْنٍ مُسَاوٍ لِمَالِهِ، وَهُوَ قَوْل الْمَالِكِيَّةِ، وَيُفْهَمُ أَيْضًا مِنْ كَلاَمِ الْحَنَابِلَةِ، وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: وَلَوْ لَمْ يَزِدْ دَيْنُهُ الْحَال عَلَى مَالِهِ لَكِنْ بَقِيَ مِنْ مَال الْمَدِينِ مَالًا يَفِي بِالْمُؤَجَّل يُفَلَّسُ أَيْضًا، كَمَنْ عَلَيْهِ مِائَتَانِ. مِائَةٌ حَالَّةٌ وَمِائَةٌ مُؤَجَّلَةٌ، وَمَعَهُ
_________
(١) المرجع السابق.
(٢) نهاية المحتاج ٤ / ٣٠٣، ٣٠٤.
(٣) حاشية الدسوقي ٣ / ٢٦٤، ونهاية المحتاج ٤ / ٣٠١، ٣٠٤، ٣٠٥، وكشاف القناع ٣ / ٤١٧.
(٤) نهاية المحتاج ٤ / ٣٠١، والمغني ٤ / ٤٣٨.
مِائَةٌ وَخَمْسُونَ فَقَطْ، فَيُفَلَّسُ، إِلاَّ إِنْ كَانَ يُرْجَى مِنْ تَنْمِيَتِهِ لِلْفَضْلَةِ - وَهِيَ خَمْسُونَ فِي مِثَالِنَا - وَفَاءُ الْمُؤَجَّل (١) .
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: إِنْ كَانَتْ دُيُونُهُ بِقَدْرِ مَالِهِ، فَإِنْ كَانَ كَسُوبًا يُنْفِقُ مِنْ كَسْبِهِ فَلاَ حَجْرَ لِعَدَمِ الْحَاجَةِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَسُوبًا، وَكَانَتْ نَفَقَتُهُ مِنْ مَالِهِ، فَيُحْجَرُ عَلَيْهِ كَيْ لاَ يُضَيِّعَ مَالَهُ فِي نَفَقَتِهِ عَلَى قَوْلٍ عِنْدَهُمْ. وَالأَْصَحُّ عِنْدَهُمْ: أَنَّهُ لاَ حَجْرَ فِي هَذِهِ الْحَال أَيْضًا، لِتَمَكُّنِ الْغُرَمَاءِ مِنَ الْمُطَالَبَةِ فِي الْحَال (٢) .
الشَّرِيطَةُ الرَّابِعَةُ:
١٠ - الدَّيْنُ الَّذِي يُحْجَرُ بِهِ هُوَ دَيْنُ الآْدَمِيِّينَ. أَمَّا دَيْنُ اللَّهِ تَعَالَى فَلاَ يُحْجَرُ بِهِ. نَصَّ عَلَى ذَلِكَ الشَّافِعِيَّةُ. قَالُوا: وَلَوْ فَوْرِيًّا، كَنَذْرٍ، وَإِنْ كَانَ مُسْتَحِقُّوهُ مَحْصُورِينَ، وَكَالزَّكَاةِ إِذَا حَال الْحَوْل وَحَضَرَ الْمُسْتَحِقُّونَ (٣) .
الشَّرِيطَةُ الْخَامِسَةُ:
١١ - يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الدَّيْنُ الْمَحْجُورُ بِهِ لاَزِمًا، فَلاَ حَجْرَ بِالثَّمَنِ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ، نَصَّ عَلَى ذَلِكَ الشَّافِعِيَّةُ (٤) .
الْحَجْرُ عَلَى الْمَدِينِ الْغَائِبِ:
١٢ - يَصِحُّ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ عَلَى قَوْل الصَّاحِبَيْنِ الْحَجْرُ عَلَى الْمَدِينِ الْغَائِبِ، وَلَكِنْ يُشْتَرَطُ عِلْمُ الْمَحْجُورِ
_________
(١) الشرح الكبير وحاشية الدسوقي ٣ / ٢٦٤.
(٢) نهاية المحتاج ٤ / ٣٠٣.
(٣) شرح المنهاج وحاشية القليوبي ٢ / ٢٨٥ ونهاية المحتاج وحواشيه ٤ / ٣٠١.
(٤) حاشية القليوبي على المنهاج ٢ / ٢٨٥، ونهاية المحتاج ٤ / ٣٠١.
عَلَيْهِ بَعْدَ الْحَجْرِ، حَتَّى إِنَّ كُل تَصَرُّفٍ بَاشَرَهُ بَعْدَ الْحَجْرِ قَبْل الْعِلْمِ بِهِ يَكُونُ صَحِيحًا عِنْدَهُمْ (١) .
وَإِنْ ثَبَتَ الدَّيْنُ بِإِقْرَارِهِ، أَوْ بِبَيِّنَةٍ قَامَتْ عَلَيْهِ عِنْدَ الْقَاضِي، فَغَابَ الْمَطْلُوبُ قَبْل الْحُكْمِ وَامْتَنَعَ مِنَ الْحُضُورِ، قَال أَبُو يُوسُفَ: يَنْصِبُ الْقَاضِي وَكِيلًا، وَيَحْكُمُ عَلَيْهِ بِالْمَال، إِنْ سَأَل الْخَصْمُ ذَلِكَ، وَإِنْ سَأَل الْخَصْمُ أَنْ يُحْجَرَ عَلَيْهِ، فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ لاَ يُحْكَمُ وَلاَ يُحْجَرُ حَتَّى يَحْضُرَ الْغَائِبُ، ثُمَّ يُحْكَمُ عَلَيْهِ، ثُمَّ يُحْجَرُ عَلَيْهِ عِنْدَ مُحَمَّدٍ، لأَِنَّهُ إِنَّمَا يُحْجَرُ بَعْدَ الْحُكْمِ لاَ قَبْلَهُ. كَذَا فِي الذَّخِيرَةِ.
وَفِي النَّوَادِرِ عَنْ مُحَمَّدٍ: إِنْ كَانُوا قَدْ أَثْبَتُوا دُيُونَهُمْ يُحْجَرُ عَلَيْهِ (٢) .
وَيَصِحُّ الْحَجْرُ عَلَى الْغَائِبِ كَذَلِكَ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، إِنْ كَانَتْ غَيْبَتُهُ مُتَوَسِّطَةً كَعَشَرَةِ أَيَّامٍ، أَوْ طَوِيلَةً كَشَهْرٍ مَثَلًا، أَمَّا الْغَائِبُ الْغَيْبَةَ الْقَرِيبَةَ فَفِي حُكْمِ الْحَاضِرِ (٣) .
وَاشْتَرَطُوا لِلْحَجْرِ عَلَى الْغَائِبِ أَلاَّ يَتَقَدَّمَ الْعِلْمُ بِمَلاَءَتِهِ قَبْل سَفَرِهِ. فَإِنْ عَلِمَ مَلاَءَتَهُ قَبْل سَفَرِهِ اسْتُصْحِبَ ذَلِكَ وَلَمْ يُفَلَّسْ. . وَعِنْدَ ابْنِ رُشْدٍ يُفَلَّسُ فِي الْغَيْبَةِ الطَّوِيلَةِ، وَإِنْ عَلِمَ مَلاَءَتَهُ حَال خُرُوجِهِ (٤) .
وَلَمْ نَجِدْ لِلشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ كَلاَمًا عَنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِيمَا اطَّلَعْنَا عَلَيْهِ.
_________
(١) الفتاوى الهندية ٥ / ٦١، وشرح مجلة الأحكام للأتاسي ٣ / ٥٥٤.
(٢) الفتاوى الهندية ٥ / ٦٢.
(٣) واللجنة ترى أن التحديد بالأيام المذكورة أمر اجتهادي يرجع فيه إلى تقدير القاضي.
(٤) الزرقاني على خليل ٥ / ٢٦٥، والدسوقي ٣ / ٢٦٤.
مَنْ يَحْجُرُ عَلَى الْمُفْلِسِ:
١٣ - لاَ يَكُونُ الْمُفْلِسُ مَحْجُورًا عَلَيْهِ إِلاَّ بِحَجْرِ الْقَاضِي عَلَيْهِ. وَالْحَجْرُ لِلْقَاضِي دُونَ غَيْرِهِ، لاِحْتِيَاجِهِ إِلَى نَظَرٍ وَاجْتِهَادٍ. هَذَا وَإِنَّ لِقِيَامِ الْغُرَمَاءِ عَلَى الْمَدِينِ الَّذِي أَحَاطَ الدَّيْنُ بِمَالِهِ بَعْضَ أَحْكَامِ التَّفْلِيسِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، وَيُسَمَّى هَذَا عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ تَفْلِيسًا عَامًّا، وَهُوَ أَنْ يَقُومَ الْغُرَمَاءُ عَلَى مَنْ أَحَاطَ الدَّيْنُ بِمَالِهِ - وَقَبْل أَنْ يَحْجُرَ عَلَيْهِ الْحَاكِمُ - فَيَسْجُنُوهُ، أَوْ يَقُومُوا عَلَيْهِ فَيَسْتَتِرُ عَنْهُمْ فَلاَ يَجِدُونَهُ، وَيَحُولُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ التَّصَرُّفِ فِي مَالِهِ بِالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ وَالأَْخْذِ وَالإِْعْطَاءِ، هَذَا بِالإِْضَافَةِ إِلَى مَنْعِ تَبَرُّعِهِ، وَمَنْعِهِمْ لِسَفَرِهِ، كَمَا فِي كُل مَدِينٍ بِدَيْنٍ حَالٍّ أَوْ يَحِل فِي الْغَيْبَةِ، وَلَيْسَ لَهُمْ فِي هَذِهِ الْحَال مَنْعُهُ مِنْ تَزَوُّجٍ وَاحِدَةٍ، وَتَرَدَّدُوا فِي حَجِّ الْفَرِيضَةِ، وَالْفَتْوَى عِنْدَهُمْ عَلَى أَنَّ لَهُمْ مَنْعَهُ مِنْهُ (١) .
وَنَقَل ابْنُ رَجَبٍ الْحَنْبَلِيُّ فِي قَوَاعِدِهِ أَنَّ ابْنَ تَيْمِيَّةَ كَانَ لاَ يَرَى نَفَاذَ تَبَرُّعِ الْمَدِينِ بِالدَّيْنِ الْمُسْتَغْرِقِ بَعْدَ الْمُطَالَبَةِ (٢) .
وَنُقِل عَنِ الإِْمَامِ أَحْمَدَ أَنَّ تَصَرُّفَهُ بِالْعَيْنِ الَّتِي لَهُ حَقُّ الرُّجُوعِ فِيهَا عَلَى الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ لاَ يَنْفُذُ إِنْ طَالَبَهُ بِهَا صَاحِبُهَا، وَلَوْ قَبْل الْحَجْرِ (٣) .
وَأَمَّا عِنْدَ سَائِرِ الْفُقَهَاءِ فَإِنَّ الْمُفْلِسَ قَبْل الْحَجْرِ عَلَيْهِ كَغَيْرِ الْمُفْلِسِ، وَمَا يَفْعَلُهُ مِنْ بَيْعٍ أَوْ هِبَةٍ أَوْ إِقْرَارٍ أَوْ قَضَاءِ بَعْضِ الْغُرَمَاءِ دُونَ بَعْضٍ فَهُوَ جَائِزٌ نَافِذٌ، لأَِنَّهُ رَشِيدٌ غَيْرُ مَحْجُورٍ عَلَيْهِ، فَنَفَذَ تَصَرُّفُهُ كَغَيْرِهِ.
_________
(١) الزرقاني والبناني ٥ / ٢٦٤.
(٢) قواعد ابن رجب، قاعدة ١٢ ص ١٤.
(٣) قواعد ابن رجب، قاعدة ٥٣ ص ٨٧.