الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٥ الصفحة 59

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٥

﴿لَوْ سَتَرْتَهُ بِثَوْبِكَ كَانَ خَيْرًا لَكَ﴾ (١) . وَاسْتَثْنَوْا مِنْ ذَلِكَ الْمُتَهَتِّكَ الَّذِي لاَ يُبَالِي بِإِتْيَانِ الْمَحْظُورَاتِ وَلاَ يَتَأَلَّمُ لِذِكْرِهِ بِالْمَعَاصِي. وَقَال الْفُقَهَاءُ: يَقُول الشَّاهِدُ عَلَى السَّرِقَةِ: أَخَذَ، لاَ سَرَقَ، إِحْيَاءً لِلْحَقِّ وَرِعَايَةً لِلسَّتْرِ. وَإِذَا طَعَنَ فِي الشُّهُودِ يَجُوزُ أَنْ يَسْأَل عَنْهُمُ الْقَاضِيَ جَهْرًا أَوْ سِرًّا عَلَى الْمُفْتَى بِهِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ. وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: إِنَّ الشَّاهِدَ مُخَيَّرٌ فِي الرَّفْعِ إِلَى الْقَاضِي أَوِ التَّرْكِ، إِلاَّ فِي الْحُدُودِ فَالتَّرْكُ فِيهَا أَوْلَى، لِمَا فِيهِ مِنَ السَّتْرِ الْمَطْلُوبِ فِي غَيْرِ الْمُتَجَاهِرِ بِفِسْقِهِ، وَأَمَّا الْمُجَاهِرُ فَيُرْفَعُ أَمْرُهُ. وَكَوْنُ التَّرْكِ مَنْدُوبًا هُوَ قَوْلٌ لِبَعْضِ الْمَالِكِيَّةِ، وَفِي الْمَوَّاقِ: سَتْرُ الإِْنْسَانِ عَلَى نَفْسِهِ وَعَلَى غَيْرِهِ وَاجِبٌ، وَحِينَئِذٍ يَكُونُ تَرْكُ الرَّفْعِ وَاجِبًا. وَقَال صَاحِبُ الطَّرِيقَةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ: مَا وَقَعَ فِي مَجْلِسٍ مِمَّا يُكْرَهُ إِفْشَاؤُهُ إِنْ لَمْ يُخَالِفِ الشَّرْعَ يَجِبُ كِتْمَانُهُ. وَإِنْ خَالَفَ الشَّرْعَ، فَإِنْ كَانَ حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى، وَلَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ، كَالْحَدِّ وَالتَّعْزِيرِ فَكَذَلِكَ، وَإِنْ تَعَلَّقَ بِهِ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ فَلَكَ الْخِيَارُ، وَالسَّتْرُ أَفْضَل كَالزِّنَا وَشُرْبِ الْخَمْرِ. وَإِنْ كَانَ حَقُّ الْعَبْدِ، فَإِنْ تَعَلَّقَ بِهِ ضَرَرٌ لأَِحَدٍ مَالِيٌّ لاَ بَدَنِيٌّ، أَوْ

_________

(١) حديث: " لو سترته بثوبك. . . " أخرجه أبو داود من حديث نعيم ﵁ بلفظ " أن ماعزا أتى النبي ﷺ فأقر عنده أربع مرات فأمر برجمه، وقال لهزال: لو سترته بثوبك كان خيرا لك "، قال الزيلعي: نعيم ذكره ابن حبان في الثقات، وهو مختلف في صح (عون المعبود ٤ / ٢٣٣ ط الهند، والمستدرك ٤ / ٣٦٣ نشر دار الكتاب العربي، ونصب الراية ٣ / ٣٠٧ ط دار المأمون) .

حُكْمٌ شَرْعِيٌّ كَالْقِصَاصِ وَالتَّضْمِينِ، فَعَلَيْكَ الإِْعْلاَمُ إِنْ جَهِل، وَالشَّهَادَةُ إِنْ طَلَبَ، وَإِلاَّ فَالْكَتْمُ (١) .

اسْتِعْمَال الْمَعَارِيضِ لِتَجَنُّبِ إِفْشَاءِ السِّرِّ:

١١ - الْمَعَارِيضُ فِي الْكَلاَمِ هِيَ التَّوْرِيَةُ بِالشَّيْءِ عَنِ الشَّيْءِ. وَفِي الْحَدِيثِ: ﴿إِنَّ فِي الْمَعَارِيضِ لَمَنْدُوحَةً عَنِ الْكَذِبِ﴾ (٢) . وَقَال عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: أَمَا فِي الْمَعَارِيضِ مَا يَكْفِي الرَّجُل عَنِ الْكَذِبِ؟ وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِ. وَهَذَا إِذَا اضْطُرَّ الإِْنْسَانُ إِلَى الْكَذِبِ لِتَجَنُّبِ إِفْشَاءِ السِّرِّ، وَتَفْصِيلُهُ فِي مُصْطَلَحِ (تَوْرِيَةٌ) (وَتَعْرِيضٌ) . وَقَال إِمَامُ زَادَهْ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ: وَيُعَدُّ الْحَدِيثُ الَّذِي حَدَّثَهُ بِهِ أَخُوهُ أَمَانَةً، وَلاَ يُفْشِيهَا لِغَيْرِهِ إِلاَّ بِإِذْنِهِ، وَإِذَا حَدَّثَ بِهِ أَحَدًا أَدَّاهُ عَلَى أَحْسَنِ وَجْهٍ، وَاخْتَارَ أَجْوَدَ مَا سَمِعَ (٣) .

تَجَنُّبُ الإِْفْشَاءِ فِي الْحَرْبِ:

١٢ - كِتْمَانُ أَسْرَارِ جَيْشِ الْمُسْلِمِينَ عَنِ الْعَدُوِّ مَطْلُوبٌ، لأَِنَّ السِّرَّ قَدْ يَصِل إِلَى الْعَدُوِّ فَيَسْتَفِيدُ مِنْ ذَلِكَ (٤) .

_________

(١) الطريقة المحمدية لمحمد بن بير علي المشهور ببركلي زين الدين. (نسخة مخطوطة بمكتبة الموسوعة برقم خ ٤٣ الورقة ١٣٧ (باب إفشاء السر) . وابن عابدين ٤ / ٣٧١، والشرح الكبير ٤ / ١٧٤ - ١٧٥، والمنهج ٤ / ٣٧٩.

(٢) حديث: " إن في المعاريض لمندوحة عن الكذب. . . " رواه ابن عدي كما في فيض القدير (٢ / ٤٧٢) وقال المناوي: قال الذهبي: داود - يعني الذي في إسناده - تركه أبو داود.

(٣) شرعة الإسلام، الإمام زادة مخطوطة بمكتبة الموسوعة الفقهية بالكويت، برقم (خ ٦٦) الورقة ٥٩ (باب إفشاء السر من آفات اللسان) .

(٤) شرح السير الكبير ١ / ٨٩ - ٩٠.

وَلِذَلِكَ جَازَ الْكَذِبُ فِي الْحَرْبِ تَجَنُّبًا لإِفْشَاءِ أَسْرَارِ الْمُسْلِمِينَ لِلْعَدُوِّ. وَمِنَ الْكِتْمَانِ أَلاَّ يَذْكُرَ قَائِدُ الْجَيْشِ لِجُنُودِهِ الْوَجْهَ الَّذِي يُرِيدُونَ، فَقَدْ كَانَ رَسُول اللَّهِ ﷺ إِذَا أَرَادَ غَزْوَةً وَرَى بِغَيْرِهَا (١) أَمَّا السَّعْيُ لِلْحُصُول عَلَى أَسْرَارِ الْعَدُوِّ فَهُوَ مَطْلُوبٌ، لاِتِّقَاءِ شَرِّهِ، وَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَسْتَطْلِعُ أَخْبَارَ الْعَدُوِّ.

إِفْضَاءٌ

التَّعْرِيفُ

١ - الإِْفْضَاءُ: مَصْدَرُ أَفْضَى، وَفَضَا الْمَكَانُ فَضْوًا: إِذَا اتَّسَعَ، وَأَفْضَى الرَّجُل بِيَدِهِ إِلَى الأَْرْضِ: مَسَّهَا بِبَاطِنِ رَاحَتِهِ، وَأَفْضَى إِلَى امْرَأَتِهِ: بَاشَرَهَا وَجَامَعَهَا، وَأَفْضَاهَا: جَعَل مَسْلَكَيْهَا بِالاِفْتِضَاضِ وَاحِدًا، وَأَفْضَى إِلَى الشَّيْءِ: وَصَل إِلَيْهِ، وَأَفْضَى إِلَيْهِ بِالسِّرِّ: أَعْلَمَهُ (٢) .

٢ - وَيُطْلِقُ الْفُقَهَاءُ الإِْفْضَاءَ، وَيُرِيدُونَ بِهِ مَعَانِيَ: الأَْوَّل: الْمُلاَمَسَةُ. قَال الشَّافِعِيُّ ﵀: الْمُلاَمَسَةُ أَنْ يُفْضِيَ الرَّجُل بِشَيْءٍ مِنْ جَسَدِهِ إِلَى جَسَدِ الْمَرْأَةِ، أَوْ تُفْضِي إِلَيْهِ بِشَيْءٍ مِنْهَا بِلاَ حَائِلٍ (ر: وُضُوءٌ، وَمَسٌّ) .

_________

(١) الآداب الشرعية ١ / ١٥ - ١٧، والأذكار ١٨٦. وحديث " كان إذا أراد غزوة ورى بغيرها ". أخرجه البخاري (الفتح ٨ / ١١٣ ط السلفية)، ومسلم (٤ / ٢١٢٨ ط الحلبي) .

(٢) المصباح المنير، ومختار الصحاح مادة (فضا) .

الثَّانِي: الْجِمَاعُ. وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾ (١) فَالْمُرَادُ بِالإِْفْضَاءِ الْجِمَاعُ عِنْدَ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ. الثَّالِثُ: خَلْطُ السَّبِيلَيْنِ. مِثْل أَنْ يُجَامِعَ الرَّجُل امْرَأَتَهُ الصَّغِيرَةَ الَّتِي لاَ تَحْتَمِل الْجِمَاعَ، فَيُصَيِّرُ مَسْلَكَيْهَا مَسْلَكًا وَاحِدًا (٢) .

حُكْمُ الإِْفْضَاءِ:

٣ - الإِْفْضَاءُ بِمَعْنَى إِفْشَاءِ السِّرِّ، يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ (إِفْشَاءُ السِّرِّ) . أَمَّا الإِْفْضَاءُ بِمَعْنَى الْمُلاَمَسَةِ. هَل هُوَ نَاقِضٌ لِلْوُضُوءِ وَمُوجِبٌ لِلْمَهْرِ أَوْ لاَ؟ فَمَوْطِنُهُ مُصْطَلَحُ: (وُضُوءٌ، وَمَهْرٌ) . أَمَّا حُكْمُ الإِْفْضَاءِ بِمَعْنَى خَلْطِ السَّبِيلَيْنِ: فَالْمُفْضِي إِمَّا أَنْ يَكُونَ الزَّوْجُ أَوْ أَجْنَبِيًّا.

إِفْضَاءُ الزَّوْجِ:

٤ - إِذَا وَطِئَ الرَّجُل زَوْجَتَهُ الْكَبِيرَةَ الْمُحْتَمِلَةَ لِلْوَطْءِ، فَأَفْضَاهَا، لاَ يَجِبُ عَلَيْهِ الضَّمَانُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ، وَهُوَ رَأْيُ الْحَنَابِلَةِ، لأَِنَّهُ وَطْءٌ مُسْتَحَقٌّ، فَلَمْ يَجِبْ مَا تَلِفَ بِهِ كَالْبَكَارَةِ، وَلأَِنَّهُ فِعْلٌ مَأْذُونٌ فِيهِ مِمَّنْ يَصِحُّ إِذْنُهُ، فَلَمْ يَضْمَنْ مَا تَلِفَ بِسِرَايَتِهِ، كَمَا لَوْ أَذِنَتْ فِي مُدَاوَاتِهَا بِمَا يُفْضِي إِلَى ذَلِكَ. وَقَال أَبُو يُوسُفَ: يَجِبُ الضَّمَانُ، كَمَا لَوْ كَانَ فِي أَجْنَبِيَّةٍ، وَهُوَ رَأْيُ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ، غَيْرَ أَنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي تَقْدِيرِ الْوَاجِبِ، فَقَال أَبُو يُوسُفَ: إِذَا

_________

(١) سورة النساء / ٢١.

(٢) الزاهر ص ٤٨٩ ط وزارة الأوقاف في الكويت.

أَفْضَاهَا فَاسْتَمْسَكَ الْبَوْل فَعَلَيْهِ ثُلُثُ دِيَةٍ، وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: عَلَيْهِ حُكُومَةٌ، وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: فِيهِ دِيَةٌ كَامِلَةٌ. وَإِذَا لَمْ يَسْتَمْسِكْ بَوْلُهَا، فَفِيهَا دِيَةٌ كَامِلَةٌ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ، وَدِيَةٌ وَحُكُومَةٌ، أَوْ دِيَتَانِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ رَأْيَانِ: الأَْوَّل لِلْمُدَوَّنَةِ فِيهِ حُكُومَةٌ فَقَطْ. وَالثَّانِي لاِبْنِ الْقَاسِمِ، فِيهِ الدِّيَةُ (١) . وَإِذَا أَفْضَى زَوْجَتَهُ الصَّغِيرَةَ، أَوِ الَّتِي لاَ تَحْتَمِل الْوَطْءَ، فَفِيهَا الضَّمَانُ بِالإِْجْمَاعِ عَلَى مَا هُوَ مُبَيَّنٌ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ، وَهَذَا كُلُّهُ إِذَا كَانَ الْجِمَاعُ فِي الْمَحَل الْمَشْرُوعِ. وَأَمَّا إِذَا كَانَ الإِْفْضَاءُ فِي غَيْرِهِ فَإِنَّهُ يَكُونُ بِذَلِكَ مُتَعَدِّيًا، فَيَجِبُ عَلَيْهِ الضَّمَانُ إِجْمَاعًا عَلَى مَا سَبَقَ، لأَِنَّهُ اسْتِعْمَالٌ فِي مَحَلٍّ غَيْرِ مَأْذُونٍ فِيهِ (٢) .

إِفْضَاءُ الأَْجْنَبِيِّ:

٥ - إِذَا أَفْضَى امْرَأَةً فِي زِنًى فَإِنْ كَانَتْ مُطَاوِعَةً حُدَّا، وَلاَ غُرْمَ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، لأَِنَّهُ ضَرَرٌ حَصَل مِنْ فِعْلٍ مَأْذُونٍ فِيهِ مِنْهَا، فَلَمْ يَضْمَنْهُ، كَأَرْشِ بَكَارَتِهَا، وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: عَلَيْهِ دِيَةٌ مَعَ الْحَدِّ، لأَِنَّ الْمَأْذُونَ فِيهِ الْوَطْءُ لاَ الْفَتْقُ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَطَعَ يَدَهَا. وَإِنْ كَانَتِ الْمَرْأَةُ مُغْتَصَبَةً (غَيْرَ مُطَاوِعَةٍ)، فَعَلَى الْمُغْتَصِبِ الْحَدُّ وَالضَّمَانُ إِجْمَاعًا، غَيْرَ أَنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي مِقْدَارِهِ، فَقَال الْحَنَفِيَّةُ: عَلَيْهِ أَرْشُ الإِْفْضَاءِ لاَ الْعُقْرُ (٣)، وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ فِيهِ الصَّدَاقَ

_________

(١) ابن عابدين ٥ / ٣٦٤، والمغني ٨ / ٥٠ ط السعودية - الرياض، والمدونة ٦ / ٢٥٣ ط دار صادر بيروت، وحاشية الدسوقي ٤ / ٢٧٧ ط دار الفكر، والجمل ٥ / ٧٦.

(٢) ابن عابدين ٥ / ٣٦٤، والمغني ٨ / ٥٠، والمدونة ٦ / ٢٥٣.

(٣) العقر (بضم العين) دية فرج المرأة إذا غصبت على نفسها، ثم استعمل ذلك في معنى المهر (المصباح) .

وَحُكُومَةَ عَدْلٍ، وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ: إِلَى أَنَّ فِيهِ الدِّيَةَ، وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ: إِلَى أَنَّ فِيهِ ثُلُثَ دِيَتِهَا وَمَهْرَ مِثْلِهَا (١) .

الإِْفْضَاءُ فِي نِكَاحٍ فَاسِدٍ:

٦ - إِذَا وَطِئَ امْرَأَةً بِشُبْهَةٍ، أَوْ فِي نِكَاحٍ فَاسِدٍ فَأَفْضَاهَا، فَقَدْ نَصَّ الْحَنَابِلَةُ عَلَى أَنَّ عَلَيْهِ أَرْشَ إِفْضَائِهَا مَعَ مَهْرِ مِثْلِهَا، لأَِنَّ الْفِعْل إِنَّمَا أُذِنَ فِيهِ اعْتِقَادًا أَنَّ الْمُسْتَوْفِيَ لَهُ هُوَ الْمُسْتَحِقُّ، فَإِذَا كَانَ غَيْرَهُ ثَبَتَ فِي حَقِّهِ وُجُوبُ الضَّمَانِ لِمَا أَتْلَفَ، كَمَا لَوْ أَذِنَ فِي أَخْذِ الدَّيْنِ لِمَنْ يَعْتَقِدُ أَنَّهُ مُسْتَحِقُّهُ فَبَانَ أَنَّهُ غَيْرُهُ. وَقَال أَبُو حَنِيفَةَ: يَجِبُ لَهَا أَكْثَرُ الأَْمْرَيْنِ مِنْ مَهْرِ مِثْلِهَا أَوْ أَرْشِ إِفْضَائِهَا، لأَِنَّ الأَْرْشَ لإِتْلاَفِ الْعُضْوِ، فَلاَ يُجْمَعُ بَيْنَ ضَمَانِهِ وَضَمَانِ مَنْفَعَتِهِ، كَمَا لَوْ قَلَعَ عَيْنًا. وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: فِيهِ الدِّيَةُ، لأَِنَّهُ إِتْلاَفٌ، وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ النِّكَاحِ الصَّحِيحِ وَالْفَاسِدِ. وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: يَجِبُ حُكُومَةُ عَدْلٍ لِلإِْتْلاَفِ وَالإِْفْضَاءِ زِيَادَةً عَلَى الْمَهْرِ (٢) .

_________

(١) ابن عابدين ٥ / ٣٦٤، وحواشي التحفة ٨ / ٤٨١، وحاشية الدسوقي ٤ / ٢٧٨، والمدونة ٦ / ٢٥٤، والمغني ٨ / ٥١ ط الرياض، والجمل ٥ / ٧٦ ط إحياء التراث.

(٢) المغني ٨ / ٥٢ ط الرياض، وحواشي التحفة ٨ / ٤٨١، وحاشية الدسوقي ٤ / ٢٧٨ ط دار الفكر، وابن عابدين ٥ / ٣٦٤.

إِفْطَارٌ

التَّعْرِيفُ:

١ - الإِْفْطَارُ لُغَةً: مَصْدَرُ أَفْطَرَ: يُقَال: أَفْطَرَ الصَّائِمُ: دَخَل فِي وَقْتِ الْفِطْرِ وَكَانَ لَهُ أَنْ يُفْطِرَ، وَمِنْ ذَلِكَ حَدِيثُ: ﴿إِذَا أَقْبَل اللَّيْل مِنْ هَاهُنَا، وَأَدْبَرَ النَّهَارُ مِنْ هَاهُنَا، وَغَرَبَتِ الشَّمْسُ، فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ﴾ (١) . وَالإِْفْطَارُ فِي الاِصْطِلاَحِ لاَ يَخْرُجُ عَنْ هَذَا الْمَعْنَى (٢) .

الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ:

٢ - الأَْصْل فِي الإِْفْطَارِ بِالنِّسْبَةِ لِمَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الصَّوْمُ الْحُرْمَةُ، إِذِ الصَّوْمُ مَعْنَاهُ الإِْمْسَاكُ عَنْ كُل مَا يُفْطِرُ. أَمَّا بِالنِّسْبَةِ لِصَوْمِ رَمَضَانَ فَظَاهِرٌ، وَأَمَّا بِالنِّسْبَةِ لِلصَّوْمِ الْوَاجِبِ بِالنَّذْرِ فَكَذَلِكَ، لأَِنَّهُ يُسْلَكُ بِالنَّذْرِ مَسْلَكَ الْوَاجِبِ بِالشَّرْعِ. وَقَدْ يَعْرِضُ لَهُ الْوُجُوبُ، لِوُجُودِ مَانِعٍ مِنَ الصَّوْمِ، سَوَاءٌ أَكَانَ الْمَانِعُ مِنْ نَاحِيَةِ الشَّخْصِ، كَالْمَرَضِ، الْمُؤَدِّي لِلْهَلاَكِ، وَكَالْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ، أَمْ كَانَ الْمَانِعُ مِنْ نَاحِيَةِ الأَْيَّامِ الَّتِي نُهِيَ عَنِ الصِّيَامِ فِيهَا

_________

(١) حديث: " إذا أقبل الليل من هاهنا، وأدبر النهار من هاهنا. . . ". أخرجه البخاري من حديث عمر بن الخطاب ﵁ مرفوعا. (فتح الباري ٤ / ١٩٦ ط السلفية) .

(٢) المصباح المنير ولسان العرب والمغرب مادة (فطر) .

كَيَوْمَيِ الْعِيدِ.

٣ - وَقَدْ يَكُونُ الْفِطْرُ مَكْرُوهًا، كَالْمُسَافِرِ الَّذِي تَحَقَّقَتْ لَهُ شَرَائِطُ السَّفَرِ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ لَهُ الْفِطْرُ مَعَ الْكَرَاهَةِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، إِذِ الصَّوْمُ أَفْضَل لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ (١) . وَكَإِفْطَارِ مَنْ شَرَعَ فِي صَوْمِ النَّفْل إِنْ كَانَ بِغَيْرِ عُذْرٍ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلاَ تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ (٢) . وَلِلْخُرُوجِ مِنْ خِلاَفِ مَنْ أَوْجَبَ إِتْمَامَهُ.

٤ - وَقَدْ يَكُونُ مَنْدُوبًا:

كَمَا لَوْ كَانَ هُنَاكَ عُذْرٌ، كَمُسَاعَدَةِ ضَيْفٍ فِي الأَْكْل إِذَا عَزَّ عَلَيْهِ امْتِنَاعُ مُضِيفِهِ مِنْهُ أَوْ عَكْسِهِ، فَلاَ يُكْرَهُ الإِْفْطَارُ بَل يُسْتَحَبُّ، لِحَدِيثِ ﴿وَإِنَّ لِزَوْرِكَ عَلَيْكَ حَقًّا﴾ (٣) وَحَدِيثِ: ﴿مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الآْخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ﴾ (٤) . أَمَّا إِذَا لَمْ يَعِزُّ عَلَى أَحَدِهِمَا امْتِنَاعُ الآْخَرِ عَنْ ذَلِكَ، فَالأَْفْضَل عَدَمُ خُرُوجِهِ مِنْهُ.

٥ - وَقَدْ يَكُونُ مُبَاحًا:

كَالْمَرِيضِ الَّذِي لاَ يَخْشَى الْهَلاَكَ، وَلَكِنَّهُ يَخْشَى زِيَادَةَ الْمَرَضِ، وَكَالْحَامِل الَّتِي تَخَافُ ضَرَرًا يَسِيرًا عَلَى حَمْلِهَا أَوْ نَفْسِهَا.

_________

(١) سورة البقرة / ١٨٤.

(٢) سورة محمد / ٣٣.

(٣) حديث: " وإن لزورك عليك حقا. . . " أخرجه البخاري من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ مرفوعا. (فتح الباري ٤ / ٢١٧، ٢١٨ ط السلفية) .

(٤) حديث: " من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه. . ". أخرجه مسلم من حديث أبي شريح الخزاعي ﵁ مرفوعا. (صحيح مسلم ١ / ٦٩ ط عيسى الحلبي) .

وَمِنَ الْمُبَاحِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ عَلَى خِلاَفِ الأَْفْضَلِيَّةِ بِنَاءً عَلَى اعْتِبَارِهِ رُخْصَةً أَوْ عَزِيمَةً (١) .

أَثَرُ الإِْفْطَارِ:

أ - فِي قَطْعِ الصَّوْمِ الْمُتَتَابِعِ:

٦ - مَنْ أَفْطَرَ بِغَيْرِ عُذْرٍ فِي نَهَارِ صَوْمٍ وَاجِبٍ يَجِبُ فِيهِ التَّتَابُعُ، كَصَوْمٍ عَنْ كَفَّارَةِ ظِهَارٍ أَوْ قَتْلٍ، انْقَطَعَ تَتَابُعُهُ وَوَجَبَ اسْتِئْنَافُهُ، فَإِنْ كَانَ لِعُذْرٍ فَلاَ يَنْقَطِعُ تَتَابُعُهُ وَيَبْنِي عَلَى مَا سَبَقَ (٢) . وَهَذَا فِي الْجُمْلَةِ. وَلِلْفُقَهَاءِ تَفْصِيلٌ فِيمَا يُعْتَبَرُ عُذْرًا لاَ يَقْطَعُ التَّتَابُعَ وَمَا لاَ يُعْتَبَرُ (ر: صَوْمٌ - كَفَّارَةٌ) .

ب - فِي تَرَتُّبِ الْقَضَاءِ وَغَيْرِهِ:

٧ - يَجِبُ الْقَضَاءُ عَلَى مَنْ أَفْطَرَ فِي صِيَامٍ وَاجِبٍ وَهَذَا بِاتِّفَاقٍ. وَفِي صِيَامِ التَّطَوُّعِ خِلاَفٌ. وَقَدْ يَكُونُ مَعَ الْقَضَاءِ فِدْيَةٌ أَوْ كَفَّارَةٌ. وَفِي ذَلِكَ تَفْصِيلٌ يُنْظَرُ فِي مَوْضِعِهِ.

_________

(١) ابن عابدين ١ / ١٩٣، ٢ / ١٢٠، ١٢١، والاختيار ١ / ١٢٥، ١٣٤، والزيلعي ١ / ٣٣٣، والشرح الصغير ١ / ٦٩١، ٧١٨، ٧١٩، ٧٢٠، والمجموع ٦ / ٢٥٨، ٢٦٣، ٢٦٧، ٢٦٨، ومغني المحتاج ١ / ٤٢٠، ٤٣٦، ٤٤٠، ٤٤٨، ٤٤٩، ٤ / ٣٦٥، ٣٦٨.

(٢) المغني ٧ / ٣٦٥، ٣٦٦.

إِفْكٌ

التَّعْرِيفُ:

١ - الإِْفْكُ: لُغَةً: الْكَذِبُ (١) .

وَيَسْتَعْمِلُهُ الْفُقَهَاءُ فِي بَابِ الْقَذْفِ بِمَعْنَى الْكَذِبِ، وَفِي الأَْلُوسِيِّ وَغَيْرِهِ، الإِْفْكُ: أَبْلَغُ مَا يَكُونُ مِنَ الْكَذِبِ وَالاِفْتِرَاءِ، وَكَثِيرًا مَا يُفَسَّرُ بِالْكَذِبِ مُطْلَقًا. وَقِيل هُوَ الْبُهْتَانُ لاَ تَشْعُرُ بِهِ حَتَّى يَفْجَأَكَ، وَأَصْلُهُ مِنِ الأَْفْكِ (بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ) وَهُوَ الْقَلْبُ وَالصَّرْفُ، لأَِنَّ الْكَذِبَ مَصْرُوفٌ عَنِ الْوَجْهِ الْحَقِّ (٢) .

وَقَدْ قَال الْمُفَسِّرُونَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِْفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾ (٣)

إِنَّ الْمُرَادَ مَا افْتُرِيَ عَلَى عَائِشَةَ ﵂، فَتَكُونُ (أَل) فِي " الإِْفْكِ " لِلْعَهْدِ، وَجَوَّزَ بَعْضُهُمْ حَمْل (أَل) عَلَى الْجِنْسِ، قِيل فَيُفِيدُ الْقَصْرَ: كَأَنَّهُ لاَ إِفْكَ إِلاَّ ذَلِكَ الإِْفْكَ، وَفِي لَفْظِ (الْمَجِيءِ) إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُمْ أَظْهَرُوهُ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَصْلٌ (٤) .

وَقَدْ وَرَدَ فِي سُورَةِ النُّورِ - الآْيَةَ ١١ فَمَا بَعْدَهَا - ذِكْرُ حَادِثَةِ الإِْفْكِ، وَتَشْرِيفُ اللَّهِ تَعَالَى لِعَائِشَةَ، وَتَبْرِئَتُهَا بِالْوَحْيِ.

_________

(١) مفردات القرآن للراغب الأصفهاني (أفك) .

(٢) النظم المستعذب ٢ / ٢٨٨ نشر دار المعرفة، وتفسير الألوسي ١٨ / ١١١ ط المنيرية، وتفسير الرازي ٢٣ / ١٧٢ ط البهية، والقرطبي ٢ / ١٩٨ ط دار الكتب.

(٣) سورة النور / ١١.

(٤) تفسير الألوسي ١٨ / ١١١، ١١٢، وتفسير الفخر الرازي ٢٣ / ١٧٢، ١٧٣.