الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٥ الصفحة 58

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٥

اشْتِرَاطِ أَمْرٍ مَحْظُورٍ أَوْ لاَ يَقْتَضِيهِ الْعَقْدُ، وَفِيهِ مَنْفَعَةٌ لأَِحَدِ الْعَاقِدَيْنِ.

وَالْعُقُودُ عِنْدَ اقْتِرَانِهَا بِهَذِهِ الشُّرُوطِ: نَوْعَانِ:

(الأَْوَّل): عُقُودٌ تَفْسُدُ عِنْدَ اقْتِرَانِهَا بِهَا،

(وَالثَّانِي): عُقُودٌ تَصِحُّ، وَيَسْقُطُ الشَّرْطُ، وَعَلَى هَذَا اتَّفَقَتِ الْمَذَاهِبُ الأَْرْبَعَةُ.

وَقَدِ اخْتَلَفَتِ الْمَذَاهِبُ فِي الأَْثَرِ النَّاشِئِ عَنِ الشُّرُوطِ:

فَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، كُل تَصَرُّفٍ لاَ يَكُونُ الْغَرَضُ مِنْهُ مُبَادَلَةَ مَالٍ بِمَالٍ، لاَ يَفْسُدُ بِالشُّرُوطِ الْفَاسِدَةِ، وَمَا عَدَا ذَلِكَ يَعْتَرِيهِ الْفَسَادُ.

فَاَلَّذِي يَفْسُدُ بِالشُّرُوطِ الْفَاسِدَةِ مِثْل: الْبَيْعِ، وَالْقِسْمَةِ، وَالإِْجَارَةِ، وَاَلَّذِي لاَ يَفْسُدُ مِثْل: النِّكَاحِ وَالْقَرْضِ، وَالْهِبَةِ، وَالْوَقْفِ، وَالْوَصِيَّةِ.

وَكَذَلِكَ الشَّافِعِيَّةُ، إِذْ يَفْسُدُ الْعَقْدُ عِنْدَهُمْ بِالشَّرْطِ فِي الْجُمْلَةِ، وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ اشْتِرَاطُ أَمْرٍ مَحْظُورٍ، أَوْ أَمْرٍ يُؤَدِّي إِلَى غَرَرٍ فَاحِشٍ، يُؤَدِّي إِلَى فَسَادِ الْعَمْدِ، فَالأَْمْرُ الْمَحْظُورُ مِثْل: مَا إِذَا اشْتَرَى دَارًا وَاشْتَرَطَ اتِّخَاذَهَا مَجْمَعًا لِلْفَسَادِ. فَالشَّرْطُ حَرَامٌ وَالْبَيْعُ فَاسِدٌ. وَالْغَرَرُ الْفَاحِشُ مِثْل: مَا إِذَا بَاعَ دَارًا وَاشْتَرَطَ أَنْ يَكُونَ ثَمَنُهَا يَكْفِيهِ لِلنَّفَقَةِ طُول حَيَاتِهِ، فَإِنَّهُ لاَ تُدْرَى نَفَقَتُهُ وَلاَ كَمْ يَعِيشُ.

وَخَالَفَ الْحَنَابِلَةُ فَقَالُوا: هَذِهِ الشُّرُوطُ الْمُحَرَّمَةُ أَوْ تِلْكَ الَّتِي تُؤَدِّي إِلَى غَرَرٍ فَاحِشٍ، لاَ تُؤَدِّي إِلَى إِفْسَادِ الْعَقْدِ، وَإِنَّمَا تُلْغَى، وَيَصِحُّ الْعَقْدُ. أَمَّا الشُّرُوطُ الَّتِي تُؤَدِّي إِلَى إِفْسَادِ الْعَقْدِ فَهِيَ، اشْتِرَاطُ عَقْدٍ فِي عَقْدٍ، أَوْ شَرْطَيْنِ فِي بَيْعٍ، أَوِ اشْتِرَاطُ مَا يُنَافِي مَقْصُودَ الْعَقْدِ. مِثْل: مَا إِذَا اشْتَرَطَ أَحَدُ الْمُتَبَايِعَيْنِ عَلَى الآْخَرِ عَقْدًا آخَرَ كَشَرْطٍ لِلْبَيْعِ،

كَأَنْ يَقُول: بِعْتُكَ هَذِهِ الدَّارَ عَلَى أَنْ تَبِيعَنِي هَذِهِ الْفَرَسَ. فَهَذَا اشْتِرَاطُ عَقْدٍ فِي عَقْدٍ، وَمِثْل: مَا إِذَا اشْتَرَطَ الْبَائِعُ عَلَى الْمُشْتَرِي أَلاَ يَبِيعَ الْمَبِيعَ، وَكَذَلِكَ إِنْ شَرَطَ أَنَّ الْجَارِيَةَ الْمَبِيعَةَ لاَ تَحْمِل، أَوْ تَضَعُ الْوَلَدَ فِي وَقْتٍ بِعَيْنِهِ. فَهَذَا اشْتِرَاطٌ يُنَافِي مَقْصُودَ الْعَقْدِ (١) .

إِفْسَادُ النِّكَاحِ:

١١ - إِفْسَادُ النِّكَاحِ بَعْدَ وُجُودِهِ صَحِيحًا لاَ يُسْقِطُ حَقَّ الْمَرْأَةِ فِي الصَّدَاقِ إِنْ كَانَ بَعْدَ الدُّخُول اتِّفَاقًا، أَمَّا قَبْل الدُّخُول فَإِنَّهُ لاَ يُسْقِطُ حَقَّهَا فِي نِصْفِ الْمَهْرِ، إِذَا وَقَعَ الإِْفْسَادُ مِنْ جِهَتِهِ، كَرِدَّتِهِ (٢) .

أَمَّا لَوْ وَقَعَ إِفْسَادُ النِّكَاحِ مِنْ جِهَتِهَا، فَلاَ مَهْرَ لَهَا وَلاَ نَفَقَةَ، لِتَسَبُّبِهَا فِي إِفْسَادِ النِّكَاحِ الَّذِي هُوَ مُوجِبٌ لِلْمَهْرِ. وَلِتَفْصِيل ذَلِكَ يُنْظَرُ مُصْطَلَحُ: (نِكَاحٌ) (وَرَضَاعٌ) .

أَثَرُ الإِْفْسَادِ فِي التَّوَارُثِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ:

١٢ - إِذَا وَقَعَتِ الْفُرْقَةُ بِإِفْسَادِ النِّكَاحِ بِغَيْرِ طَلاَقٍ انْتَفَى التَّوَارُثُ عِنْدَ مَوْتِ أَحَدِهِمَا، أَمَّا مَا كَانَتِ الْفُرْقَةُ فِيهِ بِطَلاَقٍ فَإِنَّهُ يَثْبُتُ فِيهِ التَّوَارُثُ فِي بَعْضِ الأَْحْوَال، كَمَا لَوْ طَلَّقَهَا فِي مَرَضِ الْمَوْتِ فَارًّا مِنْ

_________

(١) بدائع الصنائع ٥ / ١٦٨، ١٦٩، ١٧٢، ١٧٤ ط دار الكتاب، وابن عابدين ٤ / ١٠٧ ط بولاق، وبداية المجتهد ٢ / ١٧٤، والدسوقي ٣ / ٥٧، ٥٨، ٦٥، ومغني المحتاج ٢ / ٣٣، ٣٤، ١١٥، ٢١٢، ٣٦٩، ٣٧٠، وكشاف القناع ٣ / ١٥٥، ١٥٧.

(٢) ابن عابدين ١ / ٤١١، ومنهاج الطالبين بهامش قليوبي وعميرة ٣ / ٢٨٦، والمغني ٦ / ٦٣٩، ٧٥٢.

تَوْرِيثِهَا (١) .

إِفْسَادُ الزَّوْجَةِ عَلَى زَوْجِهَا:

١٣ - يَحْرُمُ إِفْسَادُ الْمَرْأَةِ عَلَى زَوْجِهَا، لِقَوْلِهِ ﷺ: مَنْ خَبَّبَ زَوْجَةَ امْرِئٍ أَوْ مَمْلُوكَهُ فَلَيْسَ مِنَّا (٢)

فَمَنْ أَفْسَدَ زَوْجَةَ امْرِئٍ أَيْ: أَغْرَاهَا بِطَلَبِ الطَّلاَقِ أَوِ التَّسَبُّبِ فِيهِ فَقَدْ أَتَى بَابًا عَظِيمًا مِنْ أَبْوَابِ الْكَبَائِرِ. وَقَدْ صَرَّحَ الْفُقَهَاءُ بِالتَّضْيِيقِ عَلَيْهِ وَزَجْرِهِ، حَتَّى قَال الْمَالِكِيَّةُ بِتَأْبِيدِ تَحْرِيمِ الْمَرْأَةِ الْمُخَبَّبَةِ عَلَى مَنْ أَفْسَدَهَا عَلَى زَوْجِهَا مُعَامَلَةً لَهُ بِنَقِيضِ قَصْدِهِ، وَلِئَلاَّ يَتَّخِذَ النَّاسُ ذَلِكَ ذَرِيعَةً إِلَى إِفْسَادِ الزَّوْجَاتِ (٣) . ر - (تَخْبِيبٌ) .

الإِْفْسَادُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ:

١٤ - تَحْرُمُ الْوَقِيعَةُ وَإِفْسَادُ ذَاتِ الْبَيْنِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، لأَِمْرَيْنِ:

الأَْوَّل: الإِْبْقَاءُ عَلَى وَحْدَةِ الْمُسْلِمِينَ.

الثَّانِي: رِعَايَةُ حُرْمَتِهِمْ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْل اللَّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا﴾ (٤)، وَلِمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ نَظَرَ يَوْمًا إِلَى الْكَعْبَةِ فَقَال: مَا أَعْظَمَكِ وَأَعْظَمَ حُرْمَتِكِ، وَالْمُؤْمِنُ أَعْظَمُ حُرْمَةً عِنْدَ اللَّهِ مِنْكِ (٥) وَلِهَذَا كَانَ إِصْلاَحُ ذَاتِ الْبَيْنِ مِنْ أَفْضَل

_________

(١) القوانين الفقهية ص ١٤٠، والاختيار ٣ / ١٠٤، والمغني ٦ / ٤٥٣، وابن عابدين ٢ / ٣٥٠، وقليوبي وعميرة ٣ / ٧٩، ٨٤، ٢٨٥.

(٢) حديث: " من خبب. . . " أخرجه أبو داود وسكت عنه، ونسبه المنذري للنسائي أيضا. (عون المعبود ٤ / ٥٠٨ ط الهند) .

(٣) فتح العلي المالك ١ / ٣٣٩، وعون المعبود في شرح سنن أبو داود ٦ / ١٢٣.

(٤) سورة آل عمران / ١٠٣.

(٥) الأثر عن ابن عمر أنه نظر يوما إلى الكعبة. أخرجه الترمذي وقال: هذا حديث حسن غريب. (تحفة الأحوذي ٦ / ١٨١ نشر السلفية) .

الْقُرُبَاتِ، وَإِفْسَادُ ذَاتِ الْبَيْنِ مِنْ أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ، لِقَوْلِهِ ﷺ: أَلاَ أُخْبِرُكُمْ بِأَفْضَل مِنْ دَرَجَةِ الصِّيَامِ وَالصَّلاَةِ وَالصَّدَقَةِ قَالُوا: بَلَى، قَال: إِصْلاَحُ ذَاتِ بَيْنٍ، فَإِنَّ فَسَادَ ذَاتِ الْبَيْنِ هِيَ الْحَالِقَةُ (١) وَلِهَذَا نَهَى الرَّسُول ﷺ عَنْ تَتَبُّعِ عَوْرَاتِ الْمُسْلِمِينَ، وَعَنِ الْغِيبَةِ، وَالنَّمِيمَةِ، وَسُوءِ الظَّنِّ، وَالتَّبَاغُضِ، وَالتَّحَاسُدِ، وَكُل مَا يُؤَدِّي إِلَى الْوَقِيعَةِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ: فَقَال ﷺ: لاَ تَبَاغَضُوا وَلاَ تَحَاسَدُوا وَلاَ تَدَابَرُوا، وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا، وَلاَ يَحِل لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ (٢)

أَمَّا الإِْفْسَادُ فِي الأَْرْضِ بِقَطْعِ الطَّرِيقِ وَسَلْبِ الأَْمْوَال وَالأَْعْرَاضِ وَإِتْلاَفِ النُّفُوسِ فَهُوَ مُحَرَّمٌ، وَعُقُوبَتُهُ مَنْصُوصٌ عَلَيْهَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَْرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلاَفٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأَْرْضِ﴾ (٣) . وَتَفْصِيلُهُ فِي حِرَابَةٌ.

كَمَا نَهَى الشَّارِعُ عَنْ جَمِيعِ أَنْوَاعِ الإِْفْسَادِ، بِفِعْل الْمَعَاصِي، وَإِشَاعَةِ الْفَوَاحِشِ، وَفِعْل كُل مَا فِيهِ ضَرَرٌ عَلَى الْمُسْلِمِينَ. قَال اللَّهُ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ

_________

(١) حديث: " ألا أخبركم. . . " أخرجه الترمذي وأبو داود وصححه ابن حبان، وقال الترمذي: هذا حديث صحيح (سنن الترمذي ٤ / ٦٦٣، ٦٦٤ ط استنبول، وسنن أبي داود ٥ / ٢١٨ ط استنبول، وموارد الظمآن ص ٤٨٦، وشرح السنة للبغوي ١٣ / ١١٦ نشر المكتب الإسلامي.

(٢) حديث: " لا تباغضوا ولا تحاسدوا. . . " أخرجه البخاري ومسلم من حديث أنس بن مالك ﵁ مرفوعا، (فتح الباري ١٠ / ٤٨١ ط السلفية، وصحيح مسلم ٤ / ١٩٨٣ ط عيسى الحلبي) .

(٣) سورة المائدة / ٣٣.

اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَل وَيُفْسِدُونَ فِي الأَْرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ (١) .

إِفْشَاءُ السِّرِّ

التَّعْرِيفُ:

١ - الإِْفْشَاءُ لُغَةً: الإِْظْهَارُ، يُقَال: أَفَشَا السِّرَّ: إِذَا أَظْهَرَهُ، فَفَشَا فَشْوًا وَفُشُوًّا، وَالسِّرُّ هُوَ مَا يُكْتَمُ، وَالإِْسْرَارُ خِلاَفُ الإِْعْلاَنِ (٢) .

وَلاَ يَخْرُجُ الْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ.

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:

أ - الإِْشَاعَةُ:

٢ - إِشَاعَةُ الْخَبَرِ: إِظْهَارُهُ وَنَشْرُهُ، وَالشُّيُوعُ: الظُّهُورُ (٣) .

ب - الْكِتْمَانُ:

٣ - الْكِتْمَانُ. الإِْخْفَاءُ: يُقَال: كَتَمْتُ زَيْدًا الْحَدِيثَ: أَيْ أَخْفَيْتُهُ عَنْهُ، فَهُوَ ضِدُّ الإِْفْشَاءِ (٤) .

ج - التَّجَسُّسُ:

٤ - هُوَ تَتَبُّعُ الأَْخْبَارِ، وَمِنْهُ الْجَاسُوسُ، لأَِنَّهُ يَتَتَبَّعُ الأَْخْبَارَ، وَيَفْحَصُ عَنْ بَوَاطِنِ الأُْمُورِ، وَهُوَ يُسْتَعْمَل غَالِبًا فِي الشَّرِّ (٥) فَالتَّجَسُّسُ: السَّعْيُ لِلْحُصُول عَلَى السِّرِّ.

_________

(١) سورة البقرة / ٢٧.

(٢) المصباح ولسان العرب وتاج العروس مادة (فشو) .

(٣) المصباح ولسان العرب.

(٤) المصباح ولسان العرب.

(٥) المصباح ولسان العرب.

د - التَّحَسُّسُ:

٥ - هُوَ الاِسْتِمَاعُ إِلَى حَدِيثِ الْغَيْرِ، وَهُوَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ، لِقَوْل رَسُول اللَّهِ ﷺ: وَلاَ تَجَسَّسُوا وَلاَ تَحَسَّسُوا وَلاَ تَحَاسَدُوا وَلاَ تَبَاغَضُوا وَلاَ تَدَابَرُوا، وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا (١) وَالتَّحَسُّسُ إِنْ كَانَ لإِذَاعَةِ أَخْبَارِ النَّاسِ السَّيِّئَةِ فَهُوَ كَإِفْشَاءِ السِّرِّ فِي الْحُرْمَةِ، وَقَدْ يَكُونُ التَّحَسُّسُ لإِشَاعَةِ الْخَيْرِ، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ﴾ (٢) .

حُكْمُهُ التَّكْلِيفِيُّ:

أَنْوَاعُ السِّرِّ:

يَتَنَوَّعُ السِّرُّ إِلَى ثَلاَثَةِ أَنْوَاعٍ:

أ - مَا أَمَرَ الشَّرْعُ بِكِتْمَانِهِ.

ب - مَا طَلَبَ صَاحِبُهُ كِتْمَانَهُ.

ج - مَا مِنْ شَأْنِهِ الْكِتْمَانُ وَاطُّلِعَ عَلَيْهِ بِسَبَبِ الْخُلْطَةِ أَوِ الْمَهْنَةِ.

النَّوْعُ الأَْوَّل: مَا أَمَرَ الشَّرْعُ بِكِتْمَانِهِ:

٦ - مِنَ الأُْمُورِ مَا يَحْظُرُ الشَّرْعُ إِفْشَاءَهُ لِمَصْلَحَةٍ دِينِيَّةٍ أَوْ دُنْيَوِيَّةٍ حَسَبَ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَى إِفْشَائِهِ مِنْ ضَرَرٍ. فَمِمَّا لاَ يَجُوزُ إِفْشَاؤُهُ:

مَا يَجْرِي بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ حَال الْوِقَاعِ، فَإِنَّ إِفْشَاءَ مَا يَقَعُ بَيْنَ الرَّجُل وَزَوْجَتِهِ حَال الْجِمَاعِ أَوْ مَا يَتَّصِل بِذَلِكَ حَرَامٌ مَنْهِيٌّ عَنْهُ، لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ إِنَّ مِنْ شَرِّ النَّاسِ عِنْدَ اللَّهِ مَنْزِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ الرَّجُل يُفْضِي إِلَى

_________

(١) حديث " ولا تجسسوا ولا تحسسوا ولا تحاسدوا. . . " أخرجه البخاري (فتح الباري ١٠ / ٤٨١ ط السلفية) ومسلم (٤ / ١٩٨٥ ط الحلبي) .

(٢) المصباح ولسان العرب وتاج العروس، وتفسير ابن كثير ٤ / ٢٣١، والآية من سورة يوسف / ٨٧.

امْرَأَتِهِ وَتُفْضِي إِلَيْهِ، ثُمَّ يَنْشُرُ سِرَّهَا (١) وَالْمُرَادُ مِنْ نَشْرِ السِّرِّ، ذِكْرُ مَا يَقَعُ بَيْنَ الرَّجُل وَامْرَأَتِهِ مِنْ أُمُورِ الْوَقَاعِ وَوَصْفِ تَفَاصِيل ذَلِكَ، وَمَا يَجْرِي مِنَ الْمَرْأَةِ مِنْ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ.

أَمَّا مُجَرَّدُ ذِكْرِ الْوِقَاعِ فَإِذَا لَمْ يَكُنْ لِحَاجَةٍ، فَذِكْرُهُ مَكْرُوهٌ، لأَِنَّهُ يُنَافِي الْمُرُوءَةَ، فَقَدْ قَال النَّبِيُّ ﷺ: مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الآْخِرِ فَلْيَقُل خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ (٢) .

فَإِنْ دَعَتْ إِلَى ذِكْرِهِ حَاجَةٌ، وَتَرَتَّبَتْ عَلَيْهِ فَائِدَةٌ فَهُوَ مُبَاحٌ. كَمَا لَوِ ادَّعَتِ الزَّوْجَةُ عَلَى زَوْجِهَا أَنَّهُ عِنِّينٌ، أَوْ مُعْرِضٌ عَنْهَا، أَوْ تَدَّعِي عَلَيْهِ الْعَجْزَ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَا ادَّعَتْهُ صَحِيحًا فَلاَ كَرَاهَةَ فِي الذِّكْرِ، فَقَدْ قَال النَّبِيُّ ﷺ: إِنِّي لأَفْعَل ذَلِكَ، أَنَا وَهَذِهِ، ثُمَّ نَغْتَسِل (٣) وَقَال لأَِبِي طَلْحَةَ: أَعَرَّسْتُمُ اللَّيْلَةَ (٤)؟ وَالْمَرْأَةُ كَالرَّجُل فِي عَدَمِ جَوَازِ إِفْشَاءِ مَا يَجْرِي مِنَ الرِّجَال حَال الْوَقَاعِ (٥) .

وَإِفْشَاءُ السِّرِّ مَنْهِيٌّ عَنْهُ لِمَا فِيهِ مِنَ الإِْيذَاءِ وَالتَّهَاوُنِ بِحَقِّ أَصْحَابِ السِّرِّ مِنَ الْجِيرَانِ وَالأَْصْدِقَاءِ وَنَحْوِهِمْ. فَقَدْ قَال النَّبِيُّ ﷺ: إِذَا حَدَّثَ الرَّجُل الْحَدِيثَ ثُمَّ الْتَفَتَ فَهِيَ أَمَانَةٌ (٦)

_________

(١) حديث " إن من شر الناس عند الله. . . " أخرجه مسلم (٢ / ١٠٦٠ ط الحلبي) .

(٢) حديث " من كان يؤمن بالله واليوم الآخر. . . " أخرجه البخاري (فتح الباري ١٠ / ٤٤٥ ط السلفية) ومسلم (١ / ٦٨ ط الحلبي) .

(٣) حديث: " إني لأفعل ذلك. . . " أخرجه مسلم (١ / ٢٧٢ ط الحلبي) .

(٤) حديث: " أعرستم الليلة؟ ". . أخرجه البخاري (الفتح ٩ / ٥٨٧ ط السلفية) ومسلم (٣ / ١٦٩٠ ط الحلبي) .

(٥) سبل السلام ٣ / ١٤٠ - ١٤١.

(٦) حديث: " إذا حدث الرجل الحديث. . . " أخرجه أبو داود (٤ / ١٨٩ ط عزت عبيد دعاس) وحسنه المنذري كما في فيض القدير (١ / ٣٢٩ ط المكتبة التجارية) .

وَقَال: الْحَدِيثُ بَيْنَكُمْ أَمَانَةٌ (١) . وَقَال الْحَسَنُ إِنَّ مِنَ الْخِيَانَةِ أَنْ تُحَدِّثَ بِسِرِّ أَخِيكَ " (٢) .

النَّوْعُ الثَّانِي: مَا طَلَبَ صَاحِبُهُ كِتْمَانَهُ:

٧ - مَا اسْتَكْتَمَكَ إِيَّاهُ الْغَيْرُ وَائْتَمَنَكَ عَلَيْهِ، فَلاَ يَجُوزُ بَثُّهُ وَإِفْشَاؤُهُ لِلْغَيْرِ، حَتَّى أَخَصَّ أَصْدِقَاءِ صَاحِبِ السِّرِّ، فَلاَ يَكْشِفُ شَيْئًا مِنْهُ وَلَوْ بَعْدَ الْقَطِيعَةِ بَيْنَ مَنْ أَسَرَّ وَمَنْ أَسَرَّ إِلَيْهِ، فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ لُؤْمِ الطَّبْعِ وَخُبْثِ الْبَاطِنِ (٣) .

وَهَذَا إِذَا الْتَزَمْتَ بِالْكِتْمَانِ، أَمَّا إِذَا لَمْ تَلْتَزِمْ، فَلاَ يَجِبُ الْكِتْمَانُ، وَيَدُل لِذَلِكَ حَدِيثُ زَيْنَبَ امْرَأَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَنَصُّهُ: عَنْ زَيْنَبَ امْرَأَةِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَتْ: كُنْتُ فِي الْمَسْجِدِ، فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَقَال: تَصَدَّقْنَ وَلَوْ مِنْ حُلِيِّكُنَّ. وَكَانَتْ زَيْنَبُ تُنْفِقُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ وَأَيْتَامٍ فِي حِجْرِهَا. فَقَالَتْ لِعَبْدِ اللَّهِ: سَل رَسُول اللَّهِ ﷺ: أَيُجْزِي عَنِّي أَنْ أُنْفِقَ عَلَيْكَ وَعَلَى أَيْتَامِي فِي حِجْرِي مِنَ الصَّدَقَةِ؟ فَقَال: سَلِي أَنْتِ رَسُول اللَّهِ ﷺ. فَانْطَلَقْتُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَوَجَدْتُ امْرَأَةً مِنَ الأَْنْصَارِ عَلَى الْبَابِ، حَاجَتُهَا مِثْل حَاجَتِي، فَمَرَّ عَلَيْنَا بِلاَلٌ فَقُلْنَا: سَل النَّبِيَّ ﷺ أَيُجْزِي عَنِّي أَنْ أُنْفِقَ عَلَى زَوْجِي وَأَيْتَامٍ لِي فِي حِجْرِي. وَقُلْنَا: لاَ تُخْبِرْ بِنَا. فَدَخَل فَسَأَلَهُ، فَقَال: مَنْ هُمَا؟ قَال: زَيْنَبُ. قَال: أَيُّ الزَّيَانِبِ؟ قَال: امْرَأَةُ عَبْدِ اللَّهِ. قَال: نَعَمْ، وَلَهَا أَجْرَانِ: أَجْرُ الْقَرَابَةِ

_________

(١) حديث: " الحديث بينكم أمانة. . . " أخرجه ابن أبي الدنيا في كتاب الصمت، كما في إتخاف السادة (٧ / ٥٠٥ - ط الميمنية) وإسناده ضعيف لإرساله.

(٢) قول الحسن: " إن من الخيانة. . . " أخرجه ابن أبي الدنيا كما في الإتحاف والإحياء ٣ / ١٣٢.

(٣) الإحياء ٣ / ١٣٢، وسبل السلام ٤ / ١٩٢ - ١٩٣.

وَأَجْرُ الصَّدَقَةِ (١) . قَال الْقُرْطُبِيُّ - فِيمَا نَقَلَهُ ابْنُ حَجَرٍ فِي فَتْحِ الْبَارِي -: " لَيْسَ إِخْبَارُ بِلاَلٍ بِاسْمِ الْمَرْأَتَيْنِ بَعْدَ أَنِ اسْتَكْتَمَتَاهُ بِإِذَاعَةِ سِرٍّ وَلاَ كَشْفِ أَمَانَةٍ، لِوَجْهَيْنِ: (أَحَدُهُمَا) أَنَّهُمَا لَمْ تُلْزِمَاهُ بِذَلِكَ، وَإِنَّمَا عَلِمَ أَنَّهُمَا رَأَتَا أَنْ لاَ ضَرُورَةَ تُحْوِجُ إِلَى كِتْمَانِهِمَا. (ثَانِيهِمَا) أَنَّهُ أَخْبَرَ بِذَلِكَ جَوَابًا لِسُؤَال النَّبِيِّ ﷺ لِكَوْنِ إِجَابَتِهِ أَوْجَبَ مِنَ التَّمَسُّكِ بِمَا أَمَرَتَاهُ بِهِ مِنَ الْكِتْمَانِ. وَهَذَا كُلُّهُ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ الْتَزَمَ لَهُمَا بِذَلِكَ. وَيُحْتَمَل أَنْ تَكُونَا سَأَلَتَاهُ (أَيْ وَلَمْ يَلْتَزِمْ لَهُمَا بِالْكِتْمَانِ) وَلاَ يَجِبُ إِسْعَافُ كُل سَائِلٍ (٢) . وَقَدْ تَتَضَمَّنُ الْغِيبَةُ إِفْشَاءً لِلسِّرِّ فِيمَا إِذَا كَانَ الأَْمْرُ الْمَكْرُوهُ الَّذِي يَذْكُرُ بِهِ الْغَيْرَ فِي غِيَابِهِ مِنَ الأُْمُورِ الْخَفِيَّةِ، أَوْ مِمَّا يَطْلُبُ صَاحِبُهُ كِتْمَانَهُ، وَقَدْ نَهَى الشَّرْعُ عَنِ الْغِيبَةِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلاَ يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُل لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ (٣) وَفِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُول اللَّهِ ﷺ: ﴿أَتَدْرُونَ مَا الْغِيبَةُ؟ قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَال: ذِكْرُكَ أَخَاكَ بِمَا يَكْرَهُ. قَال: أَفَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ فِي أَخِي مَا أَقُول. قَال: إِنْ كَانَ فِيهِ مَا تَقُول فَقَدِ اغْتَبْتَهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَقَدْ بَهَتَّهُ﴾ (٤) وَتَفْصِيلُهُ فِي

_________

(١) حديث: " لها أجران أجر القرابة وأجر الصدقة. . . " أخرجه البخاري (الفتح ٣ / ٣٢٨ - ط السلفية)، ومسلم ٢ / ٦٩٥ ط الحلبي.

(٢) فتح الباري ٣ / ٣٢٨ - ٣٣٠.

(٣) سورة الحجرات / ١٢.

(٤) حديث: " أتدرون ما الغيبة؟ . . . ". أخرجه مسلم ٤ / ٢٠٠١ ط الحلبي) .

مُصْطَلَحِ (غِيبَةٌ) .

النَّوْعُ الثَّالِثُ. ٨ - مَا اطَّلَعَ عَلَيْهِ صَاحِبُهُ بِمُقْتَضَى الْمَهْنَةِ، كَالطَّبِيبِ وَالْمُفْتِي وَأَمِينِ السِّرِّ وَغَيْرِهِمْ. ٩ - وَمِمَّا يَكُونُ أَحْيَانًا مِنَ الإِْفْشَاءِ الْمُحَرَّمِ لِلسِّرِّ النَّمِيمَةُ: وَهِيَ لُغَةً تَبْلِيغُ الْخَبَرِ عَلَى وَجْهِ الإِْفْسَادِ، وَهِيَ كَذَلِكَ فِي اصْطِلاَحِ الْعُلَمَاءِ، وَأَكْثَرُ إِطْلاَقِهَا عَلَى مَنْ يَنِمُّ قَوْل الْغَيْرِ إِلَى الْمَقُول فِيهِ، أَيْ يَنْقُلُهُ إِلَيْهِ إِذَا كَانَ سِرًّا قَدِ اسْتَكْتَمَهُ إِيَّاهُ، كَأَنْ يَقُول فُلاَنٌ يَقُول فِيكَ: كَذَا وَكَذَا. وَالنَّمِيمَةُ حَرَامٌ مَنْهِيٌّ عَنْهَا، لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: ﴿لاَ يَدْخُل الْجَنَّةَ قَتَّاتٌ﴾ (١) أَيِ النَّمَّامُ، وَلِمَا فِيهَا مِنَ الإِْفْسَادِ بَيْنَ النَّاسِ. وَقَدْ تَجِبُ النَّمِيمَةُ كَمَا إِذَا سَمِعَ إِنْسَانٌ شَخْصًا يَتَحَدَّثُ بِإِرَادَةِ إِيذَاءِ إِنْسَانٍ ظُلْمًا وَعُدْوَانًا، فَيَجِبُ عَلَى مَنْ سَمِعَ أَنْ يُحَذِّرَ الْمَقْصُودَ بِالإِْيذَاءِ، فَإِنْ أَمْكَنَ تَحْذِيرُهُ بِغَيْرِ ذِكْرِ مَنْ سَمِعَ مِنْهُ فَيَقْتَصِرُ عَلَى التَّحْذِيرِ، وَإِلاَّ ذَكَرَهُ بِاسْمِهِ (٢) . وَتَفْصِيلُهُ فِي مُصْطَلَحِ (نَمِيمَةٌ) .

مَا يَجُوزُ فِيهِ السَّتْرُ وَالإِْفْشَاءُ، وَالسَّتْرُ أَفْضَل:

١٠ - نَصَّ فُقَهَاءُ الْمَذَاهِبِ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ فِي الْحُدُودِ الشَّهَادَةُ وَالسَّتْرُ، لَكِنَّ السَّتْرَ أَفْضَل فِيمَا كَانَ حَقًّا لِلَّهِ ﷿، وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: ﴿مَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ (٣) وَبِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ

_________

(١) حديث: " لا يدخل الجنة قتات. . . " أخرجه البخاري (الفتح ١٠ / ٤٧٢ - ط السلفية)، ومسلم ١ / ١٠١ ط الحلبي.

(٢) سبل السلام ٤ / ١٩٨ - ١٩٩، والإحياء ٣ / ١٥٦.

(٣) حديث: " من ستر مسلما. . " أخرجه مسلم من حديث ابن عمر ﵄ مرفوعا. (صحيح مسلم ٤ / ١٩٩٦ ط عيسى الحلبي) .