الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٥ الصفحة 57

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٥

صَرْفِهِ إِلَى مَا لاَ يَخَافُ فَوْتَهُ، فَإِنْ أَحْرَمَ إِحْرَامًا مُطْلَقًا فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ صَرَفَهُ بِالنِّيَّةِ - لاَ بِاللَّفْظِ - إِلَى مَا شَاءَ مِنَ النُّسُكَيْنِ أَوْ إِلَيْهِمَا مَعًا إِنْ كَانَ الْوَقْتُ صَالِحًا لَهُمَا.

وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ لاَ يَنْعَقِدُ الإِْحْرَامُ إِلاَّ بِأَمْرَيْنِ: النِّيَّةِ وَالتَّلْبِيَةِ، وَلاَ يَصِيرُ شَارِعًا فِي الإِْحْرَامِ بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ مَا لَمْ يَأْتِ بِالتَّلْبِيَةِ، لأَِنَّ التَّلْبِيَةَ فِي الْحَجِّ كَتَكْبِيرَةِ الإِْحْرَامِ فِي الصَّلاَةِ.

وَفِي قَوْلٍ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ: يَنْعَقِدُ بِالنِّيَّةِ مَعَ قَوْلٍ كَالتَّلْبِيَةِ وَالإِْهْلاَل، أَوْ فِعْلٍ كَالتَّوَجُّهِ فِي الطَّرِيقِ وَالتَّجَرُّدِ مِنَ الْمَخِيطِ.

عَلَى أَنَّ الَّذِي ذُكِرَ لاَ يَخْتَصُّ بِالإِْفْرَادِ وَحْدَهُ، وَإِنَّمَا يَنْطَبِقُ عَلَى الْقِرَانِ وَالتَّمَتُّعِ، إِذْ لاَ بُدَّ فِي أَيِّ نُسُكٍ مِنْ هَذِهِ الأَْنْسَاكِ الثَّلاَثَةِ عِنْدَ الإِْحْرَامِ بِأَيٍّ مِنْهَا مِنَ النِّيَّةِ عَلَى رَأْيِ الْجُمْهُورِ، أَوِ النِّيَّةِ وَالتَّلْبِيَةِ عَلَى رَأْيِ أَبِي حَنِيفَةَ. (ر: إِحْرَامٌ - قِرَانٌ - تَمَتُّعٌ) .

التَّلْبِيَةُ فِي الإِْفْرَادِ:

١٢ - التَّلْبِيَةُ فِي الْحَجِّ عَلَى اخْتِلاَفِ حُكْمِهَا مِنْ أَنَّهَا سُنَّةٌ أَوْ وَاجِبَةٌ تَسْتَوِي كَيْفِيَّتُهَا وَالْبَدْءُ بِهَا بِالنِّسْبَةِ لِلْمُحْرِمِ بِأَيِّ نُسُكٍ مِنَ الأَْنْسَاكِ الثَّلاَثَةِ.

أَمَّا قَطْعُ التَّلْبِيَةِ فَيَكُونُ الْمُتَمَتِّعُ وَالْمُفْرِدُ وَالْقَارِنُ بِالنِّسْبَةِ لِقَطْعِهَا سَوَاءً.

فَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ يَقْطَعُ التَّلْبِيَةَ عِنْدَ ابْتِدَاءِ الرَّمْيِ.

وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ يَقْطَعُهَا إِذَا وَصَل لِمُصَلَّى عَرَفَةَ بَعْدَ الزَّوَال، وَإِنْ كَانَ قَدْ وَصَل قَبْل الزَّوَال لَبَّى إِلَى الزَّوَال، وَإِنْ زَالَتِ الشَّمْسُ قَبْل الْوُصُول لَبَّى إِلَى

الْوُصُول. (١)

وَهُنَاكَ تَفْرِيعَاتٌ كَثِيرَةٌ بِالنِّسْبَةِ لِلتَّلْبِيَةِ. (ر: تَلْبِيَةٌ) .

مَا يَفْتَرِقُ بِهِ الْمُفْرِدُ عَنِ الْمُتَمَتِّعِ وَالْقَارِنِ:

أ - الطَّوَافُ بِالنِّسْبَةِ لِلْمُفْرِدِ:

١٣ - الطَّوَافُ فِي الْحَجِّ ثَلاَثَةُ أَنْوَاعٍ:

طَوَافُ الْقُدُومِ إِلَى مَكَّةَ، وَطَوَافُ الإِْفَاضَةِ بَعْدَ رَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ يَوْمَ النَّحْرِ، وَطَوَافُ الْوَدَاعِ.

وَالْفَرْضُ مِنْ ذَلِكَ هُوَ طَوَافُ الإِْفَاضَةِ، وَيُسَمَّى طَوَافَ الزِّيَارَةِ أَوِ الْفَرْضِ أَوِ الرُّكْنِ، وَمَا عَدَا ذَلِكَ فَهُوَ سُنَّةٌ أَوْ وَاجِبٌ يَنْجَبِرُ بِالدَّمِ عَلَى خِلاَفٍ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي ذَلِكَ (ر: طَوَافٌ) .

وَالْفَرْضُ عَلَى الْمُفْرِدِ مِنْ هَذِهِ الأَْنْوَاعِ هُوَ طَوَافُ الإِْفَاضَةِ فَقَطْ، لأَِنَّهُ الرُّكْنُ، فَلاَ يَجِبُ عَلَيْهِ طَوَافُ الْقُدُومِ، بَل يُطَالَبُ بِهِ عَلَى سَبِيل السُّنِّيَّةِ (٢) .

ب - عَدَمُ وُجُوبِ الدَّمِ عَلَى الْمُفْرِدِ:

١٤ - لاَ يَجِبُ عَلَى الْمُفْرِدِ هَدْيٌ لإِحْرَامِهِ بِالْحَجِّ مُفْرِدًا بِخِلاَفِ الْقَارِنِ وَالْمُتَمَتِّعِ فَإِنَّ عَلَيْهِمَا الْهَدْيَ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ (٣) وَالْقَارِنُ كَالْمُتَمَتِّعِ، لإِحْرَامِهِ بِالنُّسُكَيْنِ.

إِلاَّ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِلْمُفْرِدِ أَنْ يُهْدِيَ وَيَكُونُ تَطَوُّعًا.

ثُمَّ إِنَّ جَزَاءَ الصَّيْدِ وَفِدْيَةَ الأَْذَى بِالنِّسْبَةِ لِلْمُفْرِدِ

_________

(١) الهداية ١ / ١٤٧، ونهاية المحتاج ٣ / ٢٩٤، والمغني ٣ / ٤٣٠، والدسوقي ٢ / ٤٠.

(٢) الهداية ١ / ١٥٤، والدسوقي ٢ / ٢٨، ونهاية المحتاج ٣ / ٣١٣، والمغني ٣ / ٤٦٥.

(٣) سورة البقرة / ١٩٦.

وَالْقَارِنِ وَالْمُتَمَتِّعِ سَوَاءٌ عِنْدَ الْجُمْهُورِ (١) . (ر: دَمٌ - هَدْيٌ - كَفَّارَةٌ - قِرَانٌ - تَمَتُّعٌ) .

إِفْرَازٌ

التَّعْرِيفُ:

١ - الإِْفْرَازُ فِي اللُّغَةِ: التَّنْحِيَةُ، وَهِيَ عَزْل شَيْءٍ عَنْ شَيْءٍ وَتَمْيِيزُهُ (٢)، وَلاَ يَخْرُجُ اسْتِعْمَال الْفُقَهَاءِ عَنْ ذَلِكَ.

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:

أ - الْعَزْل:

٢ - الْعَزْل يَخْتَلِفُ عَنِ الإِْفْرَازِ. فِي أَنَّ الإِْفْرَازَ يَكُونُ لِجُزْءٍ مِنَ الأَْصْل، أَوْ كَالْجُزْءِ مِنْهُ فِي شِدَّةِ اخْتِلاَطِهِ بِهِ، أَمَّا الْعَزْل فَهُوَ التَّنْحِيَةُ، وَالشَّيْءُ الْمُنَحَّى قَدْ يَكُونُ جُزْءًا مِنَ الْمُنَحَّى عَنْهُ، وَقَدْ لاَ يَكُونُ، بَل قَدْ يَكُونُ خَارِجًا عَنْهُ. كَالْعَزْل عَنِ الزَّوْجَةِ (٣) .

ب - الْقِسْمَةُ:

٣ - الْقِسْمَةُ قَدْ تَكُونُ بِالإِْفْرَازِ (٤)، وَقَدْ يُقْصَدُ بِهَا بَيَانُ الْحِصَصِ دُونَ إِفْرَازٍ، كَمَا فِي الْمُهَايَأَةِ.

الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:

٤ - الإِْفْرَازُ يَرِدُ عَلَى الأَْعْيَانِ دُونَ الْمَنَافِعِ وَلِذَلِكَ لَمَّا

_________

(١) الدسوقي ٢ / ٢٩، ونهاية المحتاج ٣ / ٣١٥، والمغني ٣ / ٤٦٥، ٤٦٧، وابن عابدين ٢ / ٢٠٥، والمجموع ٧ / ٤٣٧.

(٢) المصباح المنير، وتاج العروس.

(٣) لسان العرب مادة: (فرز)، ومادة: (عزل) .

(٤) المصباح المنير مادة: (قسم) .

بَيَّنَ الْفُقَهَاءُ أَنْوَاعَ الْقِسْمَةِ، قَالُوا: الْقِسْمَةُ إِمَّا أَنْ تَكُونَ قِسْمَةَ أَعْيَانٍ، أَوْ قِسْمَةَ مَنَافِعَ، وَسَمَّوْا قِسْمَةَ الْمَنَافِعِ الْمُهَايَأَةَ.

أَمَّا قِسْمَةُ الأَْعْيَانِ: فَقَالُوا إِمَّا أَنْ تَكُونَ قِسْمَةَ إِفْرَازٍ، أَوْ قِسْمَةَ تَعْدِيلٍ، وَهُمْ يَعْنُونَ بِقِسْمَةِ الإِْفْرَازِ: الْقِسْمَةَ الَّتِي لاَ يُحْتَاجُ فِيهَا إِلَى رَدٍّ وَلاَ تَقْوِيمٍ (١) .

وَالْفُقَهَاءُ قَدِ اخْتَلَفُوا فِي حَقِيقَةِ الْقِسْمَةِ، فَقَال بَعْضُهُمْ: هِيَ بَيْعٌ، وَقَال بَعْضُهُمْ: هِيَ إِفْرَازٌ، وَقَال آخَرُونَ: هِيَ إِفْرَازُ بَعْضِ الأَْنْصِبَاءِ عَنْ بَعْضٍ وَمُبَادَلَةُ بَعْضٍ بِبَعْضٍ (٢) . كَمَا بَيَّنَ الْفُقَهَاءُ ذَلِكَ فِي أَوَّل كِتَابِ الْقِسْمَةِ. وَإِذَا كَانَتِ الْقِسْمَةُ فِي حَقِيقَتِهَا لاَ تَخْلُو مِنَ الإِْفْرَازِ، فَإِنَّ هَذَا الإِْفْرَازَ يُسْقِطُ حَقَّ الشُّفْعَةِ عِنْدَ مَنْ يَقُول: إِنَّ الشُّفْعَةَ لاَ تُسْتَحَقُّ بِالْجِوَارِ، كَمَا بَيَّنَ الْفُقَهَاءُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ الشُّفْعَةِ.

٥ - الإِْفْرَازُ وَاجِبٌ فِي الْعُقُودِ الَّتِي يُشْتَرَطُ الْقَبْضُ لِلُزُومِهَا أَوْ تَمَامِهَا، وَهِيَ: الْوَقْفُ، وَالْهِبَةُ، وَالرَّهْنُ، وَالْقَرْضُ، إِذَا وَرَدَتْ عَلَى مُشَاعٍ، عَلَى خِلاَفٍ وَتَفْصِيلٍ فِي ذَلِكَ تَجِدُهُ فِي أَبْوَابِهَا مِنْ كُتُبِ الْفِقْهِ (٣) .

_________

(١) أسنى المطالب ٤ / ٣٣١.

(٢) بدائع الصنائع ٩ / ٢١١٢ طبع الإمام، والمغني ٤ / ١٧، ٩ / ١١٤.

(٣) الهداية بشرح فتح القدير ٥ / ٤٠ ط بولاق ١٣١٦، وحاشية ابن عابدين ٣ / ٣٦١، ٤ / ١٧٣ ط بولاق الأولى، وتكملة حاشية ابن عابدين ٨ / ٤٦٢، وبدائع الصنائع ٣ / ١٢٣ طبعة أولى - الجمالية، وكفاية الطالب ٢ / ٢٠٣ ط مصطفى البابي الحلبي، وحاشية الدسوقي ٤ / ١٠١ ط مصطفى محمد ١٣٧٣، وروضة الطالبين ٥ / ٤٣٢ ط المكتب الإسلامي، والأم ٣ / ٢٧٤ ط بولاق ١٣٢٦، ومغني المحتاج ٢ / ١٢٨، ٤٠١ ط مصطفى البابي الحلبي ١٩٥٨، وكشاف القناع ٤ / ٢٥٣، ٢٥٧، ٣ / ٢٧٢ ط مطبعة أنصار السنة المحمدية ١٣٦٦، والمغني ٥ / ٥٨٦، ٦٤٧ ط المنار الثالثة.

٦ - يَجِبُ رَدُّ الْعَيْنِ الْمُسْتَحَقَّةِ الْمَخْلُوطَةِ بِغَيْرِهَا إِنْ أَمْكَنَ إِفْرَازُهَا، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ وَجَبَ رَدُّ بَدَلِهَا، كَمَا إِذَا غَصَبَ شَيْئًا فَخَلَطَهُ بِمَا يُمْكِنُ تَمْيِيزُهُ عَنْهُ، وَجَبَ إِفْرَازُهُ وَرَدُّهُ إِلَى مَنْ غَصَبَهُ مِنْهُ (١) كَمَا فَصَّل ذَلِكَ الْفُقَهَاءُ فِي كِتَابِ الاِسْتِحْقَاقِ وَالْغَصْبِ.

٧ - وَالإِْفْرَازُ يَقُومُ مَقَامَ الْقَبْضِ فِي التَّبَرُّعَاتِ الَّتِي يَكُونُ الْقَصْدُ مِنْهَا تَحْقِيقَ مَثُوبَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَاَلَّتِي يَكُونُ التَّمْلِيكُ فِيهَا لِلَّهِ تَعَالَى كَالزَّكَاةِ (٢) . فَإِنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ فَعَزَلَهَا فَهَلَكَتْ مِنْ غَيْرِ تَفْرِيطٍ مِنْهُ لاَ يَلْزَمُهُ إِخْرَاجُهَا مِنْ جَدِيدٍ (٣) عَلَى خِلاَفٍ وَتَفْصِيلٍ مَوْطِنُهُ بَابُ الزَّكَاةِ.

إِفْسَادٌ

التَّعْرِيفُ:

١ - الإِْفْسَادُ لُغَةً: ضِدُّ الإِْصْلاَحِ، وَهُوَ جَعْل الشَّيْءِ فَاسِدًا خَارِجًا عَمَّا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ.

وَشَرْعًا: جَعْل الشَّيْءِ فَاسِدًا، سَوَاءٌ وُجِدَ صَحِيحًا ثُمَّ طَرَأَ عَلَيْهِ الْفَسَادُ - كَمَا لَوِ انْعَقَدَ الْحَجُّ صَحِيحًا ثُمَّ طَرَأَ عَلَيْهِ مَا يُفْسِدُهُ - أَوْ وُجِدَ الْفَسَادُ مَعَ الْعَقْدِ، كَبَيْعِ الطَّعَامِ قَبْل قَبْضِهِ.

وَقَدْ فَرَّقَ الْحَنَفِيَّةُ بَيْنَ الإِْفْسَادِ وَالإِْبْطَال تَبَعًا

_________

(١) المغني ٥ / ٢٦٥.

(٢) مصنف عبد الرزاق ٤ / ١٤٣، وآثار أبي يوسف ص ٩٢، وآثار محمد بن الحسن ص ٥٨، ومصنف ابن أبي شيبة ١ / ٢٧٣، واختلاف أبي حنيفة وابن أبي ليلى ص ٥٠، والمحلى ٩ / ١٢٦، والمغني ٥ / ٥٩٤.

(٣) مواهب الجليل ٢ / ٣٦٣ ط النجاح - ليبيا.

لِتَفْرِيقِهِمْ بَيْنَ الْفَاسِدِ وَالْبَاطِل، فَقَالُوا: الْفَاسِدُ مَا كَانَ مَشْرُوعًا بِأَصْلِهِ لاَ بِوَصْفِهِ، وَالْبَاطِل مَا لَيْسَ مَشْرُوعًا بِأَصْلِهِ وَلاَ بِوَصْفِهِ. أَمَّا غَيْرُ الْحَنَفِيَّةِ فَالإِْفْسَادُ وَالإِْبْطَال عِنْدَهُمْ بِمَعْنًى وَاحِدٍ، وَقَدْ وَافَقَهُمُ الْحَنَفِيَّةُ فِي الْعِبَادَاتِ (١) . وَلِبَعْضِ الْمَذَاهِبِ تَفْرِقَةٌ بَيْنَ الْبَاطِل وَالْفَاسِدِ فِي بَعْضِ الأَْبْوَابِ: كَالْحَجِّ، وَالْخُلْعِ.

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:

أ - الإِْتْلاَفُ:

٢ - الإِْتْلاَفُ فِي اللُّغَةِ: بِمَعْنَى الإِْهْلاَكِ يُقَال: أَتْلَفَ الشَّيْءَ إِذَا أَفْنَاهُ وَأَهْلَكَهُ، وَهُوَ فِي الشَّرْعِ بِهَذَا الْمَعْنَى، يَقُول الْكَاسَانِيُّ: إِتْلاَفُ الشَّيْءِ إِخْرَاجُهُ مِنْ أَنْ يَكُونَ مُنْتَفَعًا بِهِ مَنْفَعَةً مَطْلُوبَةً مِنْهُ عَادَةً (٢) .

فَالإِْفْسَادُ أَعَمُّ مِنَ الإِْتْلاَفِ، فَإِنَّهُمَا يَجْتَمِعَانِ فِي الأُْمُورِ الْحِسِّيَّةِ، وَيَنْفَرِدُ الإِْفْسَادُ فِي التَّصَرُّفَاتِ الْقَوْلِيَّةِ.

ب - الإِْلْغَاءُ:

٣ - الإِْلْغَاءُ مِنْ مَعَانِيهِ: إِبْطَال الْعَمَل بِالْحُكْمِ، وَإِسْقَاطُهُ، وَقَدْ أَلْغَى ابْنُ عَبَّاسٍ طَلاَقَ الْمُكْرَهِ، أَيْ أَبْطَلَهُ وَأَسْقَطَهُ. وَيَسْتَعْمِل الأُْصُولِيُّونَ الإِْلْغَاءَ فِي تَقْسِيمِ الْعِلَّةِ بِمَعْنَى عَدَمِ تَأْثِيرِ الْوَصْفِ فِي الْحُكْمِ، وَهُوَ الْمُنَاسِبُ الْمُلْغَى عِنْدَهُمْ، كَمَا يَسْتَعْمِلُونَ الإِْلْغَاءَ فِي إِهْدَارِ أَثَرِ التَّصَرُّفِ مِنْ فَاقِدِ الأَْهْلِيَّةِ (٣) .

_________

(١) لسان العرب مادة: (فسد)، ومفردات الراغب الأصفهاني، والكليات لأبي البقاء في المادة، وابن عابدين ٤ / ٩٩، ١٠٠، والقواعد للزركشي ٣ / ٧ ط الأوقاف الكويتية.

(٢) القاموس المحيط مادة - تلف - والبدائع ٧ / ١٦٤ ط الأولى.

(٣) المصباح المنير في المادة، وكشاف اصطلاحات الفنون ٣ / ٦٦٣، ٥ / ٣١١.

ج - التَّوَقُّفُ:

٤ - الْعَقْدُ الْمَوْقُوفُ ضِدُّ النَّافِذِ، وَهُوَ مَا تَوَقَّفَ نَفَاذُهُ عَلَى الإِْجَازَةِ مِنْ مَالِكِهَا، كَبَيْعِ الْفُضُولِيِّ. فَإِنَّهُ يَكُونُ بِهَذَا الْمَعْنَى جَائِزًا فِي الْجُمْلَةِ، بِخِلاَفِ الْفَاسِدِ، فَإِنَّهُ غَيْرُ مَشْرُوعٍ (١) .

الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ:

٥ - الْمُقَرَّرُ شَرْعًا أَنَّ الْعِبَادَةَ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْهَا صَحِيحَةٌ، لاَ يَلْحَقُهَا الإِْفْسَادُ ضَرُورَةَ أَنَّ الْوَاقِعَ يَسْتَحِيل رَفْعُهُ، إِلاَّ بِأَسْبَابٍ يُصَارُ إِلَيْهَا بِالدَّلِيل كَالرِّدَّةِ، فَإِنَّهَا تُفْسِدُ الأَْعْمَال الصَّالِحَةَ وَالْعِبَادَاتِ، كَمَا أَنَّ الإِْسْلاَمَ يَهْدِمُ مَا قَبْلَهُ وَالْهِجْرَةُ تَهْدِمُ مَا قَبْلَهَا، وَكَذَلِكَ التَّوْبَةُ وَالْحَجُّ الْمَبْرُورُ. أَمَّا بَعْدَ الشُّرُوعِ فِي الْعِبَادَةِ وَقَبْل الْفَرَاغِ مِنْهَا، فَيَحْرُمُ إِفْسَادُ الْفَرْضِ بَعْدَ التَّلَبُّسِ بِهِ دُونَ عُذْرٍ شَرْعِيٍّ، وَكَذَلِكَ النَّفَل عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلاَ تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ (٢) وَلِهَذَا يَجِبُ إِعَادَتُهُ. أَمَّا الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فَيُكْرَهُ عِنْدَهُمْ إِفْسَادُ النَّافِلَةِ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِيهَا وَلاَ إِعَادَةَ إِنْ أَفْسَدَ النَّافِلَةَ الْمُطْلَقَةَ، عَدَا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ فَيَحْرُمُ إِفْسَادُهُمَا عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُمَا كَسَائِرِ التَّطَوُّعَاتِ.

أَمَّا التَّصَرُّفَاتُ اللاَّزِمَةُ فَلاَ يَرِدُ عَلَيْهَا الإِْفْسَادُ بَعْدَ نَفَاذِهَا. إِلاَّ أَنَّهُ يَجُوزُ الْفَسْخُ بِرِضَا الْعَاقِدَيْنِ كَمَا فِي الإِْقَالَةِ، وَفِي الْعُقُودِ غَيْرِ اللاَّزِمَةِ مِنَ الْجَانِبَيْنِ يَصِحُّ لِكُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا إِفْسَادُهَا مَتَى شَاءَ، أَمَّا اللاَّزِمَةُ مِنْ جَانِبٍ وَاحِدٍ، فَلاَ يَجُوزُ إِفْسَادُهَا مِمَّنْ هِيَ لاَزِمَةٌ فِي

_________

(١) المصباح المنير في المادة، وبدائع الصنائع ٥ / ٣٠٥ ط دار الكتاب العربي.

(٢) سورة محمد / ٣٣.

حَقِّهِ وَيَجُوزُ لِلآْخَرِ (١) .

وَفِي ذَلِكَ تَفْصِيلٌ يُرْجَعُ إِلَيْهِ فِي تِلْكَ الْعُقُودِ وَالتَّصَرُّفَاتِ.

أَثَرُ الإِْفْسَادِ فِي الْعِبَادَاتِ:

٦ - مَنْ شَرَعَ فِي عِبَادَةٍ مَفْرُوضَةٍ فَرْضًا عَيْنِيًّا أَوْ كِفَائِيًّا، كَالصَّلاَةِ وَالصَّوْمِ، فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الْقِيَامُ بِهَا عَلَى الْوَجْهِ الْمَشْرُوعِ بِاسْتِيفَاءِ أَرْكَانِهَا وَشَرَائِطِهَا حَتَّى تَبْرَأَ الذِّمَّةُ، فَإِذَا أَفْسَدَهَا فَعَلَيْهِ أَدَاؤُهَا فِي الْوَقْتِ، أَمَّا بَعْدَهُ فَعَلَيْهِ فِعْلُهَا تَامَّةٌ، كَمَا لَوْ صَلَّى مُسَافِرٌ خَلْفَ مُقِيمٍ ثُمَّ أَفْسَدَ صَلاَتَهُ لَزِمَهُ قَضَاؤُهَا تَامَّةً، لأَِنَّهَا لاَ تُبْرِئُ الذِّمَّةَ بَعْدَ الْفَسَادِ بِلاَ خِلاَفٍ.

كَمَا لاَ يَجِبُ الْمُضِيُّ فِي فَاسِدِهَا أَوْ بَاطِلِهَا فِي الْجُمْلَةِ، لأَِنَّ فَاسِدَ الْعِبَادَاتِ لاَ يُلْحَقُ بِصَحِيحِهَا إِلاَّ فِي الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، فَإِنَّهُ يَمْضِي فِي فَاسِدِهِمَا وَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ. وَهَذَا مُخَالِفٌ لِسَائِرِ الْعِبَادَاتِ حَيْثُ إِنَّ الْعِبَادَةَ الْفَاسِدَةَ يَنْقَطِعُ حُكْمُهَا وَلاَ يَبْقَى شَيْءٌ مِنْ عَهْدِهَا (٢) .

أَمَّا مَا شَرَعَ فِيهِ مِنَ التَّطَوُّعِ فَإِنَّهُ يَجِبُ إِتْمَامُهُ، وَإِذَا أَفْسَدَهُ يَقْضِيهِ وُجُوبًا، وَهَذَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ.

أَمَّا الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فَقَدْ قَالُوا: يُسْتَحَبُّ إِتْمَامُ النَّفْل الَّذِي شَرَعَ فِيهِ، كَمَا يُسْتَحَبُّ قَضَاءُ مَا أَفْسَدَهُ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِيهِ مِنَ النَّوَافِل، وَهَذَا فِي غَيْرِ التَّطَوُّعِ

_________

(١) الفروق للقرافي ٢ / ٢٧، ٢٨، وتهذيب الفروق ٢ / ٣٢، والأشباه والنظائر لابن نجيم ص ٧٨ ط العامرية، والأشباه والنظائر للسيوطي ص ٣٨٠، وابن عابدين ١ / ٤٦٢، ٣ / ٢٩٩، والإنصاف ١٠ / ٣٣٨ ط أنصار السنة.

(٢) الحطاب ٢ / ٩٠ ط النجاح، والمجموع ٦ / ٣٩٣ ط المنيرية. والمنثور في القواعد ٣ / ١٨، ١٩، ٢٠، وابن عابدين ٢ / ١٠٦.

بِالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، حَيْثُ يَجِبُ إِتْمَامُهُمَا إِذَا شَرَعَ فِيهِمَا.

وَلَوْ وَقَعَ مِنْهُ مُفْسِدٌ لَهُمَا، يَجِبُ عَلَيْهِ قَضَاؤُهُمَا حِينَئِذٍ مَعَ الْجَزَاءِ اللاَّزِمِ فِي ذِمَّتِهِ (١) عَلَى مَا سَبَقَ.

وَيُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي (الإِْحْرَامِ، وَالْحَجِّ)

إِفْسَادُ الصَّوْمِ:

٧ - أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ مَنْ جَامَعَ أَوِ اسْتَمْنَى أَوْ طَعِمَ أَوْ شَرِبَ عَنْ قَصْدٍ، مَعَ ذِكْرِ الصَّوْمِ فِي نَهَارِهِ فَقَدْ أَفْسَدَ صَوْمَهُ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَالآْنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَْبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَْسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ (٢)

وَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي مُفْسِدَاتٍ أُخْرَى لِلصَّوْمِ، مِنْهَا مَا يَرِدُ إِلَى الْجَوْفِ مِنْ غَيْرِ مَنْفَذِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ مِثْل الْحُقْنَةِ، وَمِنْهَا مَا يَرِدُ إِلَى بَاطِنِ الأَْعْضَاءِ وَلاَ يَرِدُ الْجَوْفَ، مِثْل أَنْ يَرِدَ الدِّمَاغَ وَلاَ يَرِدَ الْمَعِدَةَ. وَسَبَبُ اخْتِلاَفِهِمْ فِي هَذِهِ هُوَ قِيَاسُ الْمُغَذِّي عَلَى غَيْرِ الْمُغَذِّي. فَمَنْ رَأَى أَنَّ الْمَقْصُودَ بِالصَّوْمِ مَعْنًى مَعْقُولٌ لَمْ يُلْحِقِ الْمُغَذِّيَ بِغَيْرِ الْمُغَذِّي، وَمَنْ رَأَى أَنَّهَا عِبَادَةٌ غَيْرُ مَعْقُولَةٍ، وَأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهَا إِنَّمَا هُوَ الإِْمْسَاكُ فَقَطْ عَمَّا يَرِدُ الْجَوْفَ، سَوَّى بَيْنَ الْمُغَذِّي وَغَيْرِهِ. ر: (احْتِقَانٌ) (وَصَوْمٌ) .

٨ - وَاخْتَلَفُوا فِي الْحِجَامَةِ وَالْقَيْءِ. فَأَمَّا الْحِجَامَةُ فَقَدْ رَأَى أَحْمَدُ وَدَاوُدُ وَالأَْوْزَاعِيُّ وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ أَنَّهَا تُفْسِدُ الصَّوْمَ، وَقَال الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ بِالْكَرَاهَةِ، وَقَال الْحَنَفِيَّةُ بِعَدَمِ الإِْفْسَادِ.

وَالسَّبَبُ فِي ذَلِكَ هُوَ تَعَارُضُ الآْثَارِ الْوَارِدَةِ فِي

_________

(١) البدائع ١ / ٢٨٧، وابن عابدين ١ / ٤٦٣، والشرح الصغير ١ / ٤٠٨، ومنتهى الإردات ١ / ٤٦١، والمهذب ١ / ١٩٥.

(٢) سورة البقرة / ١٨٧.

ذَلِكَ. وَأَمَّا الْقَيْءُ فَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ مَنْ ذَرَعَهُ الْقَيْءُ فَلَيْسَ بِمُفْطِرٍ، وَأَنَّ مَنِ اسْتِقَاءَ فَقَاءَ فَإِنَّهُ يُفْسِدُ صَوْمَهُ (١) . وَفِي الْمَوْضُوعِ تَفْصِيلٌ وَخِلاَفٌ يُرْجَعُ إِلَى مُصْطَلَحِ: (صَوْمٌ) (وَقَيْءٌ) .

نِيَّةُ إِفْسَادِ الْعِبَادَةِ:

٩ - نِيَّةُ الإِْفْسَادِ يَخْتَلِفُ أَثَرُهَا صِحَّةً وَبُطْلاَنًا عِنْدَ الْعُلَمَاءِ بِاخْتِلاَفِ الْعِبَادَاتِ وَالأَْفْعَال وَالأَْحْوَال.

فَإِذَا نَوَى إِفْسَادَ الإِْيمَانِ أَوْ قَطْعَهُ، صَارَ مُرْتَدًّا فِي الْحَال وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ، وَإِنْ نَوَى إِفْسَادَ الصَّلاَةِ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْهَا لَمْ تَبْطُل، وَكَذَلِكَ سَائِرُ الْعِبَادَاتِ، وَإِنْ نَوَى قَطْعَ الصَّلاَةِ فِي أَثْنَائِهَا بَطَلَتْ بِلاَ خِلاَفٍ، لأَِنَّهَا شَبِيهَةٌ بِالإِْيمَانِ، وَلَوْ نَوَى قَطْعَ السَّفَرِ بِالإِْقَامَةِ صَارَ مُقِيمًا. أَمَّا إِذَا نَوَى قَطْعَ الصِّيَامِ بِالأَْكْل أَوِ الْجِمَاعِ فِي نَهَارِهِ، فَإِنَّهُ لاَ يَفْسُدُ صَوْمُهُ حَتَّى يَأْكُل أَوْ يُجَامِعَ.

وَلَوْ نَوَى قَطْعَ الْحَجِّ أَوِ الْعُمْرَةِ لَمْ يَبْطُلاَ بِلاَ خِلاَفٍ، لأَِنَّهُ لاَ يَخْرُجُ مِنْهُمَا بِالإِْفْسَادِ، فَلاَ يَخْرُجُ بِالأَْوْلَى بِنِيَّةِ الإِْفْسَادِ أَوِ الإِْبْطَال. وَلِتَفْصِيل ذَلِكَ يُرْجَعُ إِلَى مُصْطَلَحِ: (نِيَّةٌ) وَإِلَى مَوَاطِنِ تِلْكَ الْعِبَادَاتِ (٢) .

أَثَرُ الشُّرُوطِ الْفَاسِدَةِ فِي إِفْسَادِ الْعَقْدِ:

١٠ - إِفْسَادُ الْعَقْدِ بِالشُّرُوطِ الْفَاسِدَةِ يَرْجِعُ إِلَى مَا يُسَبِّبُهُ مِنْ غَرَرٍ أَوْ رِبًا أَوْ نَقْصٍ فِي الْمِلْكِ، أَوْ

_________

(١) الوجيز ١ / ١٠٠، والاختيار ١ / ١٣١، والكافي ١ / ٣٤١، وجواهر الإكليل ١ / ١٥٢، وكشاف القناع ٢ / ٣١٧ ط النصر الحديثة، ومنتهى الإردات ١ / ٤٦١، والمهذب ١ / ١٩٥.

(٢) الأشباه والنظائر لابن نجيم ص ٢٠ ط الحسينية، والأشباه والنظائر للسيوطي ص ٣٤، والفروق للقرافي ١ / ٢٠٣ ط المعرفة، وتهذيب الفروق بهامشه ١ / ٢٠١.