الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٥ الصفحة 56

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٥

افْتِضَاضٌ

انْظُرْ: بَكَارَةٌ.

افْتِيَاتٌ

التَّعْرِيفُ:

١ - الاِفْتِيَاتُ: الاِسْتِبْدَادُ بِالرَّأْيِ، وَالسَّبْقُ بِفِعْل شَيْءٍ دُونَ اسْتِئْذَانِ مَنْ يَجِبُ اسْتِئْذَانُهُ، أَوْ مَنْ هُوَ أَحَقُّ مِنْهُ بِالأَْمْرِ فِيهِ، وَالتَّعَدِّي عَلَى حَقِّ مَنْ هُوَ أَوْلَى مِنْهُ (١) .

وَاسْتَعْمَلَهُ الْفُقَهَاءُ بِهَذَا الْمَعْنَى (٢) .

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:

أ - التَّعَدِّي:

٢ - التَّعَدِّي: الظُّلْمُ وَمُجَاوَزَةُ الْحَدِّ، فَهُوَ أَعَمُّ مِنَ الاِفْتِيَاتِ، لأَِنَّهُ يَشْمَل التَّعَدِّي عَلَى شَيْءٍ لاَ حَقَّ لَهُ فِيهِ، أَوْ لَهُ فِيهِ حَقٌّ وَغَيْرُهُ أَوْلَى مِنْهُ بِهِ (٣) .

ب - الْفُضَالَةُ:

٣ - الْفُضُولِيُّ: مَنْ تَصَرَّفَ فِي أَمْرٍ لَمْ يَكُنْ فِيهِ وَلِيًّا وَلاَ

_________

(١) لسان العرب، والمصباح المنير، والمغرب والمفردات للراغب. مادة (فوت) .

(٢) النظم المستعذب بهامش المهذب ٢ / ٣٨، والمهذب ٢ / ١٩٤ ط دار المعرفة بيروت، والشرح الصغير ٢ / ٣٦٨ ط دار المعارف - مصر.

(٣) لسان العرب والمصباح المنير.

أَصِيلًا وَلاَ وَكِيلًا (١) فَهُوَ لاَ وِلاَيَةَ فِيمَا يُقْدِمُ عَلَيْهِ، أَمَّا الْمُفْتَاتُ فَقَدْ يَكُونُ صَاحِبَ حَقٍّ لَكِنَّ غَيْرَهُ أَوْلَى مِنْهُ بِهِ.

الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:

٤ - الاِفْتِيَاتُ غَيْرُ جَائِزٍ، لأَِنَّهُ تَعَدٍّ عَلَى حَقِّ مَنْ هُوَ الأَْوْلَى.

وَقَدْ يَكُونُ افْتِيَاتًا عَلَى حَقِّ الإِْمَامِ، وَقَدْ يَكُونُ عَلَى حَقِّ غَيْرِ الإِْمَامِ.

فَإِنْ كَانَ عَلَى حَقِّ الإِْمَامِ فَفِيهِ التَّعْزِيرُ، لأَِنَّهُ إِسَاءَةٌ إِلَى الإِْمَامِ، وَمِنْ أَمْثِلَتِهِ مَا يَلِي:

أ - الاِفْتِيَاتُ فِي إِقَامَةِ الْحُدُودِ:

٥ - يَتَّفِقُ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الَّذِي يُقِيمُ الْحَدَّ هُوَ الإِْمَامُ أَوْ نَائِبُهُ، سَوَاءٌ كَانَ الْحَدُّ حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى كَحَدِّ الزِّنَى، أَوْ لآِدَمِيٍّ كَحَدِّ الْقَذْفِ، لأَِنَّهُ يَفْتَقِرُ إِلَى الاِجْتِهَادِ، وَلاَ يُؤْمَنُ فِيهِ الْحَيْفُ، فَوَجَبَ أَنْ يُفَوَّضَ إِلَى الإِْمَامِ، وَلأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُقِيمُ الْحُدُودَ فِي حَيَاتِهِ، وَكَذَا خُلَفَاؤُهُ مِنْ بَعْدِهِ.

وَيَقُومُ نَائِبُ الإِْمَامِ فِيهِ مَقَامَهُ (٢) .

لَكِنْ إِذَا افْتَاتَ الْمُسْتَحِقُّ أَوْ غَيْرُهُ فَأَقَامَ الْحَدَّ بِدُونِ إِذْنِ الإِْمَامِ، فَإِنَّ الأَْئِمَّةَ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ الْمُرْتَدَّ لَوْ قَتَلَهُ أَحَدٌ بِدُونِ إِذْنِ الإِْمَامِ فَإِنَّهُ يُعْتَدُّ بِهَذَا الْقَتْل، وَلاَ ضَمَانَ عَلَى الْقَاتِل، لأَِنَّهُ مَحَلٌّ غَيْرُ مَعْصُومٍ، وَعَلَى مَنْ فَعَل ذَلِكَ التَّعْزِيرَ، لإِسَاءَتِهِ

_________

(١) التعريفات للجرجاني.

(٢) منتهى الإرادات ٣ / ٣٣٦ ط دار الفكر، والمهذب ٢ / ٢٧٠، وفتح القدير ٥ / ١١٣ ط المكتبة الإسلامية، ومنح الجليل ٤ / ٥٠٠.

وَافْتِيَاتِهِ عَلَى الإِْمَامِ.

وَكَذَلِكَ غَيْرُ الرِّدَّةِ، فَلاَ ضَمَانَ عَلَى مَنْ أَقَامَ حَدًّا عَلَى مَنْ لَيْسَ لَهُ إِقَامَتُهُ عَلَيْهِ فِيمَا حَدُّهُ الإِْتْلاَفُ كَقَتْل زَانٍ مُحْصَنٍ، أَوْ قَطْعِ يَدِ سَارِقٍ تَوَجَّهَ عَلَيْهِ الْقَطْعُ، لأَِنَّ هَذِهِ حُدُودٌ لاَ بُدَّ أَنْ تُقَامَ، لَكِنَّهُ يُؤَدَّبُ لاِفْتِيَاتِهِ عَلَى الإِْمَامِ (١) .

وَأَمَّا بِالنِّسْبَةِ لِلْجَلْدِ فِي الْقَذْفِ، وَفِي زِنَا الْبِكْرِ فَفِيهِ خِلاَفٌ وَتَفْصِيلٌ، ر: (حَدٌّ، قَذْفٌ، زِنًا) .

ب - الاِفْتِيَاتُ فِي اسْتِيفَاءِ الْقِصَاصِ:

٦ - الأَْصْل أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ اسْتِيفَاءُ الْقِصَاصِ إِلاَّ بِإِذْنِ السُّلْطَانِ وَحَضْرَتِهِ، لأَِنَّهُ أَمْرٌ يَفْتَقِرُ إِلَى الاِجْتِهَادِ، وَيَحْرُمُ الْحَيْفُ فِيهِ فَلاَ يُؤْمَنُ الْحَيْفُ مَعَ قَصْدِ التَّشَفِّي، وَمَعَ ذَلِكَ فَمَنِ اسْتَوْفَى حَقَّهُ مِنَ الْقِصَاصِ مِنْ غَيْرِ حَضْرَةِ السُّلْطَانِ وَإِذْنِهِ، وَقَعَ الْمَوْقِعَ وَيُعَزَّرُ، لاِفْتِيَاتِهِ عَلَى الإِْمَامِ، وَهَذَا عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ لاَ يُشْتَرَطُ إِذْنُ الإِْمَامِ (٢): أَمَّا الاِفْتِيَاتُ عَلَى غَيْرِ الإِْمَامِ، فَإِنَّ الْمَقْصُودَ بِالْحُكْمِ فِيهِ بَيَانُ صِحَّةِ هَذَا الْعَمَل أَوْ فَسَادُهُ، وَمِنْ أَمْثِلَةِ ذَلِكَ:

الاِفْتِيَاتُ فِي التَّزْوِيجِ:

٧ - إِذَا زَوَّجَ الْمَرْأَةَ وَلِيُّهَا الأَْبْعَدُ مَعَ وُجُودِ الْوَلِيِّ الأَْقْرَبِ الَّذِي هُوَ الأَْحَقُّ بِوِلاَيَةِ الْعَقْدِ فَإِنَّ الْفُقَهَاءَ

_________

(١) منتهى الإرادات ٣ / ٣٣٧، والمغني ٨ / ١٢٨ ط مكتبة الرياض، والمواق بهامش الحطاب ٦ / ٢٣١، ٢٣٣، ومغني المحتاج ٤ / ١٥٧، وقليوبي ٤ / ١٢٣ ط الحلبي، والاختيار ٤ / ١٤٦، والبدائع ٧ / ٨٨.

(٢) منتهى الإرادات ٣ / ٢٨٦، ومغني المحتاج ٤ / ٤٢، ومنح الجليل ٤ / ٣٤٥، وابن عابدين ٥ / ٢٦٤.

يَخْتَلِفُونَ فِي ذَلِكَ.

فَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ يَصِحُّ الْعَقْدُ بِرِضَاهَا بِالْقَوْل دُونَ السُّكُوتِ، وَيَزِيدُ الْمَالِكِيَّةُ شَرْطًا آخَرَ، وَهُوَ أَلاَّ يَكُونَ الأَْقْرَبُ غَيْرَ مُجْبِرٍ، فَإِنْ كَانَ الأَْقْرَبُ مُجْبِرًا كَالأَْبِ فَلاَ يَصِحُّ الْعَقْدُ.

وَيَقُول الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: إِذَا زَوَّجَ الْمَرْأَةَ مَنْ غَيْرُهُ أَوْلَى مِنْهُ وَهُوَ حَاضِرٌ وَلَمْ يَعْضُلْهَا لَمْ يَصِحَّ النِّكَاحُ (١) .

مَوَاطِنُ الْبَحْثِ:

٨ - لِلاِفْتِيَاتِ مَوَاطِنُ مُتَعَدِّدَةٌ تَأْتِي فِي الْحُدُودِ: كَالسَّرِقَةِ، وَالزِّنَى، وَشُرْبِ الْخَمْرِ، وَالْقَذْفِ، وَتَأْتِي فِي الإِْتْلاَفِ، وَفِي الْعُقُودِ كَالنِّكَاحِ وَالْبَيْعِ، وَتُنْظَرُ فِي مَوَاضِعِهَا.

إِفْرَادٌ

التَّعْرِيفُ:

١ - الإِْفْرَادُ لُغَةً: مَصْدَرُ أَفْرَدَ، وَالْفَرْدُ مَا كَانَ وَحْدَهُ، وَأَفْرَدْتُهُ: جَعَلْتُهُ وَاحِدًا، وَعَدَّدْتُ الدَّرَاهِمَ أَفْرَادًا أَيْ: وَاحِدًا وَاحِدًا، وَأَفْرَدْتُ الْحَجَّ عَنِ الْعُمْرَةِ، فَعَلْتُ كُل وَاحِدٍ عَلَى حِدَةٍ (٢) .

وَقَدِ اسْتَعْمَلَهُ الْفُقَهَاءُ بِالْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ فِي مَوَاطِنَ مُتَعَدِّدَةٍ سَتَأْتِي:

_________

(١) الدسوقي ٢ / ٢٢٧، والهداية ١ / ١٩٧، والمغني ٦ / ٤٧٣، وحاشية البجيرمي على الخطيب ٣ / ٣٤٠ ط الحلبي.

(٢) المصباح المنير ولسان العرب مادة (فرد) .

أ - الإِْفْرَادُ فِي الْبَيْعِ:

٢ - قَال الْحَطَّابُ: لاَ يَجُوزُ أَنْ يُفْرِدَ الْحِنْطَةَ فِي سُنْبُلِهَا بِالْبَيْعِ دُونَ السُّنْبُل (١) .

ب - الإِْفْرَادُ فِي الْوَصِيَّةِ:

٣ - جَاءَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ: يَجُوزُ إِفْرَادُ الأُْمِّ بِالْوَصِيَّةِ وَكَذَلِكَ يَجُوزُ إِفْرَادُ الْحَمْل (٢) .

ج - الإِْفْرَادُ فِي الأَْكْل:

٤ - جَاءَ فِي الآْدَابِ الشَّرْعِيَّةِ لاِبْنِ مُفْلِحٍ: يُكْرَهُ الْقِرَانُ فِي التَّمْرِ، وَعَلَى قِيَاسِهِ كُل مَا الْعَادَةُ جَارِيَةٌ بِتَنَاوُلِهِ أَفْرَادًا، وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَال: نَهَى رَسُول اللَّهِ ﷺ عَنِ الْقِرَانِ إِلاَّ أَنْ يَسْتَأْذِنَ الرَّجُل أَخَاهُ (٣) .

د - إِفْرَادُ الْحَجِّ:

٥ - هُوَ أَنْ يُهِل بِالْحَجِّ مُفْرِدًا. وَسَيَكُونُ الْبَحْثُ هُنَا خَاصًّا بِإِفْرَادِ الْحَجِّ. أَمَّا الْمَوَاضِعُ الأُْخْرَى فَتُنْظَرُ فِي مَوَاطِنِهَا.

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:

٦ - تَقَدَّمَ أَنَّ الإِْفْرَادَ: هُوَ أَنْ يُهِل بِالْحَجِّ مُفْرِدًا عَنِ الْعُمْرَةِ.

_________

(١) الحطاب على خليل ٤ / ٥٠٠ ط النجاح - ليبيا.

(٢) فتح القدير ٩ / ٣٦٣ ط دار إحياء التراث العربي - بيروت.

(٣) الآداب الشرعية لابن مفلح ٣ / ١٧٣، ١٧٤ ط المنار الأولى. وحديث " نهى رسول الله ﷺ عن القران. . . " أخرجه البخاري ومسلم عن طريق شعبة من حديث ابن عمر ﵄ بلفظ: " أن رسول الله ﷺ نهى عن الإقران إلا أن يستأذن الرجل أخاه ". قال شعبة: لا أرى هذه الكلمة إلا من كلمة ابن ع (فتح الباري ٩ / ٥٦٩ - ٥٧٠ ط السلفية، وصحيح مسلم ٣ / ١٦١٧ ط عيسى الحلبي) .

أَمَّا الْقِرَانُ: فَهُوَ أَنْ يُحْرِمَ بِالْعُمْرَةِ وَالْحَجِّ مَعًا فَيَجْمَعَ بَيْنَهُمَا فِي إِحْرَامِهِ، أَوْ يُحْرِمَ بِالْعُمْرَةِ ثُمَّ يُدْخِل عَلَيْهَا الْحَجَّ قَبْل الطَّوَافِ لَهَا.

وَأَمَّا التَّمَتُّعُ: فَهُوَ أَنْ يُهِل بِعُمْرَةٍ مُفْرَدَةٍ مِنَ الْمِيقَاتِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، فَإِذَا فَرَغَ مِنْهَا أَحْرَمَ بِالْحَجِّ مِنْ عَامِهِ (١) .

وَسَيَأْتِي مَا يَفْتَرِقُ بِهِ الإِْفْرَادُ عَنْ كُلٍّ مِنَ التَّمَتُّعِ وَالْقِرَانِ.

الْمُفَاضَلَةُ بَيْنَ كُلٍّ مِنَ الإِْفْرَادِ وَالْقِرَانِ وَالتَّمَتُّعِ:

٧ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الإِْفْرَادِ، وَالْقِرَانِ، وَالتَّمَتُّعِ أَيُّهَا أَفْضَل، وَالاِتِّجَاهَاتُ فِي ذَلِكَ كَالآْتِي:

أ - الإِْفْرَادُ أَفْضَل عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ، لَكِنَّ أَفْضَلِيَّتَهُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَفِي قَوْلٍ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ إِنِ اعْتَمَرَ فِي نَفْسِ الْعَامِ بَعْدَ أَدَاءِ الْحَجِّ، وَلِذَلِكَ يَقُول الشَّافِعِيَّةُ إِنْ لَمْ يَعْتَمِرْ فِي نَفْسِ الْعَامِ كَانَ الإِْفْرَادُ مَكْرُوهًا.

وَاسْتَدَل الْقَائِلُونَ بِأَفْضَلِيَّةِ الإِْفْرَادِ بِمَا صَحَّ عَنْ جَابِرٍ وَعَائِشَةَ وَابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَفْرَدَ الْحَجَّ (٢)، ثُمَّ بِالإِْجْمَاعِ عَلَى أَنَّهُ لاَ

_________

(١) المغني ٣ / ٢٧٦ ط مكتبة الرياض، والدسوقي ٢ / ٢٨، ٢٩، والهداية ١ / ١٥٤، ١٥٦ ط المكتبة الإسلامية، ونهاية المحتاج ٣ / ٣١٣ ط المكتبة الإسلامية.

(٢) حديث جابر أخرجه مسلم عن أبي الزبير عن جابر أنه قال: أقبلنا مهلين مع رسول الله ﷺ بحج مفرد (صحيح مسلم ٢ / ٨٨١ ط عيسى الحلبي) . وحديث عائشة ﵂ أخرجه مسلم بلفظ: أن رسول الله ﷺ أفرد الحج (صحيح مسلم ٢ / ٨٧٥ ط عيسى الحلبي) . وحديث ابن عمر ﵄ أخرجه مسلم (في رواية يحيى) بلفظ: أهللنا مع رسول الله بالحج مفردا. (وفي رواية ابن عون) بلفظ: أن رسول الله ﷺ أهل بالحج مفردا (صحيح مسلم ٢ / ٩٠٤ - ٩٠٥ ط عيسى الحلبي) .

كَرَاهَةَ فِيهِ، وَأَنَّ الْمُفْرِدَ لَمْ يَرْبَحْ إِحْرَامًا مِنَ الْمِيقَاتِ (بِالاِسْتِغْنَاءِ عَنِ الرُّجُوعِ ثَانِيَةً لِلإِْحْرَامِ) وَلاَ رَبِحَ اسْتِبَاحَةَ الْمَحْظُورَاتِ (١) .

ب - الْقَوْل الثَّانِي: أَنَّ الْقِرَانَ أَفْضَل: وَذَلِكَ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَفِي قَوْلٍ لِلإِْمَامِ أَحْمَدَ أَنَّهُ إِنْ سَاقَ الْهَدْيَ فَالْقِرَانُ أَفْضَل، وَإِنْ لَمْ يَسُقِ الْهَدْيَ فَالتَّمَتُّعُ أَفْضَل.

وَاسْتَدَل الْحَنَفِيَّةُ عَلَى أَفْضَلِيَّةِ الْقِرَانِ بِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: يَا آل مُحَمَّدٍ: أَهِّلُوا بِحَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ مَعًا (٢) وَلأَِنَّ فِي الْقِرَانِ جَمْعًا بَيْنَ الْعِبَادَتَيْنِ.

وَيَلِي الْقِرَانَ فِي الأَْفْضَلِيَّةِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ التَّمَتُّعُ ثُمَّ الإِْفْرَادُ، وَهَذَا فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ، لأَِنَّ فِي التَّمَتُّعِ جَمْعًا بَيْنَ الْعِبَادَتَيْنِ فَأَشْبَهَ الْقِرَانَ، ثُمَّ فِيهِ زِيَادَةُ نُسُكٍ وَهِيَ إِرَاقَةُ الدَّمِ.

وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ أَنَّهُ يَلِي الْقِرَانَ الإِْفْرَادُ ثُمَّ التَّمَتُّعُ، لأَِنَّ الْمُتَمَتِّعَ سَفَرُهُ وَاقِعٌ لِعُمْرَتِهِ وَالْمُفْرِدُ سَفَرُهُ وَاقِعٌ لِحَجَّتِهِ (٣) . وَوَافَقَهُ فِي ذَلِكَ أَشْهَبُ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ.

ج - التَّمَتُّعُ أَفْضَل: وَهَذَا عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ وَفِي قَوْلٍ

_________

(١) نهاية المحتاج ٣ / ٣١٤، والدسوقي ٢ / ٢٨.

(٢) حديث " يا آل محمد: أهلوا بحجة وعمرة معا. . . " أخرجه الطحاوي من حديث أم سلمة ﵂ تقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " أهلوا يا آل محمد، بعمرة في حجة " وأورده الزيلعي في نصب الراية من غير أن يبين درجته إلا أنه ذكر أحاديث أخرى تؤيد هذا المعنى، منها ما أخرجه مسلم عن يحيى بن أبي إسحاق وعبد العزيز بن صهيب وحميد أنهم سمعوا أنسا ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ أهل بهما جميعا " لبيك عمرة وحجا، لبيك عمرة وحجا " (شرح معاني الآثار ٢ / ١٥٤ نشر مطبعة الأنوار، وصحيح مسلم ٢ / ٩١٥ ط عيسى الحلبي، ونصب الراية ٣ / ٩٩ ط مطبعة دار المأمون) .

(٣) الهداية ١ / ١٥٣.

عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ، وَيَلِي التَّمَتُّعَ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ الإِْفْرَادُ ثُمَّ الْقِرَانُ.

وَاسْتَدَل الْحَنَابِلَةُ عَلَى أَفْضَلِيَّةِ التَّمَتُّعِ بِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ وَجَابِرٌ وَأَبُو مُوسَى وَعَائِشَةُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ أَصْحَابَهُ لَمَّا طَافُوا بِالْبَيْتِ أَنْ يُحِلُّوا وَيَجْعَلُوهَا عُمْرَةً (١) فَنَقَلَهُمْ مِنَ الإِْفْرَادِ وَالْقِرَانِ إِلَى الْمُتْعَةِ، وَلاَ يَنْقُلُهُمْ إِلاَّ إِلَى الأَْفْضَل، وَلأَِنَّ الْمُتَمَتِّعَ يَجْتَمِعُ لَهُ الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ مَعَ كَمَالِهَا وَكَمَال أَفْعَالِهَا عَلَى وَجْهِ الْيُسْرِ وَالسُّهُولَةِ مَعَ زِيَادَةِ نُسُكٍ فَكَانَ ذَلِكَ أَوْلَى (٢) .

_________

(١) حديث ابن عباس أخرجه البخاري بلفظ: " قدم النبي ﷺ وأصحابه صبيحة رابعة مهلين بالحج، فأمرهم أن يجعلوها عمرة، فتعاظم ذلك عندهم فقالوا: يا رسول الله أي الحل؟ قال: حل كله ". (فتح الباري ٣ / ٤٢٢ ط السلفية) . وحديث جابر بن عبد الله ﵄ أخرجه البخاري بلفظ " أنه حج مع النبي ﷺ يوم ساق البدن معه بالحج مفردا فقال لهم: أحلوا من إحرامكم بطواف البيت وبين الصفا والمروة وقصروا، ثم أقيموا حلالا حتى إذا كان يوم التروية فأهلوا بالحج واجعلوا ا (فتح الباري ٣ / ٤٢٢ ط السلفية) . وحديث ابن عمر أخرجه البخاري بلفظ " لما قدم النبي ﷺ قال للناس: من كان منكم أهدى فإنه لا يحل لشيء حرم منه حتى يقضي حجه، ومن لم يكن منكم أهدى فليطف بالبيت وبالصفا والمروة وليقصر وليحلل ثم ليهل بالحج. . . " (فتح الباري ٣ / ٥٣٩ ط السلفية) . وحديث عائشة ﵂ أخرجه البخاري بلفظ " خرجنا مع النبي ﷺ ولا نرى إلا أنه الحج، فلما قدمنا تطوفنا بالبيت، فأمر النبي ﷺ من لم يكن ساق الهدي أن يحل، فحل من لم يكن ساق الهدي، ونساؤه لم يسقن فأحللن. . . " (فتح الباري ٣ / ٥٢١ ط السلفية) .

(٢) المغني ٣ / ٢٧٦.

٨ - وَقَدْ ذَكَرَ الرَّمْلِيُّ فِي نِهَايَةِ الْمُحْتَاجِ أَنَّ مَنْشَأَ الْخِلاَفِ اخْتِلاَفُ الرُّوَاةِ فِي إِحْرَامِهِ ﷺ لأَِنَّهُ صَحَّ عَنْ جَابِرٍ وَعَائِشَةَ وَابْنِ عَبَّاسٍ ﵃ أَنَّهُ ﷺ أَفْرَدَ الْحَجَّ (١)، وَعَنْ أَنَسٍ أَنَّهُ قَرَنَ (٢)، وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ تَمَتَّعَ (٣)، ثُمَّ قَال: إِنَّ الصَّوَابَ الَّذِي نَعْتَقِدُهُ أَنَّهُ ﷺ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ ثُمَّ أَدْخَل عَلَيْهِ الْعُمْرَةَ، وَخُصَّ بِجَوَازِهِ فِي تِلْكَ السَّنَةِ لِلْحَاجَةِ.

وَبِهَذَا يَسْهُل الْجَمْعُ بَيْنَ الرِّوَايَاتِ، فَعُمْدَةُ رُوَاةِ الإِْفْرَادِ أَوَّل الإِْحْرَامِ، وَرُوَاةُ الْقِرَانِ آخِرُهُ، وَمَنْ رَوَى التَّمَتُّعَ أَرَادَ التَّمَتُّعَ اللُّغَوِيَّ وَهُوَ الاِنْتِفَاعُ، وَقَدِ انْتَفَعَ بِالاِكْتِفَاءِ بِفِعْلٍ وَاحِدٍ، وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ أَنَّهُ ﷺ لَمْ يَعْتَمِرْ فِي تِلْكَ السَّنَةِ عُمْرَةً مُفْرَدَةً، وَلَوْ جُعِلَتْ حَجَّتُهُ مُفْرَدَةً لَكَانَ غَيْرَ مُعْتَمِرٍ فِي تِلْكَ السَّنَةِ، وَلَمْ يَقُل أَحَدٌ إِنَّ الْحَجَّ وَحْدَهُ أَفْضَل مِنَ الْقِرَانِ فَانْتَظَمَتِ الرِّوَايَاتُ فِي حَجَّتِهِ (٤) .

حَالَةُ وُجُوبِ الإِْفْرَادِ (وُجُوبُهُ فِي حَقِّ الْمَكِّيِّ):

٩ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ بِالنِّسْبَةِ لِلْمَكِّيِّ وَمَنْ فِي حُكْمِهِ هَل لَهُ تَمَتُّعٌ وَقِرَانٌ، أَمْ لَيْسَ لَهُ إِلاَّ الإِْفْرَادُ خَاصَّةً؟

فَيَرَى الْجُمْهُورُ أَنَّ لأَِهْل مَكَّةَ الْمُتْعَةَ وَالْقِرَانَ مِثْل الآْفَاقِيِّ، وَلأَِنَّ التَّمَتُّعَ الَّذِي وَرَدَ فِي الآْيَةِ أَحَدُ الأَْنْسَاكِ الثَّلاَثَةِ، فَصَحَّ مِنَ الْمَكِّيِّ كَالنُّسُكَيْنِ الآْخَرَيْنِ، وَلأَِنَّ حَقِيقَةَ التَّمَتُّعِ هُوَ أَنْ يَعْتَمِرَ فِي أَشْهُرِ

_________

(١) حديث جابر وعائشة وابن عمر ﵃ سبق تخريجه (ف / ٧) .

(٢) حديث أنس ﵁ سبق تخريجه (ف / ٧) .

(٣) حديث ابن عمر ﵄ أخرجه البخاري بلفظ " تمتع رسول الله ﷺ في حجة الوداع بالعمرة إلى الحج وأهدى فساق معه الهدي من ذي الحليفة ". (فتح الباري ٣ / ٥٣٩ ط السلفية) .

(٤) نهاية المحتاج ٣ / ٣١٤.

الْحَجِّ ثُمَّ يَحُجَّ مِنْ عَامِهِ، وَهَذَا مَوْجُودٌ فِي الْمَكِّيِّ (١) .

وَيَرَى الْحَنَفِيَّةُ أَنَّ أَهْل مَكَّةَ لَيْسَ لَهُمْ تَمَتُّعٌ وَلاَ قِرَانٌ، وَإِنَّمَا لَهُمُ الإِْفْرَادُ خَاصَّةً، لأَِنَّ شَرْعَهُمَا لِلتَّرَفُّهِ بِإِسْقَاطِ إِحْدَى السَّفْرَتَيْنِ وَهَذَا فِي حَقِّ الآْفَاقِيِّ (٢) .

١٠ - وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ أَيْضًا فِي حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ.

فَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُمْ أَهْل الْحَرَمِ وَمَنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَكَّةَ دُونَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ.

فَإِنْ كَانُوا عَلَى مَسَافَةِ الْقَصْرِ فَلَيْسُوا مِنَ الْحَاضِرِينَ.

وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُمْ أَهْل الْمَوَاقِيتِ فَمَنْ دُونَهَا إِلَى مَكَّةَ.

وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّهُمْ أَهْل مَكَّةَ وَأَهْل ذِي طُوًى (٣) .

وَفِي ذَلِكَ فُرُوعٌ كَثِيرَةٌ (ر: حَجٌّ - إِحْرَامٌ - مِيقَاتٌ - تَمَتُّعٌ) .

نِيَّةُ الإِْفْرَادِ:

١١ - وَيَخْتَلِفُ الْفُقَهَاءُ فِيمَا يَنْعَقِدُ بِهِ إِحْرَامُ الْمُفْرِدِ: فَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَهُوَ الرَّاجِحُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّ الإِْحْرَامَ يَنْعَقِدُ بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ مَعَ اسْتِحْبَابِ التَّلَفُّظِ بِمَا أَحْرَمَ بِهِ فَيَقُول: اللَّهُمَّ إِنِّي أُرِيدَ الْحَجَّ فَيَسِّرْهُ لِي وَتَقَبَّلْهُ مِنِّي.

وَفِي قَوْلٍ لِلشَّافِعِيَّةِ أَنَّ الإِْطْلاَقَ أَوْلَى، لأَِنَّهُ رُبَّمَا حَصَل عَارِضٌ مِنْ مَرَضٍ أَوْ غَيْرِهِ فَلاَ يَتَمَكَّنُ مِنْ

_________

(١) المغني ٣ / ٤٧٤، والدسوقي ٢ / ٢٩، ونهاية المحتاج ٣ / ٣١٥، والنيسابوري ٢ / ٢٥٢ بهامش الطبري ط بولاق الأولى.

(٢) المراجع السابقة.

(٣) المراجع السابقة.