الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٥
وَاسْمُ ذَلِكَ الْعِوَضِ " الْفِدْيَةُ " أَوِ " الْفِدَاءُ " وَهُوَ عِوَضُ الأَْسِيرِ.
وَمُفَادَاةُ الأَْسْرَى: أَنْ تَدْفَعَ رَجُلًا وَتَأْخُذَ رَجُلًا، وَالْفِدَاءُ: فِكَاكُ الأَْسِيرِ.
وَيُطْلَقُ الاِفْتِدَاءُ فِي الاِصْطِلاَحِ عَلَى مَا يَشْمَل الْمَعْنَى اللُّغَوِيَّ وَهُوَ: الاِسْتِنْقَاذُ بِعِوَضٍ، وَعَلَى مَا يَكُونُ جَبْرًا لِخَطَأٍ، أَوْ مَحْوًا لإِثْمٍ أَوْ تَقْصِيرٍ (١) .
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:
يَخْتَلِفُ حُكْمُ الاِفْتِدَاءِ بِاخْتِلاَفِ مَوَاضِعِهِ وَمِنْ ذَلِكَ:
أ - افْتِدَاءُ الْيَمِينِ:
٢ - يَرَى جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ أَنَّ لِمَنِ ادُّعِيَ عَلَيْهِ بِحَقٍّ وَوُجِّهَتْ إِلَيْهِ الْيَمِينُ، أَنْ يَتَحَاشَى الْحَلِفَ وَيَفْتَدِيَ الْيَمِينَ بِأَدَاءِ الْمُدَّعَى أَوِ الصُّلْحِ مِنْهَا عَلَى شَيْءٍ مَعْلُومٍ، لِحَدِيثِ: ذُبُّوا عَنْ أَعْرَاضِكُمْ بِأَمْوَالِكُمْ (٢) وَالتَّفْصِيل فِي بَحْثِ (الدَّعْوَى) وَفِي (الصُّلْحِ) .
_________
(١) لسان العرب، والمصباح المنير، والصحاح، مادة (فدى)، وحاشية القليوبي ٤ / ١٥٩ ط مصطفى البابي الحلبي بمصر، وحاشية الشبراملسي على نهاية المحتاج ٧ / ٣٥٨ نشر المكتبة الإسلامية بالرياض.
(٢) حديث: " ذبوا عن أعراضكم بأموالكم " أخرجه الخطيب من حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعا، والحديث سكت عنه المناوي، وحكم الألباني بصحته (تاريخ بغداد ٩ / ١٠٧ ط السعادة، وفيض القدير ٣ / ٥٦٠، وصحيح الجامع الصغير بتحقيق الألباني ٣ / ١٥٥) . وانظر رد المحتار على الدر المختار ٤ / ٤٢٩ - دار إحياء التراث العربي. وحاشية الدسوقي على الشرح الكبير ٣ / ٣١١ ط عيسى البابي الحلبي.
ب - فِدَاءُ الرِّجَال الأَْسْرَى الْمُقَاتِلَةِ مِنَ الْكُفَّارِ:
٣ - أَجَازَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ (١) قَبُول افْتِدَاءِ الْمُشْرِكِينَ أَسْرَاهُمُ الرِّجَال الْمُقَاتِلَةَ بِمَالٍ أَوْ بِأَسْرَى مِنَ الْمُسْلِمِينَ، إِذَا رَأَى الإِْمَامُ أَوْ أَمِيرُ الْجَيْشِ فِي ذَلِكَ مَصْلَحَةً وَحَظًّا لِلْمُسْلِمِينَ.
وَأَجَازَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ (٢) مُفَادَاةَ الأَْسِيرِ بِالأَْسِيرِ، وَالدَّلِيل قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ (٣)
افْتِدَاءُ أَسْرَى الْمُسْلِمِينَ:
٤ - افْتِدَاؤُهُمْ بِالْمَال مَنْدُوبٌ إِلَيْهِ، لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: أَطْعِمُوا الْجَائِعَ، وَعُودُوا الْمَرِيضَ، وَفُكُّوا الْعَانِيَ (الأَْسِيرَ) (٤) أَمَّا افْتِدَاؤُهُمْ بِأَسْرَى الْكُفَّارِ فَهُوَ جَائِزٌ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ (٥) . وَتَفْصِيلُهُ فِي، مُصْطَلَحِ (أَسْرَى) .
ج - الاِفْتِدَاءُ عَنْ مَحْظُورَاتِ الإِْحْرَامِ:
٥ - تَجِبُ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ الْفِدْيَةُ عَنِ ارْتِكَابِ
_________
(١) حاشية الدسوقي على الشرح الكبير ٢ / ١٨٤، ونهاية المحتاج ٨ / ٦٥، ٦٦، ٦٧، وكشاف القناع ٣ / ٥٣ نشر مكتبة النصر الحديثة بالرياض.
(٢) بدائع الصنائع ٧ / ١١٩ - ١٢١ مطبعة الجمالية.
(٣) سورة محمد / ٤.
(٤) حديث: " أطعموا الجائع وعودوا المريض، وفكوا العاني " أخرجه البخاري من حديث أبي موسى الأشعري ﵁ مرفوعا. (فتح الباري ٩ / ٥١٧ ط السلفية) .
(٥) المبسوط ١٠ / ١٣٨، ومواهب الجليل ٣ / ٣٥٨، والمهذب ٢ / ٢٣٧، ومطالب أولي النهى ٢ / ٥٢١.
مَحْظُورٍ مِنْ مَحْظُورَاتِ الإِْحْرَامِ (١) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ (٢) وَلِحَدِيثِ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ ﵁ قَال: أَتَى عَلَيَّ النَّبِيُّ ﷺ مِنَ الْحُدَيْبِيَةِ وَالْقَمْل يَتَنَاثَرُ عَلَى وَجْهِي، فَقَال: أَيُؤْذِيكَ هَوَامُّ رَأْسِكَ؟ قُلْتُ: نَعَمْ: قَال: فَاحْلِقْ وَصُمْ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ، أَوْ أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ، أَوِ انْسُكْ نَسِيكَةً (٣) .
مَوَاطِنُ الْبَحْثِ:
٦ - أَبَانَ الْفُقَهَاءُ أَحْكَامَ الاِفْتِدَاءِ فِي مَبَاحِثِ الدَّعْوَى، وَالأَْسْرَى، وَمَحْظُورَاتِ الإِْحْرَامِ (٤) وَفِي الْفِطْرِ فِي رَمَضَانَ لأَِهْل الأَْعْذَارِ (الْحَامِل وَالْمُرْضِعِ) أُمًّا كَانَتْ أَوْ ظِئْرًا، وَمَنْ أَفْطَرَ عَمْدًا فِي رَمَضَانَ وَمَاتَ قَبْل الْقَضَاءِ وَالْكَفَّارَةِ (٥) .
وَذَكَرُوا الْفِدْيَةَ فِي صَوْمِ النَّذْرِ (٦) .
وَالْفِدْيَةُ لِلشَّيْخِ الْفَانِي الْعَاجِزِ عَنِ الصَّوْمِ (٧) .
_________
(١) رد المحتار على الدر المختار ٢ / ١٦١ - ١٦٤ نشر دار إحياء التراث العربي، وحاشية الدسوقي على الشرح الكبير ٢ - ٥٤ - ٦١، شرح الزرقاني ٢ / ٢٩٠ - ٢٩٧، وبداية المجتهد ١ / ٣١٠، ونهاية المحتاج ٣ / ٣١٩ - ٣٣٠، ومطالب أولي النهى ٢ / ٣٢٨، ٣٢٩، ٣٣٢، وكشاف القناع ٢ / ٤٥٠ - ٤٦٧، والمغني ٣ / ٤٩٢، ٤٩٣، ٥٠١.
(٢) سورة البقرة / ١٩٦.
(٣) حديث كعب بن عجرة " أتى علي النبي ﷺ زمن الحديبية " أخرجه البخاري (فتح الباري ٧ / ٤٥٧ ط السلفية) .
(٤) المراجع السابقة.
(٥) رد المحتار على الدر المختار ٢ / ١١٧، ١١٨، والمغني لابن قدامة ٣ / ١٤١.
(٦) رد المحتار على الدر المختار ٣ / ٧١.
(٧) رد المحتار على الدر المختار ٢ / ١١٩.
وَفِي الْخُلْعِ (١) . وَتَفْصِيل كُلٍّ مِمَّا ذُكِرَ فِي مَوَاطِنِهِ.
افْتِرَاءٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الاِفْتِرَاءُ فِي اللُّغَةِ، وَفِي الشَّرِيعَةِ: الْكَذِبُ وَالاِخْتِلاَقُ (٢)، قَال تَعَالَى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ﴾ (٣) أَيِ اخْتَلَقَهُ وَكَذَبَ بِهِ عَلَى اللَّهِ، قَال جَل شَأْنُهُ: ﴿وَلاَ يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ﴾ (٤) وَقَال أَيْضًا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ﴾ (٥) .
وَيُطْلِقُ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ الْفِرْيَةَ وَالاِفْتِرَاءَ عَلَى الْقَذْفِ، وَهُوَ رَمْيُ الْمُحْصَنِ بِالزِّنَى مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ. وَقَدْ جَاءَ فِي كَلاَمِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ حِينَ اسْتَشَارَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فِي حَدِّ السُّكْرِ: أَنَّهُ إِذَا سَكِرَ هَذَى، وَإِذَا هَذَى افْتَرَى (أَيْ قَذَفَ كَاذِبًا) وَحَدُّ الْمُفْتَرِي - أَيِ الْقَاذِفِ - ثَمَانُونَ جَلْدَةً (٦) .
_________
(١) شرح منهاج الطالبين، وحاشيتي قليوبي وعميرة ٣ / ٣١٢، ٤ / ٤٧.
(٢) المصباح المنير، ولسان العرب، والنهاية في غريب الحديث، وتحفة الأديب بما في القرآن من الغريب لأبي حيان ص ٢١٢ ط العاني بغداد.
(٣) سورة يونس / ٣٨.
(٤) سورة الممتحنة / ١٢.
(٥) سورة يونس / ٦٩.
(٦) المغني ٨ / ٣٠٧. والأثر في استشارة عمر ﵁ علي بن أبي طالب ﵁ في حد السكر. أخرجه مالك والشافعي عن ثور بن زيد الدبلي، ولفظ الموطأ: أن عمر بن الخطاب استشار في الخمر يشربها الرجل فقال له علي بن أبي طالب: نرى أن تجلده ثمانين، فإنه إذا شرب سكر وإذا سكر هذى، وإذا هذى افترى أو كما قال. فجلد عمر في الخمر ثمانين. قال الحافظ ابن حجر: إسناده منقطع لأن ثورا لم يلحق عمر بلا وتلخيص الحبير ٤ / ٧٥ ط شركة الطباعة الفنية، وسنن الدارقطني ٣ / ١٦٦، ١٦٧ ط دار المحاسن، ونيل الأوطار ٧ / ١٥٢، ١٥٣ ط مصطفى الحلبي) .
الْفَرْقُ بَيْنَ الْكَذِبِ وَالاِفْتِرَاءِ:
الْكَذِبُ قَدْ يَقَعُ عَلَى سَبِيل الإِْفْسَادِ، وَقَدْ يَكُونُ عَلَى سَبِيل الإِْصْلاَحِ، كَالْكَذِبِ لِلإِْصْلاَحِ بَيْنَ الْمُتَخَاصِمَيْنِ، أَمَّا الاِفْتِرَاءُ: فَإِنَّ اسْتِعْمَالَهُ لاَ يَكُونُ إِلاَّ فِي الإِْفْسَادِ (١) .
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:
٢ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّهُ لاَ يُفْطِرُ الصَّائِمُ بِشَيْءٍ مِنْ مَعَاصِي الْكَلاَمِ، وَمِنْهَا الاِفْتِرَاءُ، وَلَكِنَّهُ يَنْقُصُ أَجْرُهُ، وَتَفْصِيل ذَلِكَ تَجِدُهُ فِي بَحْثِ الصِّيَامِ عِنْدَ كَلاَمِهِمْ عَلَى مَا يُفْطِرُ الصَّائِمَ وَمَا لاَ يُفْطِرُهُ (٢) .
٣ - الاِفْتِرَاءُ إِذَا اسْتُعْمِل وَأُرِيدَ بِهِ الْقَذْفُ، فَإِنَّ أَحْكَامَهُ هِيَ أَحْكَامُ الْقَذْفِ الْمُفَصَّلَةِ فِي بَابِ الْقَذْفِ، أَمَّا إِذَا أُرِيدَ بِهِ غَيْرُ الْقَذْفِ، فَفِيهِ التَّعْزِيرُ، لأَِنَّهُ لاَ حَدَّ فِيهِ، وَكُل إِسَاءَةٍ لاَ حَدَّ فِيهَا فَفِيهَا التَّعْزِيرُ (٣) .
_________
(١) مفردات الراغب الأصبهاني.
(٢) المحلى ٦ / ١٧٧، وما بعدها.
(٣) الفتاوى الهندية ٢ / ١٦٧، والمغني ٨ / ٣٢٤، وقليوبي ٤ / ٢٠٥.
افْتِرَاشٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - افْتِرَاشُ الشَّيْءِ لُغَةً: بَسْطُهُ.
يُقَال: افْتَرَشَ ذِرَاعَيْهِ إِذَا بَسَطَهُمَا عَلَى الأَْرْضِ، كَالْفِرَاشِ لَهُ.
وَالاِفْتِرَاشُ أَيْضًا: وَطْءُ مَا فَرَشَهُ، وَمِنْهُ افْتِرَاشُ الْبِسَاطِ وَطْؤُهُ وَالْجُلُوسُ عَلَيْهِ، وَافْتِرَاشُ الْمَرْأَةِ: اتِّخَاذُهَا زَوْجَةً، وَلِذَلِكَ سُمِّيَ كُلٌّ مِنَ الزَّوْجَيْنِ فِرَاشًا لِلآْخَرِ (١) . وَالْفُقَهَاءُ يُطْلِقُونَ " الاِفْتِرَاشَ " عَلَى هَذَيْنِ الْمَعْنَيَيْنِ.
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:
أ - افْتِرَاشُ الْيَدَيْنِ وَالْقَدَمَيْنِ:
٢ - كَرِهَ الْفُقَهَاءُ لِلرَّجُل - دُونَ الْمَرْأَةِ - أَنْ يَفْتَرِشَ ذِرَاعَيْهِ عَلَى الأَْرْضِ فِي السُّجُودِ، لِوُرُودِ النَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ، لِحَدِيثِ لاَ يَفْتَرِشُ أَحَدُكُمْ ذِرَاعَيْهِ افْتِرَاشَ الْكَلْبِ (٢) .
_________
(١) المغرب، والقاموس المحيط، والمصباح: مادة " فرش "
(٢) الطحطاوي على مراقي الفلاح ص ١٤٦، ١٩٢ ط بولاق ١٣٧١ هـ وكشاف القناع ١ / ٣٥٢ ط مكتبة النصر الحديثة بالرياض، والمغني ١ / ٥١٩، والاختيار لتعليل المختار ١ / ٥٢ ط دار المعرفة بيروت. والحديث: " لا يفترش أحدكم ذراعيه افتراش الكلب ". أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود - واللفظ له - من حديث أنس ﵁ مرفوعا (فتح الباري ٢ / ٣٠١ ط السلفية) وصحيح مسلم (١ / ٣٥٥ ط عيسى الحلبي، وسنن أبي داود ١ / ٥٥٤ ط استنبول.
وَيُكْرَهُ لِلرَّجُل افْتِرَاشُ أَصَابِعِ قَدَمَيْهِ فِي السُّجُودِ (١) .
وَكَرِهَ الْبَعْضُ لِلرَّجُل فِي قُعُودِ الصَّلاَةِ افْتِرَاشَ قَدَمَيْهِ وَالْجُلُوسَ عَلَى عَقِبَيْهِ، وَلَكِنْ يُسَنُّ لَهُ أَنْ يَجْلِسَ مُفْتَرِشًا رِجْلَهُ الْيُسْرَى، وَيَجْلِسَ عَلَيْهَا، وَيَنْصِبَ الْيُمْنَى (٢) .
وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي كِتَابِ الصَّلاَةِ عِنْدَ الْكَلاَمِ عَلَى السُّجُودِ وَالْقُعُودِ فِيهَا.
ب - الصَّلاَةُ عَلَى الثَّوْبِ الْمَفْرُوشِ عَلَى النَّجَاسَةِ:
٣ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى جَوَازِ الصَّلاَةِ عَلَى الثَّوْبِ الْمَفْرُوشِ عَلَى النَّجَاسَةِ إِذَا كَانَ يَمْنَعُ نُفُوذَ النَّجَاسَةِ إِلَى الأَْعْلَى، وَظَاهِرُ كَلاَمِ أَحْمَدَ الْجَوَازُ مَعَ الْكَرَاهَةِ، وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ: لاَ تَجُوزُ الصَّلاَةُ عَلَيْهِ (٣) . وَفَصَّل الْحَنَفِيَّةُ فَقَالُوا: إِنَّ النَّجَاسَةَ إِمَّا أَنْ تَكُونَ طَرِيَّةً أَوْ يَابِسَةً، فَإِنْ كَانَتِ النَّجَاسَةُ طَرِيَّةً وَفُرِشَ عَلَيْهَا ثَوْبٌ، فَإِنَّهُ يُشْتَرَطُ فِيهِ حَتَّى تَجُوزَ الصَّلاَةُ عَلَيْهِ، أَنْ يَكُونَ الثَّوْبُ غَلِيظًا يُمْكِنُ فَصْلُهُ إِلَى طَبَقَتَيْنِ، وَأَلاَّ تَكُونَ النَّجَاسَةُ قَدْ نَفَذَتْ مِنَ الطَّبَقَةِ السُّفْلَى إِلَى الطَّبَقَةِ الْعُلْيَا.
أَمَّا إِنْ كَانَتِ النَّجَاسَةُ يَابِسَةً، فَيُشْتَرَطُ فِي الثَّوْبِ الْمَفْرُوشِ عَلَيْهَا حَتَّى تَصِحَّ الصَّلاَةُ عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ غَلِيظًا بِحَيْثُ يَمْنَعُ لَوْنَ النَّجَاسَةِ وَرَائِحَتَهَا (٤) .
_________
(١) كشاف القناع ١ / ٣٥١، والمغني ١ / ٥١٩، وجواهر الإكليل ١ / ٤٨.
(٢) حلية العلماء ٢ / ١٠٤، وكشاف القناع ١ / ٣٥٢، والمغني ٣ / ٥٢٤، ومراقي الفلاح ص ١٤٦، وجواهر الإكليل ١ / ٥١.
(٣» المغني ٢ / ٧٦، والمجموع ٣ / ١٥٢، ١٥٣ مصور عن الطبعة الأولى.
(٤) حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح ص ١١٢.
ج - افْتِرَاشُ الْحَرِيرِ:
٤ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى جَوَازِ افْتِرَاشِ النِّسَاءِ لِلْحَرِيرِ. أَمَّا بِالنِّسْبَةِ لِلرِّجَال فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ إِلَى تَحْرِيمِهِ، لِقَوْل حُذَيْفَةَ: نَهَانَا النَّبِيُّ ﷺ أَنْ نَشْرَبَ فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَأَنْ نَأْكُل فِيهَا، وَأَنْ نَلْبَسَ الْحَرِيرَ وَالدِّيبَاجَ، وَأَنْ نَجْلِسَ عَلَيْهِ (١) .
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَبَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ إِلَى جَوَازِ ذَلِكَ مَعَ الْكَرَاهَةِ. وَرَخَّصَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ لِلرَّجُل أَنْ يَجْلِسَ وَيَنَامَ عَلَى فِرَاشِ الْحَرِيرِ مَعَ زَوْجَتِهِ (٢) .
افْتِرَاقٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الاِفْتِرَاقُ: مَصْدَرُ افْتَرَقَ. وَمِنْ مَعَانِيهِ فِي اللُّغَةِ: انْفِصَال الشَّيْءِ عَنِ الشَّيْءِ، أَوِ انْفِصَال أَجْزَاءِ الشَّيْءِ بَعْضِهَا عَنْ بَعْضٍ. وَالاِسْمُ (الْفُرْقَةُ) . (٣)
وَلاَ يَخْرُجُ اسْتِعْمَال الْفُقَهَاءِ لِهَذَا اللَّفْظِ عَنْ هَذَا الْمَعْنَى، لأَِنَّهُمُ اسْتَعْمَلُوهُ فِي الاِنْفِصَال بِالأَْبْدَانِ.
_________
(١) حديث: " نهانا النبي ﷺ أن نشرب. . . " أخرجه البخاري من حديث حذيفة ﵁ (فتح الباري ١٠ / ٢٩١ ط السلفية) .
(٢) المغني ١ / ٥٨٨، والفتاوى الهندية ٥ / ٣٣١، والشرح الصغير ١ / ٥٩ ط دار المعارف، وفتح الباري ١٠ / ٢٤٠، وعمدة القاري ٢٢ / ١٤ ط المنبرية.
(٣) المصباح المنير. ولسان العرب: مادة (فرق) .
وَعَمَّمَهُ بَعْضُهُمْ لِيَشْمَل الاِنْفِصَال بِالأَْقْوَال وَبِالأَْبْدَانِ، كَمَا سَيَأْتِي (١) .
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - التَّفَرُّقُ:
٢ - التَّفَرُّقُ وَالاِفْتِرَاقُ بِمَعْنًى وَاحِدٍ. وَمِنْهُمْ مَنْ جَعَل التَّفَرُّقَ لِلأَْبْدَانِ، وَالاِفْتِرَاقَ بِالْكَلاَمِ. لَكِنَّ الْفُقَهَاءَ اسْتَعْمَلُوا الاِفْتِرَاقَ أَيْضًا فِي الأَْبْدَانِ كَمَا قُلْنَا.
ب - التَّفْرِيقُ:
٣ - التَّفْرِيقُ: مَصْدَرُ فَرَّقَ. وَاسْتَعْمَلَهُ الْفُقَهَاءُ كَثِيرًا فِي الْفَصْل بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ بِحُكْمِ الْقَاضِي، وَالْفَصْل بَيْنَ أَجْزَاءِ الْمَبِيعِ بِقَبُول بَعْضِهَا وَرَدِّ بَعْضِهَا كَمَا فِي (تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ) .
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:
٤ - افْتِرَاقُ الطَّرَفَيْنِ بَعْدَ الإِْيجَابِ وَقَبْل الْقَبُول فِي أَيِّ عَقْدٍ مِنَ الْعُقُودِ يُبْطِل الإِْيجَابَ، فَلاَ يَكْفِي بَعْدَهُ الْقَبُول لاِنْعِقَادِ الْعَقْدِ. أَمَّا افْتِرَاقُ الْمُتَبَايِعَيْنِ وَتَرْكُهُمَا الْمَجْلِسَ بَعْدَ الإِْيجَابِ وَالْقَبُول فَمُوجِبٌ لِلُزُومِ الْبَيْعِ، إِذَا لَمْ يَكُنْ فِي الْمَبِيعِ عَيْبٌ خَفِيٌّ، وَلَمْ يُشْتَرَطْ فِي الْعَقْدِ خِيَارٌ، فَلاَ يُمْكِنُ فَسْخُهُ إِلاَّ بِالإِْقَالَةِ، كَمَا هُوَ الْحُكْمُ فِي الْعُقُودِ اللاَّزِمَةِ. وَهَذَا الْقَدْرُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ.
وَكَذَلِكَ يَلْزَمُهُمَا الْبَيْعُ قَبْل افْتِرَاقِهِمَا وَتَرْكِهِمَا الْمَجْلِسَ إِذَا وُجِدَ الإِْيجَابُ وَالْقَبُول عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ، وَلاَ يَثْبُتُ خِيَارُ مَجْلِسٍ بَعْدَ ذَلِكَ، لأَِنَّ
_________
(١) فتح القدير ٥ / ٤٦٥، والمهذب ١ / ٢٦٥، والشرح الصغير ٣ / ١٤٣.
الْعَقْدَ تَمَّ بِالإِْيجَابِ وَالْقَبُول لِوُجُودِ رُكْنِهِ وَشَرَائِطِهِ، فَخِيَارُ الْفَسْخِ لأَِحَدِهِمَا بَعْدَ ذَلِكَ يُؤَدِّي إِلَى عَدَمِ اسْتِقْرَارِ الْمُعَامَلاَتِ وَالإِْضْرَارِ بِالآْخَرِ، لِمَا فِيهِ مِنْ إِبْطَال حَقِّهِ (١) .
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: إِنَّهُ لاَ يَلْزَمُهُ الْبَيْعُ إِلاَّ بِافْتِرَاقِهِمَا عَنِ الْمَجْلِسِ، وَلِكُلٍّ مِنْهُمَا الْخِيَارُ مَا لَمْ يَفْتَرِقَا، وَذَلِكَ اسْتِنَادًا إِلَى مَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا (٢) . وَفِي رِوَايَةٍ مَا لَمْ يَفْتَرِقَا. وَحَمَلُوا الاِفْتِرَاقَ فِي الْحَدِيثِ عَلَى افْتِرَاقِ الأَْبْدَانِ. وَهَذَا مَا سَمَّوْهُ بِخِيَارِ الْمَجْلِسِ (٣) . وَالْحَنَفِيَّةُ حَمَلُوا الْحَدِيثَ عَلَى افْتِرَاقِ الْكَلاَمِ وَالأَْقْوَال، فَلَمْ يَأْخُذُوا بِخِيَارِ الْمَجْلِسِ. عَلَى أَنَّ عَمَل أَهْل الْمَدِينَةِ مُقَدَّمٌ عَلَى خَبَرِ الْوَاحِدِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، لأَِنَّهُ بِمَنْزِلَةِ التَّوَاتُرِ (٤) .
وَتَفْصِيلُهُ فِي مُصْطَلَحِ (خِيَارُ الْمَجْلِسِ) .
مَوَاطِنُ الْبَحْثِ:
٥ - يَرِدُ مُصْطَلَحُ (الاِفْتِرَاقِ) عِنْدَ الْفُقَهَاءِ فِي مَبْحَثِ خِيَارِ الْمَجْلِسِ مِنْ كِتَابِ الْبَيْعِ، وَفِي التَّفْرِيقِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ بِالطَّلاَقِ وَالْفَسْخِ، وَفِي اللِّعَانِ، وَكَذَلِكَ فِي زَكَاةِ الأَْنْعَامِ مِنْ عَدَمِ جَوَازِ التَّفْرِيقِ بَيْنَ مَا هُوَ مُجْتَمِعٌ، أَوْ جَمْعِ مَا هُوَ مُتَفَرِّقٌ.
_________
(١) الاختيار ٢ / ٥، وبلغة السالك ٣ / ١٣٤.
(٢) حديث: " البيعان بالخيار ما لم يتفرقا " أخرجه البخاري ومسلم من حديث حكيم بن حزام مرفوعا. (فتح الباري ٤ / ٣٠٩ ط السلفية، وصحيح مسلم ٣ / ١١٦٤ ط عيسى الحلبي) .
(٣) نهاية المحتاج ٤ / ٣، والمغني مع الشرح الكبير ٤ / ٧ - ١٠.
(٤) الزيلعي ٤ / ٣، والشرح الصغير ٣ / ١٣٤.