الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٥
عَلَيْهِ وَلَوْ خِيفَ فَوَاتُ الْحَجِّ، لأَِنَّهُ مَظِنَّةُ عَدَمِ الطَّوْل ثُمَّ إِنْ أَفَاقَ فِي زَمَنٍ يُدْرِكُ الْوُقُوفَ فِيهِ أَحْرَمَ وَأَدْرَكَ وَلاَ دَمَ عَلَيْهِ فِي عَدَمِ إِحْرَامِهِ مِنَ الْمِيقَاتِ.
١١ - أَمَّا بِالنِّسْبَةِ لِلْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ، فَالْكُل مُجْمِعٌ عَلَى أَنَّهُ لَوْ أَفَاقَ الْمُغْمَى عَلَيْهِ فِي زَمَنِ الْوُقُوفِ وَلَوْ لَحْظَةً أَجْزَأَهُ. وَإِنْ لَمْ يُفِقْ مِنْ إِغْمَائِهِ إِلاَّ بَعْدَ الْوُقُوفِ فَمَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ إِلَى أَنَّهُ فَاتَهُ الْحَجُّ فِي ذَلِكَ الْعَامِ، وَلاَ عِبْرَةَ بِإِحْرَامِ أَصْحَابِهِ عَنْهُ وَوُقُوفِهِمْ فِي عَرَفَةَ. وَلِلشَّافِعِيَّةِ قَوْلاَنِ فِي إِجْزَاءِ وُقُوفِ الْمُغْمَى عَلَيْهِ أَوْ عَدَمِهِ.
وَالْحَنَفِيَّةُ يَكْتَفُونَ بِالْكَيْنُونَةِ فِي مَحَل الْوُقُوفِ وَزَمَنِهِ مَعَ سَبْقِ الإِْحْرَامِ، فَوُقُوفُ الْمُغْمَى عَلَيْهِ مُجْزِئٌ.
أَمَّا أَثَرُ الإِْغْمَاءِ عَلَى بَاقِي أَعْمَال الْحَجِّ فَيُنْظَرُ فِي الْحَجِّ.
أَثَرُ الإِْغْمَاءِ عَلَى الزَّكَاةِ:
١٢ - الْمُغْمَى عَلَيْهِ بَالِغٌ عَاقِلٌ فَتَجِبُ فِي مَالِهِ الزَّكَاةِ، فَإِذَا أُغْمِيَ عَلَيْهِ بَعْدَ وُجُوبِهَا فَلاَ يَتَأَتَّى مِنْهُ الأَْدَاءُ، وَعَلَيْهِ إِذَا أَفَاقَ قَضَاؤُهَا وَلَوِ امْتَدَّ بِهِ الإِْغْمَاءُ، إِذِ امْتِدَادُهُ نَادِرٌ وَالنَّادِرُ لاَ حُكْمَ لَهُ.
أَثَرُ الإِْغْمَاءِ فِي التَّصَرُّفَاتِ الْقَوْلِيَّةِ:
١٣ - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّ الإِْغْمَاءَ كَالنَّوْمِ بَل أَشَدَّ مِنْهُ فِي فَوْتِ الاِخْتِيَارِ، لأَِنَّ النَّوْمَ يُمْكِنُ إِزَالَتُهُ بِالتَّنْبِيهِ بِخِلاَفِ الإِْغْمَاءِ. وَتَبْطُل عِبَادَاتُ النَّائِمِ فِي الطَّلاَقِ وَالإِْسْلاَمِ وَالرِّدَّةِ وَالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ. فَبُطْلاَنُهَا بِالإِْغْمَاءِ أَوْلَى.
وَاسْتَدَلُّوا عَلَى عَدَمِ وُقُوعِ طَلاَقِ الْمُغْمَى عَلَيْهِ
بِأَحَادِيثَ مِنْهَا قَوْلُهُ ﷺ: كُل الطَّلاَقِ جَائِزٌ إِلاَّ طَلاَقَ الْمَعْتُوهِ وَالْمَغْلُوبِ عَلَى عَقْلِهِ (١) وَقَوْلُهُ ﷺ: رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلاَثَةٍ، عَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَشِبَّ، وَعَنِ الْمَعْتُوهِ حَتَّى يَعْقِل (٢)، وَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الرَّجُل إِذَا طَلَّقَ فِي حَال نَوْمِهِ لاَ طَلاَقَ لَهُ، وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ أَشَدُّ حَالًا مِنَ النَّائِمِ.
وَقَال الإِْمَامُ أَحْمَدُ فِي الْمُغْمَى عَلَيْهِ إِذَا طَلَّقَ فَلَمَّا أَفَاقَ عَلِمَ أَنَّهُ كَانَ مُغْمًى عَلَيْهِ وَهُوَ ذَاكِرٌ لِذَلِكَ قَال: إِذَا كَانَ ذَاكِرًا لِذَلِكَ فَلَيْسَ هُوَ مُغْمًى عَلَيْهِ، يَجُوزُ طَلاَقُهُ (٣)، وَمِثْل مَا ذُكِرَ كُل تَصَرُّفٍ قَوْلِيٍّ.
أَثَرُ الإِْغْمَاءِ فِي عُقُودِ الْمُعَاوَضَةِ:
١٤ - كُل تَصَرُّفٍ قَوْلِيٍّ يَصْدُرُ فِي حَال الإِْغْمَاءِ فَهُوَ بَاطِلٌ، لَكِنْ إِذَا تَمَّ التَّصَرُّفُ فِي حَال الصِّحَّةِ ثُمَّ طَرَأَ الإِْغْمَاءُ لاَ يَنْفَسِخُ لِتَمَامِهِ فِي حَالٍ تَصِحُّ فِيهَا (٤) .
وَلاَ تَصِحُّ وَصِيَّةُ الْمُغْمَى عَلَيْهِ فِي حَالَةِ الإِْغْمَاءِ الْمُؤَقَّتِ، وَلاَ الْمُغْمَى عَلَيْهِ الَّذِي يَئِسَ مِنْ إِفَاقَتِهِ (٥) .
إِغْمَاءُ وَلِيِّ النِّكَاحِ:
١٥ - قَال الشَّافِعِيَّةُ: إِذَا أُغْمِيَ عَلَى وَلِيِّ النِّكَاحِ
_________
(١) حديث " كل الطلاق جائز. . . " أخرجه الترمذي ٣ / ٤٩٦ ط الحلبي وقال: هذا حديث لا نعرفه مرفوعا إلا من حديث ابن عجلان، وعطاء بن عجلان ضعيف، ذاهب الحديث.
(٢) حديث " رفع القلم عن ثلاثة. . . " أخرجه الترمذي من حديث علي ﵁ مرفوعا، وقال: حديث علي حديث حسن غريب من هذا الوجه (تحفة الأحوذي ٤ / ٦٨٥ - ٦٨٦) .
(٣) المنار ٩٥٢، ٩٥٣، وابن عابدين ٢ / ٤٢٦، والشرح الكبير ٢ / ٣٦٥، وقليوبي وعميرة ٣ / ٣٣٢، والمغني ٧ / ١١٣، ١١٤.
(٤) المنار / ٩٥٣.
(٥) قليوبي وعميرة ٣ / ١٥٧.
الأَْقْرَبِ فَنُنْتَظَرُ إِفَاقَتُهُ إِنْ كَانَتْ قَرِيبَةً كَيَوْمٍ وَيَوْمَيْنِ وَأَكْثَرَ، لأَِنَّ مِنْ أُصُول مَذْهَبِهِمْ عَدَمَ جَوَازِ تَزْوِيجِ الْوَلِيِّ الأَْبْعَدِ مَعَ جَمْعِ وُجُودِ الْوَلِيِّ الأَْقْرَبِ، وَقِيل: تَنْتَقِل الْوِلاَيَةُ إِلَى الأَْبْعَدِ.
قَالُوا: الأَْحْسَنُ فِي هَذَا مَا قَال إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ: إِنْ كَانَتْ مُدَّةُ الإِْغْمَاءِ بِحَيْثُ يُعْتَبَرُ فِيهَا إِذْنُ الْوَلِيِّ الْغَائِبِ ذَهَابًا وَإِيَابًا انْتُظِرَ وَإِلاَّ قَامَ الْحَاكِمُ بِالتَّزْوِيجِ. قَال الزَّرْكَشِيُّ: لأَِنَّهُ إِذَا زَوَّجَ الْحَاكِمُ مَعَ صِحَّةِ عِبَارَةِ الْغَائِبِ فَمَعَ تَعَذُّرِ ذَلِكَ بِإِغْمَائِهِ أَوْلَى (١) .
إِغْمَاءُ الْقَاضِي:
١٦ - صَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ بِأَنَّ الْقَاضِيَ إِذَا أُغْمِيَ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ يَنْعَزِل عَنْ وِلاَيَةِ الْقَضَاءِ، وَإِذَا أَفَاقَ لاَ تَعُودُ وِلاَيَتُهُ عَلَى الأَْصَحِّ، وَلاَ يَنْفُذُ قَضَاؤُهُ فِيمَا حَكَمَ فِيهِ حَال إِغْمَائِهِ، وَفِي مُقَابِل الأَْصَحِّ تَعُودُ وِلاَيَتُهُ إِذَا أَفَاقَ.
أَمَّا غَيْرُ الشَّافِعِيَّةِ فَإِنَّهُمْ لَمْ يَنُصُّوا عَلَى ذَلِكَ صَرَاحَةً، إِلاَّ أَنَّ مَفْهُومَ النُّصُوصِ عِنْدَهُمْ تَدُل عَلَى أَنَّ الْقَاضِيَ لاَ يَنْعَزِل بِالإِْغْمَاءِ، فَقَدْ جَاءَ فِي ابْنِ عَابِدِينَ: لَوْ فَسَقَ الْقَاضِي أَوِ ارْتَدَّ أَوْ عَمِيَ ثُمَّ صَلُحَ وَأَبْصَرَ فَهُوَ عَلَى قَضَائِهِ.
وَفِي الشَّرْحِ الصَّغِيرِ: لاَ يُعْزَل الْقَاضِي إِلاَّ بِالْكُفْرِ فَقَطْ.
وَفِي شَرْحِ مُنْتَهَى الإِْرَادَاتِ: يَتَعَيَّنُ عَزْل الْقَاضِي مَعَ مَرَضٍ يَمْنَعُهُ مِنَ الْقَضَاءِ لِدُعَاءِ الْحَاجَةِ إِلَى إِقَامَةِ غَيْرِهِ (٢) .
_________
(١) قليوبي وعميرة ٣ / ٢٤٦.
(٢) ابن عابدين ٤ / ٣٠٤، والشرح الصغير ٢ / ٣٣١ ط الحلبي، ومنتهى الإرادات ٣ / ٤٦٥، وقليوبي وعميرة ٤ / ٢٩٩.
أَثَرُ الإِْغْمَاءِ فِي التَّبَرُّعَاتِ:
١٧ - سَبَقَ بَيَانُ أَنَّ التَّصَرُّفَاتِ الْقَوْلِيَّةَ كُلَّهَا لاَ تَصِحُّ مِنَ الْمُغْمَى عَلَيْهِ، فَلاَ تَصِحُّ هِبَتُهُ وَلاَ صَدَقَتُهُ وَلاَ وَقْفُهُ وَمَا إِلَى ذَلِكَ، لأَِنَّ الْمُغْمَى عَلَيْهِ مَغْلُوبُ الْعَقْل فَلاَ يَتَوَفَّرُ فِيهِ شَرْطُ صِحَّةِ التَّصَرُّفِ. وَهَذَا بِإِجْمَاعِ الْفُقَهَاءِ، وَلأَِنَّ التَّصَرُّفَاتِ يُشْتَرَطُ فِيهَا كَمَال الْعَقْل وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ لَيْسَ كَذَلِكَ.
أَثَرُ الإِْغْمَاءِ فِي الْجِنَايَاتِ:
١٨ - تَقَدَّمَ أَنَّ الإِْغْمَاءَ عَارِضٌ وَقْتِيٌّ تَسْقُطُ فِيهِ الْمُؤَاخَذَةُ وَفَهْمُ الْخِطَابِ، فَإِنَّ حَالَةَ الْمُغْمَى عَلَيْهِ هِيَ سَتْرٌ لِلْعَقْل يَنْشَأُ عَنْهُ فَقْدٌ لِلْوَعْيِ وَفَقْدٌ لِلاِخْتِيَارِ، لِذَلِكَ كَانَ سَبَبًا مِنْ أَسْبَابِ عَدَمِ الْمُؤَاخَذَةِ بِالنِّسْبَةِ لِحُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى حَسَبَ الْبَيَانِ السَّابِقِ.
أَمَّا بِالنِّسْبَةِ لِحُقُوقِ الْعِبَادِ فَإِنَّهَا لاَ تَسْقُطُ. فَإِذَا وَقَعَتْ مِنْهُ جَرَائِمُ أُخِذَ بِهَا. فَإِذَا انْقَلَبَ النَّائِمُ عَلَى غَيْرِهِ فَمَاتَ فَإِنَّهُ يُعَامَل مُعَامَلَةَ الْمُخْطِئِ وَتَجِبُ الدِّيَةُ. وَإِذَا أَتْلَفَ مَال إِنْسَانٍ وَهُوَ مُغْمًى عَلَيْهِ وَجَبَ عَلَيْهِ ضَمَانُ مَا أَتْلَفَ.
هَل يُعْتَبَرُ إِغْمَاءُ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ عَيْبًا؟
١٩ - نَصَّ الشَّافِعِيَّةُ عَلَى أَنَّ الإِْغْمَاءَ إِذَا تَبَيَّنَ فِي الزَّوْجِ أَوِ الزَّوْجَةِ عَقِيبَ عَقْدِ النِّكَاحِ يُبِيحُ لِكُلٍّ مِنَ الزَّوْجَيْنِ فَسْخَ النِّكَاحِ إِذَا قَرَّرَ الأَْطِبَّاءُ الْيَأْسَ مِنَ الإِْفَاقَةِ، وَعِلَّتُهُ أَنَّ الإِْغْمَاءَ الْمُسْتَدِيمَ يَمْنَعُ مِنَ الاِسْتِمْتَاعِ الْمَقْصُودِ مِنَ النِّكَاحِ.
قَال الإِْمَامُ النَّوَوِيُّ: قَدْ أَجْمَعُوا عَلَى ثُبُوتِ الْخِيَارِ فِي الْبَيْعِ بِهَذِهِ الصِّفَاتِ (الْجُنُونُ مُطْبِقًا أَوْ مُتَقَطِّعًا. . .) وَمِثْلُهُ الإِْغْمَاءُ الْمَيْئُوسُ مِنْهُ بِقَوْل
الأَْطِبَّاءِ.
وَإِذَا كَانَ الإِْغْمَاءُ الْمَيْئُوسُ مِنْهُ عَيْبًا يُفْسَخُ بِهِ النِّكَاحُ وَيُرَدُّ بِهِ الْمَبِيعُ فَهُوَ فِي الإِْجَارَةِ أَوْلَى. هَذَا مَا ذَكَرَ الشَّافِعِيَّةُ، وَقَوَاعِدُ غَيْرِهِمْ لاَ تَأْبَاهُ (١) .
إِفَاضَةٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - مِنْ مَعَانِي الإِْفَاضَةِ فِي اللُّغَةِ: الْكَثْرَةُ وَالإِْسَالَةُ، يُقَال: أَفَاضَ الإِْنَاءَ: إِذَا مَلأَهُ حَتَّى فَاضَ، أَيْ كَثُرَ مَاؤُهُ وَسَال.
وَمِنْ مَعَانِيهَا: دَفْعُ النَّاسِ مِنَ الْمَكَانِ، يُقَال: أَفَاضَ النَّاسُ مِنْ عَرَفَاتٍ: إِذَا دُفِعُوا مِنْهَا، وَكُل دَفْعَةٍ إِفَاضَةٌ (٢) .
وَتَأْتِي فِي الاِصْطِلاَحِ بِهَذَيْنِ الْمَعْنَيَيْنِ مُوَافَقَةً لِلْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ.
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ وَمَوَاطِنُ الْبَحْثِ:
٢ - تَأْتِي إِفَاضَةُ الْمَاءِ بِمَعْنَى كَثْرَتِهِ مَعَ الإِْسَالَةِ فِي رَفْعِ الْحَدَثِ الأَْصْغَرِ فِي الْوُضُوءِ، وَالْحَدَثِ الأَْكْبَرِ فِي الْغُسْل مِنَ الْجَنَابَةِ وَالْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ وَالْمَوْتِ وَعِنْدَ الإِْسْلاَمِ، فَتَكُونُ الإِْسَالَةُ وَاجِبَةً وَالْكَثْرَةُ مَنْدُوبَةً مَا لَمْ يَخْرُجْ إِلَى حَدِّ السَّرَفِ، كَمَا تَجِبُ فِي تَطْهِيرِ النَّجَاسَاتِ. مِثْل إِزَالَةِ النَّجَاسَةِ عَنِ الْمَكَانِ أَوِ الْجَسَدِ أَوِ الثَّوْبِ، (ر: غُسْلٌ، وُضُوءٌ، نَجَاسَةٌ) .
_________
(١) قليوبي وعميرة ٣ / ٢٦١.
(٢) المصباح المنير ولسان العرب في المادة.
٣ - وَتَأْتِي الإِْفَاضَةُ بِالْمَعْنَى الثَّانِي، كَالإِْفَاضَةِ مِنْ عَرَفَةَ وَمِنْ مُزْدَلِفَةَ، وَالإِْفَاضَةِ مِنْ مِنًى (ر: حَجٌّ) .
وَتَكُونُ هَذِهِ الإِْفَاضَةُ صَحِيحَةً شَرْعًا إِذَا وَافَقَتْ وَقْتَهَا، وَتَكُونُ سُنَّةً إِذَا وَافَقَتْ فِعْل الرَّسُول ﷺ مِثْل الإِْفَاضَةِ مِنْ عَرَفَةَ بَعْدَ غُرُوبِ شَمْسِ عَرَفَةَ، وَالإِْفَاضَةِ مِنْ مُزْدَلِفَةَ بَعْدَ صَلاَةِ الْفَجْرِ.
وَتَكُونُ جَائِزَةً مِثْل الإِْفَاضَةِ مِنْ مِنًى فِي الْيَوْمِ الثَّانِي لِلرَّمْيِ لِلْمُتَعَجِّل (١) (ر: حَجٌّ) .
٤ - كَمَا يُضَافُ طَوَافُ الرُّكْنِ إِلَى الإِْفَاضَةِ فَيُسَمَّى " طَوَافَ الإِْفَاضَةِ " وَحُكْمُهُ أَنَّهُ رُكْنٌ فِي الْحَجِّ (٢) .
إِفَاقَةٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - يُقَال لُغَةً: أَفَاقَ السَّكْرَانُ إِذَا صَحَا، وَأَفَاقَ مِنْ مَرَضِهِ رَجَعَتْ إِلَيْهِ الصِّحَّةُ، وَأَفَاقَ عَنْهُ النُّعَاسُ أَقْلَعَ (٣) .
وَعِنْدَ الْفُقَهَاءِ تُسْتَعْمَل الإِْفَاقَةُ بِمَعْنَى رُجُوعِ عَقْل الإِْنْسَانِ إِلَيْهِ بَعْدَ غِيَابِهِ عَنْهُ بِسَبَبِ الْجُنُونِ، أَوِ الإِْغْمَاءِ، أَوِ السُّكْرِ، أَوِ النَّوْمِ (٤) .
_________
(١) الاختيار ١ / ٧، ١٢، ٣٤، ١٥١ - ١٥٥، والوجيز ١ / ١٣، ١٨، ١٢٠، ومنتهى الإرادات ١ / ١٩، والمغني ١ / ٩٩، ٢١٩ ط المنار، وحاشية الدسوقي ١ / ٦٤، ٨٥، ١٣٥، ٢ / ٤٤ - ٤٨ ط الحلبي، والإنصاف ٤ / ٢٨ - ٣٢، ٤٩، وابن عابدين ٢ / ١٧٦، ١٧٨، ١٨٥، والجمل ٢ / ٤٥٨، ٤٧٠.
(٢) الدسوقي ٢ / ٤٦، وابن عابدين ٢ / ١٨٣، والاختيار ١ / ١٥٤.
(٣) لسان العرب، وترتيب القاموس مادة (فوق) .
(٤) ابن عابدين ٣ / ١٦٤.
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ وَمَوَاطِنُ الْبَحْثِ:
٢ - يَتَنَاوَل الْفُقَهَاءُ الإِْفَاقَةَ أَثْنَاءَ الْكَلاَمِ عَنِ الْجُنُونِ، وَالإِْغْمَاءِ، وَالسُّكْرِ، وَالنَّوْمِ، وَيَبْنُونَ عَلَى الإِْفَاقَةِ مِنْ هَذِهِ الْعَوَارِضِ أَحْكَامًا مِنْهَا مَا يَلِي:
التَّطَهُّرُ عِنْدَ الإِْفَاقَةِ:
٣ - لاَ خِلاَفَ فِي انْتِقَاضِ الْوُضُوءِ بِالْجُنُونِ أَوِ الإِْغْمَاءِ الأَْصْلِيِّ أَوِ الْعَارِضِ، فَإِذَا أَفَاقَ عَلَيْهِ الْوُضُوءُ لِلصَّلاَةِ وَنَحْوِهَا، وَذَكَرَ أَغْلَبُ الْفُقَهَاءِ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ اغْتِسَال الْمَجْنُونِ وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ إِذَا أَفَاقَا (١)، قَال ابْنُ الْمُنْذِرِ: ثَبَتَ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ اغْتَسَل مِنَ الإِْغْمَاءِ (٢) .
الصَّلاَةُ بَعْدَ الإِْفَاقَةِ:
٤ - ذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّهُ إِذَا أَفَاقَ الْمَجْنُونُ لاَ يُكَلَّفُ قَضَاءَ مَا فَاتَهُ حَال جُنُونِهِ، وَوَافَقَ الْحَنَفِيَّةُ الْجُمْهُورَ فِي الْجُنُونِ الأَْصْلِيِّ (الْمُمْتَدِّ بَعْدَ الْبُلُوغِ) أَمَّا الْجُنُونُ الْعَارِضُ فَكَالإِْغْمَاءِ عِنْدَهُمْ.
وَقَدْ ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْمُغْمَى عَلَيْهِ لاَ يَلْزَمُهُ قَضَاءُ الصَّلَوَاتِ الَّتِي لَمْ يَكُنْ مُفِيقًا فِي جُزْءٍ مِنْ وَقْتِهَا، وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ إِذَا زَادَ الإِْغْمَاءُ عَلَى يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ تَسْقُطُ بِهِ الصَّلَوَاتُ، وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ لاَ تَسْقُطُ الصَّلاَةُ بِالإِْغْمَاءِ قِيَاسًا عَلَى النَّوْمِ، وَبِالإِْفَاقَةِ مِنَ النَّوْمِ يُطَالَبُ بِمَا فَاتَهُ مِنْ
_________
(١) الطحطاوي على مراقي الفلاح ص ٥٨ نشر دار الإيمان، والأشباه والنظائر للسيوطي ص ١٨٤، والمغني ١ / ٢١٢ ط الرياض.
(٢) المغني ١ / ٢١٢، وحديث اغتسال النبي ﷺ من الإغماء، أخرجه البخاري من حديث عائشة ﵂ مطولا (فتح الباري ٢ / ١٧٢، ١٧٣ ط السلفية) .
صَلَوَاتٍ بَالِغَةً مَا بَلَغَتْ (١) .
وَلاَ يُخَالِفُ أَحَدٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ فِي وُجُوبِ الصَّلاَةِ الَّتِي حَدَثَتِ الإِْفَاقَةُ فِي وَقْتِهَا الْمُحَدَّدِ لَهَا شَرْعًا، وَقَدْ بَقِيَ مِنَ الْوَقْتِ مَا يَسَعُ تِلْكَ الصَّلاَةَ، وَسَوَاءٌ أَكَانَتِ الإِْفَاقَةُ عَنْ جُنُونٍ أَمْ غَيْرِهِ، وَذَلِكَ لِحَدِيثِ: رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلاَثَةٍ: عَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَشِبَّ، وَعَنِ الْمَعْتُوهِ حَتَّى يَعْقِل (٢)
فَإِنْ ضَاقَ الْوَقْتُ عَنْهَا كُلِّهَا، فَإِنَّ مِنَ الْفُقَهَاءِ مَنْ يَقُول بِوُجُوبِهَا إِنْ بَقِيَ مِنَ الْوَقْتِ قَدْرُ تَكْبِيرَةٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُول بِأَنَّهَا تَجِبُ إِنْ بَقِيَ مِنَ الْوَقْتِ مَا يُدْرِكُ بِهِ رَكْعَةً.
وَهَل تَسْقُطُ تِلْكَ الصَّلاَةُ لَوْ صَلَّى صَلاَةً فَائِتَةً، وَخَرَجَ الْوَقْتُ أَمْ لاَ؟
تَفْصِيل ذَلِكَ يَذْكُرُهُ الْفُقَهَاءُ فِي (أَوْقَاتِ الصَّلاَةِ) . (٣)
أَثَرُ الإِْفَاقَةِ فِي الصَّوْمِ:
٥ - مِنَ الْفُقَهَاءِ مَنْ أَوْجَبَ صِيَامَ الشَّهْرِ كُلِّهِ إِنْ أَفَاقَ الْمَجْنُونُ فِي جُزْءٍ مِنْهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ لاَ يَجْعَل لِلإِْفَاقَةِ أَثَرًا إِلاَّ فِي الْيَوْمِ الَّذِي حَدَثَتْ فِيهِ، أَمَّا الْيَوْمُ الَّذِي لَمْ تَحْدُثْ فِيهِ إِفَاقَةٌ فَإِنَّهُ يَسْقُطُ صَوْمُهُ عِنْدَ هَؤُلاَءِ.
_________
(١) المغني ١ / ٤٠٠ ط الرياض، وتيسير التحرير ٢ / ٤٢٩.
(٢) حديث: " رفع القلم عن ثلاثة. . . " أخرجه الترمذي واللفظ له، وأبو داود والحاكم مرفوعا من حديث علي ﵁ وعلقه البخاري وقال الترمذي: حديث علي حديث حسن غريب من هذا الوجه. وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين وأقره الذهبي (تحفة الأحوذي ٤ / وعون المعبود ٤ / ٢٤٤ ط الهند، والمستدرك ١ / ٢٥٨ نشر دار الكتاب العربي، وفتح الباري ٩ / ٣٨٨ ط السلفية.) .
(٣) الخرشي ١ / ٢٢٠، وجواهر الإكليل ١ / ٣٤ نشر مكة المكرمة، والقليوبي ٢ / ١٢٢ ط الحلبي، والمغني ١ / ٤٠٠.
وَذَهَبَ الْبَعْضُ إِلَى أَنَّ الشَّهْرَ يَسْقُطُ عَنْهُ إِنْ كَانَتْ إِفَاقَتُهُ فِي لَيْلَةٍ مِنْ أَوَّلِهِ أَوْ وَسَطِهِ أَوْ فِي آخِرِ يَوْمٍ مِنْ رَمَضَانَ بَعْدَ الزَّوَال (١) .
وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ يَقْضِي الْمُكَلَّفُ وَإِنْ جُنَّ سِنِينَ عَدِيدَةً بَعْدَ الإِْفَاقَةِ (٢) .
يُرْجَعُ إِلَى تَفْصِيل أَحْكَامِ ذَلِكَ تَحْتَ عِنْوَانِ (صَوْمٌ) .
وَلَوْ نَوَى الصَّوْمَ ثُمَّ جُنَّ أَوْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ ثُمَّ أَفَاقَ فِي أَثْنَاءِ الْيَوْمِ فَهَل يَصِحُّ صَوْمُهُ أَوْ لاَ؟ خِلاَفٌ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ، مِنْهُمْ مَنْ يَقُول بِالصِّحَّةِ إِنْ كَانَتِ الإِْفَاقَةُ فِي أَوَّل النَّهَارِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَشْتَرِطُ لِلصِّحَّةِ أَنْ تَكُونَ الإِْفَاقَةُ فِي طَرَفَيِ النَّهَارِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُول بِالصِّحَّةِ مَتَى وَقَعَتِ الإِْفَاقَةُ أَثْنَاءَ الْيَوْمِ (٣)، فَإِنْ لَمْ يَنْعَقِدْ صِيَامُهُ ثُمَّ أَفَاقَ أَثْنَاءَ النَّهَارِ هَل يُنْدَبُ لَهُ الإِْمْسَاكُ أَمْ لاَ؟ فِيهِ خِلاَفٌ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ يُذْكَرُ فِي (الصَّوْمِ) . (٤)
تَأْخِيرُ حَدِّ الشُّرْبِ لِلإِْفَاقَةِ:
٦ - أَجْمَعَ الأَْئِمَّةُ الأَْرْبَعَةُ عَلَى أَنَّهُ لاَ يُقَامُ الْحَدُّ عَلَى مَنْ ثَبَتَ عَلَيْهِ حَدُّ الشُّرْبِ إِلاَّ بَعْدَ الإِْفَاقَةِ تَحْصِيلًا لِمَقْصُودِ الزَّجْرِ، وَلأَِنَّ غَيْبُوبَةَ الْعَقْل تُخَفِّفُ الأَْلَمَ (٥) . فَإِنْ أَقَامَهُ الإِْمَامُ حَال السُّكْرِ حَرُمَ وَيُجْزِئُهُ، وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي (حَدِّ الشُّرْبِ) . (٦)
_________
(١) ابن عابدين ١ / ٥١٢، ٢ / ٨٢، والروضة ٢ / ٣٦٦، ٣٧٣، والأشباه والنظائر للسيوطي ص ١٨٤، والمغني ٢ / ٩٩.
(٢) جواهر الإكليل ١ / ١٤٩.
(٣) ابن عابدين ١ / ٥١٢، والروضة ٢ / ٣٦٦، ٣٧٣، والمغني ٢ / ٩٨.
(٤) جواهر الإكليل ١ / ١٤٦.
(٥) ابن عابدين ٣ / ١٦٣، ١٦٤، والقليوبي ٤ / ٢٠٤.
(٦) القليوبي ٤ / ٢٠.
إِفَاقَةُ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ:
٧ - لَوْ أَفَاقَ الْمَجْنُونُ الْمَحْجُورُ عَلَيْهِ فَإِنَّ الْحَجْرَ يَنْفَكُّ بِالإِْفَاقَةِ، ثُمَّ اخْتُلِفَ هَل يَحْتَاجُ إِلَى فَكِّ قَاضٍ، وَتَفْصِيلُهُ فِي الْحَجْرِ (١) .
الإِْفَاقَةُ فِي الْحَجِّ:
٨ - بِالإِْضَافَةِ إِلَى مَا تَقَدَّمَ، يَتَكَلَّمُ الْفُقَهَاءُ عَنِ الإِْفَاقَةِ فِي الْحَجِّ مِمَّنْ أَحْرَمَ ثُمَّ أُغْمِيَ عَلَيْهِ، وَأَدَّوْا بِهِ بَقِيَّةَ الْمَنَاسِكِ، ثُمَّ أَفَاقَ قَبْل تَمَامِ الْحَجِّ أَوْ بَعْدَهُ. وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي (إِحْرَامٌ) .
تَزْوِيجُ الْمَجْنُونِ إِذَا أَفَاقَ:
٩ - هَل يُزَوِّجُ الْوَلِيُّ مُوَلِّيَهُ الْمَجْنُونَ إِنْ كَانَ جُنُونُهُ مُنْقَطِعًا فِي وَقْتِ الإِْفَاقَةِ أَمْ لاَ. انْظُرْ (نِكَاحٌ) . (٢)
إِفْتَاءٌ
اُنْظُرْ: فَتْوَى.
افْتِدَاءٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الاِفْتِدَاءُ لُغَةً: الاِسْتِنْقَاذُ بِعِوَضٍ، كَالْفِدَاءِ،
_________
(١) القليوبي ٢ / ٢٩٩، والمغني ٤ / ٥٢٠، وجواهر الإكليل ٢ / ٩٧، والفتاوى الهندية ٥ / ٥٤.
(٢) ابن عابدين ٢ / ١٨٩، والقليوبي ٤ / ٢٣٠.