الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٥
فِي كِتَابِ الْبُغَاةِ.
وَإِذَا أَمَرَ الْقَائِدُ سَرِيَّةً مِنَ الْجَيْشِ بِالإِْغَارَةِ عَلَى الْعَدُوِّ، فَمَا غَنِمَتْهُ هَذِهِ السَّرِيَّةُ شَارَكَهَا الْجَيْشُ فِي هَذِهِ الْغَنِيمَةِ (١) . وَقَدْ ذَكَرَ ذَلِكَ الْفُقَهَاءُ فِي كِتَابِ الْغَنِيمَةِ مِنْ كُتُبِ الْفِقْهِ.
اغْتِرَارٌ
اُنْظُرْ: تَغْرِيرٌ.
اغْتِسَالٌ
اُنْظُرْ: غُسْلٌ.
اغْتِيَالٌ
اُنْظُرْ: غِيلَةٌ.
إِغْرَاءٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الإِْغْرَاءُ مَصْدَرُ أَغْرَى، وَأَغْرَى بِالشَّيْءِ: أُولِعَ
_________
(١) المغني ٨ / ٤٤٢.
بِهِ، يُقَال: أَغْرَيْتُ الْكَلْبَ بِالصَّيْدِ، وَأَغْرَيْتُ بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ.
وَلاَ يَخْرُجُ الاِسْتِعْمَال الْفِقْهِيُّ عَنْ هَذَا الْمَعْنَى (١) .
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
٢ - التَّحْرِيضُ هُوَ: الْحَثُّ عَلَى الشَّيْءِ وَالإِْحْمَاءُ عَلَيْهِ. قَال تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَال﴾ (٢) .
فَالتَّحْرِيضُ لاَ بُدَّ لَهُ مِنْ بَاعِثٍ خَارِجِيٍّ، أَمَّا الإِْغْرَاءُ فَقَدْ يَكُونُ الْبَاعِثُ ذَاتِيًّا.
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:
٣ - يَخْتَلِفُ حُكْمُ الإِْغْرَاءِ بِاخْتِلاَفِ أَحْوَالِهِ: فَالإِْغْرَاءُ بِالْوَسِيلَةِ الْحَلاَل لِلْفِعْل الْحَلاَل جَائِزٌ، كَإِغْرَاءِ الْمُطَلَّقَةِ الرَّجْعِيَّةِ زَوْجَهَا بِالتَّزَيُّنِ لَهُ، وَتَفْصِيلُهُ فِي (الطَّلاَقِ وَالرَّجْعَةِ) وَإِغْرَاءُ الْكَلْبِ بِالصَّيْدِ، وَتَفْصِيلُهُ فِي (الصَّيْدِ) .
وَقَدْ يَكُونُ وَاجِبًا كَإِغْرَاءِ الأَْبِ ابْنَهُ بِحِفْظِ مَا يُقِيمُ بِهِ صَلاَتَهُ مِنَ الْقُرْآنِ، وَقَدْ يَكُونُ حَرَامًا مِثْل إِغْرَاءِ الْمَرْأَةِ الرَّجُل الأَْجْنَبِيَّ بِالتَّزَيُّنِ لَهُ، أَوِ الْخُضُوعِ بِالْقَوْل لِغَيْرِ الزَّوْجِ، وَكَذَلِكَ عَكْسُهُ. (٣)
_________
(١) الصحاح، وتاج العروس، والمصباح مادة (غرى) .
(٢) لسان العرب مادة (حرص)، والآية من سورة الأنفال / ٦٥.
(٣) ابن عابدين ١ / ٣٦٠، ٤٠٢، ٥٣٦، ٦٥٢، وقليوبي ٤ / ٧٣، والمغني ٧ / ١٨ والرياض، والدسوقي ٢ / ١٠٤ ط دار الفكر، والحطاب ٣ / ٢١٧، وكشاف القناع ٦ / ٢٢٢، والفتاوى الهندية ٥ / ٤٢١، وفتح القدير ٨ / ١٨٠، والقرطبي ١٤ / ١٧٧ ط دار الكتب، وروح المعاني ٢٢ / ٥ ط المنيرية، والفخر الرازي ٢٥ / ٢٠٨ ط عبد الرحمن محمد.
إِغْلاَقٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الإِْغْلاَقُ لُغَةً: مَصْدَرُ أَغْلَقَ. يُقَال: أَغْلَقَ الْبَابَ، وَأَغْلَقَهُ عَلَى شَيْءٍ: أَكْرَهَهُ عَلَيْهِ، وَمِنْهُ سُمِّيَ الْغَضَبُ إِغْلاَقًا.
وَذَكَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ فِي أَسَاسِ الْبَلاَغَةِ: أَنَّ مِنَ الْمَجَازِ إِطْلاَقُ الإِْغْلاَقِ عَلَى الإِْكْرَاهِ. (١) وَلاَ يَخْرُجُ اسْتِعْمَال الْفُقَهَاءِ عَنْ ذَلِكَ.
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:
٢ - الْفُقَهَاءُ يَجْعَلُونَ إِغْلاَقَ الأَْبْوَابِ وَالنَّوَافِذِ مِمَّا تَتَحَقَّقُ بِهِ الْخَلْوَةُ كَإِرْخَاءِ السُّتُورِ. (٢) لِمَا رَوَى زُرَارَةُ بْنُ أَوْفَى قَال: قَضَى الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ الْمَهْدِيُّونَ أَنَّ مَنْ أَغْلَقَ بَابًا أَوْ أَرْخَى سِتْرًا فَقَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْمَهْرُ (٣) . وَيَبْحَثُ الْفُقَهَاءُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ النِّكَاحِ، عِنْدَ كَلاَمِهِمْ عَلَى الْمَهْرِ، وَهَل هُوَ مُسْتَحَقٌّ كُلُّهُ بِالْخَلْوَةِ الصَّحِيحَةِ؟
٣ - وَوَرَدَ فِي السُّنَّةِ مَا يَمْنَعُ الأَْمِيرَ مِنْ إِغْلاَقِ بَابِهِ دُونَ حَاجَاتِ النَّاسِ. فَقَال ﷺ: مَا مِنْ إِمَامٍ يُغْلِقُ بَابَهُ دُونَ ذَوِي الْحَاجَةِ وَالْخَلَّةِ وَالْمَسْكَنَةِ إِلاَّ أَغْلَقَ اللَّهُ
_________
(١) المغرب، والمصباح مادة (غلق)، ومقاييس اللغة، وأساس البلاغة.
(٢) المغني ٦ / ٧٢٤، وحاشية ابن عابدين ٢ / ٣٣٨ وما بعدها.
(٣) الأثر في قضاء الخلفاء الراشدين " بأن من أغلق باب أو أرخى سترا فقد وجب عليه المهر ". أخرجه عبد الرزاق بإسناده عن زرارة بن أوفى (مصنف عبد الرزاق ٦ / ٢٨٨) .
أَبْوَابَ السَّمَاءِ دُونَ خَلَّتِهِ وَحَاجَتِهِ وَمَسْكَنَتِهِ (١) وَكَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ يُرْسِل مَنْ يَخْلَعُ أَبْوَابَ الأُْمَرَاءِ وَيُحَرِّقُهَا، لِئَلاَّ يُمْنَعُ ذُو الْحَاجَةِ مِنَ الدُّخُول عَلَيْهِمْ. (٢)
٤ - وَوَرَدَ فِي السُّنَّةِ أَيْضًا مَا يُوجِبُ إِغْلاَقَ الأَْبْوَابِ لَيْلًا، فَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ قَوْل رَسُول اللَّهِ ﷺ: غَطُّوا الإِْنَاءَ، وَأَوْكِئُوا السِّقَاءَ، وَأَغْلِقُوا الْبَابَ، وَأَطْفِئُوا السُّرُجَ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لاَ يُحِل سِقَاءً، وَلاَ يَفْتَحُ بَابًا، وَلاَ يَكْشِفُ إِنَاءً (٣) .
٥ - وَيُطْلِقُ الْفُقَهَاءُ الإِْغْلاَقَ عَلَى احْتِبَاسِ الْكَلاَمِ عِنْدَ الْمُتَكَلِّمِ، فَيَقُولُونَ: إِنْ أَغْلَقَ عَلَى الإِْمَامِ - أَيِ ارْتَجَّ عَلَيْهِ فَلَمْ يَتَكَلَّمْ - فِي الْقِرَاءَةِ فِي الصَّلاَةِ، رَكَعَ إِنْ كَانَ قَدْ قَرَأَ الْقَدْرَ الْمُسْتَحَبَّ، وَهُوَ الظَّاهِرُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَقِيل قَدْرُ الْفَرْضِ (٤) .، وَقَدْ فَصَّل الْفُقَهَاءُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ الصَّلاَةِ عِنْدَ كَلاَمِهِمْ عَلَى الْفَتْحِ عَلَى الإِْمَامِ.
وَإِنْ أَغْلَقَ عَلَى الْخَطِيبِ فِي الْخُطْبَةِ، اقْتَصَرَ عَلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَنَزَل، وَقَدْ فَصَّل الْفُقَهَاءُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ الصَّلاَةِ عِنْدَ كَلاَمِهِمْ عَلَى خُطْبَةِ الْجُمُعَةِ.
٦ - وَوَرَدَ فِي السُّنَّةِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: لاَ طَلاَقَ وَلاَ عَتَاقَ فِي إِغْلاَقٍ (٥) وَبِنَاءً عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ اخْتَلَفَ
_________
(١) حديث: " ما من إمام. . . " أخرجه الترمذي في الأحكام " باب ما جاء في إمام الرعية "، وأخرج أحمد في المسند ٣ / ٤٤١ نحوه.
(٢) المحلى ٩ / ٣٧٠، وكنز العمال ٥ / ١٤٣.
(٣) وحديث: " غطوا الإناء. . . . " أخرجه مسلم في الأشربة " باب الأمر بتغطية الإناء وإغلاق الباب " وأخرج نحوه الإمام أحمد في المسند ٥ / ٤٢٥.
(٤) الطحطاوي على مراقي الفلاح ١٨٣.
(٥) الطحطاوي على مراقي الفلاح ٢٨٠٨٠؟، وحديث: " لا طلاق. . . " أخرجه البخاري وأبو داود وابن ماجه كلهم في الطلاق، والإمام أحمد ٢ / ٢٧٦.
الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ طَلاَقِ الْمُكْرَهِ وَالسَّكْرَانِ وَالْغَضْبَانِ (الَّذِي فَقَدْ سَيْطَرَتَهُ عَلَى نَفْسِهِ) وَنَحْوِهِمْ، فَأَوْقَعَ بَعْضُهُمْ طَلاَقَ هَؤُلاَءِ، وَلَمْ يُوقِعْهُ بَعْضُهُمُ الآْخَرُ، وَقَدْ فَصَّل الْفُقَهَاءُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ الطَّلاَقِ، وَذَكَرَهُ شُرَّاحُ الْحَدِيثِ فِي شَرْحِ هَذَا الْحَدِيثِ الشَّرِيفِ. (١)
إِغْمَاءٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الإِْغْمَاءُ: مَصْدَرُ (أُغْمِيَ عَلَى الرَّجُل) مَبْنِيٌّ لِلْمَفْعُول، وَالإِْغْمَاءُ مَرَضٌ يُزِيل الْقُوَى وَيَسْتُرُ الْعَقْل، وَقِيل: فُتُورٌ عَارِضٌ لاَ بِمُخَدِّرٍ يُزِيل عَمَل الْقُوَى.
وَلاَ يَخْرُجُ التَّعْرِيفُ الاِصْطِلاَحِيُّ عَنْ هَذَا.
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - النَّوْمُ:
٢ - عَرَّفَ الْجُرْجَانِيُّ النَّوْمَ بِأَنَّهُ: حَالَةٌ طَبِيعِيَّةٌ تَتَعَطَّل مَعَهَا الْقُوَى مَعَ سَلاَمَتِهَا. (٢)
فَبَيْنَهُ وَبَيْنَ الإِْغْمَاءِ اشْتِرَاكٌ وَاخْتِلاَفٌ فِي تَعَطُّل الْقُوَى، وَيَخْتَلِفَانِ فِي أَنَّ الإِْغْمَاءَ مِنَ الْمَرَضِ، وَالنَّوْمَ مَعَ السَّلاَمَةِ.
ب - الْعَتَهُ:
٣ - الْعَتَهُ: عِلَّةٌ نَاشِئَةٌ عَنِ الذَّاتِ، تُوجِبُ خَلَلًا فِي
_________
(١) عمدة القاري شرح صحيح البخاري ٢٠ / ٢٥١.
(٢) المصباح، وتعريفات الجرجاني، ومراقي الفلاح ص ٥٠، وابن عابدين ١ / ٩٥، ٩٧، والمجموع ٢ / ٢٥.
الْعَقْل، فَيَصِيرُ صَاحِبُهُ مُخْتَلِطَ الْعَقْل، فَيُشْبِهُ بَعْضُ كَلاَمِهِ كَلاَمَ الْعُقَلاَءِ، وَبَعْضُهُ كَلاَمَ الْمَجَانِينِ، فَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الإِْغْمَاءِ: أَنَّ الإِْغْمَاءَ مُؤَقَّتٌ، وَالْعَتَهُ مُسْتَمِرٌّ غَالِبًا، وَالإِْغْمَاءُ يُزِيل الْقُوَى كُلَّهَا، وَالْعَتَهُ يُضْعِفُ الْقُوَى الْمُدْرِكَةَ.
ج - الْجُنُونُ:
٤ - الْجُنُونُ: مَرَضٌ يُزِيل الْعَقْل، وَيَزِيدُ الْقُوَى غَالِبًا، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الإِْغْمَاءِ أَنَّ الْجُنُونَ يَسْلُبُ الْعَقْل بِخِلاَفِ الإِْغْمَاءِ فَإِنَّهُ يَجْعَل مَنْ وَقَعَ بِهِ مَغْلُوبًا لاَ مَسْلُوبَ الْعَقْل (١) .
وَهُنَاكَ أَلْفَاظٌ أُخْرَى ذَاتُ صِلَةٍ بِالإِْغْمَاءِ، كَالسُّكْرِ وَالصَّرْعِ وَالْغَشْيِ، تُنْظَرُ فِي مَوَاطِنِهَا مِنْ أُصُول الْفِقْهِ عِنْدَ الْكَلاَمِ عَلَى عَوَارِضِ الأَْهْلِيَّةِ، وَيَتَكَلَّمُ عَنْهَا الْفُقَهَاءُ فِي نَوَاقِضِ الْوُضُوءِ وَالْجِنَايَاتِ، وَالطَّلاَقِ وَالْبَيْعِ وَنَحْوِهِ مِنَ الْعُقُودِ (٢) .
أَثَرُ الإِْغْمَاءِ فِي الأَْهْلِيَّةِ.
٥ - الإِْغْمَاءُ لاَ يُؤَثِّرُ فِي أَهْلِيَّةِ الْوُجُوبِ لأَِنَّ مَنَاطَهَا الإِْنْسَانِيَّةُ، أَمَّا أَهْلِيَّةُ الأَْدَاءِ فَإِنَّهُ يُنَافِيهَا، لأَِنَّ مَدَارَهَا الْعَقْل، وَهُوَ مَغْلُوبٌ عَلَى عَقْلِهِ، وَتَفْصِيلُهُ فِي الْمُلْحَقِ الأُْصُولِيِّ.
أَثَرُ الإِْغْمَاءِ فِي الْعِبَادَاتِ الْبَدَنِيَّةِ:
أ - فِي الْوُضُوءِ وَالتَّيَمُّمِ:
٦ - أَجْمَعَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الإِْغْمَاءَ نَاقِضٌ لِلْوُضُوءِ قِيَاسًا عَلَى النَّوْمِ، بَل هُوَ أَوْلَى، لأَِنَّ النَّائِمَ إِذَا أُوقِظَ اسْتَيْقَظَ بِخِلاَفِ الْمُغْمَى عَلَيْهِ.
_________
(١) مراقي الفلاح ص ٥٠، وابن عابدين ١ / ٩٧.
(٢) حاشية ابن عابدين ٢ / ٤٢٧.
وَنَصَّ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ كُل مَا يُبْطِل الْوُضُوءَ يُبْطِل التَّيَمُّمَ. (١)
ب - أَثَرُ الإِْغْمَاءِ فِي سُقُوطِ الصَّلاَةِ:
٧ - ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ، وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، إِلَى أَنَّ الْمُغْمَى عَلَيْهِ لاَ يَلْزَمُهُ قَضَاءُ الصَّلاَةِ إِلاَّ أَنْ يُفِيقَ فِي جُزْءٍ مِنْ وَقْتِهَا، مُسْتَدِلِّينَ بِأَنَّ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ ﵂ سَأَلَتْ رَسُول اللَّهِ ﷺ عَنِ الرَّجُل يُغْمَى عَلَيْهِ فَيَتْرُكُ الصَّلاَةَ، فَقَال ﷺ: لَيْسَ مِنْ ذَلِكَ قَضَاءٌ، إِلاَّ أَنْ يُغْمَى عَلَيْهِ فَيُفِيقَ فِي وَقْتِهَا فَيُصَلِّيَهَا (٢) .
وَقَال أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ: إِنْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ خَمْسَ صَلَوَاتٍ قَضَاهَا، وَإِنْ زَادَتْ سَقَطَ فَرْضُ الْقَضَاءِ فِي الْكُل، لأَِنَّ ذَلِكَ يَدْخُل فِي التَّكْرَارِ فَأَسْقَطَ الْقَضَاءَ كَالْجُنُونِ، وَقَال مُحَمَّدٌ: يَسْقُطُ الْقَضَاءُ إِذَا صَارَتِ الصَّلَوَاتُ سِتًّا وَدَخَل فِي السَّابِعَةِ، لأَِنَّ ذَلِكَ هُوَ الَّذِي يَحْصُل بِهِ التَّكْرَارُ.
لَكِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ وَأَبَا يُوسُفَ أَقَامَا الْوَقْتَ مَقَامَ الصَّلَوَاتِ تَيْسِيرًا فَتُعْتَبَرُ الزِّيَادَةُ بِالسَّاعَاتِ.
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ فِي الْمَشْهُورِ عِنْدَهُمْ إِلَى أَنَّ الْمُغْمَى عَلَيْهِ يَقْضِي جَمِيعَ الصَّلَوَاتِ الَّتِي كَانَتْ فِي حَال إِغْمَائِهِ، مُسْتَدِلِّينَ بِمَا رُوِيَ أَنَّ عَمَّارًا غُشِيَ عَلَيْهِ أَيَّامًا لاَ يُصَلِّي، ثُمَّ اسْتَفَاقَ بَعْدَ ثَلاَثٍ، فَقَال (أَيْ عَمَّارٌ): هَل صَلَّيْتُ؟ فَقَالُوا: مَا صَلَّيْتَ مُنْذُ ثَلاَثٍ، فَقَال: أَعْطُونِي وُضُوءًا فَتَوَضَّأَ ثُمَّ صَلَّى
_________
(١) المغني ١ / ٢٧٢، وابن عابدين ١ / ١٦٩، والدسوقي ١ / ١٥٨.
(٢) حديث: سألت أم المؤمنين عائشة ﵂ رسول الله ﷺ عن الرجل يغمى عليه. . . " أخرجه الدارقطني ٢ / ٨٢ ط شركة الطباعة الفنية والبيهقي ١ / ٣٨٨ ط دائرة المعارف العثمانية وأعله البيهقي بضعف أحد رواته.
تِلْكَ اللَّيْلَةَ. وَرَوَى أَبُو مِجْلَزٍ أَنَّ سَمُرَةَ بْنَ جُنْدُبٍ قَال: الْمُغْمَى عَلَيْهِ يَتْرُكُ الصَّلاَةَ يُصَلِّي مَعَ كُل صَلاَةٍ صَلاَةً مِثْلَهَا قَال: قَال عِمْرَانُ: زَعَمَ، وَلَكِنْ لِيُصَلِّهِنَّ جَمِيعًا، وَرَوَى الأَْثْرَمُ هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ فِي سُنَنِهِ وَهَذَا فِعْل الصَّحَابَةِ وَقَوْلُهُمْ، وَلاَ يُعْرَفُ لَهُمْ مُخَالِفٌ فَكَانَ إِجْمَاعًا. وَلأَِنَّ الإِْغْمَاءَ لاَ يُسْقِطُ فَرْضَ الصِّيَامِ، وَلاَ يُؤَثِّرُ فِي اسْتِحْقَاقِ الْوِلاَيَةِ عَلَى الْمُغْمَى عَلَيْهِ فَأَشْبَهَ النَّوْمَ. (١)
ج - أَثَرُ الإِْغْمَاءِ فِي الصِّيَامِ:
٨ - أَجْمَعَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الإِْغْمَاءَ لاَ يُسْقِطُ قَضَاءَ الصِّيَامِ، فَلَوْ أُغْمِيَ عَلَى شَخْصٍ جَمِيعَ الشَّهْرِ، ثُمَّ أَفَاقَ بَعْدَ مُضِيِّهِ يَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ إِنْ تَحَقَّقَ ذَلِكَ، وَهُوَ نَادِرٌ وَالنَّادِرُ لاَ حُكْمَ لَهُ، إِلاَّ عِنْدَ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ فَإِنَّهُ يَقُول: سَبَبُ وُجُوبِ الأَْدَاءِ لَمْ يَتَحَقَّقْ فِي حَقِّهِ لِزَوَال عَقْلِهِ بِالإِْغْمَاءِ، وَوُجُوبُ الْقَضَاءِ يَبْتَنِي عَلَى وُجُوبِ الأَْدَاءِ.
وَاسْتَدَل فُقَهَاءُ الْمَذَاهِبِ بِأَنَّ الإِْغْمَاءَ عُذْرٌ فِي تَأْخِيرِ الصَّوْمِ إِلَى زَوَالِهِ لاَ فِي إِسْقَاطِهِ، لأَِنَّ سُقُوطَهُ يَكُونُ بِزَوَال الأَْهْلِيَّةِ أَوْ بِالْحَرَجِ، وَلاَ تَزُول الأَْهْلِيَّةُ بِهِ وَلاَ يَتَحَقَّقُ الْحَرَجُ بِهِ، لأَِنَّ الْحَرَجَ إِنَّمَا يَتَحَقَّقُ فِيمَا يَكْثُرُ وُجُودُهُ، وَامْتِدَادُهُ فِي حَقِّ الصَّوْمِ نَادِرٌ، لأَِنَّهُ مَانِعٌ مِنَ الأَْكْل وَالشُّرْبِ. وَحَيَاةُ الإِْنْسَانِ شَهْرًا بِدُونِ الأَْكْل وَالشُّرْبِ لاَ يَتَحَقَّقُ إِلاَّ نَادِرًا فَلاَ يَصْلُحُ لِبِنَاءِ الْحُكْمِ عَلَيْهِ.
٩ - وَمَنْ نَوَى الصَّوْمَ مِنَ اللَّيْل فَأُغْمِيَ عَلَيْهِ قَبْل
_________
(١) الدسوقي ١ / ١٨٢، ١٨٤، ١٨٥، والمجموع ٣ / ٧، وكشف الأسرار ٤ / ٢٨٩، والمغني ١ / ٤٠٠، والإنصاف ١ / ٣٩٠، والمنهج ٢ / ٣٢٢.
طُلُوعِ الْفَجْرِ فَلَمْ يُفِقْ حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ، فَقَدْ قَال الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: لاَ يَصِحُّ صَوْمُهُ لأَِنَّ الصَّوْمَ هُوَ الإِْمْسَاكُ مَعَ النِّيَّةِ. قَال النَّبِيُّ ﷺ: يَقُول اللَّهُ تَعَالَى: كُل عَمَل ابْنِ آدَمَ لَهُ إِلاَّ الصَّوْمَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ، يَدَعُ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ مِنْ أَجْلِي (١) فَأَضَافَ تَرْكَ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ إِلَيْهِ. فَإِذَا كَانَ مُغْمًى عَلَيْهِ فَلاَ يُضَافُ الإِْمْسَاكُ إِلَيْهِ فَلَمْ يُجْزِهِ. وَقَال أَبُو حَنِيفَةَ: يَصِحُّ صَوْمُهُ لأَِنَّ النِّيَّةَ قَدْ صَحَّتْ وَزَوَال الاِسْتِشْعَارِ بَعْدَ ذَلِكَ لاَ يَمْنَعُ صِحَّةَ الصَّوْمِ كَالنَّوْمِ. (٢)
وَمَنْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ بَعْدَ أَنْ نَوَى الصِّيَامَ وَأَفَاقَ لَحْظَةً فِي النَّهَارِ أَجْزَأَهُ الصَّوْمُ، أَيَّ لَحْظَةٍ كَانَتْ، اكْتِفَاءً بِالنِّيَّةِ مَعَ الإِْفَاقَةِ فِي جُزْءٍ، لأَِنَّ الإِْغْمَاءَ فِي الاِسْتِيلاَءِ عَلَى الْعَقْل فَوْقَ النَّوْمِ وَدُونَ الْجُنُونِ. فَلَوْ قِيل: إِنَّ الْمُسْتَغْرِقَ مِنْهُ لاَ يَضُرُّ لأَُلْحِقَ الأَْقْوَى بِالأَْضْعَفِ. وَلَوْ قِيل: إِنَّ اللَّحْظَةَ مِنْهُ تَضُرُّ كَالْجُنُونِ لأَُلْحِقَ الأَْضْعَفُ بِالأَْقْوَى فَتَوَسَّطَ بَيْنَ الأَْمْرَيْنِ. وَقِيل: إِنَّ الإِْفَاقَةَ فِي أَيِّ لَحْظَةٍ كَافِيَةٌ. وَفِي قَوْلٍ ثَانٍ لِلشَّافِعِيَّةِ: إِنَّ الإِْغْمَاءَ يَضُرُّ مُطْلَقًا قَل أَوْ كَثُرَ. (٣)
د - أَثَرُهُ فِي الْحَجِّ:
١٠ - الإِْغْمَاءُ كَمَا تَقَدَّمَ مِنْ عَوَارِضِ الأَْهْلِيَّةِ. فَالْمُغْمَى عَلَيْهِ لاَ يَتَأَتَّى مِنْهُ أَدَاءُ أَفْعَال الْحَجِّ، وَلَكِنْ هَل يَصِحُّ إِحْرَامُ الْغَيْرِ عَنْهُ بِدُونِ إِذْنٍ مِنْهُ؟ وَهَل إِذَا أَنَابَ أَحَدًا تُقْبَل الإِْنَابَةُ؟
قَال الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: إِنَّ الْمُغْمَى
_________
(١) حديث: " يقول الله كل عمل ابن آدم له إلا الصوم. . . " أخرجه البخاري (الفتح ١٠ / ٣٦٩ ط السلفية) .
(٢) كشف الأسرار ٤ / ٢٨١، والمغني ٣ / ٩٨.
(٣) الجمل ٢ / ٣٣٣.
عَلَيْهِ لاَ يُحْرِمُ عَنْهُ غَيْرُهُ، لأَِنَّهُ لَيْسَ بِزَائِل الْعَقْل وَبُرْؤُهُ مَرْجُوٌّ عَلَى الْقُرْبِ. وَلَوْ أَيِسَ مِنْ بُرْئِهِ بِأَنْ زَادَ إِغْمَاؤُهُ عَلَى ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ فَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ يُحْرِمُ الْوَلِيُّ عَنْهُ فِي الْمُعْتَمَدِ، وَقَاسُوا ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ لأَِحَدٍ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِي مَالِهِ وَإِنْ لَمْ يَبْرَأْ.
وَمَنْ يُرْجَى بُرْؤُهُ لَيْسَ لأَِحَدٍ أَنْ يَنُوبَ عَنْهُ، وَإِنْ فَعَل لَمْ يُجْزِئْهُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، لأَِنَّهُ يَرْجُو الْقُدْرَةَ عَلَى الْحَجِّ بِنَفْسِهِ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ الاِسْتِنَابَةُ وَلاَ تُجْزِئُهُ إِنْ وَقَعَتْ، وَفَارَقَ الْمَيْئُوسَ مِنْ بُرْئِهِ، لأَِنَّهُ عَاجِزٌ عَلَى الإِْطْلاَقِ آيِسٌ مِنَ الْقُدْرَةِ عَلَى الأَْصْل فَأَشْبَهَ الْمَيِّتَ. (١)
وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ مَنْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ فَأَهَل عَنْهُ رُفَقَاؤُهُ جَازَ. وَقَال الصَّاحِبَانِ: لاَ يَجُوزُ. وَلَوْ أَمَرَ إِنْسَانًا بِأَنْ يُحْرِمَ عَنْهُ إِذَا أُغْمِيَ عَلَيْهِ، أَوْ نَامَ فَأَحْرَمَ الْمَأْمُورُ عَنْهُ صَحَّ بِإِجْمَاعِ الْحَنَفِيَّةِ، حَتَّى إِذَا أَفَاقَ أَوِ اسْتَيْقَظَ وَأَتَى بِأَفْعَال الْحَجِّ جَازَ. اسْتَدَل الصَّاحِبَانِ عَلَى الأَْوَّل بِأَنَّهُ لَمْ يُحْرِمْ بِنَفْسِهِ وَلاَ أَذِنَ لِغَيْرِهِ بِهِ وَهَذَا لأَِنَّهُ لَمْ يُصَرِّحْ بِالإِْذْنِ، وَالدَّلاَلَةُ تَقِفُ عَلَى الْعِلْمِ وَجَوَازُ الإِْذْنِ بِهِ لاَ يَعْرِفُهُ كَثِيرٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ فَكَيْفَ يَعْرِفُهُ الْعَوَامُّ؟ بِخِلاَفِ مَا لَوْ أَمَرَ غَيْرَهُ بِذَلِكَ صَرِيحًا.
وَلأَِبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ لَمَّا عَاقَدَ رُفَقَاءَهُ عَقْدَ الرُّفْقَةِ فَقَدِ اسْتَعَانَ بِكُل وَاحِدٍ مِنْهُمْ فِيمَا يَعْجِزُ عَنْ مُبَاشَرَتِهِ بِنَفْسِهِ، وَالإِْحْرَامُ هُوَ الْمَقْصُودُ بِهَذَا السَّفَرِ، فَكَانَ الإِْذْنُ بِهِ ثَابِتًا دَلاَلَةً، وَالْعِلْمُ ثَابِتٌ نَظَرًا إِلَى الدَّلِيل، وَالْحُكْمُ يُدَارُ عَلَيْهِ (٢) .
وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّهُ لاَ يَصِحُّ الإِْحْرَامُ عَنِ الْمُغْمَى.
_________
(١) المغني ٣ / ٢٢٩، والجمل ٢ / ٣٧٧، والدسوقي ٢ / ٤٨.
(٢) فتح القدير ٢ / ٤٠٢،٤٠٣، والمغني ٣ / ٤١٦، وكشاف القناع ٢ / ٤٩٤ ط النصر، والقليوبي ٢ / ١١٤ - ١١٥.