الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٥
أَعْسَرَ بِالْفِدْيَةِ فِي الصَّوْمِ سَقَطَتْ، وَيَسْتَغْفِرُ اللَّهَ تَعَالَى. وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ، وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنْ مَذْهَبِ الْحَنَابِلَةِ إِلَى أَنَّهُ إِذَا عَجَزَ عَنِ الْفِدْيَةِ تَبْقَى فِي ذِمَّتِهِ.
أَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فَالْفِدْيَةُ عِنْدَهُمْ مَنْدُوبَةٌ. (١)
ثَانِيًا: آثَارُ الإِْعْسَارِ فِي حُقُوقِ الْعِبَادِ:
أ - الإِْعْسَارُ بِمَئُونَةِ تَجْهِيزِ الْمَيِّتِ وَتَكْفِينِهِ:
١١ - إِذَا مَاتَ الإِْنْسَانُ مُعْسِرًا فَكَفَنُهُ عَلَى مَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ نَفَقَتُهُ فِي حَال حَيَاتِهِ، وَهُوَ قَوْل أَبِي حَنِيفَةَ فِيمَا نُقِل عَنْهُ - وَهُوَ الْمُفْتَى بِهِ - وَإِذَا لَمْ يَكُنْ لِلْمَيِّتِ مَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ نَفَقَتُهُ، أَوْ كَانَ - وَهُوَ فَقِيرٌ - فَكَفَنُهُ عَلَى بَيْتِ الْمَال، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ بَيْتُ الْمَال مَعْمُورًا أَوْ مُنْتَظِمًا فَعَلَى الْمُسْلِمِينَ تَكْفِينُهُ (٢) . وَتَفْصِيلُهُ فِي (تَكْفِينٌ) .
ب - الإِْعْسَارُ بِأُجْرَةِ الأَْجِيرِ وَأُجْرَةِ الْبَيْتِ وَنَحْوِهِ:
١٢ - قَال الْحَنَفِيَّةُ: إِنَّ الإِْجَارَةَ تُفْسَخُ بِالأَْعْذَارِ، كَمَا لَوْ آجَرَ دُكَّانًا أَوْ دَارًا ثُمَّ أَفْلَسَ - وَلَزِمَتْهُ دُيُونٌ لاَ يَقْدِرُ عَلَى قَضَائِهَا إِلاَّ بِثَمَنِ مَا آجَرَ - فَسَخَ الْقَاضِي الْعَقْدَ وَبَاعَهَا فِي الدُّيُونِ، لأَِنَّ فِي الْجَرْيِ عَلَى مُوجِبِ
_________
(١) المهذب في فقه الإمام الشافعي ١ / ١٨٥، ٢٢١، وجواهر الإكليل ١ / ١٤٦، ونيل المآرب بشرح دليل الطالب ١ / ٩٧، ١٠٧، ١٠٨، ط مكتبة الفلاح، والاختيار شرح المختار ١ / ١٥٩ وما بعدها، والشرح الصغير ١ / ٢٦٠ الطبعة الثانية بالمطبعة العامرة المليجية ١٣٣٥ هـ، ومنار السبيل ١ / ٢٥١ - ٢٥٣، المكتب الإسلامي.
(٢) شرح السراجية للجرجاني ٣ - ٧، وابن عابدين ١ / ٥٨٠ - ٥٨١ ط دار إحياء التراث العربي، وفتح القدير ٢ / ٧٦ - ٧٧، والمهذب في فقه الإمام الشافعي ١ / ١٣٦ - ١٣٧، وحاشية الجمل على شرح المنهج ٢ / ١٦٣، ١٦٤، والشرح الصغير وحاشية الصاوي عليه ١ / ١٨٠ - ١٨١، والشرح الكبير ١ / ٤١٣ - ٤١٤، ونيل المآرب بشرح دليل الطالب ١ / ٧٨، والمغني لابن قدامة ٢ / ٣٨٨ - ٣٨٩ مكتبة القاهرة.
الْعَقْدِ إِلْزَامَ ضَرَرٍ زَائِدٍ لَمْ يُسْتَحَقَّ بِالْعَقْدِ، وَهُوَ الْحَبْسُ، لأَِنَّهُ قَدْ لاَ يُصَدَّقُ عَلَى عَدَمِ مَالٍ آخَرَ. (١)
وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: أَجْرُ الأَْجِيرِ دَيْنٌ، وَمَتَى كَانَ عَلَى رَجُلٍ، وَكَانَ مُؤَجَّلًا، لَمْ يَجُزْ مُطَالَبَتُهُ بِهِ حَتَّى يَحِينَ أَجَلُهُ، لأَِنَّهُ لَوْ جَازَ مُطَالَبَتُهُ بِهِ سَقَطَتْ فَائِدَةُ التَّأْجِيل. وَإِنْ كَانَ حَالًّا، فَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا لَمْ يَجُزْ مُطَالَبَتُهُ بِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ وَلاَ يَمْلِكُ مُلاَزَمَتَهُ، لأَِنَّ كُل دَيْنٍ لاَ يَمْلِكُ الْمُطَالَبَةَ بِهِ لَمْ يَمْلِكِ الْمُلاَزَمَةَ عَلَيْهِ كَالدَّيْنِ الْمُؤَجَّل. فَإِنْ كَانَ يُحْسِنُ صَنْعَةً فَطَلَبَ الْغَرِيمُ أَنْ يُؤَجِّرَ نَفْسَهُ لِيَكْسِبَ مَا يُعْطِيهِ لَمْ يُجْبَرْ عَلَى ذَلِكَ، لأَِنَّهُ إِجْبَارٌ عَلَى التَّكَسُّبِ، فَلَمْ يَجُزْ كَالإِْجْبَارِ عَلَى التِّجَارَةِ، وَإِنْ أَكْرَى أَرْضًا فَأَفْلَسَ الْمُكْتَرِي بِالأُْجْرَةِ، فَإِنْ كَانَ قَبْل اسْتِيفَاءِ شَيْءٍ مِنَ الْمَنَافِعِ فَلَهُ أَنْ يَفْسَخَ، لأَِنَّ الْمَنَافِعَ فِي الإِْجَارَةِ كَالأَْعْيَانِ الْمَبِيعَةِ فِي الْبَيْعِ، ثُمَّ إِذَا أَفْلَسَ الْمُشْتَرِي وَالْعَيْنُ بَاقِيَةٌ ثَبَتَ لَهُ الْفَسْخُ، فَكَذَلِكَ إِذَا أَفْلَسَ الْمُكْتَرِي وَالْمَنَافِعُ بَاقِيَةٌ وَجَبَ أَنْ يَثْبُتَ لَهُ الْفَسْخُ. (٢)
ج - إِعْسَارُ الْمُحَال عَلَيْهِ:
١٣ - لاَ يَرْجِعُ الْمَدِينُ عَلَى الْمُحِيل إِلاَّ أَنْ يَمُوتَ الْمُحَال عَلَيْهِ مُفْلِسًا، أَوْ يَجْحَدُ وَلاَ بَيِّنَةَ عَلَيْهِ، لأَِنَّهُ عَجَزَ عَنِ الْوُصُول إِلَى حَقِّهِ، وَالْمَقْصُودُ مِنَ الْحَوَالَةِ سَلاَمَةُ حَقِّهِ، فَكَانَتْ مُقَيَّدَةً بِالسَّلاَمَةِ، فَإِذَا فَاتَتِ السَّلاَمَةُ انْفَسَخَتْ كَالْعَيْبِ فِي الْمَبِيعِ. هَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَزَادَ الصَّاحِبَانِ أَنَّهُ يَرْجِعُ بِوَجْهٍ آخَرَ أَيْضًا، وَهُوَ أَنْ يَحْكُمَ الْحَاكِمُ بِإِفْلاَسِهِ فِي حَيَاتِهِ، بِنَاءً
_________
(١) تكملة فتح القدير ٨ / ٧٦ - ٨٧، والاختيار شرح المختار ١ / ٢٣٣.
(٢) المهذب ١ / ٣٣٤، ٣٣٥.
عَلَى أَنَّ الإِْفْلاَسَ يَتَحَقَّقُ عِنْدَهُمَا بِقَضَاءِ الْقَاضِي، وَعِنْدَهُ لاَ. (١)
وَهِيَ كَذَلِكَ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، فَإِنْ أَحَالَهُ عَلَى مَلِيءٍ فَأَفْلَسَ أَوْ جَحَدَ الْحَقَّ وَحَلَفَ عَلَيْهِ لَمْ يَرْجِعْ إِلَى الْمُحِيل، لأَِنَّهُ انْتَقَل حَقُّهُ إِلَى مَالٍ يَمْلِكُ بَيْعَهُ فَسَقَطَ حَقُّهُ فِي الرُّجُوعِ، كَمَا لَوْ أَخَذَ بِالدَّيْنِ سِلْعَةً ثُمَّ تَلِفَتْ بَعْدَ الْقَبْضِ.
وَإِنْ أَحَالَهُ عَلَى رَجُلٍ بِشَرْطِ أَنَّهُ مَلِيءٌ فَبَانَ أَنَّهُ مُعْسِرٌ، فَقَدْ ذَكَرَ الْمُزَنِيُّ أَنَّهُ لاَ خِيَارَ لَهُ، وَأَنْكَرَ أَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ سُرَيْجٍ هَذَا وَقَال: لَهُ الْخِيَارُ، لأَِنَّهُ غَرَّهُ بِالشَّرْطِ فَثَبَتَ لَهُ الْخِيَارُ، كَمَا لَوْ بَاعَهُ بَقَرَةً بِشَرْطِ أَنَّهَا حَلُوبٌ، ثُمَّ بَانَ أَنَّهَا لَيْسَتْ كَذَلِكَ.
وَقَال عَامَّةُ الأَْصْحَابِ: لاَ خِيَارَ لَهُ لأَِنَّ الإِْعْسَارَ نَقْصٌ، فَلَوْ ثَبَتَ بِهِ الْخِيَارُ لَثَبَتَ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ كَالْعَيْبِ فِي الْمَبِيعِ، وَيُخَالِفُ الصِّفَةَ الْمَرْغُوبَةَ، فَإِنَّ عَدَمَهَا لَيْسَ بِنَقْصٍ وَإِنَّمَا هُوَ عَدَمُ فَضِيلَةٍ، فَاخْتَلَفَ الأَْمْرُ فِيهِ بَيْنَ أَنْ يُشْرَطَ وَبَيْنَ أَلاَّ يُشْرَطَ. (٢)
وَالْمَالِكِيَّةُ كَذَلِكَ يَرَوْنَ أَنَّهُ إِنْ شَرَطَ الْمُحَال عَلَى الْمُحِيل إِنْ أَفْلَسَ الْمُحَال عَلَيْهِ رَجَعَ عَلَى الْمُحِيل فَلَهُ شَرْطُهُ. وَنَقَلَهُ الْبَاجِيُّ كَأَنَّهُ الْمَذْهَبُ، وَقَال ابْنُ رُشْدٍ: هَذَا صَحِيحٌ لاَ أَعْلَمُ فِيهِ خِلاَفًا. (٣)
_________
(١) الاختيار شرح المختار ٢ / ٦٧ - ٦٨ ط مصطفى الحلبي ١٩٣٦.
(٢) المهذب في فقه الإمام الشافعي ١ / ٣٤٤ - ٣٤٥ ط مصطفى الحلبي.
(٣) لشرح الكبير وحاشية الدسوقي عليه ٣٣ / ٣٢٥، ٣٢٨، والشرح الصغير وحاشية الصاوي عليه ٢ / ١٣٩ - ١٤١ الطبعة الثانية بالمطبعة العامرة المليجية ١٣٣٥ هـ.
وَأَمَّا الْحَنَابِلَةُ فَقَدْ قَالُوا: مَتَى تَوَفَّرَتِ الشُّرُوطُ بَرِئَ الْمُحِيل مِنَ الدَّيْنِ بِمُجَرَّدِ الْحَوَالَةِ، لأَِنَّهُ قَدْ تَحَوَّل مِنْ ذِمَّتِهِ، فَإِنْ أَفْلَسَ الْمُحَال عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ أَوْ مَاتَ أَوْ جَحَدَ الدَّيْنَ فَلاَ يَرْجِعُ عَلَى الْمُحِيل، كَمَا لَوْ أَبْرَأَهُ، لأَِنَّ الْحَوَالَةَ بِمَنْزِلَةِ الإِْيفَاءِ.
وَمَتَى لَمْ تَتَوَفَّرِ الشُّرُوطُ لَمْ تَصِحَّ الْحَوَالَةُ، وَإِنَّمَا تَكُونُ وَكَالَةً.
قَال الشَّمْسُ ابْنُ أَبِي عُمَرَ: وَإِذَا لَمْ يَرْضَ الْمُحَال ثُمَّ بَانَ الْمُحَال عَلَيْهِ مُفَلِّسًا أَوْ مَيِّتًا رَجَعَ بِغَيْرِ خِلاَفٍ. وَإِنْ رَضِيَ مَعَ الْجَهْل بِحَالِهِ رَجَعَ، لأَِنَّ الْفَلَسَ عَيْبٌ فِي الْمُحَال عَلَيْهِ. وَإِنْ شَرَطَ مَلاَءَةَ الْمُحَال عَلَيْهِ فَبَانَ مُعْسِرًا رَجَعَ. لِحَدِيثِ: الْمُؤْمِنُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ (١) .
_________
(١) منار السبيل في شرح الدليل ١١ / ٣٦٤ - ٣٦٦ ط المكتب الإسلامي، نيل المآرب بشرح دليل الطالب ١ / ١٤١ - ١٤٢. وحديث: " المؤمنون. . . " أخرجه الترمذي من حديث عمرو بن عوف المزني مرفوعا بلفظ " المسلمون على شروطهم " وقال: هذا حديث حسن صحيح. ونوقش الترمذي في تصحيح هذا الحديث، فإن في إسناده كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف وهو ضعيف جدا. قال فيه الشافعي وأبو داود وأخرجه أبو داود والحاكم من طريق كثير بن زيد عن الوليد بن رباح عن أبي هريرة مرفوعا، قال الذهبي: لم يصححه (الحاكم) وكثير ضعفه النسائي ومشاه غيره، قال المنذري في إسناده كثير ابن زيد. قال عنه ابن معين: ثقة، وقال مرة: ليس بشيء، وقال مرة: ليس بذاك القوي، وتكلم فيه غير واحد. وأورد الشوكاني طرق الحديث المختلفة وقال: لا يخفى أن الأحاديث المذكورة والطرق يشهد بعضها لبعض، فأقل أحوالها أن يكون المتن الذي اجتمعت عليه حسنا (تحفة الأحوذي ٤ / ٥٨٤ - ٥٨٥ نشر السلفية، وعون المعبود ٣ / ٣٣٢ - ٣٣٣ ط الهند، والمستدرك ٢ / ٤٩ نشر دار الكتاب العربي، ونيل الأوطار ٥ / ٢٨٦ - ٢٨٧ ط مصطفى الحلبي) .
د - إِعْسَارُ الزَّوْجِ بِالْمَهْرِ الْمُسَمَّى:
١٤ - يُفَصِّل الشَّافِعِيَّةُ فِي إِعْسَارِ الزَّوْجِ بِالْمَهْرِ بَيْنَ حَالَتَيْنِ:
أَوَّلاَهُمَا: إِنْ كَانَ قَبْل الدُّخُول ثَبَتَ لَهَا الْخِيَارُ فِي فَسْخِ النِّكَاحِ، لأَِنَّهُ يَلْحَقُهُ الْفَسْخُ بِالإِْفْلاَسِ بِالْمَهْرِ، وَهُوَ وَجْهٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ.
الْحَالَةُ الثَّانِيَةُ: إِنْ كَانَ بَعْدَ الدُّخُول لَمْ يَجُزِ الْفَسْخُ، لأَِنَّ الزَّوْجَ اسْتَوْفَى حَقَّهُ فَلَمْ يُفْسَخْ بِالإِْعْسَارِ، وَقَدْ وَافَقَهُمُ الْحَنَابِلَةُ فِي وَجْهٍ لَهُمْ عَلَى ذَلِكَ.
وَهُنَاكَ وَجْهٌ آخَرُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ أَنَّهُ لاَ يَثْبُتُ لَهَا خِيَارُ الْفَسْخِ مُطْلَقًا، لاَ قَبْل الدُّخُول وَلاَ بَعْدَهُ، وَهُوَ اخْتِيَارُ ابْنِ حَامِدٍ، لأَِنَّ الْمَهْرَ دَيْنٌ فِي الذِّمَّةِ، فَلاَ يُفْسَخُ النِّكَاحُ لِلإِْعْسَارِ بِهِ، كَالنَّفَقَةِ الْمَاضِيَةِ، وَلأَِنَّ تَأْخِيرَهُ لَيْسَ فِيهِ ضَرَرٌ مُجْحِفٌ.
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: إِنْ دَعَتْ زَوْجَهَا لِلدُّخُول بِهَا، وَطَلَبَتْ حَال الصَّدَاقِ فَلَمْ يَجِدْهُ، وَادَّعَى الْعُدْمَ وَلَمْ تُصَدِّقْهُ، وَلَمْ يَثْبُتْ عُدْمُهُ بِبَيِّنَةٍ، وَلَيْسَ لَهُ مَالٌ ظَاهِرٌ، أَمْهَلَهُ الْحَاكِمُ لإِثْبَاتِ عُسْرِهِ (فَقْرِهِ)، ثُمَّ إِذَا ثَبَتَ عُسْرُهُ، أَوْ صَدَّقَتْهُ فِيهِ زِيدَ لَهُ فِي الأَْجَل بِاجْتِهَادِ الْحَاكِمِ، فَإِنْ أَتَى بِشَيْءٍ وَإِلاَّ عَجَّزَهُ.
وَوُجُوبُ التَّلَوُّمِ لِمَنْ ثَبَتَ عُسْرُهُ وَلاَ يُرْجَى يَسَارُهُ - لأَِنَّ الْغَيْبَ قَدْ يَكْشِفُ عَنِ الْعَجَائِبِ - هُوَ تَأْوِيل الأَْكْثَرِ. وَصَحَّحَ - أَيْ صَوَّبَهُ - الْمُتَيْطِيُّ وَعِيَاضٌ، وَعَدَمُ التَّلَوُّمِ لِمَنْ لاَ يُرْجَى يَسَارُهُ، فَيُطْلَقُ عَلَيْهِ نَاجِزًا هُوَ تَأْوِيلٌ فَضَل عَلَى الْمُدَوَّنَةِ.
ثُمَّ بَعْدَ انْقِضَاءِ الأَْجَل طَلَّقَ عَلَيْهِ، بِأَنْ يُطَلِّقَ الْحَاكِمُ، أَوْ تُوقِعَهُ الزَّوْجَةُ ثُمَّ يَحْكُمَ الْحَاكِمُ، عَلَى الْقَوْلَيْنِ فِي ذَلِكَ. وَوَجَبَ عَلَى الزَّوْجِ الْمُطَلِّقِ لِعَجْزِهِ
عَنِ الْمَهْرِ نِصْفُهُ يَدْفَعُهُ إِنْ أَيْسَرَ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْل أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ (١)
وَأَمَّا الْحَنَفِيَّةُ: فَلاَ يُجِيزُونَ الْفَسْخَ بِالإِْعْسَارِ بِالْمَهْرِ أَوْ غَيْرِهِ، وَلِلزَّوْجَةِ قَبْل الدُّخُول مَنْعُ تَسْلِيمِ نَفْسِهَا لِلزَّوْجِ حَتَّى تَسْتَوْفِيَ مُعَجَّل صَدَاقِهَا. (٢)
هـ - إِعْسَارُ الْمَدِينِ بِمَا وَجَبَ عَلَيْهِ مِنَ الدَّيْنِ. وَهَل يُحْبَسُ بِذَلِكَ أَمْ لاَ؟
١٥ - قَال الْحَنَفِيَّةُ: إِذَا ثَبَتَ الْحَقُّ لِلْمُدَّعِي فَطَلَبَ مِنَ الْقَاضِي حَبْسَ الْمَدِينِ، أَمَرَهُ الْقَاضِي بِدَفْعِ مَا عَلَيْهِ، فَإِنِ امْتَنَعَ حَبَسَهُ، لأَِنَّهُ ظَهَرَ ظُلْمُهُ.
لِلْحَدِيثِ لَيُّ الْوَاجِدِ ظُلْمٌ يُحِل عِرْضَهُ وَعُقُوبَتَهُ (٣) . وَالْعُقُوبَةُ الْحَبْسُ.
فَإِنْ أَقَرَّ الْمُدَّعِي أَنَّ غَرِيمَهُ مُعْسِرٌ خُلِّيَ سَبِيلُهُ، لأَِنَّهُ اسْتَحَقَّ الإِْنْظَارَ بِالنَّصِّ، وَلاَ يُمْنَعُ مِنَ الْمُلاَزَمَةِ. وَإِنْ قَال الْمُدَّعِي: هُوَ مُوسِرٌ، وَهُوَ يَقُول: أَنَا مُعْسِرٌ، فَإِنْ كَانَ الْقَاضِي يَعْرِفُ يَسَارَهُ، أَوْ كَانَ الدَّيْنُ بَدَل مَالٍ كَالثَّمَنِ وَالْقَرْضِ، أَوِ الْتَزَمَهُ كَالْمَهْرِ وَالْكَفَالَةِ وَبَدَل الْخُلْعِ وَنَحْوِهِ حَبَسَهُ، لأَِنَّ الظَّاهِرَ بَقَاءُ مَا حَصَل فِي يَدِهِ، وَالْتِزَامُهُ يَدُل عَلَى الْقُدْرَةِ،
_________
(١) سورة البقرة / ٢٢٧.
(٢) رد المحتار على الدر المختار ٢ / ٦٥٦، ٤ / ٣١٥ - ٣١٧، وفتح القدير ٤ / ٢٥٨ - ٢٦٠. والمهذب في فقه الإمام الشافعي ٢ / ٦٢، وجواهر الإكليل ١ / ٣٠٧ - ٣٠٨، والشرح الكبير وحاشية الدسوقي عليه ٢ / ٢٩٩ - ٣٠٠، والمغني لابن قدامة ٧ / ٥٧٩ ط الرياض الحديثة، والمقنع لابن قدامة ٣ / ٩٨ ط السلفية.
(٣) حديث " لي الواجد ظلم يحل عرضه وعقوبته " أخرجه أبو داود (٤ / ٤٥ - ط عزت عبيد دعاس) وحسنه ابن حجر في الفتح (٤ / ٦٢ - السند) .
وَلاَ يَحْبِسُهُ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ إِذَا ادَّعَى الْفَقْرَ، لأَِنَّهُ الأَْصْل، وَذَلِكَ مِثْل ضَمَانِ الْمُتْلَفَاتِ وَأُرُوشِ الْجِنَايَاتِ وَنَفَقَةِ الأَْقَارِبِ وَالزَّوْجَاتِ، إِلاَّ أَنْ تَقُومَ الْبَيِّنَةُ أَنَّ لَهُ مَالًا فَيَحْبِسُهُ، لأَِنَّهُ ظَالِمٌ. فَإِذَا حَبَسَهُ مُدَّةً يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ لَوْ كَانَ مَالٌ لَهُ أَظْهَرَهُ، وَسَأَل عَنْ حَالِهِ فَلَمْ يَظْهَرْ لَهُ مَالٌ، خَلَّى سَبِيلَهُ، لأَِنَّ الظَّاهِرَ إِعْسَارُهُ فَيَسْتَحِقُّ الإِْنْظَارَ. وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ لَوْ شَهِدَ شَاهِدَانِ بِإِعْسَارِهِ. وَتُقْبَل بَيِّنَةُ الإِْعْسَارِ بَعْدَ الْحَبْسِ بِالإِْجْمَاعِ وَقَبْلَهُ لاَ. وَالْفَرْقُ أَنَّهُ وَجَدَ بَعْدَ الْحَبْسِ قَرِينَةً، وَهُوَ تَحَمُّل شِدَّةِ الْحَبْسِ وَمَضَايِقِهِ، وَذَلِكَ دَلِيل إِعْسَارِهِ وَلَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ قَبْل الْحَبْسِ، وَقِيل تُقْبَل فِي الْحَالَتَيْنِ، وَإِنْ قَامَتِ الْبَيِّنَةُ عَلَى يَسَارِهِ أَبَدًا حَبَسَهُ لِظُلْمِهِ حَتَّى يُؤَدِّيَ مَا عَلَيْهِ.
وَاخْتَلَفُوا فِي مُدَّةِ الْحَبْسِ، قِيل: شَهْرَانِ أَوْ ثَلاَثَةٌ، وَبَعْضُهُمْ قَدَّرَهُ بِشَهْرٍ، وَبَعْضُهُمْ بِأَرْبَعَةٍ، وَبَعْضُهُمْ بِسِتَّةٍ. وَلَمَّا كَانَ النَّاسُ يَخْتَلِفُونَ فِي احْتِمَال الْحَبْسِ، وَيَتَفَاوَتُونَ تَفَاوُتًا كَثِيرًا فَإِنَّهُ يُفَوَّضُ إِلَى رَأْيِ الْقَاضِي. (١)
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: يُحْبَسُ الْمَدِينُ (٢) الْمَجْهُول إِذَا ادَّعَى الْعُدْمَ لِيَسْتَبِينَ أَمْرُهُ بِإِثْبَاتٍ، وَمَحَل حَبْسِهِ مَا لَمْ يَسْأَل الصَّبْرَ وَالتَّأْخِيرَ إِلَى إِثْبَاتِ عُسْرِهِ، وَإِلاَّ أُخِّرَ مَعَ كَفَالَةِ كَفِيلٍ وَلَوْ بِالنَّفْسِ، وَيُحْبَسُ إِنْ جُهِل حَالُهُ إِلَى أَنْ يَثْبُتَ عُسْرُهُ، وَإِنْ لَمْ يَأْتِ بِهِ الْحَمِيل (الْكَفِيل) غَرِمَ مَا عَلَيْهِ إِلاَّ أَنْ يَثْبُتَ عُسْرُهُ.
وَثُبُوتُ عُسْرِهِ يَكُونُ بِشَهَادَةِ عَدْلَيْنِ يَشْهَدَانِ أَنَّهُمَا
_________
(١) الاختيار شرح المختار ١ / ٢٦٠ - ٢٦١ ط مصطفى الحلبي ١٩٣٦
(٢) المراد بالمدين الذي عليه الدين. أحاطت الديون بماله أم لا سواء كان ذكرا أو أنثى.
لاَ يَعْرِفَانِ لَهُ مَالًا ظَاهِرًا وَلاَ بَاطِنًا، وَيَحْلِفُ عَلَى ذَلِكَ لَكِنْ عَلَى الْبَتِّ، وَيَزِيدُ فِي مِينِهِ: وَإِنْ وَجَدْتُ الْمَال لأَقْضِيَنَّهُ عَاجِلًا، وَإِنْ كُنْتُ مُسَافِرًا عَجَّلْتُ الأَْوْبَةَ (الإِْيَابَ) . وَبَعْدَ الْحَلِفِ يَجِبُ إِطْلاَقُهُ وَإِنْظَارُهُ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ .
فَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ عُسْرُهُ وَطَال حَبْسُهُ فَإِنَّهُ يُطَلِّقُ، لَكِنْ بَعْدَ حَلِفِهِ أَنَّهُ لاَ مَال عِنْدَهُ.
وَلاَ حَبَسَ عَلَى مُعْدَمٍ ثَابِتِ الْعُدْمِ، لِلآْيَةِ الْمَذْكُورَةِ، لأَِنَّ حَبْسَهُ لاَ يَحْصُل بِهِ فَائِدَةٌ، وَيَجِبُ عَلَى الْمَدِينِ أَنْ يُوصِيَ بِمَا عَلَيْهِ مِنَ الدَّيْنِ، فَإِنْ مَاتَ وَلَمْ يُوجَدْ لَهُ مَالٌ وُفِّيَ عَنْهُ مِنْ بَيْتِ الْمَال، لِقَوْلِهِ ﵇ فَمَنْ تُوُفِّيَ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ فَعَلَيَّ قَضَاؤُهُ، وَمَنْ تَرَكَ مَالًا فَهُوَ لِوَرَثَتِهِ (١) .
وَقَال الشَّافِعِيُّ: إِذَا ثَبَتَ عَلَيْهِ الدَّيْنُ بِيعَ مَا ظَهَرَ لَهُ وَدُفِعَ وَلَمْ يُحْبَسْ، وَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ حُبِسَ وَبِيعَ مَا قُدِرَ عَلَيْهِ مِنْ مَالِهِ، فَإِنْ ذَكَرَ عُسْرَهُ قُبِلَتْ مِنْهُ الْبَيِّنَةُ، لِقَوْلِهِ ﷿: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ (٢) . وَأُحَلِّفُهُ مَعَ ذَلِكَ بِاَللَّهِ وَأُخَلِّيهِ، وَمَنَعْتُ غُرَمَاءَهُ مِنْ لُزُومِهِ، حَتَّى تَقُومَ بَيِّنَةٌ أَنَّهُ قَدْ أَفَادَ مَالًا، فَإِنْ شَهِدُوا أَنَّهُمْ رَأَوْا فِي يَدِهِ مَالًا سُئِل، فَإِنْ قَال مُضَارَبَةٌ قُبِلَتْ مَعَ يَمِينِهِ، وَلاَ غَايَةَ لِحَبْسِهِ أَكْثَرَ مِنَ الْكَشْفِ عَنْهُ، فَمَتَى اسْتَقَرَّ عِنْدَ الْحَاكِمِ مَا وَصَفْتُ
_________
(١) لفواكه الدواني ٢٢ / ٣٢٥، ٣٢٦، والفروق للقرافي ٢ / ١٠ - ١١ (المسألة الرابعة) . وحديث: " من توفي من المؤمنين. . . " أخرجه البخاري (الفتح ٤ / ٤٧٦٧ ط السلفية)، ومسلم ٢ / ١٢٣٧ ط الحلبي) .
(٢) سورة البقرة / ٢٨٠.
لَمْ يَكُنْ لَهُ حَبْسُهُ، وَلاَ يَغْفُل الْمَسْأَلَةَ عَنْهُ. (١)
وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ دَيْنٌ حَالٌّ فَطُولِبَ بِهِ وَلَمْ يُؤَدِّهِ، نَظَرَ الْحَاكِمُ، فَإِنْ كَانَ فِي يَدِهِ مَالٌ ظَاهِرٌ أَمَرَهُ بِالْقَضَاءِ، وَإِنْ لَمْ يَجِدْ لَهُ مَالًا ظَاهِرًا فَادَّعَى الإِْعْسَارَ وَصَدَّقَهُ غَرِيمُهُ لَمْ يُحْبَسْ وَوَجَبَ إِنْظَارُهُ، وَلَمْ تَجُزْ مُلاَزَمَتُهُ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ وَلِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ لِغُرَمَاءِ الَّذِي كَثُرَ دَيْنُهُ: خُذُوا مَا وَجَدْتُمْ، وَلَيْسَ لَكُمْ إِلاَّ ذَلِكَ (٢)
وَلأَِنَّ الْحَبْسَ إِمَّا أَنْ يَكُونَ لإِثْبَاتِ عُسْرَتِهِ أَوْ لِقَضَاءِ دَيْنِهِ، وَعُسْرَتُهُ ثَابِتَةٌ، وَالْقَضَاءُ مُتَعَذِّرٌ، فَلاَ فَائِدَةَ فِي الْحَبْسِ. وَإِنْ كَذَّبَهُ غَرِيمُهُ فَلاَ يَخْلُو إِمَّا أَنْ يَكُونَ عُرِفَ لَهُ مَالٌ أَوْ لَمْ يُعْرَفْ، فَإِنْ عُرِفَ لَهُ مَالٌ لِكَوْنِ الدَّيْنِ ثَبَتَ عَنْ مُعَاوَضَةٍ، كَالْقَرْضِ وَالْبَيْعِ، أَوْ عُرِفَ لَهُ أَصْل مَالٍ سِوَى هَذَا. فَالْقَوْل قَوْل غَرِيمِهِ مَعَ يَمِينِهِ، فَإِذَا حَلَفَ أَنَّهُ ذُو مَالٍ حُبِسَ حَتَّى تَشْهَدَ الْبَيِّنَةُ بِإِعْسَارِهِ. قَال ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَكْثَرُ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ عُلَمَاءِ الأَْمْصَارِ وَقُضَاتِهِمْ يَرَوْنَ الْحَبْسَ فِي الدَّيْنِ. (٣)
و الإِْعْسَارُ بِدَفْعِ الْجِزْيَةِ (الْجِزْيَةُ الْمَفْرُوضَةُ، وَالْجِزْيَةُ الْمُصَالَحُ عَلَيْهَا):
١٦ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيِ الشَّافِعِيَّةِ إِلَى أَنَّهُ لاَ جِزْيَةَ عَلَى فَقِيرٍ غَيْرِ مُتَكَسِّبٍ لأَِنَّ عُمَرَ ﵁ شَرَطَ كَوْنَهُ مُعْتَمِلًا (أَيْ
_________
(١) ختصر المزني ١٠٤ ط دار المعرفة. ولا يخرج عنه ما ورد في المهذب ذب في فقه الإمام الشافعي ١ / ٣٢٦ - ٣٢٧.
(٢) حديث: " خذوا ما وجدتم. . . " صحيح مسلم (٣ / ١١٩١ ط الحلبي) .
(٣) المغني لابن قدامة ٤ / ٤٩٩ ط الرياض الحديثة.
مُتَكَسِّبًا) وَهُوَ دَلِيل عَدَمِ وُجُوبِهَا عَلَى الْفَقِيرِ غَيْرِ الْمُعْتَمِل، وَلأَِنَّهُ غَيْرُ مُطِيقٍ لِلأَْدَاءِ حَيْثُ لاَ يَقْدِرُ عَلَى الْعَمَل.
لَكِنْ صَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ بِأَنَّهُ إِذَا أَيْسَرَ الْفَقِيرُ بَعْدَ وَضْعِ الْجِزْيَةِ عَنْهُ وَجَبَتْ عَلَيْهِ، لأَِنَّهُ أَهْلٌ لِلْجِزْيَةِ، وَإِنَّمَا سَقَطَتْ عَنْهُ لِلْعَجْزِ وَقَدْ زَال (١)، وَلاَ يُحَاسَبُ بِمَا مَضَى.
وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ: الذِّمِّيُّ الْفَقِيرُ يُضْرَبُ عَلَيْهِ بِوُسْعِهِ (أَيْ بِقَدْرِ طَاقَتِهِ) وَلَوْ دِرْهَمًا إِنْ كَانَ لَهُ طَاقَةٌ، وَإِلاَّ سَقَطَتْ عَنْهُ. فَإِنْ أَيْسَرَ بَعْدُ لَمْ يُحَاسَبْ بِمَا مَضَى لِسُقُوطِهِ عَنْهُ. (٢)
وَفِي قَوْلٍ لِلشَّافِعِيَّةِ: أَنَّهَا تَجِبُ عَلَيْهِ وَلَوْ كَانَ فَقِيرًا، لأَِنَّهَا تَجِبُ عَلَى سَبِيل الْعِوَضِ، فَاسْتَوَى فِيهِ الْمُعْتَمِل وَغَيْرُ الْمُعْتَمِل، فَعَلَى هَذَا يُنْظَرُ إِلَى الْمَيْسَرَةِ، فَإِذَا أَيْسَرَ طُولِبَ بِجِزْيَةِ مَا مَضَى، وَقِيل: لاَ يُنْظَرُ. (٣)
ز - إِعْسَارُ التَّرِكَةِ عَنِ الْوَفَاءِ بِمَا وَجَبَ فِيهَا مِنْ حُقُوقٍ:
١٧ - إِذَا كَانَتْ تَرِكَةُ الْمَيِّتِ لاَ تَفِي بِمَا عَلَيْهِ مِنَ الدُّيُونِ، فَفِي الأَْحْكَامِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِذَلِكَ خِلاَفٌ وَتَفْصِيلٌ يُرْجَعُ إِلَيْهِ فِي مُصْطَلَحَيْ (إِرْثٌ، وَتَرِكَةٌ) .
ح - الإِْعْسَارُ بِالنَّفَقَةِ عَلَى النَّفْسِ:
١٨ - الأَْصْل أَنَّ نَفَقَةَ الإِْنْسَانِ الْحُرِّ فِي مَالِهِ صَغِيرًا كَانَ أَوْ كَبِيرًا، إِلاَّ الزَّوْجَةُ فَإِنَّ نَفَقَتَهَا عَلَى زَوْجِهَا
_________
(١) الاختيار شرح المختار ٣ / ٩١ - ٩٣ ط مصطفى الحلبي ١٩٣٦، وفتح القدير ٥ / ٢٨٨ - ٢٩٤، والمغني لابن قدامة ٨ / ٥٠٩.
(٢) الشرح الصغير ١ / ٣٣٤ - ٣٣٥ ط الثانية بالمطبعة العامرة المليجية ١٣٣٥ هـ، والشرح الكبير ٢ / ٢٠١ - ٢٠٢.
(٣) المهذب في فقه الإمام الشافعي ٢ / ٢٥٢ - ٢٥٤.