الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٥
الْيَسَارِ وَالإِْعْسَارِ (١) وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (مَهْرٌ) .
إِعْذَارُ الْمَدِينِ:
٢٤ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّ الْمُوسِرَ إِذَا امْتَنَعَ مِنْ قَضَاءِ الدَّيْنِ فَإِنَّهُ يُحْبَسُ حَتَّى يُؤَدِّيَ الدَّيْنَ مُسْتَدِلِّينَ بِقَوْل رَسُول اللَّهِ ﷺ: لَيُّ الْوَاجِدِ ظُلْمٌ. يُحِل عُقُوبَتَهُ وَعِرْضَهُ (٢) فَعُقُوبَتُهُ حَبْسُهُ، وَعِرْضَهُ أَيْ يُحِل الْقَوْل بِالإِْغْلاَظِ لَهُ.
وَثُبُوتُ الْيَسَارِ يَكُونُ بِإِقْرَارِ الْمَدِينِ أَوْ بِالْبَيِّنَةِ، وَمُدَّةُ الْحَبْسِ مَحَل خِلاَفٍ كَمَا سَيَأْتِي.
وَإِذَا اخْتَلَفَ الدَّائِنُ وَالْمَدِينُ فِي الْيَسَارِ أَوِ الإِْعْسَارِ، فَفِي كُل مَذْهَبٍ تَفْصِيلاَتٌ وَأَحْكَامٌ.
وَإِذَا لَمْ يَثْبُتْ يَسَارُهُ وَلاَ إِعْسَارُهُ فَإِنَّهُ يُمْهَل لِلتَّحَقُّقِ مِنْ أَمْرِهِ، فَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ، وَإِنْ كَانَ مُوسِرًا عُوقِبَ بِالْحَبْسِ (٣) وَتَفْصِيلُهُ فِي (دَيْنٌ) .
الإِْعْذَارُ عِنْدَ الأَْخْذِ لِلاِضْطِرَارِ:
٢٥ - أَجْمَعَ فُقَهَاءُ الْمَذَاهِبِ عَلَى أَنَّ الأَْكْل لِلْغِذَاءِ وَالشُّرْبِ لِلْعَطَشِ - وَلَوْ مِنْ حَرَامٍ، أَوْ مَيْتَةٍ أَوْ مِنْ مَال غَيْرِهِ - فَرْضٌ يُثَابُ عَلَيْهِ، لِقَوْلِهِ ﷺ: إِنَّ اللَّهَ
_________
(١) فتح القدير ٣ / ٢٤٨ - ٢٤٩.
(٢) حديث: " لي الواجد يحل عقوبته وعرضه " أخرجه أحمد (٤ / ٢٢٢ - ط الميمنية) وأبو داود (سنن أبي داود ٤ / ٤٥، ٤٦ ط استنبول) وابن ماجه (٢ / ٨١١ - ط الحلبي) وصححه الحاكم، وأقره الذهبي (المستدرك ٤ / ١٠٢)، قال عبد القادر الأرناؤوط محقق جامع الأصول: إسناده حسن (جامع الأصول ٤ / ٤٥٤، ٤٥٥ نشر مكتبة الحلواني) .
(٣) أنفع الوسائل ٣٢٦ - ٣٢٧، والشرح الكبير مع الدسوقي ٣ / ٣٦٩، ٣٧٨، وأسنى المطالب ٢ / ١٨٦ - ١٨٨، والمغني ٤ / ٤٩٨ - ٥٠٠.
لَيُؤْجِرُ فِي كُل شَيْءٍ، حَتَّى اللُّقْمَةُ يَرْفَعُهَا الْعَبْدُ إِلَى فِيهِ (١) فَإِنْ تَرَكَ الأَْكْل وَالشُّرْبَ حَتَّى هَلَكَ فَقَدْ عَصَى، لأَِنَّ فِيهِ إِلْقَاءَ النَّفْسِ إِلَى التَّهْلُكَةِ، وَهُوَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ فِي مُحْكَمِ التَّنْزِيل بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلاَ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ (٢) وَالْقَدْرُ الْوَاجِبُ هُوَ مَا يَدْفَعُ بِهِ الإِْنْسَانُ الْهَلاَكَ عَنْ نَفْسِهِ، وَالْمُبَاحُ إِلَى الشِّبَعِ، وَمَا فَوْقَ ذَلِكَ فَحَرَامٌ.
وَأَجْمَعَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ مَنْ خَافَ الْمَوْتَ جُوعًا، وَمَعَ غَيْرِهِ طَعَامٌ زَائِدٌ عَنْ حَاجَتِهِ، أَخَذَ مِنْهُ قَدْرَ مَا يَسُدُّ جَوْعَتَهُ، وَكَذَا يَأْخُذُ مِنْهُ قَدْرَ مَا يَدْفَعُ الْعَطَشَ، فَإِنْ مَنَعَهُ أَخَذَهُ رَغْمًا عَنْهُ، فَإِنْ قَاتَلَهُ صَاحِبُ الطَّعَامِ فَلَهُ مُقَاتَلَتُهُ.
لَكِنْ عَلَى الْمُضْطَرِّ أَنْ يُعْذِرَ إِلَى صَاحِبِ الطَّعَامِ، فَيَقُول لَهُ: إِنْ لَمْ تُعْطِنِي قَاتَلْتُكَ عَلَيْهِ، فَإِنْ لَمْ يُعْطِهِ وَقَتَلَهُ، فَدَمُ صَاحِبِ الطَّعَامِ هَدَرٌ فِي صَرِيحِ مَذَاهِبِ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ. وَلَمْ يُصَرِّحِ الْحَنَفِيَّةُ بِحُكْمِ ذَلِكَ، وَلَكِنْ مُقْتَضَى قَوْلِهِمْ: أَنَّهُ يُبَاحُ لِلْمُضْطَرِّ قِتَال صَاحِبِ الطَّعَامِ أَنَّهُ إِنْ قَتَلَهُ فَلاَ شَيْءَ عَلَيْهِ. (٣)
مَنْ لَهُ حَقُّ الإِْعْذَارِ؟ وَبِمَ يَكُونُ؟ وَجَزَاءُ الْمُمْتَنِعِ؟
٢٦ - اتَّفَقَ فُقَهَاءُ الْمَذَاهِبِ عَلَى أَنَّ الإِْعْذَارَ إِلَى
_________
(١) حديث: " إن الله ليؤجر في كل شيء حتى اللقمة. . . ". أخرجه البخاري من حديث سعد بن أبي وقاص ﵁ بلفظ " وإنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت بها، حتى ما تجعل في فِي امرأتك " ومسلم بلفظ مقارب (فتح الباري ٣ / ١٦٤ ط السلفية، وصحيح مسلم ٣ / ١٢٥٠، ١٢٥١ ط عيسى الحلبي) .
(٢) سورة البقرة / ١٩٥.
(٣) ابن عابدين ٥ / ٢٩٦ وحاشية الدسوقي ٢ / ١١٥، وقليوبي وعميرة ٤ / ٢٦٣، والمغني ٨ / ٦٠٢، ٦٠٣، ونهاية المحتاج ٨ / ٢٦٧.
الْخَصْمِ هُوَ حَقُّ الْقَاضِي، فَلاَ يَمْلِكُ الْخَصْمُ إِجْبَارَ خَصْمِهِ عَلَى حُضُورِ مَجْلِسِ الْقَضَاءِ لِسَمَاعِ الْخُصُومَةِ مِنْ غَيْرِ أَمْرِ الْقَاضِي. لَكِنَّهُمْ قَالُوا: إِذَا طَلَبُ الْخَصْمُ مِنَ الْقَاضِي إِحْضَارَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَجَابَهُ إِلَى ذَلِكَ فِي حَالاَتٍ، وَفِي كُل مَذْهَبٍ تَفْصِيلٌ (١) يُنْظَرُ فِي مَوَاطِنِهِ مِنْ كِتَابِ الدَّعْوَى وَالْقَضَاءِ.
٢٧ - وَيُلْحَظُ أَنَّ مَا ذَكَرَهُ الْفُقَهَاءُ فِيمَنْ لَهُ حَقُّ الإِْعْذَارِ، وَفِي وَسِيلَتِهِ، وَجَزَاءُ الْمُمْتَنِعِ، الْقَصْدُ مِنْهُ إِعْلاَمُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِمَا ادُّعِيَ بِهِ عَلَيْهِ، وَقَطْعُ عُذْرِهِ لِئَلاَّ يَقُول بَعْدَ الْحُكْمِ عَلَيْهِ: إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ بِأَنَّ الأَْمْرَ سَيُؤَدِّي إِلَى مَا أَدَّى إِلَيْهِ مِنْ تَطْلِيقِ زَوْجَتِهِ، أَوْ إِلْزَامِهِ بِمَا ادُّعِيَ عَلَيْهِ مِنْ دَيْنٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ.
أَمَّا الْوَسَائِل الَّتِي ذَكَرَهَا الْفُقَهَاءُ لِلإِْعْذَارِ، وَكَيْفِيَّةُ ذَلِكَ فَإِنَّهَا تَتَّفِقُ وَمَا عُهِدَ فِي أَيَّامِهِمْ مِنْ إِجْرَاءَاتٍ، فَلَيْسَتْ مَبْنِيَّةً عَلَى نُصُوصٍ شَرْعِيَّةٍ وَاجِبَةِ الاِتِّبَاعِ، بَل هِيَ بِاجْتِهَادِهِمْ. وَقَدِ اسْتُحْدِثَتْ فِي هَذَا الْعَصْرِ وَسَائِل يُعْمَل بِهَا فِي الْمَحَاكِمِ، وَهِيَ تَتَّفِقُ وَمَا قَرَّرَهُ الْفُقَهَاءُ مِنْ قَصْدِ إِعْلاَمِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ. فَتُنِيطُ بِمُوَظَّفِينَ طَلَبَ إِعْلاَنِ الْخُصُومِ بِأَوْرَاقٍ رَسْمِيَّةٍ يُوَقِّعُ عَلَيْهَا نَفْسُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، أَوْ مَنْ يُقِيمُ مَعَهُ مِنْ زَوْجٍ أَوْ وَلَدٍ أَوْ خَادِمٍ، وَهُنَاكَ حَالاَتٌ يُسْتَدْعَى فِيهَا الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِوَاسِطَةِ الشُّرْطَةِ إِذَا امْتَنَعَ مِنَ الْحُضُورِ، وَحَالاَتٌ يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِغَرَامَةٍ مَالِيَّةٍ، وَالأَْصْل فِيهَا أَنَّهَا وَسَائِل مَشْرُوعَةٌ فَلاَ بَأْسَ مِنَ الْعَمَل بِهَا وَالسَّيْرِ عَلَيْهَا.
_________
(١) الفتاوى البزازية هامش الهندية ٢ / ٣٦٦، وحاشية البناني ٧ / ١٥٥، والمغني ٩ / ٦١ - ٦٢.
أَعْرَابٌ
اُنْظُرْ: بَدْوٌ.
أَعْرَجُ
التَّعْرِيفُ:
١ - الأَْعْرَجُ: مَنْ كَانَتْ بِهِ عِلَّةٌ لاَزِمَةٌ لَهُ فِي مِشْيَتِهِ. يُقَال: عَرَجَ فَهُوَ أَعْرَجُ (١) .
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:
٢ - اعْتَبَرَ الْعُلَمَاءُ الْعَرَجَ عَيْبًا يُرَدُّ بِهِ الْعَبْدُ فِي الْبَيْعِ، وَيَمْنَعُ الإِْجْزَاءَ فِي الأُْضْحِيَّةِ إِذَا كَانَ عَرَجًا بَيِّنًا. (٢)
كَمَا اعْتَبَرُوهُ فِي الأَْشْخَاصِ مِنَ الأَْعْذَارِ الَّتِي تُعْفِي مِنَ الْجِهَادِ. (٣) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَيْسَ عَلَى الأَْعْمَى حَرَجٌ وَلاَ عَلَى الأَْعْرَجِ حَرَجٌ﴾ (٤)
وَتَفْصِيلُهُ فِي: (الأُْضْحِيَّةِ، وَالْبَيْعِ، وَالْجِهَادِ) .
_________
(١) المصباح المنير، ولسان العرب مادة (عرج) .
(٢) الاختيار ١ / ١٧٣ ط دار المعرفة، والمغني ٨ / ٦٢٣ ط الرياض، ومواهب الجليل ٣ / ٢٤١، وقليوبي وعميرة ٤ / ٢٥١.
(٣) ابن عابدين ٣ / ٢٢١ ط بولاق، والمغني ٨ / ٣٤٧، والحطاب ٣ / ٣٤٩، وإعانة الطالبين ٤ / ١٩٤ ط مصطفى الحلبي
(٤) سورة النور / ٦١.
إِعْسَارٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الإِْعْسَارُ فِي اللُّغَةِ: مَصْدَرُ أَعْسَرَ، وَهُوَ ضِدُّ الْيَسَارِ، وَالْعُسْرُ: اسْمُ مَصْدَرٍ وَهُوَ الضِّيقُ وَالشِّدَّةُ وَالصُّعُوبَةُ، قَال تَعَالَى: ﴿سَيَجْعَل اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾ (١)
وَفِي التَّنْزِيل: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ (٢)
وَالْعُسْرَةُ: قِلَّةُ ذَاتِ الْيَدِ، وَكَذَلِكَ الإِْعْسَارُ. (٣)
وَفِي الاِصْطِلاَحِ: هُوَ عَدَمُ الْقُدْرَةِ عَلَى النَّفَقَةِ، أَوْ أَدَاءُ مَا عَلَيْهِ بِمَالٍ وَلاَ كَسْبَ. (٤)
وَقِيل: هُوَ زِيَادَةُ خَرْجِهِ عَنْ دَخْلِهِ (٥)، وَهُمَا تَعْرِيفَانِ مُتَقَارِبَانِ.
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الإِْفْلاَسُ:
٢ - الإِْفْلاَسُ مَعْنَاهُ فِي اللُّغَةِ: الاِنْتِقَال مِنْ حَالَةِ الْيُسْرِ إِلَى حَالَةِ الْعُسْرِ. وَفِي الاِصْطِلاَحِ: أَنْ يَكُونَ الدَّيْنُ الَّذِي عَلَى الشَّخْصِ أَكْثَرَ مِنْ مَالِهِ، فَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الإِْعْسَارِ أَنَّ الإِْفْلاَسَ لاَ يَنْفَكُّ عَنْ دَيْنٍ،
_________
(١) سورة الطلاق / ٧.
(٢) سورة البقرة / ٢٨٠.
(٣) لسان العرب، والصحاح مادة (عسر) .
(٤) المهذب في فقه الإمام الشافعي ٢ / ١٦٦٢.
(٥) قليوبي وعميرة ٤ / ٧٠.
أَمَّا الإِْعْسَارُ فَقَدْ يَكُونُ عَنْ دَيْنٍ أَوْ عَنْ قِلَّةِ ذَاتِ الْيَدِ.
ب - الْفَقْرُ:
٣ - الْفَقْرُ: لُغَةً الْحَاجَةُ، وَفِي الاِصْطِلاَحِ عَرَّفَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ الْفَقِيرَ: بِأَنَّهُ الَّذِي لاَ شَيْءَ لَهُ، وَالْمِسْكِينُ: الَّذِي لَهُ بَعْضُ مَا يَكْفِيهِ، وَعَرَّفَهُمَا بَعْضُهُمْ بِعَكْسِهِ. هَذَا إِذَا اجْتَمَعَا، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ (١) أَمَّا إِذَا افْتَرَقَا بِأَنْ ذُكِرَ أَحَدُهُمَا دُونَ الآْخَرِ، فَإِنَّ أَحَدَهُمَا يَدُل عَلَى مُطْلَقِ الْحَاجَةِ (٢) .
مَا يَثْبُتُ بِهِ الإِْعْسَارُ:
٤ - يَثْبُتُ الإِْعْسَارُ بِأُمُورٍ مِنْهَا:
أ - إِقْرَارُ الْمُسْتَحِقِّ (صَاحِبُ الدَّيْنِ) فَإِذَا أَقَرَّ أَنَّ مَدِينَهُ مُعْسِرٌ فَإِنَّهُ يُؤْخَذُ بِإِقْرَارِهِ، وَيُخَلَّى سَبِيل الْمَدِينِ، لأَِنَّهُ اسْتَحَقَّ الإِْنْظَارَ بِالنَّصِّ. لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ (٣) .
وَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ مُلاَزَمَتُهُ خِلاَفًا لِلْحَنَفِيَّةِ حَيْثُ قَالُوا: لاَ يُمْنَعُ مِنْ مُلاَزَمَتِهِ (٤) .
ب - وَيَثْبُتُ الإِْعْسَارُ بِأَدِلَّةٍ أُخْرَى كَالشَّهَادَةِ وَالْيَمِينِ وَالْقَرَائِنِ وَغَيْرِ ذَلِكَ. (٥)
_________
(١) سورة التوبة / ٦٠.
(٢) الشرح الصغير ١ / ٦٥٧ ط دار المعارف.
(٣) سورة البقرة / ٢٨٠.
(٤) الاختيار شرح المختار للموصلي ١ / ٢٦٠ ط مصطفى البابي الحلبي ١٩٣٦، وحاشية الجمل على شرح المنهج ٣ / ٣٢١، والشرح الكبير ٣ / ٢٨٠، والمغني ٤ / ٤٩٩ ط الرياض الحديثة.
(٥) ابن عابدين ٤ / ٣٧٠، ٦٥١ - ٦٥٣، وفتح القدير ٦ / ٤٤٦ - ٤٤٧، والشرح الكبير ٣ / ٢٨٠، ٤ / ١٨٥ - ١٨٩، ١٩٥ - ١٩٨ والتبصرة لابن فرحون المالكي ١ / ١٣٠ وما بعدها، والمهذب في فقه الإمام الشافعي ٢ / ٣٢٤، ٣٣٠ وما بعدها، والمغني لابن قدامة ٤ / ١٥٠ وما بعدها ط الرياض الحديثة.
وَتَفْصِيل ذَلِكَ يُرْجَعُ إِلَيْهِ فِي مُصْطَلَحِ (إِثْبَاتٌ) .
آثَارُ الإِْعْسَارِ
أَوَّلًا: آثَارُ الإِْعْسَارِ فِي حُقُوقِ اللَّهِ الْمَالِيَّةِ:
أ - أَثَرُ الإِْعْسَارِ فِي سُقُوطِ الزَّكَاةِ بَعْدَ وُجُوبِهَا:
٥ - قَدْ يَكُونُ سَبَبُ الإِْعْسَارِ تَلَفَ الْمَال الَّذِي فِيهِ الزَّكَاةُ عَلَى وَجْهٍ يَصِيرُ بِهِ الْمُزَكِّي مُعْسِرًا. وَعَلَى هَذَا إِذَا لَمْ يَكُنْ لَدَى الْمُزَكِّي غَيْرُ الْمَال التَّالِفِ فَهُوَ مُعْسِرٌ بِحَقِّ الزَّكَاةِ، فَيَثْبُتُ فِي ذِمَّتِهِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، خِلاَفًا لِلْحَنَفِيَّةِ. (١)
وَتَفْصِيلُهُ فِي (الزَّكَاةِ) .
ب - أَثَرُ الإِْعْسَارِ فِي مَنْعِ وُجُوبِ الْحَجِّ ابْتِدَاءً:
٦ - أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ الْحَجَّ لاَ يَجِبُ إِلاَّ عَلَى الْمُسْتَطِيعِ، وَمِنَ الاِسْتِطَاعَةِ الْقُدْرَةُ الْمَالِيَّةُ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ (٢) وَسُئِل النَّبِيُّ ﷺ عَنِ السَّبِيل فَقَال: الزَّادُ وَالرَّاحِلَةُ (٣) .
_________
(١) فتح القدير ٢ / ١٥٢ - ١٥٤، والمهذب ١ / ١٤٧، ١٥١، وكشاف القناع ٢ / ١٦٣، ٦٨٥ ط أنصار السنة، والمغني لابن قدامة ٢ / ٦٧٩ - ٦٨٢ ط الرياض الحديثة.
(٢) سورة آل عمران / ٩٧.
(٣) حديث: " سئل عن السبيل. . . " أخرجه الدارقطني من حديث جابر، ومن حديث علي بن أبي طالب، ومن حديث ابن مسعود، ومن حديث عائشة، ومن حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، قال المباركفوري: طرقه كلها ضعيفة، وأخرجه الترمذي وحسنه، والبيهقي من حديث ابن عمر ﵄ وفي إسناديهما إبراهيم الخوزي، قال عنه المباركفوري: هو متروك الحديث، ورواه البيهقي عن الحسن البصري مرسلا قال أبو بكر بن المنذر: لا يثبت الحديث في ذلك مسندا، والصحيح من الروايات رواية الحسن المرسلة (سنن الدارقطني ٢ / ٢١٥ - ٢١٨ ط شركة الطباعة الفنية، وتحفة الأحوذي ٣ / ٥٤٢، ٥٤٣ نشر السلفية، وسنن البيهقي ٤ / ٣٢٧ ط الهند) .
فَمَنْ لَمْ يَجِدِ الزَّادَ وَالرَّاحِلَةَ يَكُونُ مُعْسِرًا، فَلاَ يَجِبُ عَلَيْهِ الْحَجُّ ابْتِدَاءً.
وَصَرَّحَ الْحَنَابِلَةُ بِأَنَّ الْمُعْسِرَ لَوْ تَكَلَّفَ الْحَجَّ بِدُونِ إِلْحَاقِ ضَرَرٍ بِغَيْرِهِ، مِثْل أَنْ يَمْشِيَ وَيَكْتَسِبَ بِصِنَاعَتِهِ، أَوْ مُعَاوَنَةِ مَنْ يُنْفِقُ عَلَيْهِ، وَلاَ يَسْأَل النَّاسَ، اسْتُحِبَّ لَهُ الْحَجُّ. وَاسْتَدَلُّوا لِذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُل ضَامِرٍ﴾ (١)
فَقَدَّمَ ذِكْرَ الرِّجَال وَهُمُ الْمُشَاةُ.
أَمَّا مَنْ بَلَغَ وَاسْتَطَاعَ الْحَجَّ فَلَمْ يَحُجَّ ثُمَّ أَعْسَرَ، ثَبَتَ فِي ذِمَّتِهِ الْحَجُّ، وَعَلَيْهِ أَدَاؤُهُ إِذَا أَيْسَرَ، وَيَأْثَمُ إِذَا مَاتَ وَلَمْ يُؤَدِّهِ، فَإِنْ أَوْصَى وَلَهُ تَرِكَةٌ وَجَبَ الإِْحْجَاجُ عَنْهُ قَبْل تَقْسِيمِ التَّرِكَةِ. (٢)
ج - أَثَرُ الإِْعْسَارِ فِي سُقُوطِ النَّذْرِ:
٧ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ إِنْ نَذَرَ التَّصَدُّقَ بِشَيْءٍ، وَلَيْسَ فِي مِلْكِهِ إِلاَّ أَقَل مِنْهُ، لاَ يَلْزَمُهُ غَيْرُهُ، لأَِنَّ النَّذْرَ بِمَا لاَ يَمْلِكُ لاَ يَصِحُّ. (٣)
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ مَنْ نَذَرَ مَا لاَ يَمْلِكُ لَزِمَهُ إِنْ قَدَرَ عَلَيْهِ، فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ لَزِمَهُ بَدَلُهُ أَوْ بَدَل بَدَلِهِ، فَلَوْ نَذَرَ بَدَنَةً لَزِمَتْهُ، فَإِنْ أَعْسَرَ عَنْهَا فَبَقَرَةٌ، فَإِنْ أَعْسَرَ عَنْهَا فَسَبْعُ شِيَاهٍ، فَلَوْ قَدَرَ عَلَى مَا دُونَ
_________
(١) سورة الحج / ٢٧.
(٢) المغني ٣ / ٢١٩ ط الرياض، وكشاف القناع ٢ / ٣٩٣ ط الرياض، ونهاية المحتاج ٣ / ٢٤٥ ط المكتبة الإسلامية. والدر المختار وحاشية ابن عابدين ٢ / ٢٤٢، وجواهر الإكليل ١ / ١٦٦
(٣) الاختيار شرح المختار ٣ / ٣٣، ٣٤ ط مصطفى البابي الحلبي ١٩٣٦، والمهذب ١ / ٢٤٩، ٢٥٣.
السَّبْعَةِ مِنَ الْغَنَمِ فَإِنَّهُ لاَ يَلْزَمُهُ إِخْرَاجُ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلاَمِ خَلِيلٍ وَالْمَوَّاقِ، وَفِي كَلاَمِ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ إِخْرَاجُ مَا دُونَ السَّبْعَةِ مِنَ الْغَنَمِ، ثُمَّ يُكَمِّل مَا بَقِيَ مَتَى أَيْسَرَ، لأَِنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَأْتِيَ بِهَا كُلِّهَا فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ. (١)
وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: مَنْ نَذَرَ طَاعَةً لاَ يُطِيقُهَا، أَوْ كَانَ قَادِرًا عَلَيْهَا فَعَجَزَ عَنْهَا فَعَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ، لِمَا رَوَى عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ ﵁ قَال: نَذَرَتْ أُخْتِي أَنْ تَمْشِيَ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ حَافِيَةً، فَأَمَرَتْنِي أَنْ أَسْتَفْتِيَ لَهَا رَسُول اللَّهِ ﷺ فَاسْتَفْتَيْتُهُ فَقَال: لِتَمْشِ وَلْتَرْكَبْ (٢) .
وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: لاَ نَذْرَ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ، وَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ.
قَال: وَمَنْ نَذَرَ نَذْرًا لاَ يُطِيقُهُ فَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ (٣)
د - أَثَرُ الإِْعْسَارِ فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ:
٨ - إِذَا حَنِثَ الْحَالِفُ فِي الأَْيْمَانِ فَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَْيْمَانَ﴾ (٤) إِنْ شَاءَ أَعْتَقَ رَقَبَةً، وَإِنْ شَاءَ أَطْعَمَ عَشَرَةَ مَسَاكِينَ أَوْ كَسَاهُمْ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ مُتَتَابِعَاتٍ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ
_________
(١) جواهر الإكليل ١ / ٢٤٤.
(٢) حديث عقبة بن عامر قال: " نذرت أختي أن تمشي إلى بيت الله حافية. . . " أخرجه البخاري (الفتح ٤ / ٧٩ ط السلفية) ومسلم ٣ / ١٢٦٤ ط الحلبي) .
(٣) لمغني لابن قدامة ٩٩ / ٩، ٣٠ - ٣١ ط الرياض الحديثة. وحديث عائشة أن النبي ﷺ قال: " لا نذر في معصية الله. . . " أخرجه أحمد (٦ / ٢٤٧ - ط الميمنية) وإسناده صحيح.
(٤) سورة البقرة / ٢٢٥.
كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ (١) عَلَى التَّخْيِيرِ بَيْنَهَا ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ﴾ وَقَرَأَ ابْنُ مَسْعُودِ ﵁ (ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ مُتَتَابِعَاتٍ) وَقِرَاءَتُهُ مَعَ شُذُوذِهَا عِنْدَ الْقُرَّاءِ هِيَ كَالْخَبَرِ الْمَشْهُورِ مِنْ حَيْثُ الرِّوَايَةُ.
فَمُقْتَضَى هَذَا أَنَّ الإِْعْسَارَ بِالْعِتْقِ أَوِ الإِْطْعَامِ أَوِ الْكِسْوَةِ يَنْتَقِل بِهِ الْمُعْسِرُ إِلَى الصِّيَامِ. (&# x٦٦٢ ;)
هـ - الإِْعْسَارُ بِقِيمَةِ الْمَاءِ لِلْوُضُوءِ وَالْغُسْل:
٩ - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَجِدِ الْمَاءَ مُرِيدُ الْوُضُوءِ وَالْغُسْل إِلاَّ أَنْ يَشْتَرِيَهُ بِثَمَنِ الْمِثْل وَقَدَرَ عَلَيْهِ فَإِنَّ عَلَيْهِ أَنْ يَشْتَرِيَهُ، وَلاَ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَشْتَرِيَهُ بِأَكْثَرَ، وَالْكَثِيرُ مَا فِيهِ غَبْنٌ فَاحِشٌ، وَفِي مِقْدَارِ الْغَبْنِ خِلاَفٌ وَتَفْصِيلٌ، وَأَوْلَى مَا قِيل فِيهِ: إِنَّهُ مَا لاَ يَدْخُل تَحْتَ تَقْوِيمِ الْمُقَوِّمِينَ.
وَعَلَى هَذَا فَإِنْ أَعْسَرَ بِمَا لَزِمَهُ شِرَاءُ الْمَاءِ بِهِ، فَإِنَّهُ يَتَيَمَّمُ وَلَوْ كَانَ الْمَاءُ مَوْجُودًا. (٣)
و أَثَرُ الإِْعْسَارِ فِي الْفِدْيَةِ:
١٠ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَبَعْضُ الْحَنَابِلَةِ إِلَى أَنَّهُ إِذَا
_________
(١) سورة المائدة / ٨٩.
(٢) الاختيار شرح المختار ٣ / ٤ - ٥ ط مصطفى البابي الحلبي ١٩٣٦، ونصب الراية ٣ / ٢٩٦، والمهذب في فقه الإمام الشافعي ٢ / ١٣٠، ١٤١ - ١٤٢، والشرح الكبير ٢ / ١٣١ - ١٣٣، وشرح الزرقاني على مختصر خليل ٣ / ٥٧ - ٥٩، ونيل المآرب بشرح دليل الطالب ٢ / ١٦٤ - ١٦٦، ومنار السبيل في شرح الدليل ٢ / ٤٣٥، ٤٣٩.
(٣) الاختيار ١ / ١٢، والمهذب ١ / ٢٣، وقليوبي وعميرة ١ / ٨٠ - ٨١، والذخيرة للقرافي ص ٣٤٣ - ٣٤٤، والشرح الصغير وحاشية الصاوي عليه ١ / ٦٥ - ٦٦، والشرح الكبير ١ / ١٥٢، ١٥٣، وجواهر الإكليل ١ / ٢٧، ١٤٦، وابن عابدين ٢ / ١١٩، وتحفة المحتاج ٣ / ٤٤٠، والمغني ١ / ٢٤٠، ٣ / ١٤١، ونيل المآرب ١ / ٢٣، والإنصاف ٣ / ٢٩١، وكشاف القناع ٢ / ٣١٠ ط الرياض.