الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٥ الصفحة 40

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٥

بِغَيْرِ السِّلاَحِ (١) . عَلَى خِلاَفٍ وَتَفْصِيلٍ فِي الْمَذَاهِبِ يُرْجَعُ إِلَيْهِ فِي مُصْطَلَحِ (اضْطِرَارٌ) .

آثَارُ الإِْعَانَةِ:

يَتَرَتَّبُ عَلَى الإِْعَانَةِ آثَارٌ مِنْهَا:

أ - الأَْجْرُ عَلَى الإِْعَانَةِ:

١٥ - الأَْجْرُ عَلَى الإِْعَانَةِ إِمَّا أُخْرَوِيٌّ، وَهُوَ عَلَى الْوَاجِبِ وَالْمُسْتَحَبِّ مِنْهَا، وَإِمَّا دُنْيَوِيٌّ. فَإِنَّ الإِْعَانَةَ مِنَ التَّبَرُّعَاتِ، وَالأَْصْل أَنَّهُ لاَ يُسْتَحَقُّ عَلَيْهَا أَجْرٌ، سَوَاءٌ أَكَانَتْ بِرًّا لِلْوَالِدَيْنِ مِثْل إِعَانَةِ الْوَلَدِ لِوَالِدِهِ، أَمْ لِلنَّاسِ مِثْل إِعَانَةِ الْمُحْتَاجِ بِالْقَرْضِ وَالصَّدَقَةِ وَالْكَفَالَةِ (٢) .

وَقَدْ يَأْخُذُ الْمُعِينُ أَجْرًا عَلَى بَعْضِ الأَْعْمَال الَّتِي يُؤَدِّي فِيهَا فِعْلًا مُعَيَّنًا مِثْل الْوَكَالَةِ، وَهِيَ مَشْرُوعَةٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ.

وَلِتَفْصِيل ذَلِكَ يُرْجَعُ إِلَى تِلْكَ الأَْبْوَابِ فِي كُتُبِ الْفِقْهِ وَفِي مُصْطَلَحَاتِهَا (٣) .

ب - الْعِقَابُ عَلَى الإِْعَانَةِ:

١٦ - لَمْ يَذْكُرِ الْعُلَمَاءُ عُقُوبَاتٍ مُعَيَّنَةً لِلإِْعَانَةِ عَلَى الْمُحَرَّمِ، غَيْرَ أَنَّهُمْ قَالُوا بِالتَّعْزِيرِ عَلَى الذُّنُوبِ الَّتِي لَمْ

_________

(١) ابن عابدين ٥ / ٢٨٣، والدسوقي ٢ / ١١٦، ١١٧، وجواهر الإكليل ١ / ٢١٨، ومغني المحتاج ٤ / ٣٠٨، ٣٠٩، ومطالب أولي النهى ٦ / ٣١٩.

(٢) الاختيار ١ / ١١٨، ٢ / ١٥٦، ١٦٦، ٣ / ٤٨ ط المعرفة، والمغني ٤ / ٥٣٤، ٥ / ٥٩١ ط الرياض، وجواهر الإكليل ٢ / ٧٥، ١٢٥، ٢١١ ط شقرون، ونهاية المحتاج ٤ / ٤٣٩، ٥ / ٤٠١، ٦ / ١٤٩ ط مصطفى الحلبي.

(٣) الاختيار ٢ / ٥٠، ١٥٦، والمغني ٥ / ٧٩، ٣٩٧، وجواهر الإكليل ٢ / ١٢٥، ١٤٥، ونهاية المحتاج ٥ / ١٤، ٢٥٨.

تُشْرَعْ فِيهَا الْحُدُودُ (١)، لأَِنَّ دَرْءَ الْمُفْسِدِينَ مُسْتَحَبٌّ فِي الْعُقُول (٢)، فَيَجِبُ عَلَى الْحَاكِمِ دَرْءُ الْفَسَادِ بِرَدْعِ الْمُفْسِدِينَ وَمَنْ يُعِينُهُمْ عَلَى ذَلِكَ بِتَعْزِيرِهِمْ بِمَا يَتَنَاسَبُ مَعَ تِلْكَ الإِْعَانَةِ الْمُحَرَّمَةِ.

أَمَّا عَنِ الإِْثْمِ الأُْخْرَوِيِّ الْمُتَرَتِّبِ عَلَى الإِْعَانَةِ فِي الْحَرَامِ، فَقَدْ وَرَدَتْ فِي ذَلِكَ آثَارٌ كَثِيرَةٌ: مِنْهَا مَا رَوَى جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال لِكَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ ﵁: أَعَاذَكَ اللَّهُ مِنْ إِمَارَةِ السُّفَهَاءِ. قَال: وَمَا إِمَارَةُ السُّفَهَاءِ؟ قَال: أُمَرَاءُ يَكُونُونَ بَعْدِي، لاَ يَهْتَدُونَ بِهَدْيِي، وَلاَ يَسْتَنُّونَ بِسُنَّتِي، فَمَنْ صَدَّقَهُمْ بِكَذِبِهِمْ، وَأَعَانَهُمْ عَلَى ظُلْمِهِمْ، فَأُولَئِكَ لَيْسُوا مِنِّي وَلَسْتُ مِنْهُمْ، وَلاَ يَرِدُونَ عَلَيَّ حَوْضِي، وَمَنْ لَمْ يُصَدِّقْهُمْ بِكَذِبِهِمْ، وَلَمْ يُعِنْهُمْ عَلَى ظُلْمِهِمْ، فَأُولَئِكَ مِنِّي وَأَنَا مِنْهُمْ، وَسَيَرِدُونَ عَلَيَّ حَوْضِي، يَا كَعْبُ بْنُ عُجْرَةَ: إِنَّهُ لاَ يَدْخُل الْجَنَّةَ لَحْمٌ نَبَتَ مِنْ سُحْتٍ، النَّارُ أَوْلَى بِهِ. يَا كَعْبُ بْنُ عُجْرَةَ: النَّاسُ غَادِيَانِ، فَمُبْتَاعٌ نَفْسَهُ فَمُعْتِقُهَا، وَبَائِعٌ نَفْسَهُ فَمُوبِقُهَا (٣) .

١٧ - نَصَّ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ عَلَى أَنَّ الْمُعِينَ عَلَى الْجَرِيمَةِ يَأْخُذُ حُكْمَ الأَْصِيل فِي بَعْضِ الأَْحْوَال، كَالرَّبِيئَةِ، وَمُقَدِّمِ السِّلاَحِ، وَالْمُمْسِكِ لِلْقَتْل، وَالرِّدْءِ وَنَحْوِهِمْ. وَيُرْجَعُ إِلَى ذَلِكَ فِي مَبَاحِثِ الْجِنَايَاتِ

_________

(١) الأحكام السلطانية للماوردي ص ٢٣٦ ط مصطفى الحلبي.

(٢) إعلام الموقعين ٢ / ١٠٢ ط محيي الدين.

(٣) حديث جابر بن عبد الله ﵄ أن النبي ﷺ قال لكعب بن عجرة: " أعاذك الله من إمارة السفهاء. . . ". أخرجه أحمد والبزار. قال الهيثمي: رجالهما رجال الصحيح (مسند أحمد بن حنبل ٣ / ٣٢١ ط الميمنية، وكشف الأستار عن زوائد البزار ٢ / ٢٤١ ط مؤسسة الرسالة، ومجمع الزوائد ٥ / ٢٤٧ نشر مكتبة القدسي) .

وَالْمِيرَاثِ وَغَيْرِهَا.

ج - الضَّمَانُ:

١٨ - مَنْ تَرَكَ الإِْعَانَةَ الْوَاجِبَةَ قَدْ يَلْحَقُهُ الضَّمَانُ. قَال الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: إِذَا تَرَكَ إِنْسَانٌ إِعَانَةَ مُضْطَرٍّ فَمَنَعَ عَنْهُ الطَّعَامَ حَتَّى مَاتَ، فَإِذَا لَمْ يَقْصِدْ ذَلِكَ فَعَلَيْهِ الضَّمَانُ، وَإِنْ قَصَدَهُ فَعَمْدٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ.

وَصَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ، بِجَوَازِ قِتَال الْمَانِعِينَ لِلطَّعَامِ وَالشَّرَابِ - غَيْرِ الْمَحُوزِ - عَنِ الْمُضْطَرِّينَ لَهُ وَالْمُشْرِفِينَ عَلَى الْهَلاَكِ، لِمَا رُوِيَ أَنَّ قَوْمًا وَرَدُوا مَاءً فَسَأَلُوا أَهْلَهُ أَنْ يَدُلُّوهُمْ عَلَى الْبِئْرِ فَأَبَوْا، فَسَأَلُوهُمْ أَنْ يُعْطُوهُمْ دَلْوًا فَأَبَوْا أَنْ يُعْطُوهُمْ، فَقَالُوا لَهُمْ: إِنَّ أَعْنَاقَنَا وَأَعْنَاقَ مَطَايَانَا قَدْ كَادَتْ أَنْ تُقَطَّعَ فَأَبَوْا أَنْ يُعْطُوهُمْ. فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِعُمَرَ ﵁. فَقَال لَهُمْ عُمَرُ: فَهَلاَّ وَضَعْتُمْ فِيهِمُ السِّلاَحَ (١) . وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمُضْطَرَّ إِذَا مُنِعَ مِنَ الْمَاءِ، لَهُ أَنْ يُقَاتِل بِالسِّلاَحِ عَلَيْهِ. عَلَى أَنَّ الْحَنَفِيَّةَ لَمْ يُصَرِّحُوا بِضَمَانِ الْمُتَسَبِّبِ فِي هَلاَكِ الْعَطْشَانِ وَالْجَائِعِ، وَإِنْ كَانَتْ قَوَاعِدُهُمْ تَدُل عَلَى ذَلِكَ (ر: صِيَالٌ) .

وَمَنْ رَأَى خَطَرًا مُحْدِقًا بِإِنْسَانٍ، أَوْ عَلِمَ بِذَلِكَ وَكَانَ قَادِرًا عَلَى إِنْقَاذِهِ فَلَمْ يَفْعَل، فَقَدْ ذَهَبَ أَبُو الْخَطَّابِ مِنَ الْحَنَابِلَةِ إِلَى أَنَّهُ يَضْمَنُ، خِلاَفًا لِلْجُمْهُورِ الَّذِينَ رَبَطُوا الضَّمَانَ بِالْمُبَاشَرَةِ أَوِ التَّسَبُّبِ.

كَمَا يَضْمَنُ، حَامِل الْحَطَبِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ إِذَا تَرَكَ تَنْبِيهَ الأَْعْمَى وَمَنْ فِي مَعْنَاهُ حَتَّى تَرَتَّبَ عَلَى ذَلِكَ

_________

(١) سبق تخريجه في ف (٥) .

ضَرَرٌ لَهُ أَوْ لِثِيَابِهِ (١) .

هَذَا وَقَدْ يَجِبُ الضَّمَانُ فِي بَعْضِ عُقُودِ التَّبَرُّعَاتِ مِثْل الْكَفَالَةِ بِأَمْرِ الْمَكْفُول، فَيَضْمَنُ عِنْدَ عَجْزِ الْمَكْفُول الْمَدِينِ.

وَفِي الْوَكَالَةِ عِنْدَ التَّفْرِيطِ أَوِ التَّعَدِّي (٢)، وَهِيَ مِنَ الإِْعَانَاتِ. ر: (كَفَالَةٌ، وَكَالَةٌ) .

إِعْتَاقٌ

انْظُرْ: عِتْقٌ.

اعْتِبَارٌ

التَّعْرِيفُ:

١ - الاِعْتِبَارُ لُغَةً بِمَعْنَى الاِتِّعَاظِ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَْبْصَارِ﴾ (٣) . قَال الْخَلِيل: الْعِبْرَةُ الاِعْتِبَارُ بِمَا مَضَى أَيِ الاِتِّعَاظُ وَالتَّذَكُّرُ.

وَيَكُونُ الاِعْتِبَارُ بِمَعْنَى الاِعْتِدَادِ بِالشَّيْءِ فِي تَرَتُّبِ الْحُكْمِ (٤)، وَكَثِيرًا مَا يَسْتَعْمِلُهُ الْفُقَهَاءُ بِهَذَا الْمَعْنَى.

_________

(١) الدسوقي ٤ / ٢٤٢ ط دار الفكر، والجمل ٥ / ٧ ط إحياء التراث، والمغني ٩ / ٤٢١ ط مكتبة القاهرة، وقليوبي وعميرة ٤ / ٢١٢، والمبسوط ٢٣ / ١٦٦ ط المعرفة.

(٢) الاختيار ٢ / ١٥٦، ١٦٦، والحطاب ٥ / ٩٦، ١٨١ ط دار الفكر، وحواشي التحفة ٥ / ٢٥٧، ٢٩٤ ط دار صادر، والمغني ٤ / ٥٣٤، ٥٣٥، ٥ / ١٢٥.

(٣) سورة الحشر / ٢.

(٤) المصباح المنير ولسان العرب.

وَفِي الاِصْطِلاَحِ: عَرَّفَهُ الْجُرْجَانِيُّ فَقَال: هُوَ النَّظَرُ فِي الْحُكْمِ الثَّابِتِ أَنَّهُ لأَِيِّ مَعْنًى ثَبَتَ وَإِلْحَاقُ نَظِيرِهِ بِهِ. وَهَذَا عَيْنُ الْقِيَاسِ (١) .

الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:

٢ - الاِعْتِبَارُ بِمَعْنَى الْقِيَاسِ مَأْمُورٌ بِهِ شَرْعًا، فَقَدِ اسْتَدَل الْقَائِلُونَ بِثُبُوتِ التَّعَبُّدِ بِالْقِيَاسِ الشَّرْعِيِّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَْبْصَارِ﴾ فَقَدْ أَمَرَنَا اللَّهُ بِالاِعْتِبَارِ، وَالاِعْتِبَارُ رَدُّ الشَّيْءِ إِلَى نَظِيرِهِ وَهَذَا هُوَ الْقِيَاسُ، فَكَانَ مَأْمُورًا بِهِ بِهَذَا النَّصِّ، وَهُنَاكَ أَدِلَّةٌ كَثِيرَةٌ عَلَى حُجِّيَّةِ الْقِيَاسِ يُرْجَعُ فِي بَيَانِهَا وَتَفْصِيلِهَا وَالاِعْتِرَاضَاتِ عَلَيْهَا (٢) إِلَى الْمُلْحَقِ الأُْصُولِيِّ.

مَوَاطِنُ الْبَحْثِ:

٣ - اعْتِبَارَاتُ الشَّارِعِ فِي الأَْحْكَامِ لَهَا مَجَالاَتٌ يَذْكُرُهَا الأُْصُولِيُّونَ بِالتَّفْصِيل فِي: أَبْحَاثِ تَعْرِيفِ الْقِيَاسِ وَحُكْمِهِ، وَفِي مَسَالِكِ الْعِلَّةِ، وَفِي الْمَصَالِحِ الْمُرْسَلَةِ وَفِي السَّبَبِيَّةِ فِي الْحُكْمِ الْوَضْعِيِّ، وَيُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي الْمُلْحَقِ الأُْصُولِيِّ.

_________

(١) التعريفات للجرجاني / ٢٤ ط مصطفى الحلبي. وكشف الأسرار ٣ / ٢٧٥ ط دار الكتاب العربي، بيروت، والتلويح ٢ / ٥٤ ط صبيح، ومسلم الثبوت ٢ / ٣١٢ ط بولاق.

(٢) إرشاد الفحول للشوكاني / ٢٠٠ ط مصطفى الحلبي، وشرح البدخشي مع الأسنوي ٣ / ٩ ط صبيح، والتلويح ٢ / ٥٤، ومسلم الثبوت ٢ / ٣١٢، وكشف الأسرار ٣ / ٢٧٥.

اعْتِجَارٌ

التَّعْرِيفُ:

١ - الاِعْتِجَارُ فِي اللُّغَةِ: لَفُّ الْعِمَامَةِ عَلَى الرَّأْسِ مِنْ غَيْرِ إِدَارَةٍ تَحْتَ الْحَنَكِ. سَوَاءٌ أَأَبْقَى طَرَفَهَا عَلَى وَجْهِهِ أَمْ لَمْ يُبْقِهِ (١)؟ .

وَعَرَّفَهُ صَاحِبُ مَرَاقِي الْفَلاَحِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ بِقَوْلِهِ: هُوَ شَدُّ الرَّأْسِ بِالْمِنْدِيل، أَوْ تَكْوِيرُ عِمَامَتِهِ عَلَى رَأْسِهِ وَتَرْكُ وَسَطِهِ مَكْشُوفًا - أَيْ مَكْشُوفًا عَنِ الْعِمَامَةِ، لاَ مَكْشُوفَ الرَّأْسِ، وَقِيل: أَنْ يَنْتَقِبَ بِعِمَامَتِهِ فَيُغَطِّيَ أَنْفَهُ (٢) .

حُكْمُهُ التَّكْلِيفِيُّ:

٢ - نَصَّ الْحَنَفِيَّةُ صَرَاحَةً عَلَى كَرَاهَةِ الاِعْتِجَارِ فِي الصَّلاَةِ كَرَاهَةً تَحْرِيمِيَّةً، وَعَلَّلُوا ذَلِكَ بِأَنَّهُ فِعْلٌ مَا لَمْ يَرِدْ عَنِ الشَّرْعِ، وَقَالُوا: إِنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنِ الاِعْتِجَارِ فِي الصَّلاَةِ (٣) . وَوَرَدَ عَنِ الْحَنَابِلَةِ أَنَّهُ يُكْرَهُ تَنْزِيهًا لُبْسُ مَا لَمْ يُعْتَدْ لُبْسُهُ فِي الصَّلاَةِ، أَوْ مَا فِيهِ خِلاَفُ زِيِّ الْبَلَدِ الَّذِي هُوَ فِيهِ. فَإِنْ كَانَ الاِعْتِجَارُ غَيْرَ مُعْتَادٍ فَيَكُونُ عِنْدَهُمْ مَكْرُوهًا فِي الصَّلاَةِ كَرَاهَةً تَنْزِيهِيَّةً (٤) .

٣ - أَمَّا الاِعْتِجَارُ خَارِجَ الصَّلاَةِ لِلْحَيِّ أَوْ لِلْمَيِّتِ،

_________

(١) لسان العرب، والمصباح المنير مادة (عجر) .

(٢) مراقي الفلاح بحاشية الطحطاوي / ١٩٢ طبع المطبعة العثمانية.

(٣) مراقي الفلاح بحاشية الطحطاوي / ١٩٢.

(٤) مطالب أولي النهى ١ / ٣٥٠ طبع المكتب الإسلامي.

فَلَمْ يَتَعَرَّضِ الْفُقَهَاءُ - فِيمَا نَعْلَمُهُ - لِذَلِكَ بِصَرَاحَةٍ وَلَكِنِ الَّذِينَ كَرِهُوا الْعِمَامَةَ لِلْمَيِّتِ - كَمَا هُوَ الرَّاجِحُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ - فَإِنَّهُمْ يَكْرَهُونَ لَهُ الاِعْتِجَارَ بِالْعِمَامَةِ مِنْ بَابٍ أَوْلَى (١)، وَقَدْ ذَكَرَ الْفُقَهَاءُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ الْجَنَائِزِ، عِنْدَ كَلاَمِهِمْ عَلَى كَفَنِ الْمَيِّتِ.

اعْتِدَاءٌ

التَّعْرِيفُ:

١ - الاِعْتِدَاءُ فِي اللُّغَةِ وَفِي الاِصْطِلاَحِ: الظُّلْمُ وَتَجَاوُزُ الْحَدِّ (٢) . يُقَال: اعْتَدَى عَلَيْهِ إِذَا ظَلَمَهُ، وَاعْتَدَى عَلَى حَقِّهِ أَيْ جَاوَزَ إِلَيْهِ بِغَيْرِ حَقٍّ.

الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:

٢ - الاِعْتِدَاءُ حَرَامٌ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلاَ تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ (٣) .

أَمَّا مَا يَتَرَتَّبُ عَلَى الاِعْتِدَاءِ مِنْ أَثَرٍ، فَيَخْتَلِفُ: فَإِذَا كَانَ الْمُعْتَدِي حَيَوَانًا لاَ يَثْبُتُ عَلَى صَاحِبِهِ عُقُوبَةٌ وَلاَ ضَمَانٌ لِقَوْلِهِ ﵊ جُرْحُ الْعَجْمَاءِ جُبَارٌ (٤)، وَهَذَا - مَا لَمْ يَكُنْ صَاحِبُهُ مُتَهَاوِنًا أَوْ مُعْتَدِيًا بِتَحْرِيضِهِ وَإِغْرَائِهِ.

_________

(١) حاشية ابن عابدين ١ / ٥٧٨ والفتاوى الهندية ١ / ١٥٨، ومراقي الفلاح / ٣١٦، وحاشية العدوي على الخرشي ٢ / ١٢٧.

(٢) المصباح المنير، ولسان العرب، مادة: " عدا "

(٣) سورة البقرة / ١٩٠.

(٤) حديث: " جرح العجماء جبار " أخرجه البخاري ومسلم ومالك واللفظ له من حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعا (فتح الباري ٥ / ٣٣ ط السلفية، وصحيح مسلم ٣ / ١٣٣٤ ط عيسى الحلبي، والموطأ ٢ / ٨٦٨، ٨٦٩ عيسى الحلبي) .

أَمَّا الإِْنْسَانُ: فَإِنَّهُ يُفَرَّقُ فِيهِ بَيْنَ الْكَبِيرِ وَالصَّغِيرِ، إِذِ الْكَبِيرُ يَثْبُتُ عَلَيْهِ الْعُقُوبَةُ وَالضَّمَانُ، أَمَّا الصَّغِيرُ فَإِنَّهُ يَثْبُتُ عَلَيْهِ الضَّمَانُ دُونَ الْعُقُوبَةِ، وَكُل ذَلِكَ مُفَصَّلٌ فِي كِتَابِ الْجِنَايَاتِ مِنْ كُتُبِ الْفِقْهِ.

هَذَا، وَيَخْتَلِفُ الْحُكْمُ بِحَسَبِ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ الاِعْتِدَاءُ.

فَإِنْ وَقَعَ عَلَى نَفْسِ الإِْنْسَانِ أَوْ مَا دُونَهَا مِنْ جَسَدِهِ، فَعِنْدَئِذٍ يَجِبُ فِي عَمْدِهِ الْقِصَاصُ إِذَا تَوَفَّرَتْ شُرُوطُهُ، وَفِي خَطَئِهِ الضَّمَانُ بِالْمَال كَمَا هُوَ مُفَصَّلٌ فِي كِتَابِ الْجِنَايَاتِ.

وَإِنْ وَقَعَ عَلَى الْمَال، فَعِنْدَئِذٍ لاَ يَخْلُو الأَْمْرُ مِنْ أَنْ يَكُونَ بِطَرِيقِ السَّرِقَةِ، وَعِنْدَئِذٍ يَجِبُ قَطْعُ الْيَدِ (ر: سَرِقَةٌ) .

أَوْ يَكُونُ بِطَرِيقِ الْغَصْبِ، وَعِنْدَئِذٍ يَجِبُ الضَّمَانُ وَالتَّعْزِيرُ، كَمَا هُوَ مُفَصَّلٌ فِي كُتُبِ الْفِقْهِ فِي مَبَاحِثِ: الْغَصْبِ، وَالضَّمَانِ، وَالتَّعْزِيرِ.

وَإِنْ وَقَعَ الاِعْتِدَاءُ عَلَى حَقٍّ مِنَ الْحُقُوقِ، فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى كَحِفْظِ الْعَقِيدَةِ، وَالْعَقْل، وَالْعِرْضِ، وَأَرْضِ الإِْسْلاَمِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ، فَعُقُوبَتُهُ الْحَدُّ أَوِ التَّعْزِيرُ مَا هُوَ مُفَصَّلٌ فِي أَبْوَابِهِ.

وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ حَقًّا لِلْعَبْدِ كَعَدَمِ تَسْلِيمِ الأَْبِ ابْنَهُ الصَّغِيرَ إِلَى أُمِّهِ الْمُطَلَّقَةِ، لِتَقُومَ بِحَضَانَتِهِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ فَيَتَرَتَّبُ عَلَى ذَلِكَ الإِْجْبَارُ عَلَى أَدَاءِ الْحَقِّ أَوْ ضَمَانُهُ مَعَ التَّعْزِيرِ إِنْ رَأَى الْحَاكِمُ ذَلِكَ.

دَفْعُ الاِعْتِدَاءِ:

٣ - إِذَا وَقَعَ الاِعْتِدَاءُ فَلِلْمُعْتَدَى عَلَيْهِ أَنْ يَدْفَعَهُ مَا اسْتَطَاعَ إِلَى ذَلِكَ سَبِيلًا سَوَاءٌ أَكَانَ هَذَا الدَّفْعُ بِبَدَنِهِ كَمَا فَصَّل الْفُقَهَاءُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ: (الصِّيَال)

وَالْجِهَادِ) مِنْ كُتُبِ الْفِقْهِ، أَوْ بِمَالِهِ كَمَا إِذَا صَالَحَ الْمُسْلِمُونَ الْكُفَّارَ بِدَفْعِ شَيْءٍ مِنْ أَمْوَالِهِمْ لِئَلاَّ يَحْتَلُّوا بِلاَدَ الإِْسْلاَمِ، كَمَا هُوَ مَذْكُورٌ فِي كِتَابِ الْجِهَادِ مِنْ كُتُبِ الْفِقْهِ، وَكَمَا إِذَا أَعْطَى رَجُلٌ لآِخَرَ شَيْئًا مِنْ مَالِهِ لِيَدْفَعَهُ عَنْ عِرْضِهِ (١) . كَمَا ذَكَرَ ذَلِكَ الْفُقَهَاءُ أَثْنَاءَ كَلاَمِهِمْ عَنِ الرِّشْوَةِ.

وَدَفْعُ الاِعْتِدَاءِ عَنِ الْمُسْلِمِينَ وَاجِبٌ عَلَى كُل مُسْلِمٍ قَادِرٍ عَلَيْهِ كَمَا ذَكَرَ ذَلِكَ الْفُقَهَاءُ فِي كِتَابِ الْجِهَادِ.

اعْتِدَادٌ

انْظُرْ: عِدَّةٌ.

(

اعْتِدَالٌ

التَّعْرِيفُ:

١ - الاِعْتِدَال فِي اللُّغَةِ كَوْنُ الشَّيْءِ مُتَنَاسِبًا، أَوْ صَيْرُورَتُهُ كَذَلِكَ، فَإِذَا مَال شَيْءٌ فَأَقَمْتَهُ تَقُول: عَدَلْتُهُ فَاعْتَدَل.

وَلاَ يُفَرِّقُ أَهْل اللُّغَةِ بَيْنَ الاِعْتِدَال وَالاِسْتِقَامَةِ، وَالاِسْتِوَاءِ، فَهُمْ يَقُولُونَ: اسْتَقَامَ الشَّيْءُ إِذَا اسْتَوَى وَاعْتَدَل، وَيَقُولُونَ أَيْضًا اسْتَوَى الشَّيْءُ إِذَا اسْتَقَامَ وَاعْتَدَل (٢) .

_________

(١) مصنف عبد الرزاق ٨ / ١٤٩، والمحلى ٩ / ١٥٨، وأحكام القرآن للجصاص ٢ / ٤٣٣.

(٢) المصباح المنير، ولسان العرب، وتاج العروس، والصحاح، المواد: عدل، قوم، سوى.

وَيُطْلِقُ الْفُقَهَاءُ كَلِمَةَ الاِعْتِدَال عَلَى أَثَرِ الرَّفْعِ مِنَ الرُّكُوعِ أَوِ السُّجُودِ (١) .

الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ وَمَوَاطِنُ الْبَحْثِ:

٢ - ذَهَبَ الْجُمْهُورُ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ إِلَى أَنَّ الاِعْتِدَال مِنَ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ فَرْضٌ، وَالصَّحِيحُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّهُ سُنَّةٌ (٢) .

وَقَدْ تَكَلَّمَ الْفُقَهَاءُ عَنْ تَفْصِيلاَتٍ تَتَعَلَّقُ بِمَا يَتَحَقَّقُ بِهِ الاِعْتِدَال، وَوُجُوبِ الاِطْمِئْنَانِ فِي الاِعْتِدَال، وَسُنَّةِ رَفْعِ الْيَدَيْنِ فِي الاِعْتِدَال، وَالدُّعَاءُ فِيهِ دُعَاءُ قُنُوتٍ أَوْ غَيْرِهِ، كَمَا تَحَدَّثُوا عَنِ الشَّكِّ فِي تَمَامِ الاِعْتِدَال، وَالاِعْتِدَال بِغَيْرِ نِيَّةِ الاِعْتِدَال، كَاعْتِدَال الْمُصَلِّي خَوْفًا مِنْ سَبُعٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَعَنِ الْعَجْزِ عَنِ الاِعْتِدَال، وَعَنْ تَعَمُّدِ تَرْكِ الاِعْتِدَال، وَتَجِدُ ذَلِكَ كُلَّهُ مَبْسُوطًا فِي كِتَابِ الصَّلاَةِ مِنْ كُتُبِ الْفِقْهِ.

اعْتِرَافٌ

انْظُرْ: إِقْرَارٌ.

اعْتِصَارٌ

التَّعْرِيفُ:

١ - الاِعْتِصَارُ افْتِعَالٌ مِنَ الْعَصْرِ، وَمِنْ مَعَانِيهِ الْمَنْعُ

_________

(١) أسنى المطالب ١ / ١٥٨، ومواهب الجليل ١ / ٥٢٤، والمغني ١ / ٥١٣.

(٢) حاشية ابن عابدين ١ / ٣١٢ ط (أ) بولاق، والطحطاوي على مراقي الفلاح ١٤٥ - ١٤٦ ط بولاق.