الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٥ الصفحة 41

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٥

وَالْحَبْسُ، وَمِنْهَا اسْتِخْرَاجُ عَصِيرِ الْعِنَبِ وَنَحْوِهِ.

وَاعْتَصَرَ الْعَطِيَّةَ: ارْتَجَعَهَا. وَمِنْهُ قَوْل عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁: " إِنَّ الْوَالِدَ يَعْتَصِرُ وَلَدَهُ فِيمَا أَعْطَاهُ، وَلَيْسَ لِلْوَلَدِ أَنْ يَعْتَصِرَ مِنْ وَالِدِهِ (١)، فَشَبَّهَ أَخْذَ الْمَال مِنْهُ بِاسْتِخْرَاجِهِ مِنْ يَدِهِ بِالاِعْتِصَارِ (٢) .

أَمَّا اسْتِعْمَال الْفُقَهَاءِ، فَهُوَ كَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ عَرَفَةَ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ: ارْتِجَاعُ الْمُعْطِي عَطِيَّتَهُ دُونَ عِوَضٍ لاَ بِطَوْعِ الْمُعْطِي (٣)، أَيْ بِغَيْرِ رِضَى الْمَوْهُوبِ لَهُ. وَالاِعْتِصَارُ شَائِعٌ فِي عِبَارَاتِ الْمَالِكِيَّةِ، أَمَّا غَيْرُهُمْ فَيُعَبِّرُونَ عَنْهُ بِالرُّجُوعِ فِي الْهِبَةِ.

الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ وَمَوَاطِنُ الْبَحْثِ:

٢ - جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ عَلَى أَنَّ الاِعْتِصَارَ (الرُّجُوعُ فِي الْهِبَةِ) لَيْسَ مِنْ حَقِّ الْوَاهِبِ بَعْدَ الْقَبْضِ إِلاَّ لِلْوَالِدَيْنِ فِي الْجُمْلَةِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، وَلَهُمَا وَلِلأُْصُول عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ.

وَاسْتَدَل مَنْ مَنَعَ الرُّجُوعَ بِالْحَدِيثِ الثَّابِتِ، وَهُوَ قَوْلُهُ ﷺ: الْعَائِدُ فِي هِبَتِهِ كَالْكَلْبِ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ (٤) وَاسْتَدَل لِلاِسْتِثْنَاءِ بِقَوْلِهِ ﷺ: لاَ يَحِل لِرَجُلٍ أَنْ

_________

(١) الأثر عن عمر ﵁ " إن الوالد يعتصر ولده. . إلخ. " أخرجه البيهقي من طريق عبد الرزاق بلفظ: " كتب عمر بن الخطاب ﵁: يقبض الرجل من ولده ما أعطاه، ما لم يمت أو يستهلك، أو يقع فيه بين ". (السنن الكبرى للبيهقي ٦ / ١٧٩) .

(٢) لسان العرب المحيط، المصباح المنير، المغرب في ترتيب المعرب (مادة عصر)، وأثر عمر: " إن الوالد. . . "

(٣) الحطاب ٦ / ٦٣، والشرح الصغير ٤ / ١٥١.

(٤) حديث: " العائد في هبته كالكلب يعود في قيئه ". أخرجه البخاري من حديث ابن عباس ﵄ مرفوعا (فتح الباري ٢ / ٣٤٥ ط السلفية) .

يُعْطِيَ عَطِيَّةً أَوْ يَهَبَ هِبَةً فَيَرْجِعَ فِيهَا إِلاَّ الْوَالِدُ فِيمَا يُعْطِي وَلَدَهُ، وَمَثَل الَّذِي يُعْطِي الْعَطِيَّةَ ثُمَّ يَرْجِعُ فِيهَا كَمَثَل الْكَلْبِ يَأْكُل، فَإِذَا شَبِعَ قَاءَ، ثُمَّ عَادَ فِي قَيْئِهِ (١) وَمَا عَدَا الْوَالِدَ مُلْحَقٌ بِهِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَأَمَّا الْحَنَفِيَّةُ فَيَرَوْنَ الرُّجُوعَ لِلْوَاهِبِ - مَعَ الْكَرَاهَةِ التَّحْرِيمِيَّةِ - فِي الْهِبَةِ قَبْل الْقَبْضِ وَبَعْدَهُ إِلاَّ لِمَانِعٍ (٢) . وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي (هِبَةٌ) .

اعْتِقَادٌ

التَّعْرِيفُ:

١ - الاِعْتِقَادُ لُغَةً: مَصْدَرُ اعْتَقَدَ. وَاعْتَقَدْتُ كَذَا: عَقَدْتُ عَلَيْهِ الْقَلْبَ وَالضَّمِيرَ، وَقِيل: الْعَقِيدَةُ، مَا يَدِينُ الإِْنْسَانُ بِهِ (٣) .

وَاصْطِلاَحًا: يُطْلَقُ الاِعْتِقَادُ عَلَى مَعْنَيَيْنِ:

الأَْوَّل: التَّصْدِيقُ مُطْلَقًا، أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ جَازِمًا أَوْ غَيْرَ جَازِمٍ، مُطَابِقًا أَوْ غَيْرَ مُطَابِقٍ، ثَابِتًا أَوْ غَيْرَ ثَابِتٍ.

الثَّانِي: أَحَدُ أَقْسَامِ الْعِلْمِ، وَهُوَ الْيَقِينُ،

_________

(١) الكافي لابن عبد البر ٢ / ١٠٠٤ ط أولى، والإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع ٣ / ١٠٨ ط م الحلبي، ومغني المحتاج ٢ / ٤٠٢ ط دار إحياء التراث، وشرح منتهى الإرادات ٢ / ٥٢٥، والمغني ٥ / ٦٧١ ط الرياض. وحديث: " لا يحل أن يعطي عطية أو يهب هبة فيرجع فيها إلا الوالد فيما يعطي ولده. . . " أخرجه أبو داود من حديث ابن عمر وابن عباس ﵃ مرفوعا، وقال الحافظ ابن حجر في الفتح: رجاله ثقات (سنن أبي داود ٣ / ٨٠٨ - ٨١٠ ط إستنبول، وفتح الباري ٥ / ٢١١ ط السلفية) .

(٢) تحفة الفقهاء للسمرقندي ٣ / ٢٣١ ط دار الفكر.

(٣) المصباح المنير مادة (عقد) .

وَسَيَأْتِي تَعْرِيفُهُ (١) .

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:

أ - الاِعْتِنَاقُ:

٢ - مِنْ مَعَانِي الاِعْتِنَاقِ فِي اللُّغَةِ: جَعْل الرَّجُل يَدَيْهِ عَلَى عُنُقِ الآْخَرِ، وَمِنْهَا أَخْذُ الأَْمْرِ بِجِدٍّ، وَاسْتُعْمِل مُوَلَّدًا. فَقِيل اعْتَنَقَ دِينًا أَوْ نِحْلَةً (٢) . فَهُوَ أَعَمُّ مِنَ الاِعْتِقَادِ.

ب - الْعِلْمُ:

٣ - يُطْلَقُ الْعِلْمُ عَلَى مَعَانٍ: مِنْهَا الإِْدْرَاكُ مُطْلَقًا، تَصَوُّرًا كَانَ أَوْ تَصْدِيقًا، يَقِينِيًّا أَوْ غَيْرَ يَقِينِيٍّ. وَبِهَذَا الْمَعْنَى يَكُونُ الْعِلْمُ أَعَمَّ مِنَ الاِعْتِقَادِ مُطْلَقًا.

وَمِنْ مَعَانِي الْعِلْمِ الْيَقِينُ، وَبِهَذَا الْمَعْنَى يَكُونُ الْعِلْمُ أَخَصَّ مِنَ الاِعْتِقَادِ بِالْمَعْنَى الأَْوَّل، وَمُسَاوِيًا لَهُ بِالْمَعْنَى الثَّانِي، أَيِ الْيَقِينِ (٣) .

ج - الْيَقِينُ:

٤ - الْيَقِينُ هُوَ الاِعْتِقَادُ الْجَازِمُ الْمُطَابِقُ لِلْوَاقِعِ الثَّابِتِ، أَيِ الَّذِي لاَ يَقْبَل التَّشْكِيكَ (٤) . وَيُعَرِّفُهُ بَعْضُهُمْ بِأَنَّهُ عِلْمٌ يُورِثُ سُكُونَ النَّفْسِ وَثَلْجَ الصَّدْرِ بِمَا عَلِمَ، بَعْدَ حَيْرَةٍ وَشَكٍّ (٥) . وَالْيَقِينُ أَخَصُّ مِنَ الْعِلْمِ، وَمِنَ الاِعْتِقَادِ.

_________

(١) كشاف اصطلاحات الفنون ٤ / ٩٥٤.

(٢) لسان العرب، والمصباح المنير، والمعجم الوسيط في المادة.

(٣) المصباح المنير، والتعريفات للجرجاني / ١٣٥، والفروق في اللغة / ٧٣، واصطلاحات الفنون للتهانوي ص ١٠٥٥.

(٤) اصطلاحات الفنون للتهانوي ص ١٥٤٦.

(٥) جمع الجوامع ١ / ١٥٣، والمصباح المنير، والتعريفات للجرجاني في المادة، والفروق في اللغة ٩١ - ٩٣، واصطلاحات الفنون للتهانوي ٤ / ٩٥٤.

د - الظَّنُّ:

٥ - الظَّنُّ: هُوَ إِدْرَاكُ الطَّرَفِ الرَّاجِحِ مَعَ احْتِمَال النَّقِيضِ، وَقَدْ يُسْتَعْمَل فِي الْيَقِينِ وَالشَّكِّ، تَجَوُّزًا. فَالظَّنُّ مُبَايِنٌ لِلاِعْتِقَادِ بِمَعْنَى الْيَقِينِ (١) .

الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:

٦ - يَعْرِضُ لِحُكْمِ الاِعْتِقَادِ وُجُوهٌ:

أ - بِالنِّسْبَةِ لِلصِّحَّةِ وَالْفَسَادِ: يَنْقَسِمُ إِلَى قِسْمَيْنِ،

صَحِيحٌ وَفَاسِدٌ (٢) . فَالاِعْتِقَادُ الصَّحِيحُ، هُوَ مَا طَابَقَ الْوَاقِعَ، كَاعْتِقَادِ أَنَّ صَلاَةَ الضُّحَى مَنْدُوبَةٌ. وَالاِعْتِقَادُ الْفَاسِدُ هُوَ غَيْرُ الْمُطَابِقِ لِلْوَاقِعِ، كَاعْتِقَادِ الْفَلاَسِفَةِ أَنَّ الْعَالَمَ قَدِيمٌ.

ب - بِالنِّسْبَةِ لِلْحِل وَالْحُرْمَةِ: لاَ يَجُوزُ اعْتِقَادُ حُكْمٍ مِنَ الأَْحْكَامِ الْخَمْسَةِ عَلَى غَيْرِ مَا هُوَ عَلَيْهِ مِنْ فَرْضِيَّةٍ أَوْ سُنِّيَّةٍ أَوْ إِبَاحَةٍ أَوْ كَرَاهَةٍ أَوْ تَحْرِيمٍ، فَاعْتِقَادُ إِبَاحَةِ الْمُبَاحِ وَاجِبٌ مَثَلًا، فَلَوِ اعْتَقَدَهُ عَلَى غَيْرِ مَا هُوَ عَلَيْهِ فَذَلِكَ خَطَأٌ. وَيَتَعَلَّقُ الإِْثْمُ بِذَلِكَ الْخَطَأِ فِي الأُْمُورِ الْمَعْلُومَةِ مِنَ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ، وَمَا عَدَاهَا فَيُعْذَرُ بِالْجَهْل وَالْخَطَأِ فِيهَا، إِذَا أَخْطَأَ فِي الاِجْتِهَادِ، أَوْ أَخْطَأَ مُقَلِّدُهُ تَبَعًا لَهُ.

أَثَرُ الاِعْتِقَادِ فِي التَّصَرُّفَاتِ:

٧ - مَا يَعْتَقِدُهُ الْمُكَلَّفُ قُرْبَةً أَوْ مُبَاحًا فَإِذَا هُوَ بِخِلاَفِهِ، كَمَنْ فَعَل فِعْلًا يَظُنُّهُ قُرْبَةً أَوْ مُبَاحًا وَهُوَ مِنَ الْمَفَاسِدِ فِي نَفْسِ الأَْمْرِ، وَكَالْحَاكِمِ إِذَا حَكَمَ بِمَا اعْتَقَدَهُ حَقًّا بِنَاءً عَلَى الْحُجَجِ الشَّرْعِيَّةِ، أَوْ كَمَنْ

_________

(١) المراجع السابقة.

(٢) جمع الجوامع ١ / ١٥٢، أشرف المقاصد ١٢ ط الخيرية، وكشاف اصطلاحات الفنون للتهانوي ٤ / ٩٥٤ ط خياط.

يُصَلِّي عَلَى مُرْتَدٍّ يَعْتَقِدُهُ مُسْلِمًا، فَهَذَا خَطَأٌ مَعْفُوٌّ عَنْهُ، يُثَابُ فَاعِلُهُ عَلَى قَصْدِهِ، دُونَ فِعْلِهِ، وَكَذَلِكَ كُل مَا كَانَ حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى.

أَمَّا إِذَا قَصَدَ إِغَاثَةَ الْجَائِعِ، فَأَعْطَاهُ طَعَامًا فَاسِدًا، مُعْتَقِدًا أَنَّهُ صَحِيحٌ، فَمَاتَ مِنْهُ، وَكَذَلِكَ إِذَا وَطِئَ أَجْنَبِيَّةً يَعْتَقِدُهَا زَوْجَتَهُ فَإِنَّهُ لاَ يَأْثَمُ، وَيَلْزَمُهُ ضَمَانُ مَا أَتْلَفَ، وَيَلْزَمُهُ مَهْرُ الْمِثْل فِي الْوَطْءِ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ. وَتَخْتَلِفُ الأُْجُورُ بِاخْتِلاَفِ رُتَبِ الْمَصَالِحِ، فَإِذَا تَحَقَّقَتِ الأَْسْبَابُ وَالشَّرَائِطُ وَالأَْرْكَانُ فِي الْبَاطِنِ، فَإِنْ ثَبَتَ هَذَا فِي الظَّاهِرِ - يَتَرَتَّبُ عَلَى ذَلِكَ ثَوَابُ الآْخِرَةِ، وَإِنْ ثَبَتَ فِي الظَّاهِرِ مَا يُخَالِفُ الْبَاطِنَ أُثِيبَ الْمُكَلَّفُ عَلَى قَصْدِ الْعَمَل الْحَقِّ، وَلاَ يُثَابُ عَلَى عَمَلِهِ، لأَِنَّهُ خَطَأٌ، وَلاَ ثَوَابَ عَلَى الْخَطَأِ، وَلأَِنَّهُ مَفْسَدَةٌ وَلاَ ثَوَابَ عَلَى الْمَفَاسِدِ (١) . الْهَزْل وَالاِعْتِقَادُ:

٨ - الْهَازِل لاَ يَدْخُل فِي اعْتِقَادٍ بِهَزْلِهِ، وَلاَ يَخْرُجُ مِنْهُ بِهَذَا الْهَزْل. إِلاَّ أَنَّ الْمُسْلِمَ يَكْفُرُ بِالْهَزْل بِالْكُفْرِ، لاَ لِتَبَدُّل الاِعْتِقَادَاتِ، بَل لأَِنَّ الْهَزْل اسْتِخْفَافٌ بِالدِّينِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُل أَبِاَللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لاَ تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ (٢)

وَلِلتَّفْصِيل يُرْجَعُ إِلَى مُصْطَلَحِ (اسْتِخْفَافٌ) (وَرِدَّةٌ) .

_________

(١) قواعد الأحكام للعز بن عبد السلام ١ / ٢٣، ١١١ ط التجارية، والإيمان لابن تيمية ٣٩.

(٢) مسلم الثبوت ١ / ١٩٣، والإعلام بقواطع الإسلام ٢ / ٤١، والمغني ٨ / ١٥٠ ط السعودية، والحطاب ٦ / ٢٨٧، والصارم المسلول ٥٤٦، والآية من سورة التوبة / ٦٥، ٦٦.

اعْتِقَالٌ

انْظُرْ: احْتِبَاسٌ، أَمَانٌ.

اعْتِكَافٌ

التَّعْرِيفُ:

١ - الاِعْتِكَافُ لُغَةً: الاِفْتِعَال، مِنْ عَكَفَ عَلَى الشَّيْءِ عُكُوفًا وَعَكْفًا. مِنْ بَابَيْ: قَعَدَ، وَضَرَبَ. إِذَا لاَزَمَهُ وَوَاظَبَ عَلَيْهِ، وَعَكَفْتُ الشَّيْءَ: حَبَسْتُهُ.

وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ (١) . وَعَكَفْتُهُ عَنْ حَاجَتِهِ: مَنَعْتُهُ (٢) .

وَالاِعْتِكَافُ: حَبْسُ النَّفْسِ عَنِ التَّصَرُّفَاتِ الْعَادِيَّةِ.

وَشَرْعًا: اللُّبْثُ فِي الْمَسْجِدِ عَلَى صِفَةٍ مَخْصُوصَةٍ بِنِيَّةٍ (٣) .

_________

(١) سورة الفتح / ٢٥.

(٢) المصباح المنير مادة: (عكف) .

(٣) البجيرمي على المنهج ٢ / ٥٩١ ط المكتبة الإسلامية، وفتح القدير ٢ / ٣٠٥ ط دار إحياء التراث، وانظر الفتاوى الهندية ١ / ٢١١، والمغني ٢ / ١٨٣، والشرح الصغير ١ / ٧٢٥ ط دار المعارف، والإفصاح ١ / ١٧٠.

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:

أ - الْخَلْوَةُ:

٢ - الْخَلْوَةُ مِنْ خَلاَ الْمَكَانُ، إِذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ أَحَدٌ، وَلاَ شَيْءَ فِيهِ، وَهُوَ خَالٍ، وَمِنْهُ خَلْوَةُ الرَّجُل بِنَفْسِهِ إِذَا انْفَرَدَ.

وَالاِعْتِكَافُ قَدْ يَكُونُ مَعَ الآْخَرِينَ بِنَفْسِ الْمَكَانِ الْمُعَدِّ لِذَلِكَ، فَالْمُعْتَكِفُ قَدْ يَنْفَرِدُ بِنَفْسِهِ، وَقَدْ لاَ يَنْفَرِدُ.

ب - الرِّبَاطُ وَالْمُرَابَطَةُ:

٣ - الرِّبَاطُ هُوَ: الْحِرَاسَةُ بِمَحَلٍّ خِيفَ هُجُومُ الْعَدُوِّ مِنْهُ، أَوِ الْمَقَامُ فِي الثُّغُورِ لإِعْزَازِ الدِّينِ وَدَفْعِ الشَّرِّ عَنِ الْمُسْلِمِينَ (١) .

وَالاِعْتِكَافُ يَكُونُ فِي الثُّغُورِ وَغَيْرِهَا، وَالرِّبَاطُ لاَ يَكُونُ إِلاَّ فِي الثُّغُورِ، وَيَكُونُ فِي الْمَسْجِدِ وَغَيْرِهِ.

ج - الْجِوَارُ:

٤ - الْجِوَارُ هُوَ: الْمُلاَصَقَةُ فِي السُّكْنَى (٢)، وَيُسَمَّى الاِعْتِكَافُ جِوَارًا، لِقَوْل عَائِشَةَ ﵂ عَنِ اعْتِكَافِ رَسُول اللَّهِ ﷺ: وَهُوَ مُجَاوِرٌ فِي الْمَسْجِدِ (٣) .

وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ مَرْفُوعًا: كُنْتُ أُجَاوِرُ هَذِهِ الْعَشْرَ - يَعْنِي الأَْوْسَطَ - ثُمَّ قَدْ بَدَا لِي أَنْ أُجَاوِرَ هَذِهِ الْعَشْرَ الأَْوَاخِرَ، فَمَنْ كَانَ اعْتَكَفَ مَعِي

_________

(١) جواهر الإكليل ١ / ١٥٨، ٢٤٥ ط دار المعرفة، وابن عابدين ٣ / ٢١٧ ط بولاق.

(٢) المصباح المنير.

(٣) كشاف القناع ٢ / ٣٤٧ ط الرياض. وحديث عائشة ﵂. أخرجه البخاري (فتح الباري ٤ / ٢٧٣ ط السلفية) .

فَلْيَثْبُتْ فِي مُعْتَكَفِهِ (١) .

قَال مَالِكٌ (٢): الاِعْتِكَافُ وَالْجِوَارُ سَوَاءٌ إِلاَّ مَنْ نَذَرَ، مِثْل جِوَارِ مَكَّةَ، يُجَاوِرُ النَّهَارَ، وَيَنْقَلِبُ اللَّيْل إِلَى مَنْزِلِهِ، قَال: فَمَنْ جَاوَرَ مِثْل هَذَا الْجِوَارِ الَّذِي يَنْقَلِبُ فِيهِ اللَّيْل إِلَى مَنْزِلِهِ، فَلَيْسَ عَلَيْهِ فِي جِوَارِهِ صِيَامٌ.

فَالْجِوَارُ عَلَى هَذَا أَعَمُّ مِنَ الاِعْتِكَافِ، لأَِنَّهُ يَكُونُ فِي الْمَسْجِدِ وَغَيْرِهِ، وَيَكُونُ مَعَ الصِّيَامِ وَبِدُونِهِ.

حِكْمَةُ الاِعْتِكَافِ:

٥ - الاِعْتِكَافُ فِيهِ تَسْلِيمُ الْمُعْتَكِفِ نَفْسَهُ بِالْكُلِّيَّةِ إِلَى عِبَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى طَلَبَ الزُّلْفَى، وَإِبْعَادَ النَّفْسِ مِنْ شُغْل الدُّنْيَا الَّتِي هِيَ مَانِعَةٌ عَمَّا يَطْلُبُهُ الْعَبْدُ مِنَ الْقُرْبَى، وَفِيهِ اسْتِغْرَاقُ الْمُعْتَكِفِ أَوْقَاتَهُ فِي الصَّلاَةِ إِمَّا حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا، لأَِنَّ الْمَقْصِدَ الأَْصْلِيَّ مِنْ شَرْعِيَّةِ الاِعْتِكَافِ انْتِظَارُ الصَّلاَةِ فِي الْجَمَاعَاتِ، وَتَشْبِيهُ الْمُعْتَكِفِ نَفْسَهُ بِالْمَلاَئِكَةِ الَّذِينَ لاَ يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ، وَيُسَبِّحُونَ اللَّيْل وَالنَّهَارَ لاَ يَفْتُرُونَ (٣) .

حُكْمُهُ التَّكْلِيفِيُّ:

٦ - الاِعْتِكَافُ سُنَّةٌ، وَلاَ يَلْزَمُ إِلاَّ بِالنَّذْرِ، لَكِنِ

_________

(١) حديث: " كنت أجاور هذه العشر. . . " أخرجه البخاري ومسلم من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ مرفوعا (فتح الباري ٤ / ٥٩ ط السلفية، وصحيح مسلم ٢ / ٨٢٤ ط عيسى الحلبي) .

(٢) المدونة ١ / ٢٣٢ ط دار صادر.

(٣) الفتاوى الهندية ١ / ٢١٢، الطحطاوي على مراقي الفلاح ٣٨٧ ط الأميرية. والآية من سورة الأنبياء / ٢٠.

اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي مَرْتَبَةِ هَذِهِ السُّنِّيَّةِ.

فَقَال الْحَنَفِيَّةُ: إِنَّهُ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ فِي الْعَشْرِ الأَْوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ، وَمُسْتَحَبٌّ فِيمَا عَدَا ذَلِكَ.

وَفِي الْمَشْهُورِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، أَنَّهُ مَنْدُوبٌ مُؤَكَّدٌ وَلَيْسَ بِسُنَّةٍ.

وَقَال ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: إِنَّهُ سُنَّةٌ فِي رَمَضَانَ وَمَنْدُوبٌ فِي غَيْرِهِ.

وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ، فِي جَمِيعِ الأَْوْقَاتِ، وَفِي الْعَشْرِ الأَْوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ آكَدُ اقْتِدَاءً بِرَسُول اللَّهِ ﷺ وَطَلَبًا لِلَيْلَةِ الْقَدْرِ.

وَقَال الْحَنَابِلَةُ: إِنَّهُ سُنَّةٌ فِي كُل وَقْتٍ، وَآكَدُهُ فِي رَمَضَانَ، وَآكَدُهُ فِي الْعَشْرِ الأَْخِيرِ مِنْهُ.

قَال ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ أَهْل الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الاِعْتِكَافَ سُنَّةٌ، لاَ يَجِبُ عَلَى النَّاسِ فَرْضًا، إِلاَّ أَنْ يُوجِبَ الْمَرْءُ عَلَى نَفْسِهِ الاِعْتِكَافَ نَذْرًا، فَيَجِبُ عَلَيْهِ.

وَمِمَّا يَدُل عَلَى أَنَّهُ سُنَّةٌ فِعْل النَّبِيِّ ﷺ وَمُدَاوَمَتُهُ عَلَيْهِ تَقَرُّبًا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَطَلَبًا لِثَوَابِهِ، وَاعْتِكَافُ أَزْوَاجِهِ مَعَهُ وَبَعْدَهُ.

أَمَّا أَنَّ الاِعْتِكَافَ غَيْرُ وَاجِبٍ فَلأَِنَّ أَصْحَابَ النَّبِيِّ ﷺ لَمْ يَلْتَزِمُوا الاِعْتِكَافَ كُلُّهُمْ، وَإِنْ صَحَّ عَنْ كَثِيرٍ مِنَ الصَّحَابَةِ فِعْلُهُ.

وَأَيْضًا فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَأْمُرْ أَصْحَابَهُ بِالاِعْتِكَافِ إِلاَّ مَنْ أَرَادَهُ، لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: مَنْ كَانَ اعْتَكَفَ مَعِي، فَلْيَعْتَكِفِ الْعَشْرَ الأَْوَاخِرَ (١) - أَيْ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ - وَلَوْ كَانَ وَاجِبًا لَمَا عَلَّقَهُ بِالإِْرَادَةِ.

وَيَلْزَمُ الاِعْتِكَافُ بِالنَّذْرِ، لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ:

_________

(١) حديث: " من كان اعتكف معي. . . " أخرجه البخاري (فتح الباري ٤ / ٢٧١ ط السلفية) .

مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ (١)

وَعَنْ عُمَرَ ﵁ أَنَّهُ قَال: يَا رَسُول اللَّهِ: إِنِّي نَذَرْتُ أَنْ أَعْتَكِفَ لَيْلَةً فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، فَقَال النَّبِيُّ ﷺ: أَوْفِ بِنَذْرِكَ (٢) .

أَقْسَامُ الاِعْتِكَافِ:

٧ - يَنْقَسِمُ الاِعْتِكَافُ إِلَى وَاجِبٍ، وَمَنْدُوبٍ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَزَادَ الْحَنَفِيَّةُ الْمَسْنُونَ (٣) .

أ - الاِعْتِكَافُ الْمَنْدُوبُ:

وَهُوَ أَنْ يَنْوِيَ الاِعْتِكَافَ تَطَوُّعًا لِلَّهِ تَعَالَى. وَأَقَلُّهُ لَحْظَةٌ، أَوْ سَاعَةٌ، أَوْ يَوْمٌ، أَوْ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ حَسَبَ اخْتِلاَفِ الْفُقَهَاءِ.

وَهُوَ سُنَّةٌ فِي كُل وَقْتٍ، وَيُسَنُّ أَلاَّ يَنْقُصَ عَنْ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ.

ب - الاِعْتِكَافُ الْوَاجِبُ:

٨ - لاَ يَجِبُ الاِعْتِكَافُ إِلاَّ بِالنَّذْرِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ مُنَجَّزًا أَوْ مُعَلَّقًا، وَبِالشُّرُوعِ فِي الاِعْتِكَافِ الْمَسْنُونِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، وَمُقَابِل الظَّاهِرِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَسَيَأْتِي فِي (ف: ١٣)

وَهَل يُشْتَرَطُ التَّلَفُّظُ بِالنَّذْرِ أَمْ يَكْفِي النِّيَّةُ فِي الْقَلْبِ؟

صَرَّحَ الْجَمِيعُ بِوُجُوبِ التَّلَفُّظِ بِالنِّيَّةِ، وَلاَ يَكْفِي

_________

(١) حديث: " من نذر أن يطيع الله فليطعه. . . ". أخرجه البخاري من حديث عائشة ﵂ مرفوعا (فتح الباري ١١ / ٥٨١ ط السلفية) .

(٢) المغني ٣ / ١٨٤٠ ط الرياض، والروضة ٢ / ٣٨٩، والجمل على شرح المنهج ٢ / ٣٥٥، وكشاف القناع ٢ / ٣٤٨، والفتاوى الهندية ١ / ٢١١، والدسوقي ١ / ٥٤١. وحديث " أوف بنذرك. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري ٤ / ٢٧٤ ط السلفية) .

(٣) ابن عابدين ٢ / ٤٤٢ ط الحلبي.