الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٥ الصفحة 39

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٥

فِي الرَّدِّ كَيَدِهِ، كَمَا أَنَّ يَدَ مَنْ فِي عِيَالِهِ فِي الْحِفْظِ كَيَدِهِ. وَالْعُرْفُ الظَّاهِرُ أَنَّ الْمُسْتَعِيرَ يَرُدُّ الْمُسْتَعَارَ بِيَدِ مَنْ فِي عِيَالِهِ وَلِهَذَا يَعُولُهُمْ، فَكَانَ مَأْذُونًا فِيهِ مِنْ جِهَةِ صَاحِبِهَا دَلاَلَةً. وَكَذَلِكَ إِنْ رَدَّهَا إِلَى خَادِمِ صَاحِبِ الدَّابَّةِ، وَهُوَ الَّذِي يَقُومُ عَلَيْهَا، فَهُوَ بَرِيءٌ اسْتِحْسَانًا. وَالْقِيَاسُ أَلاَّ يَبْرَأَ مَا لَمْ تَصِل إِلَى صَاحِبِهَا، كَالْمُودَعِ إِذَا رَدَّ الْوَدِيعَةَ لاَ يَبْرَأُ عَنِ الضَّمَانِ مَا لَمْ تَصِل إِلَى يَدِ صَاحِبِهَا.

وَجْهُ الاِسْتِحْسَانِ أَنَّ صَاحِبَهَا إِنَّمَا يَحْفَظُ الدَّابَّةَ بِسَائِسِهَا. وَلَوْ دَفَعَ الْمُسْتَعِيرُ الدَّابَّةَ إِلَى مَالِكِهَا فَهَذَا يَدْفَعُهَا إِلَى السَّائِسِ، فَكَذَلِكَ إِذَا رَدَّهَا عَلَى السَّائِسِ. وَالْعُرْفُ الظَّاهِرُ أَنَّ صَاحِبَ الدَّابَّةِ يَأْمُرُ السَّائِسَ بِدَفْعِهَا إِلَى الْمُسْتَعِيرِ، وَبِاسْتِرْدَادِهَا مِنْهُ إِذَا فَرَغَتْ، فَيَصِيرُ مَأْذُونًا فِي دَفْعِهَا إِلَيْهِ دَلاَلَةً. وَهَذَا فِي غَيْرِ الْمُعَارِ النَّفِيسِ، إِذْ فِيهِ لاَ بُدَّ مِنَ التَّسْلِيمِ لِلْمَالِكِ، وَإِلاَّ لَمْ يَبْرَأْ (١) .

وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ يَجُوزُ الرَّدُّ إِلَى الْحَاكِمِ عِنْدَ غَيْبَةِ الْمُعِيرِ أَوِ الْحَجْرِ عَلَيْهِ بِسَفَهٍ أَوْ فَلَسٍ، فَلَوْ رَدَّ الدَّابَّةَ إِلَى الإِْسْطَبْل، وَالثَّوْبَ وَنَحْوَهُ لِلْبَيْتِ الَّذِي أَخَذَهُ مِنْهُ لَمْ يَبْرَأْ، إِلاَّ أَنْ يَعْلَمَ بِهِ الْمَالِكُ أَوْ يُخْبِرَهُ بِهِ ثِقَةٌ.

وَكَذَلِكَ لاَ يَبْرَأُ عِنْدَهُمْ بِالرَّدِّ إِلَى وَلَدِهِ أَوْ زَوْجَتِهِ، حَتَّى وَلَوْ لَمْ يَجِدِ الْمَالِكَ أَوْ وَكِيلَهُ، بَل يَجِبُ الضَّمَانُ عَلَيْهِمَا بِالرَّدِّ إِلَيْهَا، فَإِنْ أَرْسَلاَهَا إِلَى الْمَرْعَى وَتَلِفَتْ فَالضَّمَانُ عَلَيْهِمَا، لِحُصُول التَّلَفِ فِي يَدِهِمَا، حَتَّى لَوْ غَرِمَا لَمْ يَرْجِعَا عَلَى الْمُسْتَعِيرِ، وَلَوْ غَرِمَ الْمُسْتَعِيرُ رَجَعَ عَلَيْهِمَا (٢) .

_________

(١) المبسوط ١١ / ١٣٩ - ١٤٠، وابن عابدين ٤ / ٥٠٥، والبناني هامش الزرقاني ٦ / ١٣١.

(٢) أسنى المطالب ٢ / ٣٢٩.

وَالْحَنَابِلَةُ كَالشَّافِعِيَّةِ فِي أَنَّهُ إِذَا رَدَّهَا إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي أَخَذَهَا مِنْهُ، أَوْ إِلَى مِلْكِ صَاحِبِهَا لَمْ يَبْرَأْ، لأَِنَّهُ لَمْ يَرُدَّهَا إِلَى مَالِكِهَا وَلاَ نَائِبِهِ فِيهَا، كَمَا لَوْ دَفَعَهَا إِلَى أَجْنَبِيٍّ.

وَإِنْ رَدَّهَا إِلَى مَنْ جَرَتْ عَادَتُهُ بِحُصُول ذَلِكَ عَلَى يَدَيْهِ، كَزَوْجَتِهِ الْمُتَصَرِّفَةِ فِي مَالِهِ، أَوْ رَدِّ الدَّابَّةِ إِلَى سَائِسِهَا، فَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ يَبْرَأُ، قَالَهُ الْقَاضِي. وَقَاسَ ذَلِكَ عَلَى الْوَدِيعَةِ، وَقَدْ قَال الإِْمَامُ أَحْمَدُ فِيهَا: إِذَا سَلَّمَهَا الْمُودَعُ إِلَى امْرَأَتِهِ لَمْ يَضْمَنْهَا، لأَِنَّهُ مَأْذُونٌ فِي ذَلِكَ عُرْفًا أَشْبَهَ مَا لَوْ أَذِنَ فِيهِ نُطْقًا (١) .

مَا تَنْتَهِي بِهِ الإِْعَارَةُ:

٢٣ - تَنْتَهِي الإِْعَارَةُ بِأَحَدِ الأَْسْبَابِ الآْتِيَةِ:

(١) انْتِهَاءُ الْمُدَّةِ فِي الإِْعَارَةِ الْمُؤَقَّتَةِ.

(٢) رُجُوعُ الْمُعِيرِ فِي الْحَالاَتِ الَّتِي يَجُوزُ فِيهَا الرُّجُوعُ.

(٣) جُنُونُ أَحَدِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ.

(٤) الْحَجْرُ عَلَيْهِ لِسَفَهٍ أَوْ فَلَسٍ.

(٥) مَوْتُ أَحَدِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ.

(٦) هَلاَكُ الْعَيْنِ الْمُعَارَةِ.

(٧) اسْتِحْقَاقُهَا لِلْغَيْرِ (٢) .

_________

(١) المغني ٥ / ٢٢٤ ط الرياض. واللجنة ترى أن الخلاف في هذه المسألة مبني على اختلاف العرف، فمن جرى العرف أن يده كيد المستعير في الحفظ والأمانة كالابن الذي في العيال والخدم الخاص يعتبر تسليمه كتسليم المستعير نفسه، ومن جرى العرف أن يده كيد المالك، كالزوجة وال

(٢) ابن عابدين ٤ / ٥٠٦، والشرح الكبير ٣ / ٤٣٣، ونهاية المحتاج ٥ / ١٣٠ - ١٣١، والمغني ٥ / ٢٢٤.

اسْتِحْقَاقُ الْعَارِيَّةِ، وَتَلَفُ الْمُسْتَعَارِ الْمُسْتَحَقِّ، وَنُقْصَانُهُ:

٢٤ - يَخْتَلِفُ الْفُقَهَاءُ فِي رُجُوعِ الْمُسْتَحِقِّ عَلَى الْمُعِيرِ أَوِ الْمُسْتَعِيرِ عِنْدَ تَلَفِ الْمُسْتَعَارِ الْمُسْتَحَقِّ أَوْ نُقْصَانِهِ، وَفِيمَنْ يَكُونُ عَلَيْهِ قَرَارُ الضَّمَانِ، وَلَهُمْ فِي ذَلِكَ رَأْيَانِ:

الأَْوَّل: يَرْجِعُ الْمُسْتَحِقُّ عَلَى الْمُسْتَعِيرِ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الْمُعِيرِ، وَهُوَ قَوْل الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ.

وَقَدْ عَلَّل الْحَنَفِيَّةُ لِذَلِكَ بِأَنَّ الْمُسْتَعِيرَ يَأْخُذُ لِنَفْسِهِ، وَلأَِنَّهَا عَقْدُ تَبَرُّعٍ، وَالْمُعِيرُ غَيْرُ عَامِلٍ لَهُ، فَلاَ يَسْتَحِقُّ السَّلاَمَةَ، وَلاَ يَثْبُتُ بِهِ الْغُرُورُ (١) .

الثَّانِي: الرُّجُوعُ عَلَى الْمُعِيرِ أَوِ الْمُسْتَعِيرِ، وَهُوَ قَوْل الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، فَالرُّجُوعُ عَلَى الْمُعِيرِ لِتَعَدِّيهِ بِالدَّفْعِ لِلْغَيْرِ، وَأَمَّا عَلَى الْمُسْتَعِيرِ فَلِقَبْضِهِ مَال غَيْرِهِ - وَهُوَ الْمُسْتَحِقُّ - بِغَيْرِ إِذْنِهِ، غَيْرَ أَنَّهُمْ يَخْتَلِفُونَ فِي الَّذِي يَكُونُ عَلَيْهِ قَرَارُ الضَّمَانِ، فَقَال الشَّافِعِيَّةُ: إِنْ رَجَعَ عَلَى الْمُسْتَعِيرِ فَلاَ يَرْجِعُ عَلَى مَنْ أَعَارَهُ، لأَِنَّ التَّلَفَ أَوِ النَّقْصَ كَانَ مِنْ فِعْلِهِ، وَلَمْ يَغُرَّ بِشَيْءٍ مِنْ مَالِهِ فَيَرْجِعُ بِهِ، وَإِنْ ضَمِنَهُ الْمُعِيرُ فَمَنِ اعْتَبَرَ الْعَارِيَّةَ مَضْمُونَةً قَال: لِلْمُعِيرِ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الْمُسْتَعِيرِ، لأَِنَّهُ كَانَ ضَامِنًا، وَمَنِ اعْتَبَرَ الْعَارِيَّةَ غَيْرَ مَضْمُونَةٍ لَمْ يَجْعَل لَهُ أَنْ يَرْجِعَ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ، لأَِنَّهُ سَلَّطَهُ عَلَى الاِسْتِعْمَال.

وَقَال الْحَنَابِلَةُ: إِنْ ضَمِنَ الْمُسْتَعِيرُ رَجَعَ عَلَى الْمُعِيرِ بِمَا غَرِمَ، لأَِنَّهُ غَرَّهُ وَغَرِمَهُ، مَا لَمْ يَكُنِ الْمُسْتَعِيرُ عَالِمًا بِالْحَال فَيَسْتَقِرُّ عَلَيْهِ الضَّمَانُ، لأَِنَّهُ دَخَل عَلَى بَصِيرَةٍ، وَإِنْ ضَمَّنَ الْمَالِكُ الْمُعِيرَ لَمْ يَرْجِعْ بِهَا عَلَى

_________

(١) البحر الرائق ٧ / ٣٢٤، والمدونة ٥ / ٣٦١ نشر دار صادر.

أَحَدٍ إِنْ لَمْ يَكُنِ الْمُسْتَعِيرُ عَالِمًا، وَإِلاَّ رَجَعَ عَلَيْهِ (١) .

أَثَرُ اسْتِحْقَاقِ الْعَارِيَّةِ عَلَى الاِنْتِفَاعِ:

٢٥ - صَرَّحَ الْحَنَابِلَةُ بِأَنَّهُ إِذَا اسْتَعَارَ شَخْصٌ شَيْئًا فَانْتَفَعَ بِهِ ثُمَّ ظَهَرَ مُسْتَحَقًّا، فَلِمَالِكِهِ أَجْرُ مِثْلِهِ، يُطَالِبُ بِهِ الْمُعِيرَ أَوِ الْمُسْتَعِيرَ. فَإِنْ ضَمِنَ الْمُسْتَعِيرُ رَجَعَ عَلَى الْمُعِيرِ بِمَا غَرِمَ، لأَِنَّهُ غَرَّهُ وَغَرِمَهُ، لأَِنَّ الْمُسْتَعِيرَ اسْتَعَارَ عَلَى أَلاَّ أَجْرَ عَلَيْهِ. وَإِنْ رَجَعَ عَلَى الْمُعِيرِ لَمْ يَرْجِعْ عَلَى أَحَدٍ (٢) . وَقَوَاعِدُ الْمَذَاهِبِ الأُْخْرَى لاَ تَأْبَى ذَلِكَ.

الْوَصِيَّةُ بِالإِْعَارَةِ:

٢٦ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى صِحَّةِ الْوَصِيَّةِ بِالإِْعَارَةِ إِذَا خَرَجَ مُقَابِل الْمَنْفَعَةِ مِنَ الثُّلُثِ بِاعْتِبَارِهَا وَصِيَّةً بِالْمَنْفَعَةِ. وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى وَابْنُ شُبْرُمَةَ (٣) .

إِعَانَةٌ

التَّعْرِيفُ:

١ - الإِْعَانَةُ لُغَةً: مِنَ الْعَوْنِ، وَهُوَ اسْمٌ بِمَعْنَى الْمُسَاعَدَةِ عَلَى الأَْمْرِ.

يُقَال: أَعَنْتُهُ إِعَانَةً، وَاسْتَعَنْتُهُ، وَاسْتَعَنْتُ بِهِ

_________

(١) الأم ٣ / ٢٥٧، وكشاف القناع ٤ / ٦١.

(٢) كشاف القناع ٤ / ٣٧٣، والفروع ٢ / ٩٤٦، والمغني ٥ / ٢٣٣.

(٣) كشاف القناع ٤ / ٣٧٣، والفروع ٢ / ٩٤٦، والمغني ٦ / ٦٣ ط الرياض، والدسوقي ٤ / ٤٢٣، ٤٤٥.

فَأَعَانَنِي. كَمَا يُقَال: رَجُلٌ مِعْوَانٌ، وَهُوَ الْحَسَنُ الْمَعُونَةِ، وَكَثِيرُ الْمَعُونَةِ لِلنَّاسِ (١) .

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:

الإِْغَاثَةُ:

٢ - الإِْغَاثَةُ: هِيَ الإِْعَانَةُ وَالنُّصْرَةُ فِي حَال شِدَّةٍ أَوْ ضِيقٍ (٢) .

أَمَّا الإِْعَانَةُ فَلاَ يُشْتَرَطُ أَنْ تَكُونَ فِي شِدَّةٍ أَوْ ضِيقٍ.

٣ - الاِسْتِعَانَةُ: هِيَ طَلَبُ الْعَوْنِ. يُقَال: اسْتَعَنْتُ بِفُلاَنٍ فَأَعَانَنِي وَعَاوَنَنِي (٣)، وَفِي الْحَدِيثِ: اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْتَعِينُكَ وَنَسْتَغْفِرُكَ (٤) .

الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ:

٤ - يَخْتَلِفُ الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ لِلإِْعَانَةِ بِحَسَبِ أَحْوَالِهَا، فَقَدْ تَكُونُ وَاجِبَةً، وَقَدْ تَكُونُ مَنْدُوبَةً، وَقَدْ تَكُونُ مُبَاحَةً أَوْ مَكْرُوهَةً أَوْ مُحَرَّمَةً.

الإِْعَانَةُ الْوَاجِبَةُ:

أ - إِعَانَةُ الْمُضْطَرِّ:

٥ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى وُجُوبِ إِعَانَةِ الْمُضْطَرِّ إِلَى الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ بِإِعْطَائِهِ مَا يَحْفَظُ عَلَيْهِ حَيَاتَهُ، وَكَذَلِكَ بِإِنْقَاذِهِ مِنْ كُل مَا يُعَرِّضُهُ لِلْهَلاَكِ مِنْ غَرَقٍ أَوْ حَرْقٍ، فَإِنْ كَانَ قَادِرًا عَلَى ذَلِكَ دُونَ غَيْرِهِ

_________

(١) لسان العرب والمصباح في مادة: (عون) .

(٢) المصباح المنير واللسان في مادة: (غوث) .

(٣) الجوهري ولسان العرب في مادة: (عون) .

(٤) حديث " اللهم إنا نستعينك ونستغفرك " أورده الزيلعي في نصب الراية وعزاه إلى مراسيل أبي داود (نصب الراية ٢ / ١٣٥، ١٣٦ ط دار المأمون) .

وَجَبَتِ الإِْعَانَةُ عَلَيْهِ وُجُوبًا عَيْنِيًّا، وَإِنْ كَانَ ثَمَّ غَيْرُهُ كَانَ ذَلِكَ وَاجِبًا كِفَائِيًّا عَلَى الْقَادِرِينَ، فَإِنْ قَامَ بِهِ أَحَدُهُمْ سَقَطَ عَنِ الْبَاقِينَ، وَإِلاَّ أَثِمُوا جَمِيعًا، لِمَا رُوِيَ أَنَّ قَوْمًا وَرَدُوا مَاءً فَسَأَلُوا أَهْلَهُ أَنْ يَدُلُّوهُمْ عَلَى الْبِئْرِ فَأَبَوْا، فَسَأَلُوهُمْ أَنْ يُعْطُوهُمْ دَلْوًا، فَأَبَوْا أَنْ يُعْطُوهُمْ، فَقَالُوا لَهُمْ: إِنَّ أَعْنَاقَنَا وَأَعْنَاقَ مَطَايَانَا قَدْ كَادَتْ أَنْ تُقَطَّعَ، فَأَبَوْا أَنْ يُعْطُوهُمْ، فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِعُمَرَ ﵁، فَقَال لَهُمْ: فَهَلاَّ وَضَعْتُمْ فِيهِمُ السِّلاَحَ (١) .؟،

وَمِثْل ذَلِكَ إِعَانَةُ الأَْعْمَى إِذَا تَعَرَّضَ لِهَلاَكٍ، وَإِعَانَةُ الصَّغِيرِ لإِنْقَاذِهِ مِنْ عَقْرَبٍ وَنَحْوِهِ (٢) .

ب - الإِْعَانَةُ لإِنْقَاذِ الْمَال:

٦ - تَجِبُ الإِْعَانَةُ لِتَخْلِيصِ مَال الْغَيْرِ مِنَ الضَّيَاعِ قَلِيلًا كَانَ الْمَال أَوْ كَثِيرًا، حَتَّى أَنَّهُ تُقْطَعُ الصَّلاَةُ لِذَلِكَ (٣) . وَفِي بِنَاءِ الْمُصَلِّي عَلَى صَلاَتِهِ أَوِ اسْتِئْنَافِهَا خِلاَفٌ يُرْجَعُ إِلَيْهِ فِي مُبْطِلاَتِ الصَّلاَةِ.

ج - الإِْعَانَةُ فِي دَفْعِ الضَّرَرِ عَنِ الْمُسْلِمِينَ:

٧ - يَجِبُ إِعَانَةُ الْمُسْلِمِينَ بِدَفْعِ الضَّرَرِ الْعَامِّ أَوِ الْخَاصِّ عَنْهُمْ، لِقَوْل اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى

_________

(١) الأثر عن عمر ﵁ " فهلا وضعتم فيهم السلاح " أورده أبو يوسف في الخراج، ولم يذكر له إسنادا، وأورده السرخسي في المبسوط أيضا. . (الرتاج بتحقيق الكبيسي ١ / ٦٥١ ط مطبعة الإرشاد، والمبسوط ٢٣ / ١٦٦، وانظر المغني ٨ / ٦٠٢ ط الرياض، وحاشية الدسوقي ٤ / ٢٤٢، والجمل ٥ / ٧ ط إحياء التراث العربي) .

(٢) حاشية الدسوقي ١ / ٢٨٩ ط دار الفكر، والحطاب ٢ / ٣٦ ط ليبيا، وابن عابدين ١ / ٤٤٠، ٤٧٨.

(٣) حاشية الدسوقي ١ / ٢٨٩ ط دار الفكر، والحطاب ٢ / ٣٦ ط ليبيا، وابن عابدين ١ / ٤٣٨، ٤٤٠، والمغني ٢ / ٤٩ ط الرياض، والمجموع ٤ / ٨١.

الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِْثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ (١) . وَلِقَوْل رَسُول اللَّهِ ﷺ: الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ لاَ يَظْلِمْهُ وَلاَ يُسْلِمْهُ، وَمَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ كَانَ اللَّهُ فِي حَاجَتِهِ (٢) . وَكُلَّمَا كَانَ هُنَاكَ رَابِطَةُ قَرَابَةٍ أَوْ حِرْفَةٍ كَانَ التَّعَاوُنُ بَيْنَهُمْ أَوْجَبَ (٣) . (ر: عَاقِلَةٌ) .

د - إِعَانَةُ الْبَهَائِمِ:

٨ - صَرَّحَ الْفُقَهَاءُ بِوُجُوبِ إِعَانَةِ الْبَهَائِمِ بِالإِْنْفَاقِ عَلَيْهَا فِيمَا تَحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنْ عَلَفٍ وَإِقَامَةٍ وَرِعَايَةٍ، لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: عُذِّبَتِ امْرَأَةٌ فِي هِرَّةٍ سَجَنَتْهَا حَتَّى مَاتَتْ، فَدَخَلَتْ فِيهَا النَّارَ، لاَ هِيَ أَطْعَمَتْهَا وَسَقَتْهَا، إِذْ حَبَسَتْهَا، وَلاَ هِيَ تَرَكَتْهَا تَأْكُل مِنْ خَشَاشِ الأَْرْضِ (٤) وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِي بِطَرِيقٍ اشْتَدَّ عَلَيْهِ الْعَطَشُ وَجَدَ بِئْرًا، فَنَزَل فِيهَا فَشَرِبَ، ثُمَّ خَرَجَ فَإِذَا كَلْبٌ يَلْهَثُ يَأْكُل الثَّرَى مِنَ الْعَطَشِ، فَقَال الرَّجُل: لَقَدْ بَلَغَ هَذَا الْكَلْبُ مِنَ الْعَطَشِ مِثْل الَّذِي بَلَغَ بِي، فَنَزَل الْبِئْرَ فَمَلأَ خُفَّهُ، ثُمَّ أَمْسَكَهُ بِفِيهِ فَسَقَى الْكَلْبَ،

_________

(١) سورة المائدة / ٢.

(٢) حديث " المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه. . . " أخرجه البخاري من حديث عبد الله بن عمر ﵄ مرفوعا (فتح الباري ٥ / ٩٧ ط السلفية)، وانظر جواهر الإكليل ١ / ٢٥١ وقليوبي وعميرة ٤ / ٢١٤، وإعانة الطالبين ٢ / ١٨٩.

(٣) ابن عابدين ٥ / ٤١٤، والدسوقي ٤ / ٢٨٢، وإعانة الطالبين ٢ / ١٨٩.

(٤) حديث: " عذبت امرأة في هرة سجنتها " أخرجه البخاري ومسلم واللفظ له من حديث عبد الله بن عمر ﵄ مرفوعا. (فتح الباري ٥ / ٤١ ط السلفية، وصحيح مسلم ٤ / ١٧٦٠ ط عيسى الحلبي) .

فَشَكَرَ اللَّهَ لَهُ، فَغَفَرَ لَهُ. قَالُوا: يَا رَسُول اللَّهِ وَإِنَّ لَنَا فِي الْبَهَائِمِ أَجْرًا؟، فَقَال: فِي كُل ذَاتِ كَبِدٍ رَطْبَةٍ أَجْرٌ (١) .

الإِْعَانَةُ الْمَنْدُوبَةُ:

٩ - وَتَكُونُ الإِْعَانَةُ مَنْدُوبَةً إِذَا كَانَتْ فِي خَيْرٍ لَمْ يَجِبْ.

الإِْعَانَةُ الْمَكْرُوهَةُ:

١٠ - الإِْعَانَةُ عَلَى فِعْل الْمَكْرُوهِ تَأْخُذُ حُكْمَهُ فَتَكُونُ مَكْرُوهَةً، مِثْل الإِْعَانَةِ عَلَى الإِْسْرَافِ فِي الْمَاءِ، أَوِ الاِسْتِنْجَاءِ بِمَاءِ زَمْزَمٍ، أَوْ عَلَى الإِْسْرَافِ فِي الْمُبَاحِ بِأَنْ يَسْتَعْمِلَهُ فَوْقَ الْمُقَدَّرِ شَرْعًا. مِثْل إِعْطَاءِ السَّفِيهِ الْمَال الْكَثِيرَ، وَإِعْطَاءِ الصَّبِيِّ غَيْرِ الرَّاشِدِ مَا لاَ يُحْسِنُ التَّصَرُّفَ فِيهِ (٢) .

الإِْعَانَةُ عَلَى الْحَرَامِ:

١١ - تَأْخُذُ الإِْعَانَةُ عَلَى الْحَرَامِ حُكْمَهُ، مِثْل الإِْعَانَةِ عَلَى شُرْبِ الْخَمْرِ، وَإِعَانَةِ الظَّالِمِ عَلَى ظُلْمِهِ، لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَال: سَمِعْتُ رَسُول اللَّهِ ﷺ يَقُول: أَتَانِي جِبْرِيل فَقَال: يَا مُحَمَّدُ إِنَّ اللَّهَ ﷿ لَعَنَ الْخَمْرَ وَعَاصِرَهَا وَمُعْتَصِرَهَا وَشَارِبَهَا وَحَامِلَهَا وَالْمَحْمُولَةَ إِلَيْهِ وَبَائِعَهَا

_________

(١) حديث: " بينما رجل يمشي بطريق اشتد عليه العطش. . . ". أخرجه البخاري من حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعا (فتح الباري ١٠ / ٤٣٨ ط السلفية) . وانظر المغني ٧ / ٦٣٤، ٦٣٥ ط الرياض، والاختيار ٤ / ١٤، وحاشية الدسوقي ٢ / ٢٢ ط دار الفكر، ونهاية المحتاج ٧ / ٢٢٩ ط المكتب الإسلام

(٢) ابن عابدين ١ / ٨٩ ط بولاق.

وَمُبْتَاعَهَا وَسَاقِيَهَا وَمُسْتَقِيَهَا (١) .

وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ - فِي إِعَانَةِ الظَّالِمِ - عَنْ رَسُول اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَال: مَنْ أَعَانَ عَلَى خُصُومَةٍ بِظُلْمٍ أَوْ يُعِينُ عَلَى ظُلْمٍ لَمْ يَزَل فِي سَخَطِ اللَّهِ حَتَّى يَنْزِعَ (٢) .

وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ أَبِيهِ ﵄ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: مَثَل الَّذِي يُعِينُ قَوْمَهُ عَلَى غَيْرِ الْحَقِّ كَمَثَل بَعِيرٍ تَرَدَّى فِي بِئْرٍ فَهُوَ يَنْزِعُ مِنْهَا بِذَنَبِهِ (٣) . وَلِحَدِيثِ مَنْ أَعَانَ عَلَى قَتْل مُسْلِمٍ بِشَطْرِ كَلِمَةٍ لَقِيَ اللَّهَ ﷿، مَكْتُوبٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ: آيِسٌ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ (٤) .

_________

(١) حديث: " أتاني جبريل. . . " أخرجه أحمد والحاكم من حديث ابن عباس ﵄ مرفوعا، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وأقره الذهبي، كما قال أحمد شاكر محقق المسند: إسناده صحيح (مسند أحمد بن حنبل ٤ / ٣٢٢ ط دار المعارف بمصر، والمستدرك ٤ / ٤٥) .

(٢) حديث: " من أعان على خصومة بظلم. . . ". أخرجه أبو داود وابن ماجه من حديث ابن عمر ﵄ مرفوعا، وفي إسناديهما مطر بن طهمان الوراق، قال عنه المنذري: قد ضعفه غير واحد، كما أن في إسناد أبي داود المثنى بن يزيد الثقفي وهو مجهول. (عون المعبود ٣ / ٣٣٤ ط الهند، وسنن ابن ماجه ٢ / ٧٧٨ ط عيسى الحلبي) .

(٣) حديث: " مثل الذي يعين قومه على غير الحق كمثل بعير. . . " أخرجه ابن حبان في صحيحه من حديث عبد الله بن مسعود ﵁ مرفوعا، وعزاه المنذري إلى أبي داود، قال المناوي: فيه انقطاع، فإن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود لم يسمع من أبيه. (موارد الظمآن ص ٢٩٠ - ٢٩١ ط دار الكتب العلمية، والترغيب والترهيب ٤ / ٢٤٦ ط السعادة، وفيض القدير ٥ / ٥١١ ط المكتبة التجارية) .

(٤) حديث: " من أعان على قتل مسلم بشطر كلمة. . . " أخرجه ابن ماجه من حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعا، وقال الحافظ البوصيري في الزوائد: في إسناده يزيد بن أبي زياد، بالغوا في تضعيفه، حتى قيل كأنه حديث موضوع. (سنن ابن ماجه ٢ / ٨٧٤ ط عيسى الحلبي، وفيض القدير ٦ / ٧٢ ط المكتبة التجارية) .

وَحَدِيثُ انْصُرْ أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا، قَالُوا: يَا رَسُول اللَّهِ، هَذَا نَنْصُرُهُ مَظْلُومًا فَكَيْفَ نَنْصُرُهُ ظَالِمًا؟ قَال: تَأْخُذُ فَوْقَ يَدَيْهِ (١) .

إِعَانَةُ الْكَافِرِ:

أ - الإِْعَانَةُ بِصَدَقَةِ التَّطَوُّعِ:

١٢ - يَجُوزُ دَفْعُ صَدَقَاتِ التَّطَوُّعِ لِلْكَافِرِ غَيْرِ الْحَرْبِيِّ (٢) . انْظُرْ مُصْطَلَحَ (صَدَقَةٌ) .

ب - الإِْعَانَةُ بِالنَّفَقَةِ:

١٣ - صَرَّحَ الْفُقَهَاءُ بِوُجُوبِ النَّفَقَةِ - مَعَ اخْتِلاَفِ الَّذِي - لِلزَّوْجَةِ وَقَرَابَةِ الْوِلاَدِ أَعْلَى وَأَسْفَل، لإِطْلاَقِ النُّصُوصِ، وَلأَِنَّ نَفَقَةَ الزَّوْجَةِ جَزَاءُ الاِحْتِبَاسِ، وَذَلِكَ لاَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلاَفِ الدِّينِ.

وَأَمَّا قَرَابَةُ الْوِلاَدِ فَلِمَكَانِ الْجُزْئِيَّةِ، إِذِ الْجُزْئِيَّةُ فِي مَعْنَى النَّفْسِ، وَنَفَقَةُ النَّفْسِ تَجِبُ مَعَ الْكُفْرِ فَكَذَا الْجُزْءُ، وَتَفْصِيلُهُ فِي مُصْطَلَحِ (نَفَقَةٌ) (٣) .

ج - الإِْعَانَةُ فِي حَالَةِ الاِضْطِرَارِ:

١٤ - يَجِبُ إِعَانَةُ الْمُضْطَرِّ بِبَذْل الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ إِلَيْهِ إِذَا كَانَ مَعْصُومًا، مُسْلِمًا كَانَ أَوْ ذِمِّيًّا أَوْ مُعَاهَدًا، فَإِنِ امْتَنَعَ مَنْ لَهُ فَضْل طَعَامٍ أَوْ شَرَابٍ مِنْ دَفْعِهِ لِلْمُضْطَرِّ إِلَيْهِ - وَلَوْ كَافِرًا - جَازَ لَهُ قِتَالُهُ بِالسِّلاَحِ أَوْ

_________

(١) حديث: " انصر أخاك ظالما أو مظلوما. . " أخرجه البخاري من حديث أنس ﵁ مرفوعا (فتح الباري ٥ / ٩٨ ط السلفية) .

(٢) ابن عابدين ٢ / ٦٧، ومغني المحتاج ٣ / ١٢١.

(٣) الاختيار ٤ / ١١، وبلغة السالك ٢ / ٣٢٨، ومغني المحتاج ٣ / ٤٢٦، ٤٤٦، ٤٤٧، والمغني ٧ / ٦٠١ وما بعدها.