الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٥ الصفحة 38

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٥

فَاسْتَقَرَّ الضَّمَانُ عَلَيْهِ. وَإِنْ ضَمَّنَ الثَّانِيَ لَمْ يَرْجِعْ عَلَى الأَْوَّل. إِلاَّ أَنْ يَكُونَ الثَّانِي لَمْ يَعْلَمْ بِحَقِيقَةِ الْحَال، فَيُحْتَمَل أَنْ يَسْتَقِرَّ الضَّمَانُ عَلَى الأَْوَّل، لأَِنَّهُ غَرَّ الثَّانِيَ وَدَفَعَ الْعَيْنَ إِلَيْهِ عَلَى أَنَّهُ يَسْتَوْفِي مَنَافِعَهَا بِدُونِ عِوَضٍ. وَإِنْ تَلِفَتِ الْعَيْنُ فِي يَدِ الثَّانِي، اسْتَقَرَّ الضَّمَانُ عَلَيْهِ بِكُل حَالٍ، لأَِنَّهُ قَبَضَهَا عَلَى أَنْ تَكُونَ مَضْمُونَةً عَلَيْهِ. فَإِنْ رَجَعَ عَلَى الأَْوَّل رَجَعَ الأَْوَّل عَلَى الثَّانِي. وَإِنْ رَجَعَ عَلَى الثَّانِي لَمْ يَرْجِعْ عَلَى أَحَدٍ. (١)

ضَمَانُ الإِْعَارَةِ:

١٥ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّ الْعَارِيَّةَ إِنْ تَلِفَتْ بِالتَّعَدِّي مِنَ الْمُسْتَعِيرِ فَإِنَّهُ يَضْمَنُهَا، لأَِنَّهَا إِنْ كَانَتْ أَمَانَةً كَمَا يَقُول الْحَنَفِيَّةُ: فَالأَْمَانَاتُ تُضْمَنُ بِالتَّعَدِّي. وَمَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ كَذَلِكَ فِيمَا لاَ يُغَابُ عَلَيْهِ، أَيْ لاَ يُمْكِنُ إِخْفَاؤُهُ، كَالْعَقَارِ وَالْحَيَوَانِ، بِخِلاَفِ مَا يُمْكِنُ إِخْفَاؤُهُ، كَالثِّيَابِ وَالْحُلِيِّ فَإِنَّهُ يَضْمَنُهُ، إِلاَّ إِذَا أَقَامَ بَيِّنَةً عَلَى أَنَّهُ تَلِفَ أَوْ ضَاعَ بِلاَ سَبَبٍ مِنْهُ، وَقَالُوا: إِنَّهُ لاَ ضَمَانَ فِي غَيْرِ مَا ذُكِرَ.

وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ يَضْمَنُ الْمُسْتَعِيرُ بِهَلاَكِ الشَّيْءِ الْمُعَارِ، وَلَوْ كَانَ الْهَلاَكُ بِآفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ، أَوْ أَتْلَفَهَا هُوَ أَوْ غَيْرُهُ وَلَوْ بِلاَ تَقْصِيرٍ. وَقَالُوا: إِنْ تَلِفَتْ بِاسْتِعْمَالٍ مَأْذُونٍ فِيهِ، كَاللُّبْسِ وَالرُّكُوبِ الْمُعْتَادِ لَمْ يَضْمَنْ شَيْئًا، لِحُصُول التَّلَفِ بِسَبَبٍ مَأْذُونٍ فِيهِ.

وَحُجَّةُ الْحَنَفِيَّةِ حَدِيثُ: لَيْسَ عَلَى الْمُسْتَعِيرِ غَيْرِ

_________

(١) البدائع ٨ / ٣٨٩٨، والاختيار ٢ / ١١٨، والشرح الصغير ٣ / ٥٧٠، وحاشية ابن عابدين ٤ / ٥٠٣، ونهاية المحتاج ٥ / ١١٩، وأسنى المطالب ٢ / ٣٢٨، والمغني ٥ / ٢٢٧، والإقناع ١ / ٣٠٥ ط دار المعرفة.

الْمُغِل ضَمَانٌ (١) وَالْمُغِل هُوَ الْخَائِنُ. وَلأَِنَّ الضَّمَانَ إِمَّا أَنْ يَجِبَ بِالْعَقْدِ أَوْ بِالْقَبْضِ أَوْ بِالإِْذْنِ، وَلَيْسَ هُنَا شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ. أَمَّا الْعَقْدُ فَلأَِنَّ اللَّفْظَ الَّذِي تَنْعَقِدُ بِهِ الْعَارِيَّةُ لاَ يُنْبِئُ عَنِ الْتِزَامِ الضَّمَانِ، لأَِنَّهُ لِتَمْلِيكِ الْمَنَافِعِ بِغَيْرِ عِوَضٍ أَوْ لإِبَاحَتِهَا عَلَى الاِخْتِلاَفِ. وَمَا وُضِعَ لِتَمْلِيكِ الْمَنَافِعِ لاَ يُتَعَرَّضُ فِيهِ لِلْعَيْنِ حَتَّى يُوجِبَ الضَّمَانَ عِنْدَ هَلاَكِهِ.

وَأَمَّا الْقَبْضُ فَإِنَّمَا يُوجِبُ الضَّمَانَ إِذَا وَقَعَ بِطَرِيقِ التَّعَدِّي، وَمَا هُنَا لَيْسَ كَذَلِكَ، لِكَوْنِهِ مَأْذُونًا فِيهِ. وَأَمَّا الإِْذْنُ فَلأَِنَّ إِضَافَةَ الضَّمَانِ إِلَيْهِ فَسَادٌ فِي الْوَضْعِ، لأَِنَّ إِذْنَ الْمَالِكِ فِي قَبْضِ الشَّيْءِ يَنْفِي الضَّمَانَ فَكَيْفَ يُضَافُ إِلَيْهِ.

وَاسْتَدَل الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ بِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ فِي حَدِيثِ صَفْوَانَ بَل عَارِيَّةً مَضْمُونَةٌ (٢) وَبِقَوْلِهِ ﷺ عَلَى الْيَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى تُؤَدِّيَ. (٣) وَلأَِنَّهُ أَخَذَ مِلْكَ غَيْرِهِ لِنَفْعِ نَفْسِهِ مُنْفَرِدًا بِنَفْعِهِ مِنْ غَيْرِ اسْتِحْقَاقٍ، وَلاَ إِذْنٍ فِي الإِْتْلاَفِ، فَكَانَ مَضْمُونًا كَالْغَاصِبِ وَالْمَأْخُوذِ عَلَى وَجْهِ الْعُمُومِ.

وَاسْتَدَل الْمَالِكِيَّةُ فِي التَّفْرِقَةِ بَيْنَ مَا يُمْكِنُ إِخْفَاؤُهُ وَمَا لاَ يُمْكِنُ بِحَمْل أَحَادِيثِ الضَّمَانِ، عَلَى مَا يُمْكِنُ إِخْفَاؤُهُ، وَالأَْحَادِيثُ الأُْخْرَى عَلَى مَا لاَ يُمْكِنُ

_________

(١) حديث: " ليس على المستعير غير المغل ضمان " أخرجه الدارقطني (٣ / ٤١ - ط دار المحاسن) وفي إسناده عمرو بن عبد الجبار وعبيدة بن حسان، قال عنهما الدارقطني: ضعيفان، وقال: إنما يروى عن شريح القاضي غير مرفوع.

(٢) حديث: " بل عارية مضمونة " سبق تخريجه (ف ٥) .

(٣) حديث: " على اليد ما أخذت حتى تؤدي ". أخرجه الترمذي (تحفة الأحوذي ٤ / ٤٨٢، ٤٨٣ نشر السلفية) وأبو داود (٣ / ٨٢٢ - ط عزت عبيد دعاس) من حديث سمرة ﵁، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، قال المباركفوري: وسماع الحسن من سمرة فيه خلاف مشهور.

إِخْفَاؤُهُ. (١)

ثُمَّ قَال الْحَنَفِيَّةُ: إِنَّ الإِْتْلاَفَ يَكُونُ حَقِيقَةً، وَيَكُونُ مَعْنًى. فَالإِْتْلاَفُ حَقِيقَةً بِإِتْلاَفِ الْعَيْنِ، كَعَطَبِ الدَّابَّةِ بِتَحْمِيلِهَا مَا لاَ يَحْمِلُهُ مِثْلُهَا، أَوِ اسْتِعْمَالِهَا فِيمَا لاَ يُسْتَعْمَل مِثْلُهَا فِيهِ، وَالإِْتْلاَفُ مَعْنًى بِالْمَنْعِ بَعْدَ الطَّلَبِ، أَوْ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ، أَوْ بِجُحُودِ الإِْعَارَةِ أَوْ بِتَرْكِ الْحِفْظِ، أَوْ بِمُخَالَفَةِ الشُّرُوطِ فِي اسْتِعْمَالِهَا، فَلَوْ حَبَسَ الْعَارِيَّةَ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ أَوْ بَعْدَ الطَّلَبِ قَبْل انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ يَضْمَنُ لأَِنَّهَا وَاجِبَةُ الرَّدِّ فِي هَاتَيْنِ الْحَالَتَيْنِ، لِقَوْلِهِ ﵊: الْعَارِيَّةُ مُؤَدَّاةٌ (٢) وَقَوْلِهِ ﵊ عَلَى الْيَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى تَرُدَّهُ. (٣) وَلأَِنَّ حُكْمَ الْعَقْدِ انْتَهَى بِانْقِضَاءِ الْمُدَّةِ أَوِ الطَّلَبِ، فَصَارَتِ الْعَيْنُ فِي يَدِهِ كَالْمَغْصُوبِ. وَالْمَغْصُوبُ مَضْمُونُ الرَّدِّ حَال قِيَامِهِ، وَمَضْمُونُ الْقِيمَةِ حَال هَلاَكِهِ.

وَلَمْ يَنُصَّ الْمَالِكِيَّةُ عَلَى الْمُرَادِ بِالْهَلاَكِ عِنْدَهُمْ، وَلَكِنْ يُفْهَمُ مِنْ كَلاَمِهِمُ السَّابِقِ فِي إِعَارَةِ الدَّوَابِّ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ تَلَفُ الْعَيْنِ. قَالُوا: وَإِنِ ادَّعَى الْمُسْتَعِيرُ أَنَّ الْهَلاَكَ أَوِ الضَّيَاعَ لَيْسَ بِسَبَبِ تَعَدِّيهِ أَوْ تَفْرِيطِهِ فِي الْحِفْظِ فَهُوَ مُصَدَّقٌ فِي ذَلِكَ بِيَمِينِهِ، إِلاَّ أَنْ تَقُومَ بَيِّنَةٌ أَوْ قَرِينَةٌ عَلَى كَذِبِهِ، وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ مَا يُغَابُ عَلَيْهِ وَمَا لاَ يُغَابُ. (٤)

_________

(١) العناية شرح الهداية ٧ / ٤٦٩، وتبيين الحقائق للزيلعي ٥ / ٨٥، والشرح الكبير ٣ / ٤٣٦، وبداية المجتهد ٢ / ٣٤٢، وأسنى المطالب ٢ / ٣٢٨، والمغني ٥ / ٢٢١.

(٢) حديث " العارية مؤداة " سبق تخريجه (فقرة ٥) .

(٣) حديث " على اليد ما أخذت. . " سبق تخريجه بهذا المعنى آنفا.

(٤) البدائع ٨ / ٣٩٠٦ - ٣٩٠٧ ط الإمام، والشرح الصغير ٣ / ٥٧٤.

شَرْطُ نَفْيِ الضَّمَانِ:

١٦ - قَال الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ، وَهُوَ أَحَدُ وَجْهَيْنِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ: إِنَّ شَرْطَ نَفْيِ الضَّمَانِ فِيمَا يَجِبُ ضَمَانُهُ لاَ يُسْقِطُهُ، وَقَال أَبُو حَفْصٍ الْعُكْبَرِيُّ مِنَ الْحَنَابِلَةِ: يَسْقُطُ، وَقَال أَبُو الْخَطَّابِ: أَوْمَأَ إِلَيْهِ أَحْمَدُ، وَهُوَ قَوْل قَتَادَةَ وَالْعَنْبَرِيِّ، لأَِنَّهُ لَوْ أَذِنَ فِي إِتْلاَفِ الْعَيْنِ الْمُعَارَةِ لَمْ يَجِبْ ضَمَانُهَا، فَكَذَلِكَ إِذَا أَسْقَطَ عَنْهُ ضَمَانَهَا. وَقِيل: بَل مَذْهَبُ قَتَادَةَ وَالْعَنْبَرِيِّ أَنَّهَا لاَ تُضْمَنُ إِلاَّ أَنْ يُشْتَرَطَ ضَمَانُهَا، فَيَجِبُ، لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ لِصَفْوَانَ بَل عَارِيَّةً مَضْمُونَةٌ (١) .

وَاسْتَدَل لِعَدَمِ سُقُوطِ الضَّمَانِ بِأَنَّ كُل عَقْدٍ اقْتَضَى الضَّمَانَ لَمْ يُغَيِّرْهُ الشَّرْطُ، كَالْمَقْبُوضِ بِبَيْعٍ صَحِيحٍ أَوْ فَاسِدٍ، وَمَا اقْتَضَى الأَْمَانَةَ فَكَذَلِكَ، كَالْوَدِيعَةِ وَالشَّرِكَةِ وَالْمُضَارَبَةِ.

وَالْوَجْهُ الآْخَرُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّهُ لاَ يَضْمَنُ بِشَرْطِ السُّقُوطِ، لأَِنَّهُ مَعْرُوفٌ مِنْ وَجْهَيْنِ: الْعَارِيَّةُ مَعْرُوفٌ، وَإِسْقَاطُ الضَّمَانِ مَعْرُوفٌ آخَرُ، وَلأَِنَّ الْمُؤْمِنَ عِنْدَ شَرْطِهِ. وَنَصَّ الْحَنَفِيَّةُ أَنَّ شَرْطَ الضَّمَانِ بَاطِلٌ كَشَرْطِ عَدَمِهِ، خِلاَفًا لِلْجَوْهَرَةِ، حَيْثُ جَزَمَ فِيهَا بِصَيْرُورَتِهَا مَضْمُونَةً بِشَرْطِ الضَّمَانِ.

وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ فِي الْمُعْتَمَدِ عِنْدَهُمْ - وَهُوَ قَوْل أَكْثَرِ الْحَنَفِيَّةِ - إِلَى أَنَّهُ لَوْ أَعَارَ عَيْنًا بِشَرْطِ ضَمَانِهَا عِنْدَ تَلَفِهَا بِقَدْرٍ مُعَيَّنٍ فَسَدَ الشَّرْطُ دُونَ الْعَارِيَّةِ. قَال الأَْذْرَعِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ وَفِيهِ وَقْفَةٌ. (٢) وَلاَ يَرِدُ

_________

(١) حديث " بل عارية مضمونة " سبق تخريجه (فقرة ٥) .

(٢) الشرح الكبير ٣ / ٤٣٦، وأسنى المطالب ٢ / ٣٢٨، والمغني ٥ / ٢٢١ - ٢٢٢، وابن عابدين ٤ / ٧٦٩، والجوهرة ١ / ٣٥١، والزيلعي ٥ / ٨٥.

هُنَا مَذْهَبُ الْحَنَابِلَةِ لأَِنَّهُمْ يَقُولُونَ بِالضَّمَانِ مُطْلَقًا.

كَيْفِيَّةُ التَّضْمِينِ:

١٧ - مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، وَهُوَ مُقَابِل الْمُعْتَمَدِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ يَجِبُ ضَمَانُ الْعَيْنِ بِمِثْلِهَا إِنْ كَانَتْ مِثْلِيَّةً، وَإِلاَّ فَبِقِيمَتِهَا يَوْمَ التَّلَفِ.

وَالأَْصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ إِذَا وَجَبَ الضَّمَانُ فِي الْعَارِيَّةِ فَإِنَّهَا تُضْمَنُ بِقِيمَتِهَا يَوْمَ التَّلَفِ، مُتَقَوَّمَةً كَانَتْ أَوْ مِثْلِيَّةً، لأَِنَّ رَدَّ مِثْل الْعَيْنِ مَعَ اسْتِعْمَال جُزْءٍ مِنْهَا مُتَعَذِّرٌ، فَصَارَ بِمَنْزِلَةِ فَقْدِ الْمِثْل، فَيُرْجَعُ لِلْقِيمَةِ، وَلاَ تُضْمَنُ الْعَارِيَّةُ بِأَقْصَى الْقِيمَةِ، وَلاَ بِيَوْمِ الْقَبْضِ. (١)

الاِخْتِلاَفُ بَيْنَ الْمُعِيرِ وَالْمُسْتَعِيرِ:

١٨ - تَقَدَّمَ أَنَّ الْحَنَفِيَّةَ يَقُولُونَ: إِنَّ الْعَارِيَّةَ مِنَ الأَْمَانَاتِ فَلاَ تُضْمَنُ. وَكَذَلِكَ الْمَالِكِيَّةُ فِيمَا لاَ يَخْفَى. وَفَرَّعُوا عَلَى ذَلِكَ أَنَّهَا لاَ تُضْمَنُ، إِلاَّ بِالتَّعَدِّي، وَأَنَّ الأَْمِينَ يُصَدَّقُ فِيمَا يَدَّعِيهِ بِيَمِينِهِ. وَاعْتِبَارُ الْمَقْبُوضِ عَارِيَّةً أَوْ غَيْرَ عَارِيَّةً، وَأَنَّ هُنَاكَ تَعَدِّيًا أَمْ لاَ، يُرْجَعُ فِيهِ لِلْعُرْفِ وَالْعَادَةِ.

فَقَدْ قَال الْحَنَفِيَّةُ: إِنَّهُ إِذَا اخْتَلَفَ رَبُّ الدَّابَّةِ وَالْمُسْتَعِيرُ فِيمَا أَعَارَهَا لَهُ، وَقَدْ عَقَرَهَا الرُّكُوبُ أَوِ الْحُمُولَةُ، فَالْقَوْل قَوْل رَبِّ الدَّابَّةِ. وَقَال ابْنُ أَبِي لَيْلَى: الْقَوْل قَوْل الْمُسْتَعِيرِ. وَحُجَّتُهُ أَنَّ رَبَّ الدَّابَّةِ يَدَّعِي عَلَى الْمُسْتَعِيرِ سَبَبَ الضَّمَانِ، وَهُوَ الْمُخَالَفَةُ فِي الاِسْتِعْمَال، وَهُوَ مُنْكِرٌ لِذَلِكَ فَالْقَوْل قَوْلُهُ.

وَاحْتَجَّ الْحَنَفِيَّةُ بِأَنَّ الإِْذْنَ فِي الاِسْتِعْمَال يُسْتَفَادُ

_________

(١) البدائع ٨ / ٣٩٠٧، ونهاية المحتاج ٥ / ١٤١، والمغني ٥ / ٢٢٣، ونيل المآرب ١ / ١٣٧ ط الأميرية، والخرشي ٦ / ١٢٣، والشرح الصغير ٣ / ٥٧٤، والقوانين الفقهية / ٢١٨.

مِنْ جِهَةِ صَاحِبِ الدَّابَّةِ، وَلَوْ أَنْكَرَ أَصْل الإِْذْنِ كَانَ الْقَوْل قَوْلَهُ، فَكَذَلِكَ إِذَا أَنْكَرَ الإِْذْنَ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي انْتَفَعَ بِهِ الْمُسْتَعِيرُ.

وَفِي الولوالجية: إِذَا جَهَّزَ الأَْبُ ابْنَتَهُ ثُمَّ مَاتَ فَجَاءَ وَرَثَتُهُ يَطْلُبُونَ قِسْمَةَ الْجِهَازِ بَيْنَهُمْ، فَإِنْ كَانَ الأَْبُ اشْتَرَى لَهَا الْجِهَازَ فِي صِغَرِهَا أَوْ بَعْدَمَا كَبِرَتْ، وَسَلَّمَهُ إِلَيْهَا فِي حَال صِحَّتِهِ، فَلَيْسَ لِلْوَرَثَةِ حَقٌّ فِيهِ بَل هُوَ لِلْبِنْتِ خَاصَّةً.

فَهَذَا يَدُل عَلَى أَنَّ قَبُول قَوْل الْمَالِكِ أَنَّهَا عَارِيَّةً بِيَمِينِهِ لَيْسَ عَلَى إِطْلاَقِهِ، بَل ذَلِكَ إِذَا صَدَّقَهُ الْعُرْفُ.

وَقَالُوا: كُل أَمِينٍ ادَّعَى إِيصَال الأَْمَانَةِ إِلَى مُسْتَحِقِّهَا قُبِل قَوْلُهُ بِيَمِينِهِ، كَالْمُودَعِ إِذَا ادَّعَى الرَّدَّ وَالْوَكِيل وَالنَّاظِرِ، وَسَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ فِي حَيَاةِ مُسْتَحِقِّهَا أَوْ بَعْدَ مَوْتِهِ، إِلاَّ فِي الْوَكِيل بِقَبْضِ الدَّيْنِ، إِذَا ادَّعَى بَعْدَ مَوْتِ الْمُوَكِّل أَنَّهُ قَبَضَهُ وَدَفَعَهُ لَهُ فِي حَيَاتِهِ لَمْ يُقْبَل قَوْلُهُ، إِلاَّ بِبَيِّنَةٍ. (١)

وَلَوْ جَهَّزَ ابْنَتَهُ بِمَا يُجَهَّزُ بِهِ مِثْلُهَا، ثُمَّ قَال: كُنْتُ أَعَرْتُهَا الأَْمْتِعَةَ. إِنْ كَانَ الْعُرْفُ مُسْتَمِرًّا بَيْنَ النَّاسِ أَنَّ الأَْبَ يَدْفَعُ الْجِهَازَ مِلْكًا لاَ إِعَارَةً، لاَ يُقْبَل قَوْلُهُ إِنَّهُ إِعَارَةٌ، لأَِنَّ الظَّاهِرَ يُكَذِّبُهُ. وَإِنْ لَمْ يَكُنِ الْعُرْفُ كَذَلِكَ أَوْ تَارَةً وَتَارَةً فَالْقَوْل لَهُ فِي جَمِيعِ الْجِهَازِ، لاَ فِي الزَّائِدِ عَلَى جِهَازِ مِثْلِهَا، وَالْفَتْوَى عَلَى ذَلِكَ. وَإِنْ كَانَ الْجِهَازُ أَكْثَرَ مِمَّا يُجَهَّزُ بِهِ مِثْلُهَا فَالْقَوْل لَهُ اتِّفَاقًا.

وَالْمَالِكِيَّةُ كَالْحَنَفِيَّةِ فِي أَنَّ الْمُسْتَعِيرَ يُصَدَّقُ بِيَمِينِهِ، إِذْ قَالُوا: إِذَا هَلَكَتِ الْعَيْنُ الْمُعَارَةُ وَاخْتَلَفَ

_________

(١) حاشية ابن عابدين ٤ / ٥٠٦، ٥٠٧، والمبسوط ١١ / ١٤٣ ط دار المعرفة.

الْمُعِيرُ وَالْمُسْتَعِيرُ فِي سَبَبِ هَلاَكِهَا أَوْ تَعَيُّبِهَا، فَقَال الْمُعِيرُ: هَلَكَتْ أَوْ تَعَيَّبَتْ بِسَبَبِ تَفْرِيطِكَ، وَقَال الْمُسْتَعِيرُ: مَا فَرَّطْتُ، فَإِنَّهُ يُصَدَّقُ بِيَمِينِهِ أَنَّهَا مَا هَلَكَتْ أَوْ تَعَيَّبَتْ بِسَبَبِ تَفْرِيطِهِ. فَإِنْ نَكَل غَرِمَ بِنُكُولِهِ. وَلاَ تُرَدُّ الْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعِي لأَِنَّهَا يَمِينُ تُهْمَةٍ.

وَإِذَا وَجَبَ الضَّمَانُ عَلَى الْمُسْتَعِيرِ فَعَلَيْهِ جَمِيعُ قِيمَتِهِ فِي حَالَةِ الْهَلاَكِ، أَوْ عَلَيْهِ الْفَرْقُ بَيْنَ قِيمَتِهِ سَلِيمًا وَمُتَعَيَّبًا.

وَإِنْ كَانَ الْمُسْتَعَارُ غَيْرَ آلَةِ حَرْبٍ كَفَأْسٍ وَنَحْوِهِ، وَأَتَى بِهِ إِلَى الْمُعِيرِ مَكْسُورًا فَلاَ يُخْرِجُهُ مِنَ الضَّمَانِ، إِلاَّ أَنْ تَشْهَدَ الْبَيِّنَةُ أَنَّهُ اسْتَعْمَلَهُ اسْتِعْمَالًا مَعْهُودًا فِي مِثْلِهِ، فَإِنْ شَهِدَتِ الْبَيِّنَةُ بِعَكْسِهِ فَكُسِرَ لَزِمَهُ الضَّمَانُ. (١)

وَإِذَا اخْتَلَفَ الْمَالِكُ وَالْمُنْتَفِعُ فِي كَوْنِ الْعَيْنِ عَارِيَّةً أَوْ مُسْتَأْجَرَةً يُنْظَرُ: فَإِنْ كَانَ الاِخْتِلاَفُ قَبْل مُضِيِّ مُدَّةٍ لِمِثْلِهَا أَجْرٌ، رُدَّتِ الْعَيْنُ إِلَى مَالِكِهَا، وَصَرَّحَ الْحَنَابِلَةُ هُنَا بِتَحْلِيفِ مُدَّعِي الإِْعَارَةِ.

وَإِنْ كَانَ الاِخْتِلاَفُ بَعْدَ مُضِيِّ مُدَّةٍ لِمِثْلِهَا أَجْرٌ، فَقَدْ صَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ بِأَنَّ الْقَوْل قَوْل الْمَالِكِ مَعَ يَمِينِهِ، لأَِنَّ الْمُنْتَفِعَ يَسْتَفِيدُ مِنَ الْمَالِكِ مِلْكَ الاِنْتِفَاعِ، وَلأَِنَّ الظَّاهِرَ يَشْهَدُ لَهُ فَكَانَ الْقَوْل قَوْل الْمَالِكِ فِي التَّعْيِينِ، لَكِنْ مَعَ الْيَمِينِ، دَفْعًا لِلتُّهْمَةِ.

١٩ - وَإِنِ اخْتَلَفَا فِي كَوْنِهَا عَارِيَّةً أَوْ مُسْتَأْجَرَةً بَعْدَ تَلَفِ الْعَيْنِ: فَمَذْهَبُ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ كَمَا قَال

_________

(١) الشرح الكبير ٣ / ٤٣٦ - ٤٣٧.

ابْنُ قُدَامَةَ: إِنِ اخْتَلَفَا فِي ذَلِكَ بَعْدَ مُضِيِّ مُدَّةٍ لِمِثْلِهَا أَجْرٌ وَتَلِفَتِ الْبَهِيمَةُ، وَكَانَ الأَْجْرُ بِقَدْرِ قِيمَتِهَا، أَوْ كَانَ مَا يَدَّعِيهِ الْمَالِكُ مِنْهُمَا أَقَل مِمَّا يَعْتَرِفُ بِهِ الرَّاكِبُ، فَالْقَوْل قَوْل الْمَالِكِ بِغَيْرِ يَمِينٍ. سَوَاءٌ ادَّعَى الإِْجَارَةَ أَوِ الإِْعَارَةَ، إِذْ لاَ فَائِدَةَ فِي الْيَمِينِ عَلَى شَيْءٍ يَعْتَرِفُ لَهُ بِهِ. وَيُحْتَمَل أَلاَّ يَأْخُذَهُ إِلاَّ بِيَمِينٍ، لأَِنَّهُ يَدَّعِي شَيْئًا لاَ يُصَدَّقُ فِيهِ، وَيَعْتَرِفُ لَهُ الرَّاكِبُ بِمَا يَدَّعِيهِ فَيَحْلِفُ عَلَى مَا يَدَّعِيهِ، وَإِنْ كَانَ مَا يَدَّعِيهِ الْمَالِكُ أَكْثَرَ، مِثْل إِنْ كَانَتْ قِيمَةُ الْبَهِيمَةِ أَكْثَرَ مِنْ أَجْرِهَا فَادَّعَى الْمَالِكُ أَنَّهَا عَارِيَّةً لِتَجِبَ لَهُ الْقِيمَةُ، وَأَنْكَرَ اسْتِحْقَاقَ الأُْجْرَةِ، وَادَّعَى الرَّاكِبُ أَنَّهَا مُكْتَرَاةٌ، أَوْ كَانَ الْكِرَاءُ أَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهَا، فَادَّعَى الْمَالِكُ أَنَّهُ أَجَّرَهَا لِيَجِبَ لَهُ الْكِرَاءُ، وَادَّعَى الرَّاكِبُ أَنَّهَا عَارِيَّةً، فَالْقَوْل قَوْل الْمَالِكِ فِي الصُّورَتَيْنِ، فَإِذَا حَلَفَ اسْتَحَقَّ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ.

وَقَوَاعِدُ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ تَقْتَضِي أَنَّ الْقَوْل حِينَئِذٍ قَوْل مَنْ يَدَّعِي الإِْعَارَةَ، لأَِنَّهُ يَنْفِي الأُْجْرَةَ. وَأَمَّا الضَّمَانُ فَلاَ ضَمَانَ عَلَى كُل حَالٍ فِي الإِْجَارَةِ وَالإِْعَارَةِ.

فَإِنْ تَلِفَتِ الْعَيْنُ قَبْل رَدِّهَا تَلَفًا تُضْمَنُ بِهِ الْعَارِيَّةُ فَقَدِ اتَّفَقَا عَلَى الضَّمَانِ لَهَا، لِضَمَانِ كُلٍّ مِنَ الْعَارِيَّةِ وَالْمَغْصُوبِ. (١)

وَإِذَا اخْتَلَفَا، فَادَّعَى الْمَالِكُ الْغَصْبَ، وَادَّعَى الْمُنْتَفِعُ الإِْعَارَةَ، فَإِنْ كَانَ قَبْل الاِسْتِعْمَال وَالدَّابَّةُ تَالِفَةٌ فَالْقَوْل قَوْل الْمُنْتَفِعِ، لأَِنَّهُ يَنْفِي الضَّمَانَ، وَالأَْصْل بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ الاِسْتِعْمَال فَالْقَوْل قَوْل الْمَالِكِ مَعَ يَمِينِهِ، لأَِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ

_________

(١) نهاية المحتاج ٥ / ١٤٠، والمغني ٥ / ٢٣٦.

الْهَلاَكَ جَاءَ مِنَ الاِسْتِعْمَال. (١)

وَقَال الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: إِنْ كَانَ الاِخْتِلاَفُ عَقِيبَ الْعَقْدِ، وَالدَّابَّةُ قَائِمَةٌ لَمْ يَتْلَفْ مِنْهَا شَيْءٌ، فَلاَ مَعْنَى لِلاِخْتِلاَفِ، وَيَأْخُذُ الْمَالِكُ بَهِيمَتَهُ.

وَكَذَلِكَ إِنْ كَانَتِ الدَّابَّةُ تَالِفَةً، لأَِنَّ الْقِيمَةَ تَجِبُ عَلَى الْمُسْتَعِيرِ كَوُجُوبِهَا عَلَى الْغَاصِبِ.

وَإِنْ كَانَ الاِخْتِلاَفُ بَعْدَ مُضِيِّ مُدَّةٍ لِمِثْلِهَا أَجْرٌ فَالاِخْتِلاَفُ فِي وُجُوبِهِ، وَالْقَوْل قَوْل الْمَالِكِ، لأَِنَّهُ يُنْكِرُ انْتِقَال الْمِلْكِ إِلَى الرَّاكِبِ، وَالرَّاكِبُ يَدَّعِيهِ وَالْقَوْل قَوْل الْمُنْكِرِ، لأَِنَّ الأَْصْل عَدَمُ الاِنْتِقَال، فَيَحْلِفُ وَيَسْتَحِقُّ الأُْجْرَةَ. (٢)

نَفَقَةُ الْعَارِيَّةِ:

٢٠ - ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ - مَا عَدَا الْقَاضِي حُسَيْنٍ - وَالْحَنَابِلَةِ، وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ إِلَى أَنَّ نَفَقَةَ الْعَارِيَّةِ الَّتِي بِهَا بَقَاؤُهَا كَالطَّعَامِ مُدَّةَ الإِْعَارَةِ عَلَى مَالِكِهَا، لأَِنَّهَا لَوْ كَانَتْ عَلَى الْمُسْتَعِيرِ لَكَانَ كِرَاءً، وَرُبَّمَا كَانَ ذَلِكَ أَكْثَرَ مِنَ الْكِرَاءِ فَتَخْرُجُ الْعَارِيَّةُ عَنِ الْمَعْرُوفِ إِلَى الْكِرَاءِ، وَلأَِنَّ تِلْكَ النَّفَقَةَ مِنْ حُقُوقِ الْمِلْكِ.

وَمَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ، وَغَيْرُ الْمُعْتَمَدِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، وَهُوَ مَا اخْتَارَهُ الْقَاضِي حُسَيْنٌ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّ ذَلِكَ عَلَى الْمُسْتَعِيرِ، لأَِنَّ مَالِكَ الدَّابَّةِ فَعَل مَعْرُوفًا فَلاَ يَلِيقُ أَنْ يُشَدَّدَ عَلَيْهِ.

وَقَال بَعْضُهُمْ: إِنَّهَا عَلَى الْمُسْتَعِيرِ فِي اللَّيْلَةِ وَاللَّيْلَتَيْنِ، وَعَلَى الْمُعِيرِ فِي الْمُدَّةِ الطَّوِيلَةِ كَمَا فِي

_________

(١) الفتاوى الهندية ٤ / ٣٧٢، ومجمع الضمانات / ٦٢.

(٢) المغني ٥ / ٢٣٤ - ٢٣٧ ط الرياض، وابن عابدين ٤ / ٧٦٨.

الْمَوَّاقِ، وَقَدْ عَكَسَ عَبْدُ الْبَاقِي الزَّرْقَانِيُّ (١) .

مَئُونَةُ رَدِّ الْعَارِيَّةِ:

٢١ - فُقَهَاءُ الْمَذَاهِبِ الثَّلاَثَةِ، وَهُوَ الأَْظْهَرُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ عَلَى أَنَّ مَئُونَةَ رَدِّ الْعَارِيَّةِ عَلَى الْمُسْتَعِيرِ، لِخَبَرِ عَلَى الْيَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى تُؤَدِّيَ (٢)، وَلأَِنَّ الإِْعَارَةَ مَكْرُمَةٌ فَلَوْ لَمْ تُجْعَل الْمَئُونَةُ عَلَى الْمُسْتَعِيرِ لاَمْتَنَعَ النَّاسُ مِنْهَا. وَهَذَا تَطْبِيقٌ لِقَاعِدَةِ " كُل مَا كَانَ مَضْمُونَ الْعَيْنِ فَهُوَ مَضْمُونُ الرَّدِّ ".

وَعَلَى الْمُسْتَعِيرِ رَدُّهَا إِلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي أَخَذَهَا مِنْهُ، إِلاَّ أَنْ يَتَّفِقَا عَلَى رَدِّهَا إِلَى مَكَانِ غَيْرِهِ، لأَِنَّ مَا لَزِمَ رَدُّهُ وَجَبَ رَدُّهُ إِلَى مَوْضِعِهِ كَالْمَغْصُوبِ (٣) .

مَا يَبْرَأُ بِهِ الْمُسْتَعِيرُ:

٢٢ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّ الْمُسْتَعِيرَ لَوْ رَدَّ الدَّابَّةَ إِلَى مَالِكِهَا أَوْ وَكِيلِهِ فِي قَبْضِهَا فَإِنَّهُ يَبْرَأُ مِنْهَا. أَمَّا إِنْ رَدَّهَا بِوَاسِطَةِ آخَرِينَ وَإِلَى غَيْرِ الْمَالِكِ وَالْوَكِيل فَفِي ذَلِكَ خِلاَفٌ وَتَفْصِيلٌ: قَال الْحَنَفِيَّةُ فِي الاِسْتِحْسَانِ وَالْمَالِكِيَّةِ: إِنْ رَدَّ الْمُسْتَعِيرُ الدَّابَّةَ مَعَ خَادِمِهِ أَوْ بَعْضِ مَنْ هُوَ فِي عِيَالِهِ فَلاَ ضَمَانَ عَلَيْهِ إِنْ عَطِبَتْ، لأَِنَّ يَدَ مَنْ هُوَ فِي عِيَالِهِ

_________

(١) لا يخفى أن هذا الخلاف محله الحيوان الذي يهلك إن لم ينفق عليه. أما إعارة الأشياء التي لا تتلف بعدم الإنفاق عليها، وإنما يتوقف على الإنفاق التمكن من منافعها فذلك على المستعير إن شاء أن ينتفع بها، وإلا ردها (اللجنة) . وانظر أسنى المطالب ٢ / ٣٢٩، والشرح الكبير ٣ / ٤٤١، ومنتهى الإرادات ١ / ٥٠٦.

(٢) حديث " على اليد ما أخذت. . . " سبق تخريجه (ف ١٥) .

(٣) حاشية ابن عابدين ٤ / ٥٠٥، والشرح الكبير ٤ / ٤٤١، والزرقاني ٦ / ١٣٦، ومغني المحتاج ٥ / ١٢٤، والمغني ٥ / ٢٢٤.