الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٥
ذُكِرَ (١) .
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الإِْفْشَاءُ.
٢ - إِذَا كَانَ الإِْظْهَارُ: الإِْبْرَازُ بَعْدَ الْخَفَاءِ، فَإِنَّ الإِْفْشَاءَ هُوَ كَثْرَةُ الإِْظْهَارِ، (٢) فِي أَمَاكِنَ وَمُنَاسِبَاتٍ كَثِيرَةٍ قَال ﵊: أَلاَ أَدُلُّكُمْ عَلَى شَيْءٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ؟ أَفْشُوا السَّلاَمَ بَيْنَكُمْ (٣) أَيْ أَكْثِرُوا مِنَ التَّسْلِيمِ عَلَى بَعْضِكُمْ. فَالإِْفْشَاءُ أَخَصُّ مِنَ الإِْظْهَارِ.
ب - الْجَهْرُ:
٣ - الْجَهْرُ هُوَ الْمُبَالَغَةُ فِي الإِْظْهَارِ وَعُمُومِهِ، أَلاَ تَرَى أَنَّكَ إِذَا كَشَفْتَ الأَْمْرَ لِلرَّجُل وَالرَّجُلَيْنِ قُلْتَ: أَظْهَرْتُهُ لَهُمَا، وَلاَ تَقُول جَهَرْتُ بِهِ إِلاَّ إِذَا أَظْهَرْتَهُ لِلْجَمَاعَةِ الْكَثِيرَةِ، (٤) وَمِنْ هُنَا يَقُول الْعُلَمَاءِ: الْجَهْرُ بِالدَّعْوَةِ، وَيَعْنُونَ إِعْلاَنَهَا لِلْمَلأَِ. فَالْجَهْرُ أَخَصُّ مِنَ الإِْظْهَارِ، فَإِنَّ الْجَهْرَ هُوَ الْمُبَالَغَةُ فِي الإِْظْهَارِ.
ج - الإِْعْلاَنُ:
٤ - الإِْعْلاَنُ ضِدُّ الإِْسْرَارِ، وَهُوَ الْمُبَالَغَةُ فِي الإِْظْهَارِ، وَمِنْ هُنَا قَالُوا: يُسْتَحَبُّ إِعْلاَنُ النِّكَاحِ، وَلَمْ يَقُولُوا إِظْهَارُهُ، لأَِنَّ إِظْهَارَهُ يَكُونُ بِالإِْشْهَادِ عَلَيْهِ، أَمَّا إِعْلاَنُهُ فَإِعْلاَمُ الْمَلأَِ بِهِ.
_________
(١) لسان العرب والمصباح المنير، والمفردات في غريب القرآن للراغب الأصفهاني مادة: " ظهر "
(٢) الفروق في اللغة لأبي هلال العسكري ص ٢٨٠.
(٣) حديث " ألا أدلكم. . . " أخرجه مسلم (١ / ٧٤ ط عيسى الحلبي) .
(٤) الفروق في اللغة ص ٢٨٠.
الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ:
يَخْتَلِفُ حُكْمُ الإِْظْهَارِ بِاخْتِلاَفِ مُتَعَلِّقِهِ عَلَى مَا سَيَأْتِي:
الإِْظْهَارُ عِنْدَ عُلَمَاءِ التَّجْوِيدِ:
٥ - يُطْلِقُ عُلَمَاءُ التَّجْوِيدِ كَلِمَةَ إِظْهَارٍ، وَيُرِيدُونَ بِهَا: إِخْرَاجُ الْحَرْفِ مِنْ مَخْرَجِهِ بِغَيْرِ غُنَّةٍ وَلاَ إِدْغَامٍ.
وَهُمْ يُقَسِّمُونَ الإِْظْهَارَ إِلَى قِسْمَيْنِ:
الْقِسْمُ الأَْوَّل: إِظْهَارٌ حَلْقِيٌّ، وَيَكُونُ الإِْظْهَارُ الْحَلْقِيُّ عِنْدَمَا يَأْتِي بَعْدَ النُّونِ السَّاكِنَةِ أَوِ التَّنْوِينِ، أَحَدُ الْحُرُوفِ التَّالِيَةِ (أ - هـ - ع - غ - ح - خ)
الْقِسْمُ الثَّالِثُ: إِظْهَارٌ شَفَوِيٌّ: وَيَكُونُ الإِْظْهَارُ شَفَوِيًّا إِذَا جَاءَ بَعْدَ الْمِيمِ السَّاكِنَةِ أَيُّ حَرْفٍ مِنْ حُرُوفِ الْهِجَاءِ عَدَا (م - ب) وَالأَْصْل فِي حُرُوفِ الْهِجَاءِ الإِْظْهَارُ، وَلَكِنَّ بَعْضَ الْحُرُوفِ - وَلاَ سِيَّمَا النُّونُ وَالْمِيمُ - قَدْ تُدْغَمُ أَحْيَانًا، وَلِهَذَا عُنِيَ بِبَيَانِ أَحْكَامِهَا مِنْ حَيْثُ الإِْظْهَارُ وَالإِْدْغَامُ. وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي عِلْمِ التَّجْوِيدِ.
إِظْهَارُ نِعَمِ اللَّهِ تَعَالَى:
٦ - إِذَا أَنْعَمَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى امْرِئٍ نِعْمَةً فَيَنْبَغِي أَنْ يُظْهِرَ أَثَرَهَا عَلَيْهِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى فِي سُورَةِ الضُّحَى: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ (١) وَلِمَا رَوَاهُ النَّسَائِيُّ عَنْ مَالِكِ بْنِ نَضْلَةَ الْجُشَمِيِّ قَال: دَخَلْتُ عَلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ فَرَآنِي سَيِّئَ الْهَيْئَةِ، فَقَال النَّبِيُّ ﷺ: هَل لَكَ مِنْ شَيْءٍ؟ قَال: نَعَمْ مِنْ كُل الْمَال قَدْ
_________
(١) سورة الضحى / ١١.
آتَانِي اللَّهُ، فَقَال: إِذَا كَانَ لَكَ مَالٌ فَلْيُرَ عَلَيْكَ (١) وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: إِنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَال، وَيُحِبُّ أَنْ يَرَى أَثَرَ نِعْمَتِهِ عَلَى عَبْدِهِ. (٢)
إِظْهَارُ الْمَرْءِ غَيْرَ مَا يُبْطِنُ فِي الْعَقَائِدِ:
٧ - إِنَّ إِظْهَارَ الْمَرْءِ غَيْرَ مَا يُبْطِنُ مِنْ أُصُول الإِْيمَانِ، كَالإِْيمَانِ بِاَللَّهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآْخِرِ وَالْقَدَرِ، لاَ يَخْرُجُ عَنْ حَالَيْنِ: فَهُوَ إِمَّا أَنْ يُظْهِرَ الإِْيمَانَ بِهَا وَيُبْطِنَ الْكُفْرَ، أَوْ يُظْهِرَ الْكُفْرَ بِهَا وَيُبْطِنَ الإِْيمَانَ.
أ - فَإِنْ أَظْهَرَ الإِْيمَانَ بِهَا وَأَبْطَنَ الْكُفْرَ فَهُوَ نِفَاقٌ مُخَلِّدٌ لِصَاحِبِهِ فِي النَّارِ، قَال تَعَالَى: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُول اللَّهِ وَاَللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاَللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ . (٣) وَسَيَأْتِي تَفْصِيل ذَلِكَ تَحْتَ مُصْطَلَحِ " نِفَاقٌ " إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
ب - أَمَّا إِنْ أَظْهَرَ الْكُفْرَ بِهَذِهِ الأُْصُول وَأَبْطَنَ
_________
(١) انظر تفسير القرطبي وتفسير ابن كثير لقوله تعالى: / ٨ وأما بنعمة ربك فحدث / ٨. وحديث مالك بن نضلة الجشمي أخرجه النسائي واللفظ له، والترمذي وقال: هذا حديث حسن صحيح (سنن النسائي ٨ / ١٩٦، ط المطبعة المصرية بالأزهر، وتحفة الأحوذي ٦ / ١٤٣ - ١٤٥ نشر المكتبة السلفية) .
(٢) حديث " إن الله جميل. . . " انظر التيسير بشرح الجامع الصغير للمناوي ص ٢٥٠ وقال: الحديث ضعيف لضعف السلمي الصوفي، لكن له شاهد عند أبي يعلى وغيره.
(٣) سورة المنافقون / ١.
الإِْيمَانَ فَإِنَّ ذَلِكَ لاَ يَخْلُو مِنْ حَالَيْنِ:
الْحَال الأَْوَّل: أَنْ يُظْهِرَ مَا أَظْهَرَهُ طَوَاعِيَةً، فَيُحْكَمُ عَلَيْهِ بِالظَّاهِرِ مِنْ حَالِهِ، لأَِنَّ الأَْحْكَامَ الْفِقْهِيَّةَ تَجْرِي عَلَى الظَّاهِرِ.
الْحَال الثَّانِي: أَنْ يُظْهِرَ مَا أَظْهَرَهُ مُكْرَهًا وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِْيمَانِ، وَعِنْدَئِذٍ تَبْقَى أَحْكَامُ الإِْيمَانِ جَارِيَةً عَلَيْهِ. (١) كَمَا فَصَّل الْفُقَهَاءُ ذَلِكَ فِي بَحْثِهِمْ فِي الرِّدَّةِ وَفِي الإِْكْرَاهِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاَللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِْيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ . (٢)
إِظْهَارُ الْمُتَعَاقِدَيْنِ خِلاَفَ قَصْدِهِمَا:
٨ - إِذَا أَظْهَرَ الْعَاقِدَانِ عَقْدًا فِي الأَْمْوَال، وَهُمَا لاَ يُرِيدَانِهِ، أَوْ ثَمَنًا لِمَبِيعٍ وَهُمَا يُرِيدَانِ غَيْرَهُ، أَوْ أَقَرَّ أَحَدٌ لآِخَرَ بِحَقٍّ وَقَدِ اتَّفَقَا سِرًّا عَلَى بُطْلاَنِ ذَلِكَ الإِْقْرَارِ الظَّاهِرِ، فَقَدْ قَال بَعْضُ الْفُقَهَاءِ، كَالْحَنَابِلَةِ وَأَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ: الظَّاهِرُ بَاطِلٌ. وَقَال بَعْضُهُمْ كَأَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ: الظَّاهِرُ صَحِيحُ، وَقَدْ فَصَّل ذَلِكَ الْفُقَهَاءُ فِي كِتَابِ الْبُيُوعِ عِنْدَ كَلاَمِهِمْ عَلَى بَيْعِ التَّلْجِئَةِ، (٣) وَسَمَّى الْمُعَاصِرُونَ هَذَا الْعَقْدَ الظَّاهِرَ بِالْعَقْدِ الصُّورِيِّ.
إِظْهَارُ خِلاَفِ قَصْدِ الشَّارِعِ بِالْحِيلَةِ:
٩ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى عَدَمِ حِل كُل تَصَرُّفٍ مَهْمَا
_________
(١) تفسير القرطبي ١٠ / ١٨٣ طبع دار الكتب المصرية، والمغني ٨ / ١٤٥ طبع المنار الثالثة، وفتح القدير ٧ / ٢٩٩ طبع بولاق.
(٢) سورة النحل / ١٠٦.
(٣) المغني لابن قدامة ٤ / ٢١٤ وما بعدها، وحاشية ابن عابدين ٤ / ٢٤٤، ٤٦٠، ومسلم الثبوت ١ / ١٢٣.
كَانَ ظَاهِرَهُ، إِذَا كَانَ الْقَصْدُ مِنْهُ إِبْطَال حَقِّ الْغَيْرِ أَوْ إِدْخَال شُبْهَةٍ فِيهِ، أَوْ تَمْوِيهَ بَاطِلٍ. (١)
أَمَّا مَا عَدَا ذَلِكَ مِنَ التَّصَرُّفَاتِ الظَّاهِرَةِ الَّتِي تَهْدُفُ إِلَى غَيْرِ مَا قَصَدَهُ الشَّارِعُ مِنْهَا، فَقَدِ اخْتُلِفَ فِي جَوَازِهَا، فَرَأَى بَعْضُ الْفُقَهَاءِ حِلَّهَا، وَرَأَى آخَرُونَ حُرْمَتَهَا، (٢) وَنَجِدُ ذَلِكَ مُفَصَّلًا فِي كِتَابِ الْحَظْرِ وَالإِْبَاحَةِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَفِي ثَنَايَا الأَْبْحَاثِ عِنْدَ غَيْرِهِمْ، وَسَيَأْتِي ذَلِكَ مُفَصَّلًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ فِي مُصْطَلَحِ (حِيلَةٌ) .
مَا يُشْرَعُ فِيهِ الإِْظْهَارُ:
١٠ - مِنْ ذَلِكَ إِظْهَارُ سَبَبِ الْجَرْحِ لِلشَّاهِدِ، لأَِنَّ الْجَرْحَ لاَ يُقْبَل إِلاَّ مُفَسَّرًا، (٣) وَهَذِهِ مَسْأَلَةٌ اجْتِهَادِيَّةٌ، (٤) كَمَا فَصَّل الْفُقَهَاءُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ الْقَضَاءِ.
وَمِنْ ذَلِكَ إِظْهَارُ إِقَامَةِ الْحُدُودِ لِيَتَحَقَّقَ فِيهَا الرَّدْعُ وَالْمَنْعُ، وَعَمَلًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ . (٥) وَمِنْ ذَلِكَ إِظْهَارُ الاِسْتِثْنَاءِ وَالْقُيُودِ وَالتَّعْلِيقَاتِ، كَمَا ذَكَرَ ذَلِكَ الْفُقَهَاءُ فِي كِتَابِ الإِْقْرَارِ وَالأَْيْمَانِ. وَمِنْ ذَلِكَ إِظْهَارُ طَلَبِ الشُّفْعَةِ بِالإِْشْهَادِ عَلَيْهِ، وَنَحْوِهِ مِمَّا يَسْتَوْجِبُ الإِْشْهَادَ (ر: إِشْهَادٌ) .
وَمِنْ ذَلِكَ إِظْهَارُ الْحُكْمِ بِالْحَجْرِ عَلَى شَخْصٍ
_________
(١) الفتاوى الهندية ٥ / ٣٩٠.
(٢) الفتاوى الهندية ٥ / ٣٩٠ وما بعدها، وكتاب المخارج في الحيل لمحمد بن الحسن، والمغني ٤ / ٥٣ وما بعدها، والقليوبي ٤ / ٣٣٨، ٣٦٠، ٣٦٤.
(٣) أسنى المطالب ٤ / ٣١٥، ومسلم الثبوت ٢ / ١٥١ وما بعدها.
(٤) إذا أظهرت في الشاهد ما ترد به شهادته.
(٥) سورة النور / ٢.
مُعَيَّنٍ لِيَتَحَاشَى النَّاسُ التَّعَامُل مَعَهُ، كَمَا ذَكَرَ ذَلِكَ الْفُقَهَاءُ فِي كِتَابِ الْقَضَاءِ، وَفِي كِتَابِ الْحَجْرِ.
وَمِنْ ذَلِكَ إِظْهَارُ الْمُؤْمِنِ الْفَقِيرِ الاِسْتِغْنَاءَ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى فِي وَصْفِ الْمُؤْمِنِينَ: ﴿يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِل أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ﴾، (١) وَإِظْهَارُ الْمُتَصَدِّقِ الصَّدَقَةَ إِنْ كَانَ مِمَّنْ يُقْتَدَى بِهِ، أَوْ كَانَ فِي إِظْهَارِهَا تَشْجِيعًا لِلْغَيْرِ عَلَى الصَّدَقَةِ وَنَحْوِهَا مِنْ عَمَل الْخَيْرِ. كَمَا ذَكَرَ ذَلِكَ الْفُقَهَاءُ فِي كِتَابِ الصَّدَقَاتِ، وَكَمَا هُوَ مَذْكُورٌ فِي كُتُبِ الآْدَابِ الشَّرْعِيَّةِ.
وَمِنْ ذَلِكَ إِظْهَارُ الْبَهْجَةِ وَالسُّرُورِ فِي الْمَوَاسِمِ وَالأَْعْيَادِ، وَالْخِتَانِ، وَالأَْعْرَاسِ، وَوِلاَدَةِ مَوْلُودٍ، وَإِظْهَارِ الْبِشْرِ عِنْدَ لِقَاءِ الضَّيْفِ، وَلِقَاءِ الإِْخْوَانِ، وَإِظْهَارِ الأَْدَبِ عِنْدَ زِيَارَةِ قَبْرِ الرَّسُول ﷺ، كَمَا ذُكِرَ ذَلِكَ فِي كُتُبِ الآْدَابِ الشَّرْعِيَّةِ، وَإِظْهَارُ التَّذَلُّل عِنْدَ الْخُرُوجِ إِلَى الاِسْتِسْقَاءِ، كَمَا ذَكَرَ الْفُقَهَاءُ ذَلِكَ فِي بَابِ صَلاَةِ الاِسْتِسْقَاءِ، وَإِظْهَارُ الْمُجَاهِدِ قُوَّتَهُ وَبَأْسَهُ لِلْعَدُوِّ، كَتَبَخْتُرِهِ بَيْنَ الصَّفَّيْنِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، كَمَا هُوَ مُبَيَّنٌ فِي كِتَابِ الْجِهَادِ مِنْ كُتُبِ الْفِقْهِ. وَغَيْرِ ذَلِكَ.
مَا يَجُوزُ إِظْهَارُهُ:
١١ - مِنْ ذَلِكَ إِظْهَارُ الْحُزْنِ عَلَى الْمَيِّتِ بِالْبُكَاءِ بِدُونِ صَوْتٍ، وَبِالإِْحْدَادِ مُدَّةَ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ إِنْ لَمْ يَكُنِ الْمَيِّتُ زَوْجًا، فَإِنْ كَانَ الْمَيِّتُ زَوْجًا فَالإِْحْدَادُ وَاجِبٌ عَلَى الزَّوْجَةِ كَمَا تَقَدَّمَ.
مَا لاَ يَجُوزُ إِظْهَارُهُ:
١٢ - مِنْ ذَلِكَ إِظْهَارُ الْمُنْكَرَاتِ كُلِّهَا (٢)، وَإِظْهَارُ
_________
(١) سورة البقرة / ٢٧٣.
(٢) إحياء علوم الدين ٣ / ٣٢٠.
الْعَوْرَةِ، وَلاَ يَجُوزُ لأَِهْل الذِّمَّةِ إِظْهَارُ شَيْءٍ مِنْ صُلْبَانِهِمْ وَنَوَاقِيسِهِمْ وَخَمْرِهِمْ (١) كَمَا ذَكَرَ ذَلِكَ الْفُقَهَاءُ فِي كِتَابِ الْجِزْيَةِ. وَلاَ يَجُوزُ إِظْهَارُ مَا يَجِبُ إِخْفَاؤُهُ مِمَّا يَكُونُ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ كَمَا ذَكَرَ ذَلِكَ الْفُقَهَاءُ فِي بَابِ الْمُعَاشَرَةِ. وَلاَ يَجُوزُ إِظْهَارُ خِطْبَةِ الْمُعْتَدَّةِ مَا دَامَتْ فِي عِدَّتِهَا كَمَا ذَكَرَ ذَلِكَ الْفُقَهَاءُ فِي بَابِ الْعِدَّةِ.
إِعَادَةٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الإِْعَادَةُ تُطْلَقُ فِي اللُّغَةِ عَلَى: إِرْجَاعِ الشَّيْءِ إِلَى حَالِهِ الأَْوَّل، كَمَا تُطْلَقُ عَلَى فِعْل الشَّيْءِ مَرَّةً ثَانِيَةً، فَمِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى " الْمُعِيدُ " - أَيِ الَّذِي يُعِيدُ الْخَلْقَ بَعْدَ الْفِنَاءِ، وقَوْله تَعَالَى ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّل خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ (٢) بِهَذَا الْمَعْنَى أَيْضًا. (٣)
وَالْفُقَهَاءُ غَالِبًا مَا يُطْلِقُونَ عَلَى إِرْجَاعِ الشَّيْءِ إِلَى مَكَانِهِ الأَْوَّل لَفْظَ (الرَّدِّ) فَيَقُولُونَ: رَدُّ الشَّيْءِ الْمَسْرُوقِ، وَرَدُّ الْمَغْصُوبِ، وَقَدْ يَقُولُونَ أَيْضًا: إِعَادَةُ الْمَسْرُوقِ.
أَمَّا الإِْعَادَةُ بِالْمَعْنَى الثَّانِي - وَهُوَ فِعْل الشَّيْءِ ثَانِيَةً - فَقَدْ عَرَّفَهَا الْغَزَالِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ: بِأَنَّهَا " مَا فُعِل فِي وَقْتِ الأَْدَاءِ ثَانِيًا لِخَلَلٍ فِي الأَْوَّل ". وَتَعْرِيفُ الْحَنَفِيَّةِ كَمَا ذَكَرَ ابْنُ عَابِدِينَ " الإِْعَادَةُ:
_________
(١) قليوبي ٣ / ٣٢، ٤ / ٢٣٦.
(٢) سورة الأنبياء / ١٠٤.
(٣) انظر: تاج العروس، ولسان العرب، والمغرب مادة: (عود) .
فِعْل مِثْل الْوَاجِبِ فِي وَقْتِهِ لِخَلَلٍ غَيْرِ الْفَسَادِ ". أَمَّا الْحَنَابِلَةُ فَهِيَ عِنْدَهُمْ: فِعْل الشَّيْءِ مَرَّةً أُخْرَى.
وَقَدْ عَرَّفَهَا الْقَرَافِيُّ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ بِأَنَّهَا: إِيقَاعُ الْعِبَادَةِ فِي وَقْتِهَا بَعْدَ تَقَدُّمِ إِيقَاعِهَا عَلَى خَلَلٍ فِي الإِْجْزَاءِ، كَمَنْ صَلَّى بِدُونِ رُكْنٍ، أَوْ فِي الْكَمَال كَمَنْ صَلَّى مُنْفَرِدًا.
وَلَعَل الأَْحْسَنَ مِنْ هَذَا مَا عَرَّفَهَا بِهِ بَعْضُهُمْ حَيْثُ قَال: الإِْعَادَةُ فِعْل مِثْل الْوَاجِبِ فِي وَقْتِهِ لِعُذْرٍ (١) لِيَشْمَل نَحْوَ إِعَادَةِ مَنْ صَلَّى مُنْفَرِدًا صَلاَتَهُ مَعَ الْجَمَاعَةِ. وَالْكَلاَمُ فِي هَذَا الْبَحْثِ مَلْحُوظٌ فِيهِ التَّعْرِيفُ الأَْعَمُّ لِلإِْعَادَةِ وَهُوَ تَعْرِيفُ الْحَنَابِلَةِ.
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - التَّكْرَارُ:
٢ - الْفُقَهَاءُ يَسْتَعْمِلُونَ كَلِمَةَ " إِعَادَةٌ " فِي إِعَادَةِ التَّصَرُّفِ مَرَّةً وَاحِدَةً، وَيَسْتَعْمِلُونَ كَلِمَةَ " تَكْرَارٌ " عِنْدَمَا تَكُونُ الإِْعَادَةُ مِرَارًا. (٢)
ب - الْقَضَاءُ:
٣ - الْمَأْمُورُ بِهِ إِمَّا أَنْ يَكُونَ لأَِدَائِهِ وَقْتٌ مُحَدَّدٌ، كَالصَّلاَةِ وَالْحَجِّ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَإِمَّا أَلاَّ يَكُونَ لَهُ
_________
(١) التلويح على التوضيح ١ / ١٦١، وجمع الجوامع ١ / ١٠٩ وما بعدها، والبدخشي ١ / ٦٤، وحاشية ابن عابدين ١ / ٤٨٦ طبعة بولاق الأولى، وروضة الناظر لابن قدامة ١ / ١٦٨ طبع المطبعة السلفية، والذخيرة ص ٦٤، والمستصفى ١ / ٩٥ ط بولاق.
(٢) الفروق في اللغة لأبي هلال العسكري ص ٣٠ طبع بيروت دار الآفاق.
وَقْتٌ مُحَدَّدٌ، فَالْقَضَاءُ هُوَ فِعْل الْمَأْمُورِ بِهِ بَعْدَ خُرُوجِ وَقْتِهِ الْمُحَدَّدِ (١)، أَمَّا الإِْعَادَةُ: فَهِيَ فِعْل الْمَأْمُورِ بِهِ ثَانِيَةً فِي وَقْتِهِ إِنْ كَانَ لَهُ وَقْتٌ مُحَدَّدٌ، أَوْ فِي أَيِّ وَقْتٍ كَانَ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَقْتٌ مُحَدَّدٌ.
ج - الاِسْتِئْنَافُ:
٤ - الاِسْتِئْنَافُ لاَ يُسْتَعْمَل إِلاَّ فِي إِعَادَةِ الْعَمَل أَوِ التَّصَرُّفِ مِنْ أَوَّلِهِ، كَاسْتِئْنَافِ الْوُضُوءِ، (٢) أَمَّا الإِْعَادَةُ فَإِنَّهَا تُسْتَعْمَل فِي إِعَادَةِ التَّصَرُّفِ مِنْ أَوَّلِهِ أَوْ إِعَادَةِ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَائِهِ، كَإِعَادَةِ غَسْل عُضْوٍ مِنْ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ.
الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ:
٥ - الإِْعَادَةُ إِمَّا أَنْ تَكُونَ لِخَلَلٍ فِي الْفِعْل الأَْوَّل، أَوْ لِغَيْرِ خَلَلٍ فِيهِ:
أ - فَإِنْ كَانَتْ لِخَلَلٍ فِي الْفِعْل الأَْوَّل: فَإِنَّ حُكْمَهَا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلاَفِ هَذَا الْخَلَل. فَإِنْ كَانَ الْخَلَل مُفْسِدًا لِلتَّصَرُّفِ، وَكَانَ التَّصَرُّفُ وَاجِبًا وَجَبَتْ إِعَادَةُ هَذَا التَّصَرُّفِ. كَمَا إِذَا تَوَضَّأَ وَصَلَّى ثُمَّ عَلِمَ أَنَّ الْمَاءَ نَجِسٌ أَعَادَ الْوُضُوءَ وَالصَّلاَةَ. (٣)
أَمَّا إِنْ كَانَ التَّصَرُّفُ غَيْرَ وَاجِبٍ، وَكَانَ الْخَلَل يَمْنَعُ انْعِقَادَهُ أَصْلًا، كَفَقْدِ شَرْطٍ مِنْ شُرُوطِ الاِنْعِقَادِ، فَلاَ يُسَمَّى فِعْلُهُ مَرَّةً أُخْرَى (إِعَادَةٌ) لأَِنَّهُ لَمْ يُوجَدْ فِي الاِعْتِبَارِ الشَّرْعِيِّ.
أَمَّا إِنْ كَانَ الْفِعْل غَيْرَ وَاجِبٍ، وَكَانَ الشُّرُوعُ
_________
(١) التلويح على التوضيح ١ / ١٦٦، وابن عابدين ١ / ٤٨٥ و٤٨٧ طبعة بولاق الأولى.
(٢) المجموع ١ / ٤٤٨.
(٣) المغني مع الشرح الكبير ١ / ٢٨ طبع مطبعة السعادة.
فِيهِ صَحِيحًا، ثُمَّ طَرَأَ عَلَيْهِ الْخَلَل فَأَفْسَدَهُ، فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي وُجُوبِ إِعَادَتِهِ، بِنَاءً عَلَى اخْتِلاَفِهِمْ فِي اعْتِبَارِ الشُّرُوعِ مُلْزِمًا أَوْ غَيْرَ مُلْزِمٍ. فَمَنْ قَال: إِنَّ الشُّرُوعَ مُلْزِمٌ - كَالْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ - فَقَدْ أَوْجَبَ الإِْعَادَةَ، وَمَنْ قَال: إِنَّ الشُّرُوعَ غَيْرُ مُلْزَمٍ - كَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ - لَمْ يُوجِبِ الإِْعَادَةَ، كَمَنْ شَرَعَ فِي الصَّلاَةِ ثُمَّ تَرَكَ إِحْدَى السَّجْدَتَيْنِ، أَوْ شَرَعَ فِي الصِّيَامِ ثُمَّ أَفْطَرَ لِعُذْرٍ أَوْ لِغَيْرِ عُذْرٍ، فَقَال الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ: يُعِيدُ، وَقَال الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: لاَ إِعَادَةَ عَلَيْهِ.
وَمَنِ اسْتَحَبَّ الإِْعَادَةَ مِنْهُمُ اسْتَحَبَّهَا لِلْخُرُوجِ مِنْ خِلاَفِ الْعُلَمَاءِ. (١)
وَإِنْ كَانَ الْخَلَل غَيْرَ مُفْسِدٍ لِلْفِعْل، وَكَانَ هَذَا الْخَلَل يُوجِبُ الْكَرَاهَةَ التَّحْرِيمِيَّةَ، فَإِعَادَةُ التَّصَرُّفِ وَاجِبَةٌ، وَإِنْ كَانَ يُوجِبُ الْكَرَاهَةَ التَّنْزِيهِيَّةَ فَإِعَادَةُ التَّصَرُّفِ مُسْتَحَبَّةٌ. فَمَنْ تَرَكَ الْمُوَالاَةَ أَوِ التَّرْتِيبَ فِي الْوُضُوءِ، فَالسُّنَّةُ أَنْ يُعِيدَ عِنْدَ مَنْ يَقُول: إِنَّهُمَا سُنَّةٌ. (٢)
ب - وَإِنْ كَانَتِ الإِْعَادَةُ لِغَيْرِ خَلَلٍ، فَهِيَ لاَ تَخْلُو مِنْ أَنْ تَكُونَ لِسَبَبٍ مَشْرُوعٍ أَوْ غَيْرِ مَشْرُوعٍ. فَإِنْ كَانَتْ لِسَبَبٍ مَشْرُوعٍ كَتَحْصِيل الثَّوَابِ كَانَتْ مُسْتَحَبَّةً، إِنْ كَانَتِ الإِْعَادَةُ فِي ذَلِكَ
_________
(١) تخريج الفروع على الأصول ص ١٣٨ طبعة ثانية، والاختيار لتعليل المختار ١ / ٦٦، ١٣٥ نشر دار المعرفة في بيروت، وأسنى المطالب شرح روض الطالب ١ / ٣٠ نشر المكتبة الإسلامية، والفواكه الدواني ١ / ٢٥٦ نشر دار المعرفة.
(٢) حاشية ابن عابدين ١ / ٤٨٧ طبعة ثالثة - بولاق، ومراقي الفلاح بحاشية الطحطاوي ص ١٨٩ طبع بولاق سنة ١٣١٨ هـ، وبدائع الصنائع ١ / ١٤٩، والحطاب في مواهب الجليل على الخليل ١ / ٢٢٥ نشر دار الفكر.