الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٥ الصفحة 36

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٥

مَشْرُوعَةً، كَإِعَادَةِ الْوُضُوءِ الَّذِي تَعَبَّدَ بِهِ لِصَلاَةٍ يُرِيدُ أَدَاءَهَا (١) وَإِعَادَةِ الصَّلاَةِ الَّتِي صَلاَّهَا مُنْفَرِدًا بِجَمَاعَةٍ. (٢)

وَكَمَا لَوْ صَلَّى جَمَاعَةً فِي بَيْتِهِ ثُمَّ خَرَجَ إِلَى أَحَدِ الْمَسَاجِدِ الثَّلاَثَةِ (الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَمَسْجِدِ الرَّسُول ﷺ وَالْمَسْجِدِ الأَْقْصَى) فَوَجَدَ النَّاسَ يُصَلُّونَهَا جَمَاعَةً فَأَعَادَهَا مَعَهُمْ.

أَمَّا إِنْ صَلاَّهَا بِجَمَاعَةٍ، ثُمَّ رَأَى جَمَاعَةً أُخْرَى يُصَلُّونَهَا فِي غَيْرِ الْمَسَاجِدِ الثَّلاَثَةِ، فَفِي إِعَادَتِهَا مَعَهُمْ خِلاَفٌ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ. (٣) أَمَّا إِنْ كَانَتْ لِسَبَبٍ غَيْرِ مَشْرُوعٍ فَتُكْرَهُ الإِْعَادَةُ، كَالأَْذَانِ وَالإِْقَامَةِ فَإِنَّهُمَا لاَ يُعَادَانِ بِإِعَادَةِ الصَّلاَةِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَبَعْضِ الْمَالِكِيَّةِ وَبَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ. (٤)

أَسْبَابُ الإِْعَادَةِ:

مِنْ أَسْبَابِ الإِْعَادَةِ مَا يَلِي:

أ - وُقُوعُ الْفِعْل غَيْرَ صَحِيحٍ لِعَدَمِ تَوَفُّرِ شُرُوطِ صِحَّتِهِ:

٦ - كَمَنْ تَوَضَّأَ وَتَرَكَ جُزْءًا يَجِبُ غَسْلُهُ مِنْ أَعْضَاءِ

_________

(١) المجموع ١ / ٣٣٣، والمغني ١ / ١٤٣ الطبعة الثالثة، وحاشية ابن عابدين ١ / ١١١ الطبعة الثالثة - بولاق -، ومراقي الفلاح ص ٤٦ طبع بولاق سنة ١٣١٨ هـ.

(٢) الحطاب في مواهب الجليل ٢ / ٨٢، والمغني ٢ / ١١١ طبعة ثالثة.

(٣) مواهب الجليل ٢ / ٨٢.

(٤) المجموع ١ / ٣٣٣، ومراقي الفلاح ص ٤٦، مواهب الجليل ١ / ٤٦٠، وحاشية ابن عابدين ١ / ٢٦١ طبعة بولاق الأولى.

الْوُضُوءِ (١) . وَمَنْ تَوَضَّأَ أَوِ اغْتَسَل بِغَيْرِ نِيَّةٍ (٢) عِنْدَ مَنْ يَشْتَرِطُ النِّيَّةَ لَهُمَا. وَمَنْ رَأَوْا أَسْوِدَةً فَظَنُّوهَا عَدُوًّا، فَصَلَّوْا صَلاَةَ الْخَوْفِ، ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهَا غَيْرُ عَدُوٍّ (٣) .

ب - الشَّكُّ فِي وُقُوعِ الْفِعْل:

٧ - كَمَنْ نَسِيَ صَلاَةً مِنْ خَمْسِ صَلَوَاتٍ، وَلاَ يَدْرِي مَا هِيَ، فَإِنَّهُ يُعِيدُ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ احْتِيَاطًا، لأَِنَّ الشَّكَّ قَدْ طَرَأَ عَلَى أَدَاءِ كُل وَاحِدَةٍ مِنْهَا. (٤)

ج - الإِْبْطَال بَعْدَ الْوُقُوعِ:

٨ - كَإِعَادَةِ مَا أَبْطَلَتْهُ الرِّدَّةُ مِنَ الْعِبَادَاتِ مَا دَامَ سَبَبُهَا - أَيْ سَبَبُ الْعِبَادَةِ - بَاقِيًا عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَفِيَّةِ، وَقَال الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: الرِّدَّةُ لاَ تُبْطِل الأَْعْمَال أَبَدًا إِلاَّ إِذَا اتَّصَلَتْ بِالْمَوْتِ.

وَعَلَى هَذَا فَإِنَّ مَنْ صَلَّى الظُّهْرَ، ثُمَّ ارْتَدَّ، ثُمَّ أَسْلَمَ قَبْل الْعَصْرِ، وَجَبَ عَلَيْهِ إِعَادَةُ الظُّهْرِ لأَِنَّ سَبَبَهُ - وَهُوَ الْوَقْتُ - مَا زَال بَاقِيًا، وَمَنْ حَجَّ ثُمَّ ارْتَدَّ، ثُمَّ أَسْلَمَ فِي الْعَامِ نَفْسِهِ، أَوْ بَعْدَ أَعْوَامٍ وَجَبَ عَلَيْهِ إِعَادَةُ الْحَجِّ، لأَِنَّ سَبَبَهُ بَاقٍ وَهُوَ " الْبَيْتُ ". (٥)

_________

(١) الحطاب ١ / ٢٢٨ في مواهب الجليل، وكشاف القناع ١ / ٦١.

(٢) المجموع ١ / ٣٢١.

(٣) المجموع ٤ / ٤٣١، وكشاف القناع ١ / ٢٣٩.

(٤) المجموع ١ / ٢٣١ الطبعة المنيرية سنة ١٣٢٤ هـ.

(٥) حاشية ابن عابدين ٣ / ٣٠٣ طبعة بولاق الأولى، وحاشية الدسوقي ٤ / ٣٠٧ نشر دار الفكر، والأشباه والنظائر لابن نجيم ٧٤، ونهاية المحتاج ٧ / ٣٩٣ طبع المكتبة الإسلامية، وكشاف القناع ٦ / ١٨١ نشر مكتبة النصر الحديثة.

د - زَوَال الْمَانِعِ:

٩ - كَإِعَادَةِ الصَّلاَةِ بِالْوُضُوءِ لِمَنْ تَيَمَّمَ - لِوُجُودِ عَدُوٍّ يَحُول بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَاءِ - وُجُوبًا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ. وَكَإِعَادَةِ الْمُتَيَمِّمِ الصَّلاَةَ اسْتِحْبَابًا إِذَا وَجَدَ الْمَاءَ فِي الْوَقْتِ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ. (١) وَانْظُرْ (التَّيَمُّمُ) .

وَإِذَا كَانَ الْمَانِعُ مِنْ أَمْرٍ لَيْسَ لَهُ بَدَلٌ، كَمَنْ كَانَ عَلَى بَدَنِهِ نَجَاسَةٌ، وَلَيْسَ عِنْدَهُ مَا يُزِيلُهَا بِهِ، أَوْ كَانَ فِي ثَوْبِهِ نَجَاسَةٌ وَلَيْسَ عِنْدَهُ غَيْرُهُ، وَلاَ مَا يُزِيلُهَا بِهِ، فَإِنَّهُ يُصَلِّي فِيهِ وَلاَ إِعَادَةَ عَلَيْهِ فِي الْوَقْتِ وَلاَ فِي غَيْرِهِ (٢) عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَقَال غَيْرُهُمْ يُعِيدُ مُطْلَقًا إِذَا زَال الْمَانِعُ (٣) كَمَا فَصَّل ذَلِكَ الْفُقَهَاءُ فِي كِتَابِ الصَّلاَةِ عِنْدَ كَلاَمِهِمْ عَلَى شُرُوطِ الصَّلاَةِ.

هـ - الاِفْتِيَاتُ عَلَى صَاحِبِ الْحَقِّ:

١٠ - إِذَا كَانَ لِمَسْجِدٍ أَهْلٌ مَعْلُومُونَ، فَصَلَّى فِيهِ غُرَبَاءُ بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ، فَلاَ يُكْرَهُ لأَِهْلِهِ إِعَادَةُ الأَْذَانِ، وَإِنْ صَلَّى فِيهِ أَهْلُهُ بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ يُكْرَهُ لِغَيْرِ أَهْلِهِ إِعَادَةُ الأَْذَانِ فِيهِ، (٤) وَإِذَا أَذَّنَ غَيْرُ الْمُؤَذِّنِ الرَّاتِبِ ثُمَّ حَضَرَ الْمُؤَذِّنُ الرَّاتِبُ فَلَهُ إِعَادَةُ الأَْذَانِ. (٥)

سُقُوطُ الْوَاجِبِ:

١١ - إِذَا أُعِيدَ عَمَلٌ لِخَلَلٍ غَيْرِ مُفْسِدٍ، فَهَل يَسْقُطُ ذَلِكَ الْوَاجِبُ بِالْفِعْل الأَْوَّل أَمْ بِالْفِعْل الثَّانِي؟ .

_________

(١) حاشية الطحطاوي على الدر المختار ١ / ١٢٦ وكشاف القناع ١ / ١٧٧.

(٢) مراقي الفلاح ص ١٢٩ طبع بولاق سنة ١٣١٨ هـ.

(٣) كشاف القناع ١ / ٢٧٠، والمغني ١ / ٢٧٣، ٢٧٤، والمجموع ٣ / ٦٦٣.

(٤) بدائع الصنائع ١ / ١٥٣.

(٥) كشاف القناع ١٦٧ طبع المطبعة العامرة الشرقية.

مِنَ الْفُقَهَاءِ مَنْ قَال: إِنَّ الْوَاجِبَ يَسْقُطُ بِالْفِعْل الثَّانِي، لأَِنَّهُ الْفِعْل الْكَامِل الْخَالِي مِنَ الْخَلَل. وَهَذَا قَوْل الشَّعْبِيِّ وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَعَطَاءٍ وَمَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ، كَمَا قَال ابْنُ عَابِدِينَ. وَاسْتَدَلُّوا بِحَدِيثِ يَزِيدَ بْنِ الأَْسْوَدِ مَرْفُوعًا: إِذَا جِئْتَ إِلَى الصَّلاَةِ فَوَجَدْتَ النَّاسَ فَصَل مَعَهُمْ، وَإِنْ كُنْتَ قَدْ صَلَّيْتَ تَكُنْ لَكَ نَافِلَةً وَهَذِهِ مَكْتُوبَةٌ. (١)

وَمِنْهُمْ مَنْ قَال: إِنَّ الْوَاجِبَ يَسْقُطُ بِالْفِعْل الأَْوَّل لأَِنَّهُ وَقَعَ صَحِيحًا غَيْرَ بَاطِلٍ، وَلَكِنَّ فِيهِ شَيْئًا مِنَ الْخَلَل، وَالإِْعَادَةُ شُرِعَتْ لِجَبْرِ هَذَا الْخَلَل فِيهِ. وَهَذَا مَرْوِيٌّ عَنْ عَلِيٍّ، وَقَوْل الثَّوْرِيِّ وَإِسْحَاقَ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ.

وَاسْتَدَلُّوا بِرِوَايَةٍ أُخْرَى لِلْحَدِيثِ السَّابِقِ فِيهَا: إِذَا صَلَّيْتُمَا فِي رِحَالِكُمَا، ثُمَّ أَتَيْتُمَا مَسْجِدَ جَمَاعَةٍ، فَصَلِّيَا مَعَهُمْ، فَإِنَّهَا لَكُمْ نَافِلَةٌ. (٢)

أَمَّا النِّيَّةُ فِي الإِْعَادَةِ: فَقَدْ قَال ابْنُ عَابِدِينَ: يَنْوِي بِالْفِعْل الثَّانِي الْفَرْضَ - إِنْ كَانَ الْمُعَادُ فَرْضًا

_________

(١) حديث يزيد بن الأسود " إذا جئت إلى الصلاة. . . . " أخرجه مالك والنسائي والحاكم من حديث محجن بلفظ: " إذا جئت فصل مع الناس وإن كنت قد صليت " قال عبد القادر الأرناؤوط محقق جامع الأصول: هذا حديث صحيح. (الموطأ ١ / ١٣٢ ط عيسى الحلبي، وسنن النسائي ٢ / ١١٢ ط المطبعة الأزهرية، والمستدرك ١ / ٢٤٤، وجامع الأصول بتحقيق محمد فؤاد عبد الباقي ٥ / ٦٥٠ نشر مكتبة الحلواني) .

(٢) حديث " إذا صليتها في رحالكما. . " أخرجه أبو داود والنسائي والترمذي واللفظ له من حديث يزيد بن الأسود العامري مرفوعا، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. (سنن أبي داود ١ / ٣٨٦ - ٣٨٨ ط استنبول، وتحفة الأحوذي ٤ / ٣ - ٥ نشر المكتبة السلفية، وسنن النسائي ٢ / ١١٢، ١١٣ ط المطبعة الأزهرية.

لأَِنَّ مَا فَعَلَهُ أَوَّلًا هُوَ الْفَرْضُ، فَإِعَادَتُهُ: فِعْلُهُ ثَانِيَةً عَلَى الْوَجْهِ نَفْسِهِ. (١)

أَمَّا عَلَى الْقَوْل بِأَنَّ الْفَرْضَ يَسْقُطُ بِالْفِعْل الثَّانِي فَظَاهِرٌ. وَأَمَّا عَلَى الْقَوْل بِأَنَّ الْفَرْضَ يَسْقُطُ بِالْفِعْل الأَْوَّل، فَإِنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ تَكْرَارِ الْفِعْل ثَانِيَةً هُوَ جُبْرَانُ نُقْصَانِ الْفِعْل الأَْوَّل، فَالأَْوَّل فَرْضٌ نَاقِصٌ، وَالثَّانِي فَرْضٌ كَامِلٌ، مِثْل الْفِعْل الأَْوَّل ذَاتًا مَعَ وَصْفِ الْكَمَال، وَلَوْ كَانَ الْفِعْل الثَّانِي نَفْلًا لَلَزِمَ أَنْ تَجِبَ الْقِرَاءَةُ فِي الرَّكَعَاتِ الأَْرْبَعِ لِلصَّلاَةِ الْمُعَادَةِ، وَأَلاَّ تُشْرَعَ الْجَمَاعَةُ فِيهَا، وَلَمْ يَذْكُرِ الْفُقَهَاءُ شَيْئًا مِنْ هَذَا.

وَلاَ يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ الصَّلاَةِ الثَّانِيَةِ فَرْضًا عَدَمُ سُقُوطِ الْفَرْضِ بِالأُْولَى، لأَِنَّ الْمُرَادَ أَنَّهَا تَكُونُ فَرْضًا بَعْدَ الْوُقُوعِ، أَمَّا قَبْلَهُ فَالْفَرْضُ هُوَ الأَْوْلَى، وَحَاصِلُهُ تَوَقُّفُ الْحُكْمِ بِفَرْضِيَّةِ الأُْولَى عَلَى عَدَمِ الإِْعَادَةِ، وَلَهُ نَظَائِرُ: كَسَلاَمِ مَنْ عَلَيْهِ سُجُودُ السَّهْوِ يُخْرِجُهُ خُرُوجًا مَوْقُوفًا، وَكَفَسَادِ الصَّلاَةِ الْوَقْتِيَّةِ مَعَ تَذَكُّرِ صَلاَةٍ فَائِتَةٍ. (٢)

إِعَارَةٌ

التَّعْرِيفُ:

١ - الإِْعَارَةُ فِي اللُّغَةِ: مِنَ التَّعَاوُرِ، وَهُوَ التَّدَاوُل وَالتَّنَاوُبُ مَعَ الرَّدِّ. وَالإِْعَارَةُ مَصْدَرُ أَعَارَ، وَالاِسْمُ

_________

(١) حاشية ابن عابدين ١ / ٤٨٧ طبعة بولاق الأولى، والمغني ٢ / ١١٣ ط الرياض.

(٢) حاشية ابن عابدين ١ / ٤٨٧.

مِنْهُ الْعَارِيَّةُ، وَتُطْلَقُ عَلَى الْفِعْل، وَعَلَى الشَّيْءِ الْمُعَارِ، وَالاِسْتِعَارَةُ طَلَبُ الإِْعَارَةِ. (١)

وَفِي الاِصْطِلاَحِ عَرَّفَهَا الْفُقَهَاءُ بِتَعَارِيفَ مُتَقَارِبَةٍ.

فَقَال الْحَنَفِيَّةُ: إِنَّهَا تَمْلِيكُ الْمَنَافِعِ مَجَّانًا. (٢)

وَعَرَّفَهَا الْمَالِكِيَّةُ: بِأَنَّهَا تَمْلِيكُ مَنْفَعَةٍ مُؤَقَّتَةٍ بِلاَ عِوَضٍ. (٣)

وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: إِنَّهَا شَرْعًا إِبَاحَةُ الاِنْتِفَاعِ بِالشَّيْءِ مَعَ بَقَاءِ عَيْنِهِ. (٤)

وَعَرَّفَهَا الْحَنَابِلَةُ: بِأَنَّهَا إِبَاحَةُ الاِنْتِفَاعِ بِعَيْنٍ مِنْ أَعْيَانِ الْمَال (٥) .

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:

أ - الْعُمْرَى:

٢ - الْعُمْرَى: تَمْلِيكُ الْمَنْفَعَةِ طُول حَيَاةِ الْمُسْتَعِيرِ بِغَيْرِ عِوَضٍ، فَهِيَ أَخَصُّ.

ب - الإِْجَارَةُ:

٣ - الإِْجَارَةُ: تَمْلِيكُ مَنْفَعَةٍ بِعِوَضٍ، فَتَجْتَمِعُ مَعَ الإِْعَارَةِ فِي تَمْلِيكِ الْمَنْفَعَةِ عِنْدَ الْقَائِلِينَ بِالتَّمْلِيكِ، وَتَنْفَرِدُ الإِْجَارَةُ بِأَنَّهَا بِعِوَضٍ، وَالإِْعَارَةُ بِأَنَّهَا بِغَيْرِ عِوَضٍ (٦) .

ج - الاِنْتِفَاعُ:

٤ - الاِنْتِفَاعُ: هُوَ حَقُّ الْمُنْتَفِعِ فِي اسْتِعْمَال الْعَيْنِ وَاسْتِغْلاَلِهَا، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُؤَاجِرَهُ، وَلاَ أَنْ يُعِيرَهُ

_________

(١) تاج العروس مادة (عور) .

(٢) ابن عابدين ٤ / ٥٠٢.

(٣) الشرح الصغير ٣ / ٥٧٠، والزرقاني ٦ / ١٢٦.

(٤) شرح المنهاج وحواشيه ٥ / ١١٥.

(٥) المغني ٥ / ٢٢٠ ط الرياض.

(٦) الشرح الصغير ٣ / ٥٧٠.

لِغَيْرِهِ وَالْمَنْفَعَةُ أَعَمُّ مِنَ الاِنْتِفَاعِ، لأَِنَّ لَهُ فِيهَا الاِنْتِفَاعَ بِنَفْسِهِ وَبِغَيْرِهِ، كَأَنْ يُعِيرَهُ أَوْ يُؤَاجِرَهُ (١) .

دَلِيل مَشْرُوعِيَّتِهَا:

٥ - الأَْصْل فِي مَشْرُوعِيَّةِ الإِْعَارَةِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالإِْجْمَاعُ وَالْمَعْقُول: أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ (٢) فَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُمَا قَالاَ: الْمَاعُونُ الْعَوَارِيُّ. وَفَسَّرَ ابْنُ مَسْعُودٍ الْعَوَارِيَّ بِأَنَّهَا الْقِدْرُ وَالْمِيزَانُ وَالدَّلْوُ.

وَأَمَّا السُّنَّةُ: فَمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال فِي خُطْبَةِ حَجَّةِ الْوَدَاعِ: وَالْعَارِيَّةُ مُؤَدَّاةٌ. وَالدَّيْنُ مَقْضِيٌّ. وَالْمِنْحَةُ مَرْدُودَةٌ. وَالزَّعِيمُ غَارِمٌ. (٣) وَرَوَى صَفْوَانُ بْنُ أُمَيَّةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اسْتَعَارَ مِنْهُ أَدْرُعًا يَوْمَ حُنَيْنٍ، فَقَال: أَغَصْبًا يَا مُحَمَّدُ؟ قَال بَل عَارِيَّةً مَضْمُونَةٌ. (٤) وَأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى جَوَازِ الْعَارِيَّةِ.

وَمِنَ الْمَعْقُول: أَنَّهُ لَمَّا جَازَتْ هِبَةُ الأَْعْيَانِ جَازَتْ هِبَةُ الْمَنَافِعِ، وَلِذَلِكَ صَحَّتِ الْوَصِيَّةُ بِالأَْعْيَانِ وَالْمَنَافِعِ جَمِيعًا. (٥)

_________

(١) هامش الزرقاني ٦ / ١٣٢، والشرح الصغير ٣ / ٥٧٠، والدسوقي ٣ / ٤٣٣.

(٢) سورة الماعون / ٧.

(٣) حديث " العارية مؤداة " أخرجه أبو داود (٣ / ٨٢٥ - ط عزت عبيد دعاس) من حديث أبي أمامة، وأخرجه الترمذي مختصرا وقال: حديث أبي أمامة حديث حسن. (تحفة الأحوذي ٤ / ٤٨١، ٤٨٢ نشر السلفية) .

(٤) حديث " بل عارية مضمونة " أخرجه أبو داود (٣ / ٨٢٣ - ط عزت عبيد دعاس) وأحمد (٣ / ٤٠١ - ط الميمنية) والبيهقي (٦ / ٢٨٩ - ط دائرة المعارف العثمانية) وقواه البيهقي بشواهده.

(٥) الاختيار ٢ / ٥٥، والشرح الصغير ٣ / ٥٧٠، والمغني ٥ / ٢٢٠.

حُكْمُهَا التَّكْلِيفِيُّ:

٦ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ الإِْعَارَةِ بَعْدَ إِجْمَاعِهِمْ عَلَى جَوَازِهَا، فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ إِلَى أَنَّ حُكْمَهَا فِي الأَْصْل النَّدْبُ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ﴾ (١) وَقَوْل النَّبِيِّ ﷺ كُل مَعْرُوفٍ صَدَقَةٌ (٢) وَلَيْسَتْ وَاجِبَةً لأَِنَّهَا نَوْعٌ مِنَ الإِْحْسَانِ. لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: إِذَا أَدَّيْتَ زَكَاةَ مَالِكَ فَقَدْ قَضَيْتَ مَا عَلَيْكَ، (٣) وَقَوْلُهُ: لَيْسَ فِي الْمَال حَقٌّ سِوَى الزَّكَاةِ (٤) وَقِيل: هِيَ وَاجِبَةٌ.

وَاسْتَدَل الْقَائِلُونَ بِالْوُجُوبِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاَتِهِمْ سَاهُونَ الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ (٥) نُقِل عَنْ كَثِيرٍ مِنَ الصَّحَابَةِ أَنَّهَا عَارِيَّةَ الْقِدْرِ وَالدَّلْوِ وَنَحْوِهِمَا.

قَال صَاحِبُ الشَّرْحِ الصَّغِيرِ: وَقَدْ يَعْرِضُ لَهَا الْوُجُوبُ، كَغَنِيٍّ عَنْهَا، فَيَجِبُ إِعَارَةُ كُل مَا فِيهِ إِحْيَاءُ مُهْجَةٍ مُحْتَرَمَةٍ لاَ أُجْرَةَ لِمِثْلِهِ، وَكَذَا إِعَارَةُ سِكِّينٍ لِذَبْحِ مَأْكُولٍ يُخْشَى مَوْتُهُ، وَهَذَا الْمَنْقُول عَنِ

_________

(١) سورة الحج / ٧٧.

(٢) حديث " كل معروف صدقة " أخرجه البخاري (فتح الباري ١٠ / ٤٤٧ - ط السلفية) .

(٣) حديث " إذا أديت زكاة مالك. . . . " أخرجه الترمذي (تحفة الأحوذي ٣ / ٢٤٥، ٢٤٦ نشر السلفية) وابن ماجه (١ / ٥٧٠ - ط الحلبي) من حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعا، وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب.

(٤) حديث " ليس في المال حق سوى الزكاة " أخرجه ابن ماجه (١ / ٥٧٠ - ط الحلبي) وأعله ابن حجر في التلخيص (٢ / ١٦٠ - ط دار المحاسن) .

(٥) سورة الماعون / ٤ - ٧.

الْمَالِكِيَّةِ لاَ تَأْبَاهُ قَوَاعِدُ الْمَذَاهِبِ الأُْخْرَى. وَقَدْ تَكُونُ حَرَامًا كَإِعْطَائِهَا لِمَنْ تُعِينُهُ عَلَى مَعْصِيَةٍ. وَقَدْ تَكُونُ مَكْرُوهَةً كَإِعْطَائِهَا لِمَنْ تُعِينُهُ عَلَى فِعْلٍ مَكْرُوهٍ. (١)

أَرْكَانُ الإِْعَارَةِ:

٧ - قَال الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِنَّ أَرْكَانَ الْعَارِيَّةِ أَرْبَعَةٌ هِيَ: الْمُعِيرُ، وَالْمُسْتَعِيرُ، وَالْمُعَارُ، وَالصِّيغَةُ، وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ - كَمَا فِي سَائِرِ الْعُقُودِ - إِلَى أَنَّ رُكْنَهَا هُوَ الصِّيغَةُ فَقَطْ، وَمَا عَدَاهُ يُسَمَّى أَطْرَافَ الْعَقْدِ، كَمَا يُسَمَّى الْمُعَارَ مَحَلًّا.

أ - الْمُعِيرُ: وَيُشْتَرَطُ فِيهِ أَنْ يَكُونَ مَالِكًا لِلتَّصَرُّفِ فِي الشَّيْءِ الْمُعَارِ، مُخْتَارًا يَصِحُّ تَبَرُّعُهُ، فَلاَ تَصِحُّ إِعَارَةُ مُكْرَهٍ، وَلاَ مَحْجُورٍ عَلَيْهِ، وَلاَ إِعَارَةُ مَنْ يَمْلِكُ الاِنْتِفَاعَ دُونَ الْمَنْفَعَةِ كَسُكَّانِ مَدْرَسَةٍ مَوْقُوفَةٍ.

وَقَدْ صَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ بِأَنَّ الصَّبِيَّ الْمَأْذُونَ إِذَا أَعَارَ مَالَهُ صَحَّتِ الإِْعَارَةُ. (٢)

ب - الْمُسْتَعِيرُ: وَهُوَ طَالِبُ الإِْعَارَةِ، وَيُشْتَرَطُ فِيهِ أَنْ يَكُونَ أَهْلًا لِلتَّبَرُّعِ عَلَيْهِ بِالشَّيْءِ الْمُعَارِ، وَأَنْ يَكُونَ مُعَيَّنًا، فَلَوْ فَرَشَ بِسَاطَهُ لِمَنْ يَجْلِسُ عَلَيْهِ لَمْ يَكُنْ عَارِيَّةً، بَل مُجَرَّدُ إِبَاحَةٍ.

ج - الْمُسْتَعَارُ (الْمَحَل): هُوَ الَّذِي يَمْنَحُهُ الْمُعِيرُ

_________

(١) فتح القدير ٧ / ٤٦٤، والشرح الصغير ٣ / ٥٧٠، ونهاية المحتاج ٥ / ١١٧.

(٢) الفتاوى الهندية ٤ / ٣٧٢.

لِلْمُسْتَعِيرِ لِلاِنْتِفَاعِ بِهِ. وَيُشْتَرَطُ فِيهِ أَنْ يَكُونَ مُنْتَفَعًا بِهِ انْتِفَاعًا مُبَاحًا مَقْصُودًا مَعَ بَقَاءِ عَيْنِهِ. أَمَّا مَا تَذْهَبُ عَيْنُهُ بِالاِنْتِفَاعِ بِهِ كَالطَّعَامِ فَلَيْسَ إِعَارَةً، كَمَا لاَ تَحِل إِذَا كَانَتِ الإِْعَارَةُ لاِنْتِفَاعٍ مُحَرَّمٍ، كَإِعَارَةِ السِّلاَحِ لأَِهْل الْبَغْيِ أَوِ الْفَسَادِ، وَلاَ يُعَارُ مَا لاَ نَفْعَ فِيهِ. (١)

د - الصِّيغَةُ: وَهِيَ كُل مَا يَدُل عَلَى الإِْعَارَةِ مِنْ لَفْظٍ أَوْ إِشَارَةٍ أَوْ فِعْلٍ، وَهَذَا عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ.

وَالصَّحِيحُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ لاَ بُدَّ مِنَ اللَّفْظِ لِلْقَادِرِ عَلَيْهِ. أَوِ الْكِتَابَةِ مَعَ النِّيَّةِ، وَفِي غَيْرِ الصَّحِيحِ أَنَّهَا تَجُوزُ بِالْفِعْل.

وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّ رُكْنَ الإِْعَارَةِ الإِْيجَابُ بِالْقَوْل مِنَ الْمُعِيرِ، وَلاَ يُشْتَرَطُ الْقَوْل فِي الْقَبُول، خِلاَفًا لِزُفَرَ فَإِنَّهُ رُكْنٌ عِنْدَهُ، وَهُوَ الْقِيَاسُ، وَتَنْعَقِدُ عِنْدَهُمْ بِكُل لَفْظٍ يَدُل عَلَيْهَا وَلَوْ مَجَازًا. (٢)

مَا تَجُوزُ إِعَارَتُهُ:

٨ - تَجُوزُ إِعَارَةُ كُل عَيْنٍ يُنْتَفَعُ بِهَا مَنْفَعَةً مُبَاحَةً مَعَ بَقَائِهَا، كَالدُّورِ وَالْعَقَارِ وَالدَّوَابِّ وَالثِّيَابِ وَالْحُلِيِّ لِلُّبْسِ، وَالْفَحْل لِلضِّرَابِ، وَالْكَلْبِ لِلصَّيْدِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ، لأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ اسْتَعَارَ أَدْرُعًا مِنْ صَفْوَانَ. (٣) وَذَكَرَ إِعَارَةَ الدَّلْوِ وَالْفَحْل. وَذَكَرَ ابْنُ مَسْعُودٍ عَارِيَّةً الْقِدْرِ وَالْمِيزَانِ، فَيَثْبُتُ الْحُكْمُ فِي هَذِهِ

_________

(١) الشرح الصغير ٣ / ٥٧٠، ومنح الجليل ٣ / ٤٨٧، وتكملة حاشية ابن عابدين ٢ / ٢٦٩.

(٢) حاشية ابن عابدين ٤ / ٥٠٢ وما بعدها، والبدائع ٨ / ٣٨٩٧ - ٣٨٩٨ ط الإمام، والشرح الصغير ٣ / ٥٧١، والمغني ٥ / ٢٢٤، ونهاية المحتاج ٥ / ١١٦ - ١٢٣.

(٣) حديث " استعار أدرعا من صفوان " سبق تخريجه (ف ٥) .