الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٥
أَوَّلُهُمَا: وُقُوعُ الْعَمَل الْمَبْنِيِّ عَلَى الاِطْمِئْنَانِ صَحِيحًا فِي الشَّرْعِ. (١) فَمَنْ تَحَرَّى الأَْوَانِيَ الَّتِي بَعْضُهَا طَاهِرٌ وَبَعْضُهَا نَجِسٌ، فَاطْمَأَنَّ قَلْبُهُ إِلَى هَذَا الإِْنَاءِ مِنْهَا طَاهِرٌ، فَتَوَضَّأَ مِنْهُ، وَقَعَ وُضُوءُهُ صَحِيحًا، كَمَا فَصَّل ذَلِكَ الْفُقَهَاءُ فِي كِتَابِ الطَّهَارَةِ.
ثَانِيهِمَا: أَنَّ مَا خَالَفَ هَذَا الاِطْمِئْنَانَ هُوَ هَدَرٌ وَلاَ قِيمَةَ لَهُ، وَكُل مَا بُنِيَ عَلَيْهِ مِنَ التَّصَرُّفَاتِ بَاطِلٌ، فَمَنْ تَحَرَّى جِهَةَ الْقِبْلَةِ حَتَّى اطْمَأَنَّ قَلْبُهُ إِلَى جِهَةٍ مَا أَنَّ الْقِبْلَةَ نَحْوَهَا، فَصَلَّى إِلَى غَيْرِ هَذِهِ الْجِهَةِ فَصَلاَتُهُ بَاطِلَةٌ، كَمَا ذَكَرَ ذَلِكَ الْفُقَهَاءُ فِي كِتَابِ الصَّلاَةِ.
وَإِذَا اطْمَأَنَّ قَلْبُ إِنْسَانٍ بِالإِْيمَانِ، ثُمَّ أُكْرِهَ عَلَى إِتْيَانِ مَا يُخَالِفُ هَذَا الإِْيمَانَ لاَ يَضُرُّهُ ذَلِكَ شَيْئًا.
قَال تَعَالَى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاَللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِْيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ . (٢)
قَال الْقُرْطُبِيُّ: أَجْمَعَ أَهْل الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ مَنْ أُكْرِهَ عَلَى الْكُفْرِ، حَتَّى خَشِيَ عَلَى نَفْسِهِ الْقَتْل، أَنَّهُ لاَ إِثْمَ عَلَيْهِ إِنْ كَفَرَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِْيمَانِ، وَلاَ تَبِينُ مِنْهُ زَوْجَتُهُ، وَلاَ يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِحُكْمِ الْكُفْرِ. (٣)
_________
(١) الفتاوى الهندية ٥ / ٣٨٣.
(٢) سورة النحل / ١٠٦.
(٣) تفسير القرطبي ١٠ / ١٨٣ طبعة دار الكتب المصرية، والمغني ٨ / ١٤٥ طبعة المنار الثالثة، وفتح القدير ٧ / ٢٩٩ طبعة بولاق.
أَظْفَارٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الأَْظْفَارُ جَمْعُ ظُفْرٍ، وَيُجْمَعُ أَيْضًا عَلَى أَظْفُرٍ، وَأَظَافِيرَ. وَالظُّفْرُ مَعْرُوفٌ، يَكُونُ لِلإِْنْسَانِ وَغَيْرِهِ.
وَقِيل: الظُّفْرُ لِمَا لاَ يَصِيدُ، وَالْمِخْلَبُ لِمَا يَصِيدُ (١) .
الأَْحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالأَْظْفَارِ
تَقْلِيمُ الأَْظْفَارِ:
٢ - تَقْلِيمُ الأَْظْفَارِ سُنَّةٌ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ لِلرَّجُل وَالْمَرْأَةِ، لِلْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ، لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: خَمْسٌ مِنَ الْفِطْرَةِ: الاِسْتِحْدَادُ، وَالْخِتَانُ، وَقَصُّ الشَّارِبِ، وَنَتْفُ الإِْبِطِ، وَتَقْلِيمُ الأَْظْفَارِ. (٢) وَالْمُرَادُ بِالتَّقْلِيمِ إِزَالَةُ مَا زِيدَ عَلَى مَا يُلاَمِسُ رَأْسَ الإِْصْبَعِ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَبْدَأَ بِالْيَدِ الْيُمْنَى ثُمَّ الْيُسْرَى، ثُمَّ الرِّجْل الْيُمْنَى ثُمَّ الْيُسْرَى. (٣) وَقَال ابْنُ قُدَامَةَ: رُوِيَ فِي حَدِيثِ: مَنْ قَصَّ أَظْفَارَهُ مُخَالِفًا لَمْ يَرَ فِي عَيْنَيْهِ رَمَدًا. (٤)
_________
(١) لسان العرب والمصباح المنير في مادة " ظفر "
(٢) حديث: " خمس من الفطرة. . . " أخرجه البخاري بلفظ: " الفطرة خمس: الاستحداد. . . . إلخ " (الفتح ١٠ / ٣٣٤ ط السلفية) ومسلم (١ / ٢٢٢ ط الحلبي) .
(٣) المجموع للنووي ١ / ١٨٥ نشر المكتبة السلفية بالمدينة، وتحفة الأحوذي ٨ / ٤٠ ط السلفية، وابن عابدين ٥ / ٦٠، والمغني ١ / ٨٧.
(٤) حديث: " من قص أظفاره مخالفا لم ير في عينيه رمدا " قال السخاوي عنه في المقاصد الحسنة: لم أجده. (ص ٤٢٤ - ط الخانجي) .
وَفَسَّرَهُ ابْنُ بَطَّةَ، بِأَنْ يَبْدَأَ بِخِنْصَرِ الْيُمْنَى، ثُمَّ الْوُسْطَى ثُمَّ الإِْبْهَامُ، ثُمَّ الْبِنْصِرِ ثُمَّ السَّبَّابَةِ.
أَمَّا التَّوْقِيتُ فِي تَقْلِيمِ الأَْظْفَارِ فَهُوَ مُعْتَبَرٌ بِطُولِهَا: فَمَتَى طَالَتْ قَلَّمَهَا، وَيَخْتَلِفُ ذَلِكَ بِاخْتِلاَفِ الأَْشْخَاصِ وَالأَْحْوَال، وَقِيل: يُسْتَحَبُّ تَقْلِيمُ الأَْظْفَارِ كُل يَوْمِ جُمُعَةٍ (١)، لِمَا رُوِيَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: أَنَّهُ وَقَّتَ لَهُمْ فِي كُل أَرْبَعِينَ لَيْلَةً تَقْلِيمَ الأَْظْفَارِ، وَأَخْذَ الشَّارِبِ، وَحَلْقَ الْعَانَةِ وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ أَنَسٍ أَيْضًا وَقَّتَ لَنَا فِي قَصِّ الشَّارِبِ وَتَقْلِيمِ الأَْظْفَارِ، وَحَلْقِ الْعَانَةِ، وَنَتْفِ الإِْبِطِ أَلاَّ نَتْرُكَ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِينَ يَوْمًا. (٢)
قَال السَّخَاوِيُّ: لَمْ يَثْبُتْ فِي كَيْفِيَّةِ قَصِّ الأَْظْفَارِ وَلاَ فِي تَعْيِينِ يَوْمٍ لَهُ شَيْءٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ.
تَوْفِيرُ الأَْظْفَارِ لِلْمُجَاهِدِينَ فِي بِلاَدِ الْعَدُوِّ:
٣ - يَنْبَغِي لِلْمُجَاهِدِينَ أَنْ يُوَفِّرُوا أَظْفَارَهُمْ فِي أَرْضِ الْعَدُوِّ فَإِنَّهُ سِلاَحٌ، قَال أَحْمَدُ: يَحْتَاجُ إِلَيْهَا فِي أَرْضِ الْعَدُوِّ، أَلاَ تَرَى أَنَّهُ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَحِل الْحَبْل أَوِ الشَّيْءَ فَإِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ أَظْفَارٌ لَمْ يَسْتَطِعْ. وَقَال عَنِ الْحَكَمِ بْنِ عَمْرٍو: أَمَرَنَا رَسُول اللَّهِ ﷺ أَلاَّ نُحْفِيَ الأَْظْفَارَ فِي الْجِهَادِ، فَإِنَّ الْقُوَّةَ فِي الأَْظْفَارِ. (٣)
_________
(١) المجموع للنووي ١ / ٢٨٥، وفتح الباري ١٠ / ٢٨٤، وتحفة الأحوذي ٨ / ٣٨، وكشاف القناع ١ / ٢٨٥ ط السنة المحمدية.
(٢) حديث: " وقت لهم. . . " وفي رواية: عن أنس أيضا " وقت لنا. . . " أخرجه مسلم (١ / ٢٢٢ - ط الحلبي) .
(٣) المغني ٨ / ٣٥٣ ط السعودية، وابن عابدين ٥ / ٢٦٠، وحديث: " أمرنا رسول الله ﷺ ألا نحفي الأظفار في الجهاد، فإن القوة في الأظفار ". أورده ابن قدامة في المغني (٨ / ٣٥٣ ط الرياض) ولم نعثر عليه فيما لدينا من مراجع السنن والآثار.
قَصُّ الأَْظْفَارِ فِي الْحَجِّ وَمَا يَجِبُ فِيهِ:
٤ - مِمَّا يُنْدَبُ لِمَنْ يُرِيدُ الإِْحْرَامَ تَقْلِيمُ الأَْظْفَارِ، فَإِذَا دَخَل فِي الإِْحْرَامِ فَقَدْ أَجْمَعَ أَهْل الْعِلْمِ عَلَى أَنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنْ قَصِّ أَظْفَارِهِ إِلاَّ مِنْ عُذْرٍ، لأَِنَّ قَطْعَ الأَْظْفَارِ إِزَالَةُ جُزْءٍ يُتَرَفَّهُ بِهِ، فَحَرُمَ، كَإِزَالَةِ الشَّعْرِ، وَتَفْصِيل حُكْمِهِ إِذَا قَصَّهُ يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ إِحْرَامٌ (١) .
إِمْسَاكُ الْمُضَحِّي عَنْ قَصِّ أَظْفَارِهِ:
٥ - ذَهَبَ بَعْضُ الْحَنَابِلَةِ وَبَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ: إِلَى أَنَّ مَنْ أَرَادَ أَنْ يُضَحِّيَ فَدَخَل الْعَشْرُ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُمْسِكَ عَنْ قَصِّ الشَّعْرِ وَالأَْظْفَارِ، وَهُوَ قَوْل إِسْحَاقَ وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ.
وَقَال الْحَنَفِيَّةُ، وَالْمَالِكِيَّةُ، وَهُوَ قَوْل بَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ: يُسَنُّ لَهُ أَنْ يُمْسِكَ عَنْ قَصِّ الشَّعْرِ وَالأَْظْفَارِ. لِمَا رَوَتْ أُمُّ سَلَمَةَ عَنْ رَسُول اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَال: إِذَا دَخَل الْعَشْرُ وَأَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يُضَحِّيَ فَلاَ يَأْخُذُ مِنْ شَعْرِهِ، وَلاَ مِنْ أَظْفَارِهِ شَيْئًا حَتَّى يُضَحِّيَ. (٢)
وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ مَرْفُوعًا: مَنْ كَانَ لَهُ ذَبْحٌ يَذْبَحُهُ، فَإِذَا أَهَل هِلاَل ذِي الْحِجَّةِ، فَلاَ يَأْخُذَنَّ مِنْ شَعْرِهِ وَلاَ مِنْ أَظْفَارِهِ شَيْئًا حَتَّى
_________
(١) الحطاب ٣ / ١٦٤ ط ليبيا، وفتح القدير ٢ / ٢٣٦، والمجموع ٧ / ٣٧١، والمغني ٣ / ٣٣٠، وكشاف القناع ٢ / ٣٨٠ ط أنصار السنة.
(٢) حديث أم سلمة: " إذا دخل العشر وأراد أحدكم أن يضحي. . . " أخرجه مسلم بلفظ: " إذا رأيتم هلال ذي الحجة، وأراد أحدكم أن يضحي فليمسك عن شعره وأظفاره " (٣ / ١٥٦٥ - ط الحلبي) .
يُضَحِّيَ (١) وَالْحِكْمَةُ فِي ذَلِكَ بَقَاؤُهُ كَامِل الأَْجْزَاءِ، لِتَشْمَلَهَا الْمَغْفِرَةُ وَالْعِتْقُ مِنَ النَّارِ (٢) .
وَيُفْهَمُ مِنْ كَلاَمِ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ أَنَّهُمْ أَطْلَقُوا طَلَبَ تَرْكِ الأَْظْفَارِ وَالشَّعْرِ فِي عَشْرٍ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ لِمَنْ أَرَادَ التَّضْحِيَةَ مُطْلَقًا، سَوَاءٌ أَكَانَ يَمْلِكُ الأُْضْحِيَّةَ أَمْ لاَ. (٣)
دَفْنُ قُلاَمَةِ الظُّفْرِ:
٦ - يُسْتَحَبُّ دَفْنُ الظُّفْرِ، إِكْرَامًا لِصَاحِبِهِ. وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَدْفِنُ الأَْظْفَارَ (٤) .
الذَّبْحُ بِالأَْظْفَارِ:
٧ - ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَهُوَ رَأْيٌ لِلْمَالِكِيَّةِ إِلَى تَحْرِيمِ الذَّبْحِ بِالظُّفْرِ وَالسِّنِّ مُطْلَقًا، وَقَالُوا: إِنَّ الْمَذْبُوحَ بِهَذِهِ الأَْشْيَاءِ مَيْتَةٌ لاَ يَحِل أَكْلُهَا، لأَِنَّهُ قَاتِلٌ وَلَيْسَ بِذَابِحٍ. وَلِقَوْل رَسُول اللَّهِ ﷺ: مَا أَنْهَرَ الدَّمَ وَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ فَكُل، لَيْسَ الظُّفْرُ وَالسِّنُّ. . . . (٥)
وَوَافَقَهُمُ الْحَنَفِيَّةُ، وَكَذَلِكَ الْمَالِكِيَّةُ فِي أَحَدِ أَقْوَالٍ عِنْدَهُمْ إِذَا كَانَ الظُّفْرُ وَالسِّنُّ قَائِمَيْنِ غَيْرَ
_________
(١) حديثك: " من كان له ذبح يذبحه. . . . . ". أخرجه مسلم (٣ / ١٥٦٦ - ط الحلبي) .
(٢) جواهر الإكليل ١ / ٢٢١، والمغني ٨ / ٦١٨ ط السعودية، ونهاية المحتاج ٨ / ١٢٤ ط المكتب الإسلامي، والمجموع ٧ / ٣٧٤، وابن عابدين ١ / ٥٦٥، ونيل الأوطار ٥ / ١٢٨.
(٣) شرح البهجة ٥ / ١٦٩، والمبدع ٣ / ٢٩٩.
(٤) تحفة الأحوذي ٨ / ٤٠، وروض الطالب ١ / ٣١٣، وحاشية الدسوقي ١ / ٤٢٢. والأثر عن ابن عمر في دفن الأظفار ذكره ابن حجر في الفتح (١٠ / ٣٤٦ - ط السلفية) عن أحمد بن حنبل معضلا.
(٥) حديث: " ما أنهر الدم وذكر اسم الله فكل، ليس الظفر والسن ". أخرجه البخاري (الفتح ٩ / ٩٣١ - ط السلفية) .
مَنْزُوعَيْنِ، لِقَوْل رَسُول اللَّهِ ﷺ: أَنْهَرَ الدَّمَ، (١) وَمَا رَوَاهُ الشَّافِعِيَّةُ مَحْمُولٌ عَلَى غَيْرِ الْمَنْزُوعِ، فَإِنَّ الْحَبَشَةَ كَانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ إِظْهَارًا لِلْجَلَدِ. وَلأَِنَّهَا إِذَا انْفَصَلَتْ كَانَتْ آلَةً جَارِحَةً، فَيَحْصُل بِهَا الْمَقْصُودُ، وَهُوَ إِخْرَاجُ الدَّمِ، فَصَارَ كَالْحَجَرِ وَالْحَدِيدِ، بِخِلاَفِ غَيْرِ الْمَنْزُوعِ فَإِنَّهُ يَقْتُل بِالثِّقَل، فَيَكُونُ فِي مَعْنَى الْمَوْقُوذَةِ.
وَفِي رَأْيٍ لِلْمَالِكِيَّةِ يَجُوزُ الذَّبْحُ بِالظُّفْرِ وَالسِّنِّ مُطْلَقًا سَوَاءٌ أَكَانَا قَائِمَيْنِ أَمْ مُنْفَصِلَيْنِ. (٢)
طِلاَءُ الأَْظْفَارِ:
٨ - الطَّهَارَةُ مِنَ الْحَدَثِ تَقْتَضِي تَعْمِيمَ الْمَاءِ عَلَى أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ فِي الْحَدَثِ الأَْصْغَرِ، وَعَلَى الْجِسْمِ فِي الْحَدَثِ الأَْكْبَرِ، وَإِزَالَةَ كُل مَا يَمْنَعُ وُصُول الْمَاءِ إِلَى تِلْكَ الأَْعْضَاءِ، وَمِنْهَا الأَْظْفَارُ، فَإِذَا مَنَعَ مَانِعٌ مِنْ وُصُول الْمَاءِ إِلَيْهَا مِنْ طِلاَءٍ وَغَيْرِهِ - مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ - لَمْ يَصِحَّ الْوُضُوءُ، وَكَذَلِكَ الْغُسْل، لِمَا رَوَى عَلِيٌّ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: مَنْ تَرَكَ مَوْضِعَ شَعْرَةٍ مِنْ جَنَابَةٍ لَمْ يُصِبْهَا الْمَاءُ، فُعِل بِهِ مِنَ النَّارِ
_________
(١) حديث: " أنهر الدم " أخرجه النسائي (٧ / ١٩٤ - ط المكتبة التجارية) وأبو داود (٣ / ٢٥٠ - ط عزت عبيد دعاس) بهذا المعنى قال عبد القادر الأرناؤوط محقق جامع الأصول: مدار الحديث على سماك بن حرب عن مري بن قطري، ومري بن قطري لم يوثقه غير ابن حبان، وقال الذهبي: لا يعرف، تفرد عنه سماك (جامع الأصول بتحقيق عبد القادر الأرناؤوط ٤ / ٤٩٤ نشر مكتبة الحلواني) .
(٢) تبيين الحقائق ٥ / ٢٩١ ط دار المعرفة، وابن عابدين ٥ / ١٨٧، والمغني ٨ / ٥٧٤ ط الرياض، وشرح المنهج بحاشية البجيرمى ٤ / ٢٩٠، والصاوي على الشرح الصغير ٢ / ١٧٨ ط دار المعارف.
كَذَا وَكَذَا. (١)
وَعَنْ عُمَرَ ﵁ أَنَّ رَجُلًا تَوَضَّأَ فَتَرَكَ مَوْضِعَ ظُفْرٍ عَلَى قَدَمَيْهِ، فَأَبْصَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ فَقَال: ارْجِعْ فَأَحْسِنْ وُضُوءَكَ. (٢) ر: (وُضُوءٌ - غُسْلٌ)
أَثَرُ الْوَسَخِ الْمُتَجَمِّعِ تَحْتَ الأَْظْفَارِ فِي الطَّهَارَةِ:
٩ - إِذَا كَانَ تَحْتَ الأَْظْفَارِ وَسَخٌ يَمْنَعُ وُصُول الْمَاءِ إِلَى مَا تَحْتَهُ، فَقَدْ ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ، وَالْحَنَفِيَّةُ فِي الأَْصَحِّ عِنْدَهُمْ، إِلَى أَنَّهُ لاَ يَمْنَعُ الطَّهَارَةَ، وَعَلَّلُوا ذَلِكَ بِالضَّرُورَةِ، وَبِأَنَّهُ لَوْ كَانَ غُسْلُهُ وَاجِبًا لَبَيَّنَهُ النَّبِيُّ ﷺ " وَقَدْ عَابَ النَّبِيُّ ﷺ كَوْنَهُمْ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِ قُلْحًا وَرَفْعَ أَحَدِهِمْ بَيْنَ أُنْمُلِهِ وَظُفْرِهِ. (٣)
_________
(١) ابن عابدين ١ / ١٠٤ ط بولاق، والمغني ١ / ٢٢٢ - ٢٢٧، والمجموع ١ / ٣٨٧، ٤٢٦، وكشاف القناع ١ / ١٣٧ ط أنصار السنة، والجمل ١ / ١٤٩ ط إحياء التراث، وحاشية الدسوقي ١ / ٩٠ ط دار الفكر. وحديث: " من ترك موضع شعرة من جنابة لم يصبها الماء فعل به من النار كذا وكذا " أخرجه ابن ماجه (١ / ١٩٦ ط الحلبي) وأبو داود (عون المعبود ١ / ١٠٣ ط الهند) قال المنذري: وفي إسناده عطاء ابن السائب، وثقه أبو داود وقال يحيى بن معين لا يحتج بحديثه وتكلم فيه غيره وقد كان تغير في آخر عمره، وقال الإمام أحمد بن حنبل: من سمع منه قديما فهو صحيح ومن سمع منه حديثا لم يكن بش
(٢) حديث: " ارجع فأحسن وضوءك " أخرجه مسلم (١ / ٢١٥ ط الحلبي) .
(٣) القلح: صفرة الأسنان (المصباح المنير) . وحديث: " وقد عاب النبي ﷺ كونهم يدخلون عليه قلحا ورفغ أحدكم بين أنملته وظفره " قال الهيثمي: وفيه الضحاك بن زيد، قال ابن حبان: لا يحل الاحتجاج به (كشف الأستار ١ / ١٣٩ ط مؤسسة الرسالة، ومجمع الزوائد ١ / ٢٣٨) .
يَعْنِي أَنَّ وَسَخَ أَرْفَاغِهِمْ تَحْتَ أَظْفَارِهِمْ يَصِل إِلَيْهِ رَائِحَةُ نَتِنِهَا، فَعَابَ عَلَيْهِمْ نَتِنَ رِيحِهَا لاَ بُطْلاَنَ طَهَارَتِهِمْ، وَلَوْ كَانَ مُبْطِلًا لِلطَّهَارَةِ لَكَانَ ذَلِكَ أَهَمَّ فَكَانَ أَحَقَّ بِالْبَيَانِ.
وَقَال الْحَنَابِلَةُ، وَهُوَ رَأْيٌ لِلْحَنَفِيَّةِ، وَالْمَفْهُومُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيَّةِ: لاَ تَصِحُّ الطَّهَارَةُ حَتَّى يُزِيل مَا تَحْتَ الأَْظْفَارِ مِنْ وَسَخٍ، لأَِنَّهُ مَحَلٌّ مِنَ الْيَدِ اسْتَتَرَ بِمَا لَيْسَ مِنْ خَلْقِهِ، وَقَدْ مَنَعَ إِيصَال الْمَاءِ إِلَيْهِ مَعَ إِمْكَانِ إِيصَالِهِ. (١)
الْجِنَايَةُ عَلَى الظُّفْرِ:
١٠ - لَوْ جُنِيَ عَلَى الظُّفْرِ فِي غَيْرِ الْعَمْدِ، فَقُلِعَ وَنَبَتَ غَيْرُهُ، قَال الْمَالِكِيَّةُ وَمُحَمَّدٌ وَأَبُو يُوسُفَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ، وَهُوَ رَأْيٌ لِلشَّافِعِيَّةِ: فِيهِ أَرْشُ الأَْلَمِ، وَهُوَ حُكُومَةُ عَدْلٍ، بِقَدْرِ مَا لَحِقَهُ إِلَى أَنْ يَبْرَأَ، مِنَ النَّفَقَةِ مِنْ أُجْرَةِ الطَّبِيبِ وَثَمَنِ الدَّوَاءِ.
وَقَال أَبُو حَنِيفَةَ وَهُوَ رَأْيٌ آخَرُ لِلشَّافِعِيَّةِ: لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ. أَمَّا إِذَا لَمْ يَنْبُتْ غَيْرُهُ فَفِيهِ الأَْرْشُ، وَقُدِّرَ بِخَمْسٍ مِنَ الإِْبِل.
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: إِذَا جُنِيَ عَلَى الظُّفْرِ وَلَمْ يَعُدْ، أَوْ عَادَ أَسْوَدَ فَفِيهِ خُمُسُ دِيَةِ الإِْصْبَعِ، وَهُوَ مَنْقُولٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَفِي ظُفْرٍ عَادَ قَصِيرًا أَوْ عَادَ مُتَغَيِّرًا أَوْ أَبْيَضَّ ثُمَّ أَسْوَدَّ لِعِلَّةٍ حُكُومَةُ عَدْلٍ.
وَهَذَا فِي غَيْرِ الْعَمْدِ، أَمَّا فِي الْعَمْدِ فَفِيهِ الْقِصَاصُ. (٢) ر: (قِصَاصٌ - أَرْشٌ) .
_________
(١) المغني ١ / ١٢٤، وابن عابدين ١ / ١٠٤، والقواعد والفوائد الأصولية للبعلي ص ٩٩، والدسوقي ١ / ٨٨، والمجموع للنووي ١ / ٤١٨.
(٢) ابن عابدين ٥ / ٣٥٤، ٣٧٦، ومطالب أولي النهى ٦ / ١١٦ ط المكتب الإسلامي، والدسوقي ٤ / ٢٧٧ ط دار الفكر، وقليوبي وعميرة ٤ / ١٣٦ ط عيسى الحلبي، وجواهر الإكليل ٢ / ٢٦٩.
الْجِنَايَةُ بِالظُّفْرِ:
١١ - لَمَّا كَانَ تَعَمُّدُ الْقَتْل أَمْرًا خَفِيًّا، نَظَرَ الْفُقَهَاءُ إِلَى الآْلَةِ الْمُسْتَعْمَلَةِ فِي الْقَتْل، فَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ إِلَى أَنَّهُ لاَ قِصَاصَ فِي الْقَتْل الْعَمْدِ إِلاَّ إِذَا كَانَ بِسِلاَحٍ أَوْ مَا جَرَى مَجْرَاهُ، مِنْ مُحَدَّدٍ مِنَ الْخَشَبِ أَوِ الْحَجَرِ الْعَظِيمِ أَوْ غَيْرِهِمَا، وَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ، وَمِنْهُمْ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ إِلَى أَنَّ آلَةَ الْعَمْدِ هِيَ مَا تَقْتُل غَالِبًا، مِثْل الْحَجَرِ الْعَظِيمِ وَالْخَشَبَةِ الْكَبِيرَةِ وَكُل مَا يَقْتُل، عَلَى تَفْصِيلٍ وَخِلاَفٍ بَيْنَهُمْ فِي الضَّوَابِطِ الْمُعْتَبَرَةِ فِي ذَلِكَ يُرْجَعُ إِلَيْهَا فِي: (مَسَائِل الْجِنَايَاتِ وَالْقِصَاصِ) وَعَلَى هَذَا فَإِذَا كَانَ الظُّفْرُ مُتَّصِلًا أَوْ مُنْفَصِلًا مُعَدًّا لِلْقَتْل وَالْجِنَايَةِ فَهُوَ مِمَّا يَقْتُل غَالِبًا وَيَثْبُتُ بِهِ الْعَمْدُ عِنْدَهُمْ، خِلاَفًا لأَِبِي حَنِيفَةَ، وَأَمَّا إِذَا لَمْ يَكُنْ مُعَدًّا لِذَلِكَ، وَتَعَمَّدَ الضَّرْبَ بِهِ فَهُوَ شِبْهُ عَمْدٍ، وَلاَ قِصَاصَ فِيهِ، بَل يَكُونُ فِيهِ الدِّيَةُ الْمُغَلَّظَةُ. (١)
طَهَارَةُ الظُّفْرِ وَنَجَاسَتُهُ:
١٢ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ ظُفْرَ الإِْنْسَانِ طَاهِرٌ، حَيًّا كَانَ الإِْنْسَانُ أَوْ مَيِّتًا، وَسَوَاءٌ أَكَانَ الظُّفْرُ مُتَّصِلًا بِهِ، أَمْ مُنْفَصِلًا عَنْهُ، وَذَهَبَ بَعْضُ الْحَنَابِلَةِ فِي قَوْلٍ مَرْجُوحٍ إِلَى نَجَاسَةِ أَجْزَاءِ الآْدَمِيِّ، وَبَعْضُهُمْ إِلَى نَجَاسَةِ الْكَافِرِ بِالْمَوْتِ دُونَ الْمُسْلِمِ،
_________
(١) ابن عابدين ٥ / ٣٤٠ ط بولاق، والمغني ٧ / ٦٣٧ ط الرياض، وحاشية الدسوقي ٢ / ٢٤٤، ٢٤٥، والمنهاج وحاشيته ٧ / ٢٣٦، وحاشية البجيرمي ٤ / ١٠٢، وبداية المجتهد ٣ / ٤٣١ ط مكتبة الكليات الأزهرية.
وَهَذَا الْخِلاَفُ عِنْدَهُمْ فِي غَيْرِ النَّبِيِّ ﷺ وَالصَّحِيحُ عِنْدَهُمْ مَا وَافَقَ الْجُمْهُورَ.
أَمَّا الْحَيَوَانُ، فَإِنْ كَانَ نَجِسَ الْعَيْنِ (الذَّاتُ)، كَالْخِنْزِيرِ، فَإِنَّ ظُفْرَهُ نَجِسٌ، وَأَمَّا إِذَا كَانَ الْحَيَوَانُ طَاهِرَ الْعَيْنِ، فَظُفْرُهُ الْمُتَّصِل بِهِ حَال حَيَاتِهِ طَاهِرٌ. فَإِنْ ذُكِّيَ فَهُوَ طَاهِرٌ أَيْضًا، أَمَّا إِذَا مَاتَ فَظُفْرُهُ نَجِسٌ كَمَيْتَتِهِ، وَكَذَا إِذَا انْفَصَل الظُّفْرُ حَال حَيَاتِهِ فَإِنَّهُ نَجِسٌ أَيْضًا، لِقَوْلِهِ ﷺ: مَا أُبِينَ مِنْ حَيٍّ فَهُوَ مَيْتٌ. (١)
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ الظُّفْرَ مِنْ غَيْرِ الْخِنْزِيرِ طَاهِرٌ مُطْلَقًا، سَوَاءٌ كَانَ مِنْ مَأْكُولٍ أَوْ غَيْرِ مَأْكُولٍ، مِنْ حَيٍّ أَوْ مَيِّتٍ، لأَِنَّ الْحَيَاةَ لاَ تُحِلُّهُ، وَاَلَّذِي يَنْجُسُ بِالْمَوْتِ إِنَّمَا هُوَ مَا حَلَّتْهُ الْحَيَاةُ دُونَ غَيْرِهِ. (٢)
إِظْهَارٌ
التَّعْرِيفُ
١ - الإِْظْهَارُ فِي اللُّغَةِ: التَّبْيِينُ، وَالإِْبْرَازُ بَعْدَ الْخَفَاءِ، بِقَطْعِ النَّظَرِ عَمَّا إِذَا عُلِمَ بِالتَّصَرُّفِ الْمُظْهَرِ أَحَدٌ أَوْ لَمْ يُعْلَمْ. وَلاَ يَخْرُجُ اسْتِعْمَال الْفُقَهَاءِ لِهَذَا اللَّفْظِ عَمَّا
_________
(١) حديث: " ما أبين من حي فهو ميت ". سبق تخريجه بهذا المعنى في بحث: أطعمة (ف ٧٧) .
(٢) رد المحتار مع الدر المختار ١ / ٢٠٤ ط مصطفى الحلبي، وحاشية الدسوقي مع الشرح الكبير ١ / ٤٩، والمبدع ١ / ٢٥١، والمغني ١ / ٧٤، والإنصاف ١ / ٢٤٢ - ٢٤٣، ٣٣٧، والروضة ١ / ١٠، ومغني المحتاج ١ / ٨٠ - ٨١.