الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٥ الصفحة 33

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٥

الطَّاهِرُ وَالطَّهُورُ وَالنَّجِسُ وَغَيْرُهَا مِنْ أَنْوَاعِ الْمِيَاهِ الْمُقَيَّدَةِ (كَمَاءِ الْوَرْدِ وَالزَّعْفَرَانِ) وَالْمُطْلَقَةِ.

فَالشَّيْءُ الْمُطْلَقُ أَخَصُّ مِنْ مُطْلَقِ الشَّيْءِ (الشَّامِل لِلْمُقَيَّدِ) .

وَمِثْل ذَلِكَ مَا يُقَال فِي الْبَيْعِ الْمُطْلَقِ، وَمُطْلَقِ الْبَيْعِ، وَالطَّهَارَةِ الْمُطْلَقَةِ، وَمُطْلَقِ الطَّهَارَةِ وَأَمْثَالِهَا. (١)

مَوَاطِنُ الإِْطْلاَقِ:

٥ - يَتَنَاوَل الأُْصُولِيُّونَ الإِْطْلاَقَ فِي عِدَّةِ مَوَاضِعَ مِنْهَا: مَسْأَلَةُ حَمْل الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ، وَمِنْهَا: مُقْتَضَى الأَْمْرِ هَل هُوَ لِلتَّكْرَارِ أَوْ لاَ؟ وَهَل هُوَ لِلْفَوْرِ أَوْ لاَ؟

وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي الْمُلْحَقِ الأُْصُولِيِّ.

مَوَاطِنُ الإِْطْلاَقِ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ:

أَوَّلًا: إِطْلاَقُ النِّيَّةِ فِي الطَّهَارَةِ:

أ - الْوُضُوءُ وَالْغُسْل:

٦ - لَوْ نَوَى الْمُتَوَضِّئُ مُطْلَقَ (الطَّهَارَةِ) أَوْ مُطْلَقَ (الْوُضُوءِ)، لاَ لِرَفْعِ حَدَثٍ، وَلاَ لاِسْتِبَاحَةِ صَلاَةٍ، أَوْ نَحْوِهَا، فَفِي ارْتِفَاعِ الْحَدَثِ وَعَدَمِهِ رَأْيَانِ:

أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لاَ يَرْتَفِعُ، لِعَدَمِ نِيَّتِهِ لَهُ. وَهَذَا أَحَدُ الرَّأْيَيْنِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَهُمُ الَّذِينَ يَشْتَرِطُونَ النِّيَّةَ لِصِحَّةِ الطَّهَارَةِ. وَعَلَّلُوا لِذَلِكَ بِأَنَّ الطَّهَارَةَ قِسْمَانِ: طَهَارَةُ حَدَثٍ، وَطَهَارَةُ نَجِسٍ، فَإِذَا قَصَدَ الطَّهَارَةَ الْمُطْلَقَةَ، فَإِنَّ ذَلِكَ لاَ يَرْفَعُ الْحَدَثَ. وَالرَّأْيُ

_________

(١) كشاف اصطلاحات الفنون مادة (طلق)، والأشباه للسيوطي ص ٣٨٢، وكشاف القناع ١ / ٢٤ - ٢٦، وابن عابدين ١ / ١٢٠، وجواهر الإكليل ١ / ٥، والقليوبي ١ / ١٨.

الأَْصَحُّ لِلْجُمْهُورِ أَنَّهُ يَرْتَفِعُ، لأَِنَّ الطَّهَارَةَ وَالْوُضُوءَ إِنَّمَا يَنْصَرِفُ إِطْلاَقُهُمَا إِلَى الْمَشْرُوعِ، فَيَكُونُ نَاوِيًا لِوُضُوءٍ شَرْعِيٍّ. (١)

وَلاَ دَخْل لِمَذْهَبِ الْحَنَفِيَّةِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، فَالنِّيَّةُ سُنَّةٌ عِنْدَهُمْ وَلَيْسَتْ شَرْطًا فِي الْوُضُوءِ. (٢)

ب - التَّيَمُّمُ

٧ - جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ عَلَى أَنَّ الْمُتَيَمِّمَ لَوْ نَوَى اسْتِبَاحَةَ الصَّلاَةِ، وَأَطْلَقَ وَلَمْ يُقَيِّدْ تِلْكَ الصَّلاَةَ بِفَرْضٍ أَوْ نَفْلٍ، صَلَّى النَّافِلَةَ مَعَ هَذَا الإِْطْلاَقِ. وَلِلشَّافِعِيَّةِ وَجْهٌ ضَعِيفٌ أَنَّهُ لاَ يَسْتَبِيحُ بِهِ النَّفَل. (٣) وَلِلْفُقَهَاءِ فِي صَلاَةِ الْفَرْضِ بِهَذَا التَّيَمُّمِ رَأْيَانِ:

أَحَدُهُمَا: صِحَّةُ صَلاَةِ الْفَرْضِ، وَهُوَ قَوْل الْحَنَفِيَّةِ، وَقَوْلٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ اخْتَارَهُ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيُّ، لأَِنَّهَا طَهَارَةٌ يَصِحُّ بِهَا النَّفَل، فَصَحَّ بِهَا الْفَرْضُ كَطَهَارَةِ الْمَاءِ، (٤) وَلأَِنَّ الصَّلاَةَ اسْمُ جِنْسٍ تَتَنَاوَل الْفَرْضَ وَالنَّفَل.

_________

(١) الحطاب ١ / ٢٣٦ ط ليبيا، والخرشي ١ / ١٣٠ ط دار صادر، والشبراملسي على النهاية ١ / ١٤٥ ط الحلبي، والمغني ١ / ١١٢ ط الرياض، والقليوبي ١ / ٤٦، والزرقاني على خليل ١ / ٦٣ ط دار الفكر، والمجموع ١ / ٣٢٨.

(٢) الأشباه والنظائر لابن نجيم ص ٣٧ نشر دار مكتبة الهلال، والطحطاوي على مراقي الفلاح ص ٥٦ ط دار الإيمان، والصاوي على الدردير ١ / ١٦٦ ط دار المعارف، والمجموع ١ / ٣٢٨، كشاف القناع ١ / ٨٩.

(٣) الطحطاوي على مراقي الفلاح ص ٦٠، ٦١، والصاوي على الدردير ١ / ١٩٤، والدسوقي على الدردير ١ / ١٥٤، والمجموع ٢ / ٢٢٢، والمغني ١ / ٢٥٢.

(٤) الطحطاوي على مراقي الفلاح ص ٦٠، ٦١، والمغني ١ / ٢٥٢، والمجموع ٢ / ٢٢٢

الثَّانِي: أَنَّهُ لاَ يَسْتَبِيحُ بِهِ الْفَرْضَ، وَهُوَ قَوْل الْمَالِكِيَّةِ، وَالْحَنَابِلَةِ، وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيِ الشَّافِعِيَّةِ. (١)

إِطْلاَقُ النِّيَّةِ فِي الصَّلاَةِ:

أ - صَلاَةُ الْفَرْضِ:

٨ - جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ عَلَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ التَّعْيِينُ فِي نِيَّةِ الْفَرْضِ وَأَنَّ الإِْطْلاَقَ لاَ يَكْفِي. قَال الْحَنَفِيَّةُ: وَكَذَا الْوَاجِبُ مِنْ وِتْرٍ أَوْ نَذْرٍ أَوْ سُجُودِ تِلاَوَةٍ، وَكَذَا يُشْتَرَطُ التَّعْيِينُ فِي نِيَّةِ سَجْدَةِ الشُّكْرِ، بِخِلاَفِ سُجُودِ السَّهْوِ.

وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ لاَ يُشْتَرَطُ التَّعْيِينُ فِي نِيَّةِ صَلاَةِ الْفَرْضِ. (٢)

ب - النَّفَل الْمُطْلَقُ:

٩ - يَتَّفِقُ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الإِْطْلاَقَ يَكْفِي فِي نِيَّةِ صَلاَةِ النَّفْل الْمُطْلَقِ، وَأَلْحَقَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ بِالنَّفْل الْمُطْلَقِ (٣) تَحِيَّةَ الْمَسْجِدِ، وَرَكْعَتَيِ الْوُضُوءِ، وَرَكْعَتَيِ الإِْحْرَامِ، وَرَكْعَتَيِ الطَّوَافِ، وَصَلاَةَ الْحَاجَةِ، وَصَلاَةَ الْغَفْلَةِ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ،

_________

(١) المغني ١ / ٢٥٢، والدسوقي ١ / ١٥٤، والقواعد والفوائد الأصولية ص ١٩٩ ط السنة المحمدية، وكشاف القناع ١ / ١٧٤، والمجموع ٢ / ٢٢٢.

(٢) ابن عابدين ١ / ٢٧٩ ط أولى، وتبيين الحقائق شرح كنز الدقائق مع حاشية الشلبي عليه ١ / ٩٩ نشر دار المعرفة، والأشباه والنظائر لابن نجيم ص ٣٢ نشر دار مكتبة الهلال، والزرقاني على خليل مع حاشية البناني ١ / ١٩٥ ط دار الفكر، وحواشي الرملي على شرح الروض ١ / ١٤٣ ط الميمنية، والإنصاف ٢ / ٢٠ ط الأولى.

(٣) تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق ١ / ٩٩، والدسوقي ١ / ١٥٤، والزرقاني على خليل ١ / ١٩٥، والإنصاف ٢ / ١٩، ومطالب أولي النهى ١ / ٤٠٠.

وَالصَّلاَةَ فِي بَيْتِهِ إِذَا أَرَادَ الْخُرُوجَ لِلسَّفَرِ، وَالْمُسَافِرُ إِذَا نَزَل مَنْزِلًا وَأَرَادَ مُفَارَقَتَهُ. (١)

ج - السُّنَنُ الرَّوَاتِبُ، وَالْمُؤَقَّتَةُ:

١٠ - لِلْفُقَهَاءِ فِي إِطْلاَقِ النِّيَّةِ فِي صَلاَةِ السُّنَّةِ الرَّاتِبَةِ، وَالْمُؤَقَّتَةِ رَأْيَانِ:

الأَْوَّل: أَنَّهُ لاَ يَكْفِي الإِْطْلاَقُ لِحُصُول تِلْكَ السُّنَّةِ الرَّاتِبَةِ. وَهُوَ قَوْل الْمَالِكِيَّةِ، وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ بِاسْتِثْنَاءِ النَّوَافِل الَّتِي أُلْحِقَتْ بِالنَّفْل الْمُطْلَقِ عِنْدَ الْبَعْضِ وَاَلَّتِي سَبَقَ ذِكْرُهَا. (٢)

وَهُوَ قَوْل جَمَاعَةٍ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ، قَالُوا: لأَِنَّ السُّنَّةَ وَصْفٌ زَائِدٌ عَلَى أَصْل الصَّلاَةِ، كَوَصْفِ الْفَرْضِيَّةِ، فَلاَ تَحْصُل بِمُطْلَقِ نِيَّةِ الصَّلاَةِ. (٣)

الثَّانِي: صِحَّةُ النِّيَّةِ مَعَ الإِْطْلاَقِ، وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْنِ لِلْحَنَفِيَّةِ مُصَحَّحَيْنِ، وَاعْتَمَدَهُ بَعْضُهُمْ. وَفِي الْمُحِيطِ أَنَّهُ قَوْل عَامَّةِ الْمَشَايِخِ، وَرَجَّحَهُ فِي الْفَتْحِ، وَنَسَبَهُ إِلَى الْمُحَقِّقِينَ. (٤)

إِطْلاَقُ النِّيَّةِ فِي الصَّوْمِ:

١١ - لِلْفُقَهَاءِ فِي إِطْلاَقِ نِيَّةِ الصَّوْمِ رَأْيَانِ:

الأَْوَّل: عَدَمُ الصِّحَّةِ مَعَ الإِْطْلاَقِ، وَهُوَ قَوْل الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ. وَاسْتَدَلُّوا لَهُ بِأَنَّهُ صَوْمٌ

_________

(١) الجمل على المنهج ١ / ٣٣٢.

(٢) الزرقاني على خليل مع حاشية البناني ١ / ١٩٥، وشرح منتهى الإرادات ١ / ١٦٧ ط دار الفكر، والمغني ١ / ٤٦٦، ومطالب أولي النهى ١ / ٤٠٠، وشرح الروض ١ / ١٤٢، والجمل على المنهج ١ / ٣٣٢.

(٣) تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق ١ / ٩٩.

(٤) ابن عابدين ١ / ٢٧٩، ٢٨٠، وتبيين الحقائق شرح كنز الدقائق ١ / ٩٩.

وَاجِبٌ فَوَجَبَ تَعْيِينُ النِّيَّةِ لَهُ.

وَالثَّانِي: صِحَّةُ الصَّوْمِ، وَهُوَ قَوْل الْحَنَفِيَّةِ، وَرِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ، وَوَجْهٌ شَاذٌّ لِلشَّافِعِيَّةِ حَكَاهُ صَاحِبُ التَّتِمَّةِ عَنِ الْحَلِيمِيِّ، وَاسْتَدَلُّوا لِذَلِكَ بِأَنَّهُ فَرْضٌ مُسْتَحَقٌّ فِي زَمَنٍ بِعَيْنِهِ، فَلاَ يَجِبُ تَعْيِينُ النِّيَّةِ لَهُ. (١)

إِطْلاَقُ نِيَّةِ الإِْحْرَامِ:

١٢ - إِذَا نَوَى مُرِيدُ النُّسُكِ نَفْسَ الإِْحْرَامِ، وَأَطْلَقَ بِأَنْ لَمْ يَقْصِدِ الْقِرَانَ، وَلاَ التَّمَتُّعَ وَلاَ الإِْفْرَادَ جَازَ بِلاَ خِلاَفٍ، لأَِنَّ الإِْحْرَامَ يَصِحُّ مَعَ الإِْبْهَامِ فَيَصِحُّ مَعَ الإِْطْلاَقِ. وَلَهُ صَرْفُهُ إِلَى أَيِّ نَوْعٍ شَاءَ مِنْ أَنْوَاعِ الإِْحْرَامِ الثَّلاَثَةِ، إِنْ كَانَ ذَلِكَ قَبْل الشُّرُوعِ فِي أَعْمَال الإِْحْرَامِ، وَكَانَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، (٢) غَيْرَ أَنَّ الْمَالِكِيَّةَ وَالْحَنَابِلَةَ قَالُوا: الأَْوْلَى الصَّرْفُ إِلَى الْعُمْرَةِ، لأَِنَّ التَّمَتُّعَ أَفْضَل.

وَمَا عَمِلَهُ قَبْل التَّعْيِينِ فَلَغْوٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَالْحَنَابِلَةِ، (٣) وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ، يُعْتَدُّ بِمَا أَتَى بِهِ مِنَ الشَّعَائِرِ، غَيْرَ أَنَّهُمْ يَخْتَلِفُونَ فِيمَا تُصْرَفُ النِّيَّةُ لَهُ، فَقَال الْحَنَفِيَّةُ: تُصْرَفُ إِلَى الْعُمْرَةِ إِنْ لَمْ يُعَيِّنْ، وَقَدْ طَافَ، لَكِنْ فِي اللُّبَابِ وَشَرْحِهِ لَوْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ قَبْل الطَّوَافِ تَعَيَّنَ إِحْرَامُهُ لِلْحَجِّ، وَلَوْ لَمْ يَقْصِدِ الْحَجَّ فِي وُقُوفِهِ. (٤)

_________

(١) المغني ٣ / ٩٥، والروض ٢ / ٣٥٠، والاشباه والنظائر لابن نجيم ص ٣٦، والحطاب ٢ / ٤١٩.

(٢) ابن عابدين ٢ / ١٥٨، ١٦١، والزرقاني على خليل ٢ / ٢٥٦، والحطاب ٣ / ٢٠، والخرشي ٢ / ٣٠٧، والروضة ٣ / ٦٠، والمغني ٣ / ٢٨٥، ومنتهى الإرادات ١ / ٢٤٧.

(٣) منتهى الإرادات ١ / ٢٤٧، والروضة ٣ / ٦٠.

(٤) ابن عابدين ٢ / ١٦١.

وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: يَجِبُ صَرْفُهُ إِلَى الْحَجِّ إِنْ وَقَعَ الصَّرْفُ بَعْدَ طَوَافِ قُدُومٍ. (١)

١٣ - وَإِنْ كَانَ الإِْحْرَامُ بِنُسُكٍ وَلَمْ يُعَيِّنْ وَذَلِكَ فِي غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ - عَلَى كَرَاهَتِهِ أَوِ امْتِنَاعِهِ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ - فَالْحُكْمُ لاَ يَخْتَلِفُ عِنْدَهُمْ فِي أَنَّ الأَْوْلَى صَرْفُ النِّيَّةِ إِلَى الْعُمْرَةِ. (٢)

وَكَذَا لاَ يَخْتَلِفُ الْحُكْمُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ فِي غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ عَنْ أَشْهُرِ الْحَجِّ إِنْ كَانَ طَافَ قَبْل التَّعْيِينِ - يَجِبُ صَرْفُ النِّيَّةِ لِلْحَجِّ - وَيُؤَخِّرُ سَعْيَهُ لإِفَاضَتِهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ قَدْ طَافَ كُرِهَ صَرْفُ النِّيَّةِ إِلَى الْحَجِّ، لأَِنَّهُ أَحْرَمَ بِهِ قَبْل وَقْتِهِ. (٣)

وَفَصَّل الشَّافِعِيَّةُ فِي ذَلِكَ فَقَالُوا: إِنْ أَحْرَمَ قَبْل الأَْشْهُرِ، فَإِنْ صَرَفَهُ إِلَى الْعُمْرَةِ صَحَّ، وَإِنْ صَرَفَهُ إِلَى الْحَجِّ بَعْدَ دُخُول الأَْشْهُرِ فَوَجْهَانِ، الصَّحِيحُ: لاَ يَجُوزُ بَل انْعَقَدَ إِحْرَامُهُ، (أَيْ عَمْرَةً) .

وَالثَّانِي: يَنْعَقِدُ مُبْهَمًا، وَلَهُ صَرْفُهُ بَعْدَ دُخُول أَشْهُرِ الْحَجِّ إِلَى حَجٍّ أَوْ قِرَانٍ، فَإِنْ صَرَفَهُ إِلَى الْحَجِّ قَبْل الأَْشْهُرِ كَانَ كَمَنْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ قَبْل الأَْشْهُرِ. (٤)

١٤ - وَهَل الإِْطْلاَقُ أَفْضَل أَمِ التَّعْيِينُ؟ رَأْيَانِ:

أَحَدُهُمَا: أَنَّ التَّعْيِينَ أَفْضَل، وَهُوَ قَوْل الْحَنَابِلَةِ، فَقَدْ صَرَّحُوا بِاسْتِحْبَابِ التَّعْيِينِ، وَبِهِ قَال مَالِكٌ، وَهُوَ قَوْل بَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ.

ثَانِيهِمَا: الإِْطْلاَقُ أَفْضَل، وَهُوَ الأَْظْهَرُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ. (٥)

_________

(١) الزرقاني على خليل ٢ / ٢٥٦.

(٢) المغني ٣ / ٢٨٥.

(٣) الزرقاني على خليل ٢ / ٢٥٦.

(٤) الروضة ٣ / ٦٠.

(٥) الروضة ٣ / ٦٠، والمغني ٣ / ٢٨٤.

مَوَاطِنُ الْبَحْثِ:

١٥ - بِالإِْضَافَةِ إِلَى مَا تَقَدَّمَ يَتَكَلَّمُ الْفُقَهَاءُ وَالأُْصُولِيُّونَ عَنِ الإِْطْلاَقِ فِي الْمَوَاطِنِ الآْتِيَةِ: - الْمِلْكُ الْمُطْلَقُ، وَالْمِلْكُ الْمُقَيَّدُ. (١)

- الْعُقُودُ إِذَا وَقَعَتْ عَلَى اسْمٍ مُطْلَقٍ، هَل تَصِحُّ أَمْ لاَ (٢)؟ - فِي الْمُضَارَبَةِ وَالْوَكَالَةِ - اخْتِلاَفُ الْعَامِل، وَالْمَالِكِ وَالْوَكِيل، وَالْمُوَكِّل، فِي الإِْطْلاَقِ، وَالتَّقْيِيدِ. (٣)

- الإِْقْرَارُ الْمُطْلَقُ. (٤)

- الْوَقْفُ الْمُطْلَقُ. (٥)

- وَفِي الظِّهَارِ وَالطَّلاَقِ. (٦)

- الإِْطْلاَقُ فِي الإِْجَارَةِ. (٧)

- الإِْطْلاَقُ فِي الْوَصِيَّةِ وَالْوَقْفِ. (٨)

- الْقَضَاءُ - فِي تَعْرِيفِ الْحُكْمِ، وَهَل هُوَ إِنْشَاءُ إِلْزَامٍ أَمْ إِطْلاَقٌ؟

- الإِْطْلاَقُ فِي التَّصَرُّفَاتِ عَنِ الْغَيْرِ. (٩)

- تَقْيِيدُ الْمُطْلَقِ بِالْعُرْفِ، وَقَدْ أَفْرَدَ السُّيُوطِيُّ الْمَبْحَثَ الْخَامِسَ مِنْ كِتَابِ الأَْشْبَاهِ وَالنَّظَائِرِ فِي كُل مَا جَاءَ بِهِ الشَّرْعُ مُطْلَقًا، وَلاَ ضَابِطَ لَهُ فِيهِ وَلاَ فِي اللُّغَةِ. (١٠)

_________

(١) ابن عابدين ٤ / ٣٨١.

(٢) قواعد ابن رجب ص ٢٨١.

(٣) الأشباه والنظائر لابن نجيم ص ١٩٣.

(٤) قواعد ابن رجب ص ١٨٣.

(٥) ابن عابدين ٣ / ٣٨١، ٥ / ٤٤٦.

(٦) القواعد الفقهية الكبرى ٤ / ١٤٣.

(٧) الخرشي ٢ / ٢٩٠.

(٨) ابن عابدين ٥ / ٤٤٦.

(٩) قواعد الأحكام للعز بن عبد السلام ١ / ١٧٩.

(١٠) تيسير التحرير ١ / ٣١٧، والأشباه والنظائر للسيوطي ص ٨٨ وما بعدها.

- حَمْل الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ (١) .

- تَقْيِيدُ الْمُطْلَقِ بِمَا يُخَصَّصُ بِهِ الْعَامُّ (٢) .

- النَّذْرُ الْمُطْلَقُ وَالتَّحَلُّل مِنْهُ. (٣) وَتَفْصِيل كُل مَسْأَلَةٍ مِنْ هَذِهِ الْمَسَائِل فِي بَابِهَا.

اطْمِئْنَانٌ

التَّعْرِيفُ:

١ - الاِطْمِئْنَانُ فِي اللُّغَةِ: السُّكُونُ، يُقَال: اطْمَأَنَّ الْقَلْبُ: سَكَنَ وَلَمْ يَقْلَقْ، وَاطْمَأَنَّ فِي الْمَكَانِ: أَقَامَ بِهِ. وَلاَ يَخْرُجُ اسْتِعْمَال الْفُقَهَاءِ عَنْ هَذَيْنِ الإِْطْلاَقَيْنِ، فَإِنَّ الاِطْمِئْنَانَ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ بِمَعْنَى اسْتِقْرَارِ الأَْعْضَاءِ فِي أَمَاكِنِهَا عَنِ الْحَرَكَةِ (٤) .

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:

أ - الْعِلْمُ:

٢ - الْعِلْمُ هُوَ اعْتِقَادُ الشَّيْءِ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ عَلَى سَبِيل الثِّقَةِ، أَمَّا الاِطْمِئْنَانُ فَهُوَ سُكُونُ النَّفْسِ إِلَى

_________

(١) مسلم الثبوت ١ / ٣٦١ - ٣٦٦.

(٢) حاشية السعد على العضد ٢ / ١٥٥، والمدخل إلى مذهب الإمام أحمد ص ١٣١.

(٣) القواعد والفوائد الأصولية ص ٢١٢.

(٤) لسان العرب، والقاموس المحيط، وأساس البلاغة، والمغرب في المواد " طمن، علم، يقن " ودستور العلماء ٣ / ٤٨٣ طبع مؤسسة الأعلمى ببيروت، والفرق في اللغة للعسكري ص ٧٣، طبع دار الآفاق في بيروت.

هَذَا الْعِلْمِ. وَعَلَى هَذَا فَقَدْ يُوجَدُ الْعِلْمُ وَلاَ يُوجَدُ الاِطْمِئْنَانُ.

ب - الْيَقِينُ:

٣ - الْيَقِينُ: هُوَ سُكُونُ النَّفْسِ الْمُسْتَنِدِ إِلَى اعْتِقَادِ الشَّيْءِ بِأَنَّهُ لاَ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ إِلاَّ كَذَا. أَمَّا الاِطْمِئْنَانُ فَهُوَ سُكُونُ النَّفْسِ الْمُسْتَنِدِ إِلَى غَلَبَةِ الظَّنِّ، وَعَلَى هَذَا فَإِنَّ الْيَقِينَ أَقْوَى مِنَ الاِطْمِئْنَانِ. (١)

اطْمِئْنَانُ النَّفْسِ:

٤ - اطْمِئْنَانُ النَّفْسِ أَمْرٌ غَيْرُ مَقْدُورٍ لِلإِْنْسَانِ، لأَِنَّهُ مِنْ أَعْمَال الْقَلْبِ الَّتِي لاَ سُلْطَانَ لَهُ عَلَيْهَا، وَلَكِنْ يُطَالَبُ الإِْنْسَانُ بِتَحْصِيل أَسْبَابِهِ.

مَا يَحْصُل بِهِ الاِطْمِئْنَانُ:

٥ - بِالاِسْتِقْرَاءِ يَتَبَيَّنُ أَنَّ الاِطْمِئْنَانَ يَحْصُل شَرْعًا بِمَا يَلِي:

أ - ذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى، لِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ ﴿أَلاَ بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ . (٢)

ب - الدَّلِيل: وَالدَّلِيل قَدْ يَكُونُ شَرْعِيًّا مِنْ قُرْآنٍ أَوْ سُنَّةٍ، وَقَدْ يَكُونُ عَقْلِيًّا مِنْ قِيَاسٍ عَلَى عِلَّةٍ مُسْتَنْبَطَةٍ، أَوْ قَرِينَةٍ قَوِيَّةٍ مِنْ قَرَائِنِ الأَْحْوَال، وَقَدْ يَكُونُ خَبَرًا مِنْ مُخْبِرٍ صَادِقٍ. (٣)

ج - اسْتِصْحَابُ الْحَال: وَمِنْ هُنَا قُبِلَتْ شَهَادَةُ مَسْتُورِ الْحَال، لأَِنَّ الأَْصْل فِي الْمُسْلِمِينَ الْعَدَالَةُ. (٤) كَمَا هُوَ مُفَصَّلٌ فِي كِتَابِ الشَّهَادَاتِ مِنْ

_________

(١) نفس المراجع.

(٢) سورة الرعد / ٢٨.

(٣) الفتاوى الهندية ٥ / ٣١٠، ٣١٣.

(٤) حاشية قليوبي ٣ / ٢٢٠.

كُتُبِ الْفِقْهِ.

د - مُضِيُّ مُدَّةٍ مُعَيَّنَةٍ: إِذْ أَنَّ مُضِيَّ سَنَةٍ عَلَى الْعِنِّينِ دُونَ أَنْ يَسْتَطِيعَ أَنْ يَأْتِيَ أَهْلَهُ يُوجِدُ طُمَأْنِينَةً حُكْمِيَّةً بِعَجْزِهِ عَنِ الْمُعَاشَرَةِ عَجْزًا دَائِمًا. (١) وَمُضِيَّ مُدَّةِ الاِنْتِظَارِ فِي الْمَفْقُودِ - عِنْدَ مَنْ يَقُول بِهَا - يُوجِدُ طُمَأْنِينَةً حُكْمِيَّةً أَنَّهُ لَنْ يَعُودَ، (٢) وَتَأْخِيرَ أَدَاءِ الشَّهَادَةِ فِي الْحُدُودِ يُوجِدُ طُمَأْنِينَةً حُكْمِيَّةً بِأَنَّ الشَّاهِدَ إِنَّمَا شَهِدَ عَنْ ضَغَنٍ (أَيْ حِقْدٍ) .

هـ - الْقُرْعَةُ: وَهِيَ عِنْدَ مَنْ يَقُول بِهَا تُوجِدُ طُمَأْنِينَةً حُكْمِيَّةً بِأَنَّهُ لَمْ يَحْدُثْ جَوْرٌ أَوْ هَوًى، لأَِنَّهَا لِتَطْيِيبِ الْقُلُوبِ، كَمَا فِي الْقِسْمَةِ وَنَحْوِهَا. (٣)

الاِطْمِئْنَانُ الْحِسِّيُّ:

٦ - يَكُونُ ذَلِكَ فِي الصَّلاَةِ: وَحْدَهُ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَالْقِيَامِ - فَهُوَ سُكُونُ الْجَوَارِحِ وَاسْتِقْرَارُ كُل عُضْوٍ فِي مَحَلِّهِ - بِقَدْرِ تَسْبِيحَةٍ.

وَحُكْمُهُ الْوُجُوبُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَعِنْدَ بَعْضِ الْحَنَفِيَّةِ سُنَّةٌ. (٤) وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي كِتَابِ الصَّلاَةِ مِنْ كُتُبِ الْفِقْهِ.

وَالذَّبِيحَةُ لاَ يَجُوزُ تَقْطِيعُ أَوْصَالِهَا بَعْدَ ذَبْحِهَا حَتَّى تَسْكُنَ حَرَكَتُهَا، لأَِنَّ ذَلِكَ دَلِيل إِزْهَاقِ رُوحِهَا، كَمَا ذَكَرَ ذَلِكَ الْفُقَهَاءُ فِي كِتَابِ الذَّبَائِحِ.

آثَارُ الاِطْمِئْنَانِ:

٧ - يَتَرَتَّبُ عَلَى الاِطْمِئْنَانِ أَثَرَانِ:

_________

(١) المغني ٢ / ١٦٨.

(٢) المغني ٧ / ٤٨٨ وما بعدها.

(٣) المغني ٩ / ٣٥٩، وفتح القدير ٨ / ١٥، وفتاوى قاضيخان ٣ / ١٥٥.

(٤) المغني ١ / ٥٠٠، ومراقي الفلاح ص ١٣٥ طبع المطبعة العثمانية.