الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٥ الصفحة 32

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٥

عَلَى أَكْلِهَا بِوَعِيدٍ يُخَافُ مِنْهُ تَلَفُ نَفْسِهِ أَوْ تَلَفُ بَعْضِ أَعْضَائِهِ. وَكِلاَ الْمَعْنَيَيْنِ مُرَادٌ بِالآْيَةِ عِنْدَنَا لاِحْتِمَالِهِمَا. (١)

وَحَالَةُ الإِْكْرَاهِ يُؤَيِّدُ دُخُولَهَا فِي مَعْنَى الاِضْطِرَارِ قَوْل الرَّسُول ﵊: إِنَّ اللَّهَ وَضَعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ. (٢)

وَيُؤْخَذُ مِنَ " الدُّرِّ الْمُخْتَارِ " أَنَّ الضَّرُورَةَ تَشْمَل خَوْفَ الْهَلاَكِ، وَخَوْفَ الْعَجْزِ عَنِ الصَّلاَةِ قَائِمًا أَوْ عَنِ الصِّيَامِ. (٣)

وَفَسَّرَ " الشَّرْحُ الصَّغِيرُ " لِلْمَالِكِيَّةِ الضَّرُورَةَ بِخَوْفِ الْهَلاَكِ أَوْ شِدَّةِ الضَّرَرِ. (٤)

وَفَسَّرَهَا الرَّمْلِيُّ الشَّافِعِيُّ فِي " نِهَايَةِ الْمُحْتَاجِ " بِخَوْفِ الْمَوْتِ أَوِ الْمَرَضِ أَوْ غَيْرِهِمَا مِنْ كُل مَحْذُورٍ يُبِيحُ التَّيَمُّمَ، وَكَذَا خَوْفُ الْعَجْزِ عَنِ الْمَشْيِ، أَوِ التَّخَلُّفِ عَنِ الرُّفْقَةِ إِنْ حَصَل لَهُ بِهِ ضَرَرٌ، وَكَذَا إِجْهَادُ الْجُوعِ إِيَّاهُ بِحَيْثُ لاَ يَسْتَطِيعُ مَعَهُ الصَّبْرُ.

وَالْمَحْذُورُ الَّذِي يُبِيحُ التَّيَمُّمَ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ هُوَ حُدُوثُ مَرَضٍ أَوْ زِيَادَتُهُ أَوِ اسْتِحْكَامُهُ، أَوْ زِيَادَةُ مُدَّتِهِ، أَوْ حُصُول شَيْنٍ فَاحِشٍ فِي عُضْوٍ ظَاهِرٍ، بِخِلاَفِ الشَّيْنِ الْفَاحِشِ فِي عُضْوٍ بَاطِنٍ. وَالظَّاهِرُ: مَا يَبْدُو عِنْدَ الْمَهْنَةِ كَالْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ، وَالْبَاطِنُ: بِخِلاَفِهِ.

وَيُعْتَمَدُ فِي ذَلِكَ قَوْل الطَّبِيبِ الْعَدْل فِي

_________

(١) أحكام القرآن للجصاص ١ / ١٥٠.

(٢) حديث: " إن الله وضع عن أمتي. . . . " أخرجه ابن ماجه (١ / ٦٥٩ - ط الحلبي) وقال ابن حجر: " رجاله ثقات " (فيض القدير ٢ / ٢٦٧ - ط المكتبة التجارية) .

(٣) الدر المختار ٥ / ٢١٥.

(٤) الشرح الصغير ١ / ٣٢٣.

الرِّوَايَةِ. وَإِذَا كَانَ الْمُضْطَرُّ عَارِفًا فِي الطِّبِّ عَمِل بِمُقْتَضَى مَعْرِفَتِهِ، وَلاَ يُعْمَل بِتَجْرِبَتِهِ إِنْ كَانَ مُجَرِّبًا، عَلَى مَا قَالَهُ الرَّمْلِيُّ. وَقَال ابْنُ حَجَرٍ: يُعْمَل بِهَا، وَلاَ سِيَّمَا عِنْدَ فَقْدِ الطَّبِيبِ. (١)

وَقَال الْحَنَابِلَةُ: إِنَّ الضَّرُورَةَ أَنْ يَخَافَ التَّلَفَ فَقَطْ لاَ مَا دُونَهُ، هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ مِنَ الْمَذْهَبِ، وَقِيل: إِنَّهَا تَشْمَل خَوْفَ التَّلَفِ أَوِ الضَّرَرَ، وَقِيل: أَنْ يَخَافَ تَلَفًا أَوْ ضَرَرًا أَوْ مَرَضًا أَوِ انْقِطَاعًا عَنِ الرُّفْقَةِ يُخْشَى مَعَهُ الْهَلاَكُ. (٢)

تَفْصِيل الْمُحَرَّمَاتِ الَّتِي تُبِيحُهَا الضَّرُورَةُ:

٩٣ - ذُكِرَ فِي الآْيَاتِ السَّابِقَةِ تَحْرِيمُ الْمَيْتَةِ، وَالدَّمِ، وَلَحْمِ الْخِنْزِيرِ، وَمَا أُهِّل لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ، وَالْمُنْخَنِقَةِ، وَالْمَوْقُوذَةِ، وَالْمُتَرَدِّيَةِ، وَالنَّطِيحَةِ، وَمَا أَكَل السَّبُعُ، وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ، فَهَذِهِ كُلُّهَا تُبِيحُهَا الضَّرُورَةُ بِلاَ خِلاَفٍ.

وَكَذَا كُل حَيَوَانٍ حَيٍّ مِنَ الْحَيَوَانَاتِ الَّتِي لاَ تُؤْكَل يَحِل لِلْمُضْطَرِّ قَتْلُهُ بِذَبْحٍ أَوْ بِغَيْرِ ذَبْحٍ لِلتَّوَصُّل إِلَى أَكْلِهِ. وَكَذَا مَا حَرُمَ مِنْ غَيْرِ الْحَيَوَانَاتِ لِنَجَاسَتِهِ، وَيُمَثِّلُونَ لَهُ بِالتِّرْيَاقِ الْمُشْتَمِل عَلَى خَمْرٍ وَلُحُومِ حَيَّاتٍ.

أَمَّا مَا حَرُمَ لِكَوْنِهِ يَقْتُل الإِْنْسَانَ إِذَا تَنَاوَلَهُ، كَالسُّمُومِ، فَإِنَّهُ لاَ تُبِيحُهُ الضَّرُورَةُ، لأَِنَّ تَنَاوُلَهُ اسْتِعْجَالٌ لِلْمَوْتِ وَقَتْلٌ لِلنَّفْسِ، وَهُوَ مِنْ أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ. وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الْمَذَاهِبِ.

_________

(١) نهاية المحتاج ٨ / ١٥٠، والبيجوري على ابن قاسم ١ / ٩١، ٩٢.

(٢) المقنع ٣ / ٥٣١.

٩٤ - وَاخْتَلَفَتِ الاِجْتِهَادَاتُ فِي الْخَمْرِ فَقَال الْحَنَفِيَّةُ: يَشْرَبُهَا مَنْ خَافَ الْعَطَشَ وَلَمْ يَجِدْ غَيْرَهَا، وَلاَ يَشْرَبُ إِلاَّ قَدْرَ مَا يَدْفَعُ الْعَطَشَ، إِنْ عَلِمَ أَنَّهَا تَدْفَعُهُ. (١)

وَقَال الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: لاَ يَشْرَبُ الْمُضْطَرُّ الْخَمْرَ الصِّرْفَةَ لِلْعَطَشِ، (٢) وَإِنَّمَا يَشْرَبُهَا مَنْ غَصَّ بِلُقْمَةٍ أَوْ غَيْرِهَا، فَلَمْ يَجِدْ مَا يُزِيل الْغُصَّةَ سِوَى الْخَمْرِ. (٣)

شُرُوطُ إِبَاحَةِ الْمَيْتَةِ وَنَحْوِهَا لِلْمُضْطَرِّ:

٩٥ - إِنَّ الْفُقَهَاءَ فِي كَلاَمِهِمْ عَنِ الاِضْطِرَارِ وَأَحْكَامِهِ الاِسْتِثْنَائِيَّةِ لَمْ يَجْمَعُوا شُرُوطَ إِبَاحَةِ الْمَيْتَةِ وَغَيْرِهَا مِنَ الْمُحَرَّمَاتِ لِمُضْطَرٍّ تَحْتَ عِنْوَانٍ خَاصٍّ بِالشُّرُوطِ، بَل يَجِدُهَا الْمُتَتَبِّعُ مُفَرَّقَةً فِي خِلاَل الْمَسَائِل وَالأَْحْكَامِ.

وَيُسْتَخْلَصُ مِنْ كَلاَمِهِمْ عَنْ حَالاَتِ الاِضْطِرَارِ وَأَحْكَامِهَا أَنَّ الشُّرُوطَ الشَّرْعِيَّةَ الَّتِي يَشْتَرِطُهَا فُقَهَاءُ الْمَذَاهِبِ لإِبَاحَةِ الْمُحَرَّمَاتِ لِلْمُضْطَرِّ نَوْعَانِ:

(١) شُرُوطٌ عَامَّةٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا بَيْنَ الْمَذَاهِبِ لِجَمِيعِ أَحْوَال الاِضْطِرَارِ.

(٢) شُرُوطٌ عَامَّةٌ اشْتَرَطَتْهَا بَعْضُ الْمَذَاهِبِ دُونَ سِوَاهَا.

_________

(١) ابن عابدين ٥ / ٢١٥، والمحلى ٧ / ٤٢٦.

(٢) واستثنى الشافعية ما لو زاد عطشه جدا حتى كاد يشرف على الهلاك فإنه يحل له حينئذ شربها (نهاية المحتاج ٨ / ١٢) .

(٣) الشرح الصغير مع حاشية الصاوي ١ / ٣٢٣، ونهاية المحتاج ٨ / ١٥٠، ومطالب أولي النهى ٦ / ٢١١، وأحكام القرآن للجصاص ١ / ١٥٠، والمحلى لابن حزم ٧ / ٤٢٦.

وَفِيمَا يَلِي بَيَانُ ذَلِكَ:

(أَوَّلًا) - الشُّرُوطُ الْعَامَّةُ الْمُتَّفَقُ عَلَيْهَا:

٩٦ - يُشْتَرَطُ فِي إِبَاحَةِ الْمَيْتَةِ وَنَحْوِهَا لِلْمُضْطَرِّ بِوَجْهٍ عَامٍّ ثَلاَثَةُ شُرُوطٍ:

(الأَْوَّل) - أَلاَّ يَجِدَ طَعَامًا حَلاَلًا وَلَوْ لُقْمَةً، فَإِنْ وَجَدَهَا وَجَبَ تَقْدِيمُهَا، فَإِنْ لَمْ تُغْنِهِ حَل لَهُ الْمُحَرَّمُ.

(الثَّانِي) - أَلاَّ يَكُونَ قَدْ أَشْرَفَ عَلَى الْمَوْتِ بِحَيْثُ لاَ يَنْفَعُهُ تَنَاوُل الطَّعَامِ، فَإِنِ انْتَهَى إِلَى هَذِهِ الْحَالَةِ لَمْ يَحِل لَهُ الْمُحَرَّمُ. (١)

(الثَّالِثُ) - أَلاَّ يَجِدَ مَال مُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ مِنَ الأَْطْعِمَةِ الْحَلاَل، وَفِي هَذَا الشَّرْطِ بَعْضُ تَفْصِيلٍ بَيَانُهُ فِيمَا يَلِي:

٩٧ - قَال الْحَنَفِيَّةُ: لَوْ خَافَ الْمُضْطَرُّ الْمَوْتَ جُوعًا، وَمَعَ رَفِيقِهِ طَعَامٌ لَيْسَ مُضْطَرًّا إِلَيْهِ فَلِلْمُضْطَرِّ أَنْ يَأْخُذَ بِالْقِيمَةِ مِنْهُ قَدْرَ مَا يَسُدُّ جَوْعَتَهُ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ مَا يُؤَدِّي بِهِ الْقِيمَةَ حَالًا لَزِمَتْهُ دَيْنًا فِي ذِمَّتِهِ.

وَإِنَّمَا تَلْزَمُهُ الْقِيمَةُ لأَِنَّ مِنَ الْقَوَاعِدِ الْعَامَّةِ الْمُقَرَّرَةِ عِنْدَهُمْ أَنَّ " الاِضْطِرَارَ لاَ يُبْطِل حَقَّ الْغَيْرِ ". (٢)

وَكَذَا يَأْخُذُ مِنَ الْمَاءِ الَّذِي لِغَيْرِهِ مَا يَدْفَعُ الْعَطَشَ، فَإِنْ مَنَعَهُ صَاحِبُهُ قَاتَلَهُ الْمُضْطَرُّ بِلاَ سِلاَحٍ، لأَِنَّ الرَّفِيقَ الْمَانِعَ فِي هَذِهِ الْحَال ظَالِمٌ. فَإِنْ

_________

(١) نهاية المحتاج ٨ / ١٥٠.

(٢) مطالب أولي النهى ٦ / ٣٢٣، ٣٢٤، والمجلة م / ٣٣.

خَافَ الرَّفِيقُ جُوعًا أَوْ عَطَشًا تُرِكَ لَهُ بَعْضُهُ. (١)

وَلاَ يَحِل لَهُ أَنْ يَدْفَعَ الْجُوعَ أَوِ الْعَطَشَ بِالْمُحَرَّمَاتِ كَالْمَيْتَةِ وَالْخَمْرِ مَعَ وُجُودِ حَلاَلٍ مَمْلُوكٍ لِغَيْرِهِ لَيْسَ مُضْطَرًّا إِلَيْهِ، وَالْمُضْطَرُّ قَادِرٌ عَلَى أَخْذِهِ وَلَوْ بِالْقُوَّةِ.

وَجَوَّزَ الْمَالِكِيَّةُ فِي هَذِهِ الْحَال مُقَاتَلَةَ صَاحِبِ الطَّعَامِ بِالسِّلاَحِ بَعْدَ الإِْنْذَارِ، بِأَنْ يُعْلِمَهُ الْمُضْطَرُّ أَنَّهُ مُضْطَرٌّ، وَأَنَّهُ إِنْ لَمْ يُعْطِهِ قَاتَلَهُ، فَإِنْ قَتَلَهُ بَعْدَ ذَلِكَ فَدَمُهُ هَدَرٌ، لِوُجُوبِ بَذْل طَعَامِهِ لِلْمُضْطَرِّ، وَإِنْ قَتَلَهُ الآْخَرُ فَعَلَيْهِ الْقِصَاصُ. (٢)

٩٨ - وَقَال الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: لَوْ وَجَدَ الْمُضْطَرُّ طَعَامًا لِغَيْرِهِ. فَإِنْ كَانَ صَاحِبُهُ غَائِبًا وَلَمْ يَجِدِ الْمُضْطَرُّ سِوَاهُ، أَكَل مِنْهُ وَغَرِمَ عِنْدَ قُدْرَتِهِ مِثْلَهُ إِنْ كَانَ مِثْلِيًّا، وَقِيمَتَهُ إِنْ كَانَ قِيَمِيًّا، حِفْظًا لِحَقِّ الْمَالِكِ. فَإِنْ كَانَ صَاحِبُهُ حَاضِرًا، (٣) فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ الْحَاضِرُ مُضْطَرًّا أَيْضًا لَمْ يَلْزَمْهُ بَذْلُهُ لِلأَْوَّل إِنْ لَمْ يَفْضُل عَنْهُ، بَل هُوَ أَوْلَى، لِحَدِيثٍ: ابْدَأْ بِنَفْسِكَ. . . (٤)

لَكِنْ يَجُوزُ لَهُ إِيثَارُهُ عَلَى نَفْسِهِ إِنْ كَانَ الأَْوَّل مُسْلِمًا مَعْصُومًا، وَاسْتَطَاعَ الثَّانِي الصَّبْرَ عَلَى التَّضْيِيقِ عَلَى نَفْسِهِ. فَإِنْ فَضَل بَعْدَ سَدِّ رَمَقِهِ شَيْءٌ لَزِمَهُ بَذْلُهُ لِلأَْوَّل.

_________

(١) حاشية ابن عابدين ٥ / ٢١٥ و٢٦٥ أما إن استعمل المالك سلاحا لمنعه من حقه فالظاهر أن للمضطر مقابلته حينئذ بالسلاح للدفاع عن نفسه (اللجنة) .

(٢) الشرح الصغير مع حاشية الصاوي ١ / ٣٢٣.

(٣) أي ولم يجد سواه ولو ميتة أيضا.

(٤) حديث: " ابدأ بنفسك. . . . " أخرجه مسلم (٢ / ٦٩٣ - ط الحلبي) والنسائي (٥ / ٧٠ - ط المكتبة التجارية) .

وَإِنْ لَمْ يَكُنْ صَاحِبُ الطَّعَامِ الْحَاضِرِ مُضْطَرًّا لَزِمَهُ إِطْعَامُ الْمُضْطَرِّ. فَإِنْ مَنَعَهُ، أَوْ طَلَبَ زِيَادَةً عَلَى ثَمَنِ الْمِثْل بِمِقْدَارٍ كَثِيرٍ جَازَ لِلْمُضْطَرِّ قَهْرُهُ، وَإِنْ أَدَّى إِلَى قَتْلِهِ، وَيَكُونُ دَمُ الْمَانِعِ حِينَئِذٍ مُهْدَرًا. وَإِنْ قَتَل الْمَالِكُ الْمُضْطَرَّ فِي الدَّفْعِ عَنْ طَعَامِهِ لَزِمَهُ الْقِصَاصُ.

وَإِنْ مَنَعَ الْمَالِكُ الطَّعَامَ عَنِ الْمُضْطَرِّ فَمَاتَ هَذَا جُوعًا لَمْ يَضْمَنْهُ الْمَانِعُ بِقِصَاصٍ وَلاَ دِيَةٍ، لأَِنَّهُ لَمْ يُحْدِثْ فِعْلًا مُهْلِكًا. فَإِنْ لَمْ يَمْنَعِ الْمَالِكُ الطَّعَامَ، وَلَكِنْ طَلَبَ ثَمَنًا، وَلَوْ بِزِيَادَةٍ عَلَى ثَمَنِ الْمِثْل بِمِقْدَارٍ يَسِيرٍ، لَزِمَ الْمُضْطَرَّ قَبُولُهُ بِهِ، وَلَمْ يَجُزْ لَهُ قَهْرُهُ. وَلَوْ أَطْعَمَهُ وَلَمْ يَذْكُرْ عِوَضًا فَلاَ عِوَضَ لَهُ عَلَى الأَْرْجَحِ، حَمْلًا لَهُ عَلَى الْمُسَامَحَةِ الْمُعْتَادَةِ فِي الطَّعَامِ، وَلاَ سِيَّمَا فِي حَقِّ الْمُضْطَرِّ. وَقِيل: يَلْزَمُهُ ثَمَنُ الْمِثْل، لأَِنَّهُ خَلَصَ مِنَ الْهَلاَكِ بِذَلِكَ فَيَرْجِعُ عَلَيْهِ بِالْبَدَل، فَإِنِ اخْتَلَفَا فِي ذِكْرِ الْعِوَضِ صُدِّقَ الْمَالِكُ بِيَمِينِهِ، إِذْ لَوْ لَمْ يُصَدَّقْ لَرَغِبَ النَّاسُ عَنْ إِطْعَامِ الْمُضْطَرِّ، وَأَفْضَى ذَلِكَ إِلَى الضَّرَرِ. (١)

(ثَانِيًا) - الشُّرُوطُ الْعَامَّةُ الْمُخْتَلَفُ فِيهَا:

٩٩ - اخْتَلَفَ فُقَهَاءُ الْمَذَاهِبِ فِي بَعْضِ الشَّرَائِطِ الْمُبِيحَةِ لأَِكْل الْمَيْتَةِ وَنَحْوِهَا مِنَ الْمُحَرَّمَاتِ لِلْمُضْطَرِّ: فَاشْتَرَطَ الشَّافِعِيَّةُ أَنْ يَكُونَ الْمُضْطَرُّ نَفْسُهُ مَعْصُومَ الدَّمِ. فَإِنْ كَانَ الْمُضْطَرُّ مُهْدَرَ الدَّمِ شَرْعًا كَالْحَرْبِيِّ، وَالْمُرْتَدِّ، وَتَارِكِ الصَّلاَةِ الَّذِي اسْتَوْجَبَ الْقَتْل، لَمْ يَجُزْ لَهُ أَكْل الْمُحَرَّمَاتِ مِنْ مَيْتَةٍ أَوْ غَيْرِهَا إِلاَّ إِذَا تَابَ.

_________

(١) نهاية المحتاج مع حاشيتي الرشيدي والشبراملسي ٨ / ١٥٢، والمقنع ٣ / ٥٣١.

أَمَّا مُهْدَرُ الدَّمِ الَّذِي لاَ تُفِيدُ تَوْبَتُهُ عِصْمَةَ دَمِهِ، كَالزَّانِي الْمُحْصَنِ، وَالْقَاتِل فِي قَطْعِ الطَّرِيقِ الَّذِي قَدَرَ عَلَيْهِ الْحَاكِمُ، فَقِيل: لاَ يَأْكُل الْمَيْتَةَ حَتَّى يَتُوبَ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَوْبَتُهُ مُفِيدَةً لِعِصْمَتِهِ.

وَقِيل: لاَ يَتَوَقَّفُ حِل الْمَيْتَةِ لَهُ عَلَى تَوْبَتِهِ. (١)

١٠٠ - وَاشْتَرَطَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ أَلاَّ يَكُونَ الْمُضْطَرُّ عَاصِيًا بِسَفَرِهِ أَوْ بِإِقَامَتِهِ. فَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَحِل لَهُ تَنَاوُل الْمَيْتَةِ وَنَحْوِهَا حَتَّى يَتُوبَ.

وَالْعَاصِي بِسَفَرِهِ أَوْ بِإِقَامَتِهِ هُوَ الَّذِي نَوَى بِسَفَرِهِ أَوْ إِقَامَتِهِ الْمَعْصِيَةَ، أَيْ هُوَ الَّذِي سَافَرَ أَوْ أَقَامَ لأَِجْل الْمَعْصِيَةَ، كَمَنْ خَرَجَ مِنْ بَلَدِهِ نَاوِيًا قَطْعَ الطَّرِيقَ، وَكَذَا الَّذِي قَصَدَ بِسَفَرِهِ أَوْ إِقَامَتَهُ أُمُورًا مُبَاحَةً ثُمَّ قَلَبَهُ مَعْصِيَةً، كَمَنْ سَافَرَ أَوْ أَقَامَ لِلتِّجَارَةِ ثُمَّ بَدَا لَهُ أَنْ يَجْعَل السَّفَرَ أَوِ الإِْقَامَةُ لِقَطْعِ الطَّرِيقِ.

وَأَمَّا الْعَاصِي فِي أَثْنَاءِ السَّفَرِ - وَهُوَ مَنْ سَافَرَ سَفَرًا مُبَاحًا، وَفِي أَثْنَاءِ سَفَرِهِ عَصَى بِتَأْخِيرِ الصَّلاَةِ عَنْ وَقْتِهَا، أَوْ بِالزِّنَى وَهُوَ غَيْرُ مُحْصَنٍ، أَوْ بِالسَّرِقَةِ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ - فَلاَ يَتَوَقَّفُ حِل أَكْلِهِ لِلْمَيْتَةِ وَنَحْوِهَا عَلَى تَوْبَتِهِ. وَمِثْلُهُ الْعَاصِي فِي إِقَامَتِهِ، كَمَنْ كَانَ مُقِيمًا فِي بَلَدِهِ لِغَرَضٍ مُبَاحٍ، وَعَصَى فِيهَا بِنَحْوِ مَا سَبَقَ، فَإِنَّهُ يُبَاحُ لَهُ الأَْكْل مِنَ الْمُحَرَّمِ إِنِ اضْطُرَّ إِلَيْهِ مِنْ غَيْرِ تَوَقُّفٍ عَلَى التَّوْبَةِ. (٢)

وَالْوَجْهُ لِمَنْعِ الْمُسَافِرِ سَفَرَ مَعْصِيَةٍ أَنَّ أَكْل الْمَيْتَةِ رُخْصَةٌ، وَالْعَاصِي بِسَفَرِهِ أَوْ إِقَامَتِهِ لَيْسَ مِنْ

_________

(١) نهاية المحتاج ٨ / ١٧٠، ١٧١، وحاشية البجيرمي على المنهج ٤ / ٢٠٨.

(٢) نهاية المحتاج ٨ / ١٥٠، وحاشية الشرواني على تحفة المحتاج ٨ / ١٨٨، ومطالب أولي النهى ٦ / ٣١٨، ٣١٩.

أَهْلِهَا، وَأَيْضًا فِي الأَْكْل الْمَذْكُورِ عَوْنٌ عَلَى الْمَعْصِيَةِ فَلاَ يَجُوزُ.

١٠١ - أَمَّا الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ، فَقَالُوا: لاَ يُشْتَرَطُ فِي الْمُضْطَرِّ عَدَمُ الْمَعْصِيَةِ، لإِطْلاَقِ النُّصُوصِ وَعُمُومِهَا. (١)

إِطْلاَقٌ

التَّعْرِيفُ:

١ - مِنْ مَعَانِي الإِْطْلاَقِ فِي اللُّغَةِ: التَّخْلِيَةُ، وَالْحَل وَالإِْرْسَال، وَعَدَمُ التَّقْيِيدِ. (٢)

وَعِنْدَ الْفُقَهَاءِ وَالأُْصُولِيِّينَ يُؤْخَذُ تَعْرِيفُ الإِْطْلاَقِ مِنْ بَيَانِ الْمُطْلَقِ، فَالْمُطْلَقُ اسْمُ مَفْعُولٍ مِنْ أَطْلَقَ، وَالْمُطْلَقُ: مَا دَل عَلَى فَرْدٍ شَائِعٍ، أَوْ هُوَ: مَا دَل عَلَى الْمَاهِيَّةِ بِلاَ قَيْدٍ. أَوْ هُوَ: مَا لَمْ يُقَيَّدْ بِصِفَةٍ تَمْنَعُهُ أَنْ يَتَعَدَّاهَا إِلَى غَيْرِهَا. (٣)

كَمَا يُرَادُ بِالإِْطْلاَقِ: اسْتِعْمَال اللَّفْظِ فِي مَعْنَاهُ حَقِيقَةً كَانَ أَوْ مَجَازًا. (٤) كَمَا يَأْتِي أَيْضًا بِمَعْنَى النَّفَاذِ، فَإِطْلاَقُ التَّصَرُّفِ

_________

(١) أحكام القرآن للجصاص ١ / ١٤٧، ١٤٩.

(٢) المصباح المنير، والمغرب مادة (طلق) .

(٣) حاشية الشهاب الخفاجي على البيضاوي ١ / ٢٦٢، وكشاف اصطلاحات الفنون ٤ / ٩٢٢، وجمع الجوامع ٢ / ٤٤، ومسلم الثبوت ١ / ٣٦٠، والنظم المستعذب لابن بطال الركبي ١ / ١٠ - ١١ نشر دار المعرفة بهامش المهذب، والقليوبي ٤ / ٣٥٠ ط مصطفى الحلبي، وحاشية السعد على العضد ٢ / ١١٧ ط ليبيا.

(٤) كشاف اصطلاحات الفنون ٤ / ٩٢٢.

نَفَاذُهُ. (١)

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:

أ - الْعُمُومُ:

٢ - تَظْهَرُ صِلَةُ الإِْطْلاَقِ بِالْعُمُومِ مِنْ بَيَانِ الْعَلاَقَةِ بَيْنَ الْمُطْلَقِ وَالْعَامِّ، فَالْمُطْلَقُ يُشَابِهُ الْعَامَّ مِنْ حَيْثُ الشُّيُوعُ حَتَّى ظُنَّ أَنَّهُ عَامٌّ. (٢)

لَكِنْ هُنَاكَ فَرْقًا بَيْنَ الْعَامِّ وَالْمُطْلَقِ، فَالْعَامُّ عُمُومُهُ شُمُولِيٌّ، وَعُمُومُ الْمُطْلَقِ بَدَلِيٌّ. فَمَنْ أَطْلَقَ عَلَى الْمُطْلَقِ اسْمُ الْعُمُومِ فَهُوَ بِاعْتِبَارِ أَنَّ مَوَارِدَهُ غَيْرُ مُنْحَصِرَةٍ.

وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا: أَنَّ عُمُومَ الشُّمُولِيِّ كُلِّيٌّ يُحْكَمُ فِيهِ عَلَى كُل فَرْدٍ فَرْدٍ. وَعُمُومُ الْبَدَل كُلِّيٌّ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ لاَ يَمْنَعُ نَفْسَ تَصَوُّرِ مَفْهُومِهِ مِنْ وُقُوعِ الشَّرِكَةِ فِيهِ، وَلَكِنْ لاَ يُحْكَمُ فِيهِ عَلَى كُل فَرْدٍ، بَل عَلَى فَرْدٍ شَائِعٍ فِي أَفْرَادِهِ، يَتَنَاوَلُهَا عَلَى سَبِيل الْبَدَل، وَلاَ يَتَنَاوَل أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدٍ دَفْعَةً.

وَفِي تَهْذِيبِ الْفُرُوقِ نَقْلًا عَنِ الأُْنْبَابِيِّ: عُمُومُ الْعَامِّ شُمُولِيٌّ، بِخِلاَفِ عُمُومِ الْمُطْلَقِ، نَحْوُ رَجُلٍ وَأَسَدٍ وَإِنْسَانٍ، فَإِنَّهُ بَدَلِيٌّ، حَتَّى إِذَا دَخَلَتْ عَلَيْهِ أَدَاةُ النَّفْيِ أَوْ أَل الاِسْتِغْرَاقِيَّةِ صَارَ عَامًّا. (٣)

ب - التَّنْكِيرُ:

٣ - يَتَّضِحُ الْفَرْقُ بَيْنَ الإِْطْلاَقِ وَالتَّنْكِيرِ مِنْ بَيَانِ الْفَرْقِ بَيْنَ الْمُطْلَقِ وَالنَّكِرَةِ، فَيَرَى بَعْضُ

_________

(١) المحلي على المنهج بحاشيتي قليوبي وعميرة ٢ / ٣٤١، والفروق للقرافي ١ / ١٢٧.

(٢) كشف الأسرار ٢ / ٣٧١.

(٣) حاشية السعد على العضد ٢ / ١٠١، والمدخل إلى مذهب الإمام أحمد ص ١١١، وتهذيب الفروق ١ / ١٧٢ نشر دار المعرفة.

الأُْصُولِيِّينَ، أَنَّهُ لاَ فَرْقَ بَيْنَ النَّكِرَةِ وَالْمُطْلَقِ، لأَِنَّ تَمْثِيل جَمِيعِ الْعُلَمَاءِ الْمُطْلَقَ بِالنَّكِرَةِ فِي كُتُبِهِمْ يُشْعِرُ بِعَدَمِ الْفَرْقِ. (١)

وَفِي تَيْسِيرِ التَّحْرِيرِ: الْمُطْلَقُ وَالنَّكِرَةُ بَيْنَهُمَا عُمُومٌ مِنْ وَجْهٍ، لِصِدْقِهِمَا فِي نَحْوِ: تَحْرِيرِ رَقَبَةٍ، وَانْفِرَادِ النَّكِرَةِ عَنْهُ إِذَا كَانَتْ عَامَّةً، كَمَا إِذَا وَقَعَتْ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ، وَانْفِرَادُ الْمُطْلَقِ عَنْهَا فِي نَحْوِ اشْتَرِ اللَّحْمَ. (٢)

هَذَا عِنْدَ الإِْطْلاَقِ، فَإِنْ قُيِّدَتِ النَّكِرَةُ كَانَتْ مُبَايِنَةً لِلْمُطْلَقِ.

الشَّيْءُ الْمُطْلَقُ وَمُطْلَقُ الشَّيْءِ:

٤ - الشَّيْءُ الْمُطْلَقُ عِبَارَةٌ عَنِ الشَّيْءِ مِنْ حَيْثُ الإِْطْلاَقُ، وَهُوَ مَا صَدَقَ عَلَيْهِ اسْمُ الشَّيْءِ بِلاَ قَيْدٍ لاَزِمٍ، وَمِنْهُ قَوْل الْفُقَهَاءِ: يُرْفَعُ الْحَدَثُ بِالْمَاءِ الْمُطْلَقِ أَيْ غَيْرِ الْمُقَيَّدِ بِقَيْدٍ، فَخَرَجَ بِهِ مَاءُ الْوَرْدِ، وَمَاءُ الزَّعْفَرَانِ، وَالْمَاءُ الْمُعْتَصَرُ مِنْ شَجَرٍ أَوْ ثَمَرٍ، وَكَذَلِكَ الْمَاءُ الْمُسْتَعْمَل عِنْدَ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ، لأَِنَّهَا مِيَاهٌ مُقَيَّدَةٌ بِقَيْدٍ لاَزِمٍ لاَ يُطْلَقُ الْمَاءُ عَلَيْهِ بِدُونِهِ، بِخِلاَفِ مَاءِ الْبَحْرِ وَمَاءِ الْبِئْرِ وَمَاءِ السَّمَاءِ وَنَحْوِهَا، لأَِنَّ الْقُيُودَ فِيهَا غَيْرُ لاَزِمَةٍ، وَتُسْتَعْمَل بِدُونِهَا، فَهِيَ مِيَاهٌ مُطْلَقَةٌ.

أَمَّا مُطْلَقُ الشَّيْءِ فَهُوَ عِبَارَةٌ عَنِ الشَّيْءِ مِنْ حَيْثُ هُوَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُلاَحَظَ مَعَهُ الإِْطْلاَقُ أَوِ التَّقْيِيدُ، فَيَصْدُقُ عَلَى أَيِّ شَيْءٍ مُطْلَقًا كَانَ أَوْ مُقَيَّدًا. وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ: مُطْلَقُ الْمَاءِ، فَيَدْخُل فِيهِ الْمَاءُ

_________

(١) البدخشي على منهاج الوصول في علم الأصول ٢ / ٦٠ ط صبيح، وحاشية الرهاوي على ابن ملك ص ٥٥٨ ط دار السعادة، وحاشية الشهاب الخفاجي ١ / ٢٦٣.

(٢) تيسير التحرير ١ / ٣٢٩ ط مصطفى الحلبي.