الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٥
وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَهُوَ قَوْلٌ لِلْمَالِكِيَّةِ، غَيْرَ أَنَّ الضَّبُعَ وَالثَّعْلَبَ قَال بِحِلِّهِمَا أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ (١) .
٢٥ - وَاسْتَدَل الْجُمْهُورُ عَلَى تَحْرِيمِ هَذَا النَّوْعِ كُلِّهِ أَوْ كَرَاهَتِهِ كَرَاهَةً تَحْرِيمِيَّةً - بِقَطْعِ النَّظَرِ عَنِ الأَْمْثِلَةِ - بِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ رَسُول اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَال: أَكْل كُل ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ حَرَامٌ. (٢)
وَمَنِ اسْتَثْنَى الضَّبُعَ مِنْهُمُ اسْتَدَل بِأَخْبَارٍ كَثِيرَةٍ عَنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ، مِنْهَا مَا وَرَدَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ أَبِي عَمَّارٍ قَال: سَأَلْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ الضَّبُعِ أَآكُلُهَا؟ قَال: نَعَمْ، قُلْتُ: أَصَيْدٌ هِيَ؟ قَال: نَعَمْ، قُلْتُ: أَسَمِعْتَ ذَلِكَ مِنْ نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ؟ قَال: نَعَمْ. (٣) وَرُوِيَ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ نَافِعٍ مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ، قَال: أَخْبَرَ رَجُلٌ ابْنَ عُمَرَ أَنَّ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ يَأْكُل الضِّبَاعَ، قَال نَافِعٌ: فَلَمْ يُنْكِرِ ابْنُ عُمَرَ ذَلِكَ.
٢٦ - وَالْقَوْل الْمَشْهُورُ لِلْمَالِكِيَّةِ أَنَّهُ: يُكْرَهُ تَنْزِيهًا أَكْل الْحَيَوَانَاتِ الْمُفْتَرِسَةِ سَوَاءٌ أَكَانَتْ أَهْلِيَّةً كَالسِّنَّوْرِ وَالْكَلْبِ، أَمْ مُتَوَحِّشَةً كَالذِّئْبِ وَالأَْسَدِ.
وَلِلْمَالِكِيَّةِ فِي الْقِرْدِ وَالنَّسْنَاسِ قَوْلٌ بِالإِْبَاحَةِ، وَهُوَ خِلاَفُ الْمَشْهُورِ عِنْدَهُمْ لَكِنْ صَحَّحَهُ صَاحِبُ التَّوْضِيحِ. (٤)
_________
(١) البدائع ٥ / ٣٩، وحاشية ابن عابدين ٥ / ١٩٤.
(٢) حديث: " أكل كل ذي ناب من السباع حرام " أخرجه مالك (٢ / ٤٩٦ - ط الحلبي)، أخرجه مسلم (٣ / ١٥٣٤ - ط الحلبي) بلفظ مقارب.
(٣) حديث جابر في الضبع أخرجه الترمذي (٤ / ٢٥٢ - ط الحلبي) وابن ماجه (٢ / ١٠٧٨ - ط الحلبي) وصححه البخاري كما في التلخيص (٤ / ١٥٢ - ط دار المحاسن) .
(٤) الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي ٢ / ١٠٤ طبع المكتبة الكبرى.
٢٧ - لَكِنَّ الشَّافِعِيَّةَ أَبَاحُوا بَعْضَ الأَْمْثِلَةِ السَّابِقِ ذِكْرُهَا: بِالإِْضَافَةِ إِلَى الضَّبُعِ وَالثَّعْلَبِ كَالسِّنْجَابِ وَالْفَنَكِ وَالسَّمُّورِ مُحْتَجِّينَ بِأَنَّ أَنْيَابَهَا ضَعِيفَةٌ.
وَقَالُوا فِي السِّنَّوْرِ الْوَحْشِيِّ، وَالأَْهْلِيِّ، وَابْنِ آوَى، وَالنِّمْسِ، وَالدُّلُقِ: إِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ فِي الأَْصَحِّ، وَقِيل فِي هَذِهِ الْخَمْسَةِ الأَْخِيرَةِ كُلِّهَا بِالْحِل عِنْدَهُمْ. (١)
٢٨ - أَمَّا الْحَنَابِلَةُ فَقَدْ أَبَاحُوا مِنَ الأَْمْثِلَةِ السَّابِقَةِ الضَّبُعَ فَقَطْ. وَقَالُوا: إِنَّ فِي الثَّعْلَبِ وَالسِّنَّوْرِ الْوَحْشِيِّ رِوَايَةً بِالإِْبَاحَةِ. (٢)
٢٩ - وَأَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فَقَدِ اسْتَدَلُّوا بِقَوْل اللَّهِ تَعَالَى: ﴿قُل لاَ أَجِدُ فِيمَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ. . .﴾ إِلَخِ الآْيَةَ (٣) فَإِنَّ لُحُومَ السِّبَاعِ لَيْسَتْ مِمَّا تَضَمَّنَتْهُ الآْيَةُ، فَتَكُونُ مُبَاحَةً، وَأَمَّا مَا وَرَدَ مِنَ النَّهْيِ عَنْ أَكْل كُل ذِي نَابٍ فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى الْكَرَاهَةِ. (٤)
النَّوْعُ الرَّابِعُ: كُل وَحْشٍ لَيْسَ لَهُ نَابٌ يَفْتَرِسُ بِهِ وَلَيْسَ مِنَ الْحَشَرَاتِ (٥):
٣٠ - وَذَلِكَ كَالظِّبَاءِ، وَبَقَرِ الْوَحْشِ، وَحُمُرِ الْوَحْشِ، وَإِبِل الْوَحْشِ. وَهَذَا النَّوْعُ حَلاَلٌ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ، لأَِنَّهُ مِنَ الطَّيِّبَاتِ.
لَكِنْ قَال الْمَالِكِيَّةُ: إِذَا تَأَنَّسَ حِمَارُ الْوَحْشِ صَارَ حُكْمُهُ حُكْمَ الْحِمَارِ الأَْهْلِيِّ، وَحُكْمُ الأَْهْلِيِّ سَيَأْتِي
_________
(١) نهاية المحتاج ٨ / ١٤٣ - ١٤٤.
(٢) المقنع ٣ / ٥٢٥ - ٥٢٨.
(٣) سورة الأنعام / ١٤٥.
(٤) المنتقى ٣ / ١٣١.
(٥) فإن كان له ناب يفترس به فهو من النوع الثالث المتقدم المحظور عند الجمهور، (ر: ف / ٢٤) وإن كان معدودا من الحشرات فهو من النوع الحادي عشر الذي سيأتي حكمه (ر: ف / ٥١) .
ر: ف ٤٦) . فَإِنْ عَادَ إِلَى التَّوَحُّشِ رَجَعَ مُبَاحًا كَمَا كَانَ. (١)
النَّوْعُ الْخَامِسُ: كُل طَائِرٍ لَهُ مِخْلَبٌ صَائِدٌ:
٣١ - وَذَلِكَ كَالْبَازِي وَالْبَاشِقِ وَالصَّقْرِ وَالشَّاهِينِ وَالْحِدَأَةِ وَالْعُقَابِ، وَهَذَا النَّوْعُ - بِقَطْعِ النَّظَرِ عَنِ الأَْمْثِلَةِ - مَكْرُوهٌ تَحْرِيمًا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَحَرَامٌ فِي بَاقِي الْمَذَاهِبِ، (٢) إِلاَّ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ فَقَدْ قَالُوا فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُمْ: إِنَّ جَمِيعَ هَذِهِ الطُّيُورِ مُبَاحَةٌ وَلَوْ كَانَتْ جَلاَّلَةً (٣)، وَرُوِيَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْهُمْ عَدَمُ جَوَازِ أَكْلِهَا. وَمَال الْمَازِرِيُّ لِحَمْل النَّهْيِ عَلَى التَّنْزِيهِ. (٤)
٣٢ - وَمِنْ أَدِلَّةِ تَحْرِيمِ هَذَا النَّوْعِ أَوْ كَرَاهَتِهِ كَرَاهَةً تَحْرِيمِيَّةً حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ أَكْل كُل ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ، وَعَنْ كُل ذِي مِخْلَبٍ مِنَ الطَّيْرِ. (٥) وَالْمُرَادُ مِخْلَبٌ يَصِيدُ بِهِ، إِذْ مِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّهُ لاَ يُسَمَّى ذَا مِخْلَبٍ عِنْدَ الْعَرَبِ إِلاَّ الصَّائِدُ بِمِخْلَبِهِ وَحْدَهُ.
وَأَمَّا الدِّيكُ وَالْعَصَافِيرُ وَالْحَمَامُ وَسَائِرُ مَا لاَ يَصِيدُ بِمِخْلَبِهِ فَلاَ تُسَمَّى ذَوَاتَ مَخَالِبَ فِي اللُّغَةِ، (٦) لأَِنَّ
_________
(١) انظر المراجع الآتية في النوع الثامن: الخيل (ف / ٤٤ حاشية) .
(٢) البدائع ٥ / ٣٩، ونهاية المحتاج ٨ / ١٤٤، والمقنع ٣ / ٥٢٧، والمحلى ٧ / ٤٠٣، والبحر الزخار ٤ / ٣٢٩.
(٣) الجلالة مأخوذة من الجلة (بتثليث الجيم وتشديد اللام) وهي البعر ونحوه من روث الحيوان، فسميت الدابة جلالة إذا كانت تتغذى بالجلة ونحوها من النجاسات كما في القاموس.
(٤) الوهوني وكنون ٣ / ٣٩.
(٥) حديث ابن عباس: " نهى رسول الله ﷺ عن أكل ذي ناب من السباع. . ". أخرجه مسلم (٣ / ١٥٣٤ - ط الحلبي) .
(٦) المحلى ٤ / ٤٠٥.
مَخَالِبَهَا لِلاِسْتِمْسَاكِ وَالْحَفْرِ بِهَا، وَلَيْسَتْ لِلصَّيْدِ وَالاِفْتِرَاسِ.
وَاسْتَدَل الْمَالِكِيَّةُ بِالْحَصْرِ الَّذِي فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿قُل لاَ أَجِدُ فِيمَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِّل لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ . (١)
النَّوْعُ السَّادِسُ: الطَّائِرُ الَّذِي لاَ يَأْكُل إِلاَّ الْجِيَفَ غَالِبًا:
٣٣ - اتَّفَقَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ عَلَى تَحْرِيمِ الْغُرَابِ الأَْسْوَدِ الْكَبِيرِ وَالْغُرَابِ الأَْبْقَعِ، إِلاَّ أَنَّ الْحَنَفِيَّةَ عَبَّرُوا بِالْكَرَاهَةِ التَّحْرِيمِيَّةِ. وَالْمَقْصُودُ وَاحِدٌ، وَهُوَ مَنْعُ الشَّارِعِ الأَْكْل، وَمَعْلُومٌ أَنَّ دَلِيل الْمَنْعِ لَيْسَ قَطْعِيًّا، وَمَا كَانَ كَذَلِكَ يَصِحُّ أَنْ يُعَبَّرَ عَنْهُ بِالتَّحْرِيمِ وَبِالْكَرَاهَةِ التَّحْرِيمِيَّةِ. وَكِلاَ النَّوْعَيْنِ لاَ يَأْكُل غَالِبًا إِلاَّ الْجِيَفَ، فَهُمَا مُسْتَخْبَثَانِ عِنْدَ ذَوِي الطَّبَائِعِ السَّلِيمَةِ، وَيَدْخُل فِي هَذَا النَّوْعِ النَّسْرُ، لأَِنَّهُ لاَ يَأْكُل سِوَى اللَّحْمِ مِنْ جِيَفٍ وَسِوَاهَا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَا مِخْلَبٍ صَائِدٍ. (٢)
٣٤ - وَيَحِل غُرَابُ الزَّرْعِ، وَهُوَ نَوْعَانِ:
أَحَدُهُمَا: الزَّاغُ وَهُوَ غُرَابٌ أَسْوَدُ صَغِيرٌ، وَقَدْ يَكُونُ مُحْمَرَّ الْمِنْقَارِ وَالرِّجْلَيْنِ.
وَثَانِيهِمَا: الْغُدَافُ الصَّغِيرُ، وَهُوَ غُرَابٌ صَغِيرٌ لَوْنُهُ كَلَوْنِ الرَّمَادِ، وَكِلاَهُمَا يَأْكُل الزَّرْعَ وَالْحَبَّ وَلاَ يَأْكُل الْجِيَفَ. وَبِحِلِّهِمَا أَيْضًا قَال الشَّافِعِيَّةُ
_________
(١) سورة الأنعام / ١٤٥.
(٢) أي: بل له منسر، وهو من الطائر الجارح شبيه المنقار لغير الجارح، أما المخلب فهو شبيه الظفر للإنسان. . (المصباح: خلب ونسر، وحياة الحيوان للدميري ٢ / ٤١٠ ط بولاق) .
وَالْحَنَابِلَةُ. (١)
٣٥ - وَأَمَّا الْعَقْعَقُ، وَهُوَ غُرَابٌ نَحْوُ الْحَمَامَةِ حَجْمًا، طَوِيل الذَّنَبِ فِيهِ بَيَاضٌ وَسَوَادٌ، فَهُوَ حَرَامٌ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، حَلاَلٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، مَكْرُوهٌ تَحْرِيمًا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ. وَالأَْصَحُّ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ حِلُّهُ، لأَِنَّهُ يُخْلَطُ فَيَأْكُل الْجِيَفَ وَالْحَبَّ، فَلاَ يَكُونُ مُسْتَخْبَثًا.
٣٦ - وَلَيْسَتِ الْعِبْرَةُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ بِالأَْسْمَاءِ، وَلاَ بِالْكِبَرِ وَالصِّغَرِ، وَلاَ بِالأَْلْوَانِ، وَإِنَّمَا الْعِبْرَةُ بِنَوْعِ غِذَائِهِ: فَاَلَّذِي لاَ يَأْكُل إِلاَّ الْجِيَفَ غَالِبًا مَكْرُوهٌ تَحْرِيمًا، وَاَلَّذِي يَخْلِطُ حَلاَلٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ خِلاَفًا لأَِبِي يُوسُفَ، وَاَلَّذِي لاَ يَأْكُل الْجِيَفَ حَلاَلٌ اتِّفَاقًا، هَذَا مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ. (٢)
٣٧ - وَالْمَالِكِيَّةِ أَبَاحُوا الْغِرْبَانَ كُلَّهَا مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ عَلَى الْمَشْهُورِ. وَرُوِيَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْهُمْ عَدَمُ جَوَازِ آكِلَةِ الْجِيَفِ. (٣)
٣٨ - وَحُجَّةُ الْقَائِلِينَ بِتَحْرِيمِ الْغِرْبَانِ أَوْ كَرَاهَتِهَا التَّحْرِيمِيَّةِ (إِلاَّ مَا اسْتُثْنِيَ) حَدِيثُ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: خَمْسُ فَوَاسِقَ تُقْتَلْنَ فِي الْحِل وَالْحَرَمِ: الْحَيَّةُ، وَالْغُرَابُ الأَْبْقَعُ، وَالْفَأْرَةُ، وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ، وَالْحُدَيَّا. (٤) وَحَدِيثُ عَائِشَةَ ﵂ أَيْضًا أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: خَمْسٌ
_________
(١) نهاية المحتاج ٨ / ١٤٣، والمقنع ٣ / ٥٢٧.
(٢) البدائع ٥ / ٤٠، وحاشية ابن عابدين على الدر المختار ٥ / ١٩٤.
(٣) الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي ٢ / ١١٩، ونهاية المحتاج ٨ / ١٤٣، والمقنع ٣ / ٥٢٧.
(٤) الحديا: (بضم الحاء وتشديد الياء) تصغير: الحدأة، وزان (عتبة) وهي طائر من الجوارح (وتسميها العامة الحداية) وجمعها حدأ كعنب، وحداء ككساء. والمراد بالفواسق هنا: المؤذيات.
مِنَ الدَّوَابِّ كُلُّهُنَّ فَاسِقٌ، يُقْتَلْنَ فِي الْحَرَمِ: الْغُرَابُ، وَالْحِدَأَةُ، وَالْعَقْرَبُ، وَالْفَأْرَةُ، وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ (١) وَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: خَمْسٌ مِنَ الدَّوَابِّ لَيْسَ عَلَى الْمُحْرِمِ فِي قَتْلِهِنَّ جُنَاحٌ: الْغُرَابُ، وَالْحِدَأَةُ، وَالْفَأْرَةُ، وَالْعَقْرَبُ، وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ. (٢)
فَالْغُرَابُ الأَْبْقَعُ الَّذِي ذُكِرَ فِي الْحَدِيثِ أُبِيحَ قَتْلُهُ، وَكَذَا سَائِرُ الْغِرْبَانِ الَّتِي يَدُل عَلَيْهَا عُمُومُ لَفْظِ " الْغُرَابِ " فِي الأَْحَادِيثِ الأُْخْرَى.
وَمَا أُبِيحَ قَتْلُهُ فَلاَ ذَكَاةَ لَهُ، لأَِنَّ كَلِمَةَ الْقَتْل مَتَى أُطْلِقَتْ تَنْصَرِفُ إِلَى إِزْهَاقِ الرُّوحِ بِأَيَّةِ وَسِيلَةٍ اسْتَطَاعَهَا الإِْنْسَانُ، فَلَوْ حَل بِالذَّكَاةِ لَكَانَ إِزْهَاقُ رُوحِهِ بِغَيْرِهَا إِضَاعَةً لِلْمَال، وَقَدْ نَهَى ﵊ عَنْ إِضَاعَةِ الْمَال.
وَقَدْ رَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ عُرْوَةَ ﵁ أَنَّهُ قَال: مَنْ يَأْكُل الْغُرَابَ وَقَدْ سَمَّاهُ رَسُول اللَّهِ ﷺ فَاسِقًا؟ وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنِ الزُّهْرِيِّ أَنَّهُ قَال: كَرِهَ رِجَالٌ مِنْ أَهْل الْعِلْمِ أَكْل الْحِدَاءِ وَالْغُرَابِ حَيْثُ سَمَّاهُمَا رَسُول اللَّهِ ﷺ مِنْ فَوَاسِقِ الدَّوَابِّ الَّتِي تُقْتَل فِي الْحَرَمِ.
٣٩ - وَحُجَّةُ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّ إِبَاحَةَ الْقَتْل لاَ دَلاَلَةَ فِيهَا عَلَى تَحْرِيمِ الأَْكْل لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُل لاَ أَجِدُ فِيمَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ. . .﴾ الآْيَةَ. وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْغُرَابَ لَيْسَ فِي الآْيَةِ، فَيَكُونُ مُبَاحَ الأَْكْل.
_________
(١) حديث عائشة: " خمس من الدواب كلهن فاسق. . . . " أخرجه البخاري (الفتح ٤ / ٣٤) ومسلم (٢ / ٨٥٧ - ط الحلبي) .
(٢) حديث ابن عمر: " خمس من الدواب ليس على المحرم في قتلهم من جناح. . . " أخرجه مسلم (٢ / ٨٥٨ - ط الحلبي) .
٤٠ - وَحُجَّةُ مَنِ اسْتَثْنَى إِبَاحَةَ بَعْضِ الأَْنْوَاعِ مِنَ الْغِرْبَانِ أَنَّ الأَْحَادِيثَ الَّتِي وَرَدَ فِيهَا وَصْفُ الْغُرَابِ بِالأَْبْقَعِ أَشْعَرَتْ أَنَّ الْغُرَابَ الْمَذْكُورَ هُوَ الْمُتَّصِفُ بِصِفَةٍ تُوجِبُ خُبْثَهُ، وَقَدْ لُوحِظَ أَنَّ هَذِهِ الصِّفَةَ هِيَ كَوْنُهُ لاَ يَأْكُل إِلاَّ الْجِيفَةَ غَالِبًا، فَحُمِلَتِ الأَْحَادِيثُ الْمُطْلَقَةُ عَلَيْهِ، ثُمَّ أُلْحِقَ بِالأَْبْقَعِ مَا مَاثَلَهُ وَهُوَ الْغُدَافُ الْكَبِيرُ. وَاخْتَلَفُوا فِي الْعَقْعَقِ تَبَعًا لاِخْتِلاَفِ أَنْظَارِهِمْ فِي كَوْنِهِ يُكْثِرُ مِنْ أَكْل الْجِيفَةِ أَوْ لاَ يُكْثِرُ.
النَّوْعُ السَّابِعُ: كُل طَائِرٍ ذِي دَمٍ سَائِلٍ، وَلَيْسَ لَهُ مِخْلَبٌ صَائِدٌ، وَلَيْسَ أَغْلَبُ أَكْلِهِ الْجِيَفَ:
٤١ - وَذَلِكَ كَالدَّجَاجِ، وَالْبَطِّ، وَالإِْوَزِّ، وَالْحَمَامِ مُسْتَأْنَسًا وَمُتَوَحِّشًا، وَالْفَوَاخِتِ، (١) وَالْعَصَافِيرِ، وَالْقَبَجِ، (٢) وَالْكُرْكِيِّ، (٣) وَالْخُطَّافِ، (٤) وَالْبُومِ، (٥) وَالدُّبْسِيِّ، (٦) وَالصُّلْصُل، (٧)
_________
(١) الفواخت: جمع فاختة وهي من الحمام الذي له طوق، وسميت بذلك، لأن لونها يشبه الفخت (بفتح فسكون) وهو ضوء القمر أول ما يبدو.
(٢) القبج (بفتح القاف والباء): الحجل، والكروان، واحدته قبجة (بفتحتين) وتطلق على الذكر والأنثى (القاموس، وحياة الحيوان، وتاج العروس، والمعجم الوسيط) .
(٣) الكركي: (بوزن: كرسي) طائر يقرب من الوزة، أبتر الذنب رمادي اللون في خده علامات سود، وهو قليل اللحم، صلب العظم، يأوي إلى الماء أحيانا، وجمعه كراكي (بفتح أوله وتشديد آخره) .
(٤) الخطاف - بضم فتشديد - طائر أسود يقال له: زوار الهند.
(٥) البوم والبومة - بصم أولهما - طائر لا يبرز في النهار لضعف باصرته، يحب الوحدة ويسكن الخراب، ولذلك يتشاؤم به.
(٦) الدبسي (بوزن: كرسي) طائر أدكن يقرقر.
(٧) الصلصل (بصم الصادين) طائر صغير يسميه العجم: الفاختة.
وَاللَّقْلَقِ (١)، وَاللِّحَامِ، (٢) وَالْهُدْهُدِ، وَالصُّرَدِ، وَالْخُفَّاشِ (الْوَطْوَاطِ) .
فَكُل هَذَا مَأْكُولٌ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ. (٣)
٤٢ - وَقَال الْمَالِكِيَّةُ بِإِبَاحَةِ هَذَا النَّوْعِ كُلِّهِ وَلَوْ جَلاَّلَةً فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُمْ، إِلاَّ الْخُفَّاشُ فَالْمَشْهُورُ عِنْدَهُمْ فِيهِ الْكَرَاهَةُ، وَقِيل بِكَرَاهَةِ الْهُدْهُدِ وَالصُّرَدِ، لِمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّهُ ﷺ نَهَى عَنْ قَتْل أَرْبَعٍ مِنَ الدَّوَابِّ: النَّمْلَةِ، وَالنَّحْلَةِ، وَالْهُدْهُدِ، وَالصُّرَدِ. (٤) وَقِيل بِالْكَرَاهَةِ فِي الْخُطَّافِ أَيْضًا، وَخَصَّ بَعْضُهُمُ الْكَرَاهَةَ فِيهِ بِمَا يُعَشِّشُ فِي الْبُيُوتِ احْتِرَامًا لِمَنْ عُشِّشَ عِنْدَهُ. (٥)
٤٣ - وَاتَّفَقَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ عَلَى التَّفْصِيل التَّالِي فِي هَذَا النَّوْعِ، فَذَكَرُوا أَنَّهُ يَحْرُمُ مَا أَمَرَ الشَّارِعُ بِقَتْلِهِ، وَمَا نَهَى عَنْ قَتْلِهِ، وَمَا اسْتُخْبِثَ، وَيَحِل مَا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ. لَكِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي التَّطْبِيقِ:
_________
(١) اللقلق (بفتح اللامين) ويقال له: اللقلاق (بزيادة ألف قبل آخره) طائر أعجمي نحو الأوزة طويل العنق، وكنيته عند أهل العراق: أبو خديج، وهو يأكل الحيات ويوصف بالفطنة والذكاء.
(٢) اللحام (باللام) هكذا في نسخة حاشية ابن عابدين، ولم نعثر عليه في اللسان ولا في غيره، ولعله تحريف عن النحام (بنون مضمومة، وتخفيف الحاء) وهو طائر أحمر على خلقة الأوز، ويقال له بالفارسية: " سرخ آوى " يكون آحادا وأزواجا في الطيران، والواحدة نحامة.
(٣) المراجع السابقة في مبحث الأرنب (ف / ٢٣)، وحاشية ابن عابدين ٥ / ١٩٤.
(٤) حديث ابن عباس: " نهى ﷺ عن قتل أربع من الدواب. . . " أخرجه أبو داود (٥ / ٤١٨ - ٤١٩ ط عزت عبيد دعاس) وقواه البيهقي وقال ابن حجر: " رجاله رجال الصحيح " (التلخيص الحبير ٢ / ٢٧٠ - ط دار المحاسن) .
(٥) حاشيتا الرهوني وكنون ٣ / ٣٨.
فَالرَّخَمَةُ وَالْخُفَّاشُ وَاللَّقْلَقُ وَالْخُطَّافُ وَالسِّنُونُو تَحْرُمُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ.
وَالْبُغَاثَةُ (١) تَحْرُمُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ.
وَالْبَبَّغَاءُ وَالطَّاوُوسُ يَحْرُمَانِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ لِخُبْثِ غِذَائِهِمَا، وَيَحِلاَّنِ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ.
وَالأَْخْيَل، وَيُسَمَّى: الشَّقْرَاقَ (٢) يَحْرُمُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ لِخُبْثِهِ، وَيَحِل عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ.
وَأَبُو زُرَيْقٍ، وَيُسَمَّى: الدِّرْبَابَ (٣) أَوِ الْقَيْقَ، نَصَّ الْحَنَابِلَةُ عَلَى تَحْرِيمِهِ لِخُبْثِهِ، وَمُقْتَضَى كَلاَمِ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ يَحِل.
وَالْهُدْهُدُ وَالصُّرَدُ يَحْرُمَانِ فِي الْمَذَاهِبِ الثَّلاَثَةِ لِلنَّهْيِ عَنْ قَتْلِهِمَا.
وَيَحْرُمُ الْعَقْعَقُ عِنْدَ الثَّلاَثَةِ أَيْضًا، لأَِنَّهُ يَأْكُل الْجِيَفَ كَالْغُرَابِ الأَْبْقَعِ، وَقَدْ سَبَقَ ذِكْرُهُ (ر: ف ٣٣) .
_________
(١) البغاث - بتثليث الباء، والضم أشهر - طائر أبغث (أي أغبر) منقط، رمادي اللون، أصفر من الرخمة بطيء الطيران (ر: المصباح القاموس) وقيل: هو كل مالا يصيد من صغار الطير كالعصافير، فهو اسم نوع، وهذا ليس حله محل خلاف. فالمقصود هنا المعنى الأول الذي يقع ع
(٢) الشقراق: ويقال فيه أيضا: شقراق (كقرطاس) وشرقرق (كسفرجل)، وبصيغ أخرى، وهو طائر مرقط بخضرة وحمرة وبياض، ويكون بأرض الحرم كما في القاموس.
(٣) الدرباب: هكذا جاء في مطالب أولي النهى من كتب الحنابلة (٦ / ٣١١) وفي حياة الحيوان للدميري: درباب (بالدال المهملة وبالباء الموحدة بعد الراء) ووصفوه بأنه مرقط بين الغراب والشقراق شبها، ولم نره كذلك في شيء من معجمات اللغة، بل ذكر في مادة (قيق) من مع
وَالنَّعَامَةُ، وَالْكُرْكِيُّ، وَالْحُبَارَى، وَالدَّجَاجُ، وَالْبَطُّ، وَالإِْوَزُّ، وَالْغَرَنِيقُ، وَسَائِرُ طُيُورِ الْمَاءِ - سِوَى اللَّقْلَقِ - كُلُّهَا مِمَّا يُؤْكَل عَلَى الْمَذَاهِبِ الثَّلاَثَةِ، وَكَذَا الْحَمَامُ، وَهُوَ اسْمٌ لِكُل مَا عَبَّ وَهَدَرَ كَالْقَمَرِيِّ، وَالدُّبْسِيِّ، وَالْيَمَامِ، وَالْفَوَاخِتِ، وَالْقَطَا، وَالْحَجَل. وَكَذَلِكَ الْعُصْفُورُ
وَكُل مَا عَلَى شَكْلِهِ، كَالْعَنْدَلِيبِ الْمُسَمَّى بِالْهَزَارِ، وَالصَّعْوَةِ، وَالزُّرْزُورِ، حَلاَلٌ فِي الْمَذَاهِبِ الثَّلاَثَةِ، لأَِنَّهَا مَعْدُودَةٌ مِنَ الطَّيِّبَاتِ، (كَمَا يَقُول الْحَنَفِيَّةُ، وَإِنْ كَانَ هَؤُلاَءِ يَقُولُونَ بِالْكَرَاهَةِ التَّنْزِيهِيَّةِ فِي بَعْضٍ مِنْهَا عَلَى مَا سَبَقَ بَيَانُهُ) .
النَّوْعُ الثَّامِنُ: الْخَيْل:
٤٤ - ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ، وَهُوَ قَوْلٌ لِلْمَالِكِيَّةِ إِلَى إِبَاحَةِ الْخَيْل، سَوَاءٌ أَكَانَتْ عِرَابًا أَمْ بَرَاذِينَ. (١)
وَحُجَّتُهُمْ حَدِيثُ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄، قَال: نَهَى رَسُول اللَّهِ ﷺ يَوْمَ خَيْبَرَ عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الأَْهْلِيَّةِ، وَأَذِنَ فِي لُحُومِ الْخَيْل. (٢) وَحَدِيثُ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ ﵄ قَالَتْ: نَحَرْنَا عَلَى عَهْدِ رَسُول اللَّهِ ﷺ فَرَسًا فَأَكَلْنَاهُ وَنَحْنُ بِالْمَدِينَةِ. (٣)
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ فِي الرَّاجِحِ عِنْدَهُمْ، وَهُوَ قَوْلٌ ثَانٍ لِلْمَالِكِيَّةِ، إِلَى حِل أَكْلِهَا مَعَ الْكَرَاهَةِ التَّنْزِيهِيَّةِ.
وَحُجَّتُهُمْ هِيَ اخْتِلاَفُ الأَْحَادِيثِ الْمَرْوِيَّةِ فِي
_________
(١) البراذين: الخيل غير العربية، والعراب: الخيل العربية.
(٢) حديث جابر: " نهى رسول الله ﷺ يوم خيبر. . . . " أخرجه البخاري (فتح الباري ٩ / ٦٤٨ - ط السلفية) ومسلم (٣ / ١٥٤١ - ط الحلبي) .
(٣) حديث أسماء: " نحرنا على عهد رسول الله ﷺ فرسا. . . " أخرجه البخاري (الفتح ٩ / ٦٤٨ ط السلفية) ومسلم (٣ / ١٥٤١ - ط الحلبي) .