الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٥
الْبَابِ وَاخْتِلاَفِ السَّلَفِ، فَذَهَبُوا إِلَى كَرَاهَةِ الْخَيْل احْتِيَاطًا، وَلأَِنَّ فِي أَكْلِهَا تَقْلِيل آلَةِ الْجِهَادِ. (١)
٤٥ - وَبِنَاءً عَلَى الْكَرَاهَةِ التَّنْزِيهِيَّةِ يُقَرِّرُ الْحَنَفِيَّةُ: أَنَّ سُؤْرَ الْفَرَسِ وَلَبَنَهَا طَاهِرَانِ، لأَِنَّ كَرَاهَةَ أَكْل الْخَيْل لَيْسَتْ لِنَجَاسَتِهَا، بَل لاِحْتِرَامِهَا، لأَِنَّهَا آلَةُ الْجِهَادِ، وَفِي تَوْفِيرِهَا إِرْهَابُ الْعَدُوِّ، (٢) كَمَا يَقُول اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْل تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ . (٣)
وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ فِي رِوَايَةِ الْحَسَنِ بْنِ زِيَادٍ عَنْهُ إِلَى الْكَرَاهَةِ التَّحْرِيمِيَّةِ، وَنَحْوُهُ قَوْلٌ لِلْمَالِكِيَّةِ بِالتَّحْرِيمِ، وَبِهِ جَزَمَ خَلِيلٌ فِي مُخْتَصَرِهِ. (٤)
وَحُجَّتُهُمْ قَوْل اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَالْخَيْل وَالْبِغَال وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ (٥) فَالاِقْتِصَارُ عَلَى الرُّكُوبِ وَالزِّينَةِ يَدُل عَلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ مَأْكُولَةً، إِذْ لَوْ كَانَتْ مَأْكُولَةً لَقَال: وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ، كَمَا قَال قَبْل ذَلِكَ: ﴿وَالأَْنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ . وَكَذَا الْحَدِيثُ الْمَرْوِيُّ عَنْ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ أَكْل لُحُومِ الْخَيْل وَالْبِغَال وَالْحَمِيرِ، وَكُل ذِي نَابٍ مِنَ
_________
(١) البدائع ٥ / ٣٨ - ٣٩، وحاشية ابن عابدين ١ / ١٤٨ و٥ / ١٩٣، ونهاية المحتاج ٨ / ١٤٣، والمقنع ٣ / ٥٢٨، والمغني مع الشرح الكبير ١١ / ٦٦، والشرح الكبير وحاشية الدسوقي ٢ / ١١٧، وحاشيتا الرهوني وكنون ٣ / ٣٩.
(٢) الدر المختار بحاشية رد المختار ٥ / ١٩٣ - ١٩٤، ونقل هنا في رد المحتار عن الطحطاوي أن الخلاف في خيل البر، أما خيل البحر فلا تؤكل عند الحنفية اتفاقا.
(٣) سورة الأنفال / ٦٠.
(٤) ابن عابدين ٥ / ١٩٣، والشرح الكبير مع حاشية الدسوقي ٢ / ١١٧.
(٥) سورة النحل / ٨.
السِّبَاعِ، وَكُل ذِي مِخْلَبٍ مِنَ الطَّيْرِ. (١)
وَلَمَّا كَانَتْ دَلاَلَةُ الآْيَةِ وَالْحَدِيثِ عَلَى التَّحْرِيمِ غَيْرَ قَطْعِيَّةٍ كَانَ الْحُكْمُ هُوَ الْكَرَاهَةُ التَّحْرِيمِيَّةُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ.
وَلاَ مَانِعَ مِنْ تَسْمِيَتِهَا (تَحْرِيمًا) بِنَاءً عَلَى أَنَّ التَّحْرِيمَ هُوَ الْمَنْعُ بِالْمَعْنَى الشَّامِل لِمَا كَانَ دَلِيلُهُ قَطْعِيًّا أَوْ ظَنِّيًّا.
النَّوْعُ التَّاسِعُ: الْحِمَارُ الأَْهْلِيُّ:
٤٦ - ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ - وَهُوَ الْقَوْل الرَّاجِحُ لِلْمَالِكِيَّةِ - إِلَى حُرْمَةِ أَكْلِهِ. وَنَحْوُهُ مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ حَيْثُ عَبَّرُوا بِالْكَرَاهَةِ التَّحْرِيمِيَّةِ الَّتِي تَقْتَضِي الْمَنْعَ، وَسَوَاءٌ أَبَقِيَ عَلَى أَهْلِيَّتِهِ أَمْ تَوَحَّشَ.
وَمِنْ أَدِلَّةِ التَّحْرِيمِ أَوِ الْكَرَاهَةِ التَّحْرِيمِيَّةِ: حَدِيثُ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁: أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ أَمَرَ مُنَادِيًا فَنَادَى: إِنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يَنْهَيَانِكُمْ عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الأَْهْلِيَّةِ فَإِنَّهَا رِجْسٌ، فَأُكْفِئَتِ الْقُدُورُ وَإِنَّهَا لَتَفُورُ بِاللَّحْمِ. (٢)
وَحَدِيثُ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ نَهَى يَوْمَ خَيْبَرَ عَنْ لُحُومِ الْحُمْرِ الأَْهْلِيَّةِ، وَأَذِنَ فِي لُحُومِ الْخَيْل. (٣)
وَذَكَرَ ابْنُ حَزْمٍ أَنَّهُ نَقَل تَحْرِيمَ الْحُمُرِ الأَْهْلِيَّةِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ طَرِيقِ تِسْعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ بِأَسَانِيدَ كَالشَّمْسِ، فَهُوَ نَقْل تَوَاتُرٍ لاَ يَسَعُ أَحَدًا
_________
(١) حديث خالد: " نهى النبي ﷺ عن أكل لحوم الخيل والبغال. . . . " ذكره ابن حزم (٧ / ٤٠٨ ط المنيرية) وأعله الإمام أحمد وغيره كذا في التلخيص (٤ / ١ ط دار المحاسن) .
(٢) حديث أنس أن رسول الله ﷺ أمر مناديا فنادى. . . . . " أخرجه البخاري (الفتح ٩ / ٦٥٣ - ط السلفية) .
(٣) حديث جابر. سبق تخريجه (ف / ٤٤) .
خِلاَفُهُ. (١)
وَالْقَوْل الثَّانِي لِلْمَالِكِيَّةِ: أَنَّهُ يُؤْكَل مَعَ الْكَرَاهَةِ أَيِ التَّنْزِيهِيَّةِ.
٤٧ - وَقَدْ نَقَل ابْنُ قُدَامَةَ: أَنَّ الإِْمَامَ أَحْمَدَ قَال: إِنَّ خَمْسَةَ عَشَرَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ كَرِهُوا الْحُمُرَ الأَْهْلِيَّةَ، (٢) وَأَنَّ ابْنَ عَبْدِ الْبَرِّ قَال: لاَ خِلاَفَ بَيْنَ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ الْيَوْمَ فِي تَحْرِيمِهَا، وَأَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ وَعَائِشَةَ كَانَا يَقُولاَنِ بِظَاهِرِ قَوْله تَعَالَى: ﴿قُل لاَ أَجِدُ فِيمَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ﴾ . (٣) تَلاَهَا ابْنُ عَبَّاسٍ وَقَال: مَا خَلاَ هَذَا فَهُوَ حَلاَلٌ، وَأَنَّ عِكْرِمَةَ وَأَبَا وَائِلٍ لَمْ يَرَيَا بِأَكْل الْحُمُرِ بَأْسًا.
وَنَقَل الْكَاسَانِيُّ أَنَّ بِشْرًا الْمَرِيسِيَّ قَال بِإِبَاحَتِهَا.
وَصَفْوَةُ الْقَوْل أَنَّ فِيهَا ثَلاَثَةَ مَذَاهِبَ:
(الأَْوَّل) التَّحْرِيمُ أَوِ الْكَرَاهَةُ التَّحْرِيمِيَّةُ.
(وَالثَّانِي) الْكَرَاهَةُ التَّنْزِيهِيَّةُ.
(وَالثَّالِثُ) الإِْبَاحَةُ. (٤)
_________
(١) المحلى ٧ / ٤٠٦ - ٤٠٧.
(٢) المقصود أنهم كرهوها تحريما، فإن ابن قدامة قال: أكثر أهل العلم يرون تحريم الحمر الأهلية قال أحمد: خمسة عشر. . . . إلخ (ر: المغني ١١ / ٦٥) . فاستدلال ابن قدامة على تحريم الأكثر بهذه العبارة دليل على أن المقصود كراهة التحريم التي يعبر كثير من الفقهاء وقال الكاساني الحنفي في البدائع (٥ / ٣٧): " نحن لا نطلق اسم المحرم على لحوم الحمر الأهلية، إذ المحرم المطلق ما ثبتت حرمته بدليل مقطوع به، فأما ما كانت حرمته محل الاجتهاد فلا يسمى محرما (على الإطلاق)، فنسميه مكروها فنقول بوجوب الامتناع عن أكلها عم
(٣) سورة الأنعام / ١٤٥.
(٤) البدائع ٥ / ٣٧، والدسوقي على الشرح الكبير ٢ / ١١٧، ونهاية المحتاج ٨ / ١٤٤، والمقنع ٣ / ٥٢٥، والمغني ١١ / ٦٥ - ٦٦، والمحلى ٧ / ٤٠٦ - ٤٠٧.
النَّوْعُ الْعَاشِرُ: الْخِنْزِيرُ:
٤٨ - الْخِنْزِيرُ حَرَامٌ لَحْمُهُ وَشَحْمُهُ وَجَمِيعُ أَجْزَائِهِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُل لاَ أَجِدُ فِيمَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِّل لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ . (١)
٤٩ - قَال الأَْلُوسِيُّ: " خَصَّ اللَّحْمَ بِالذِّكْرِ مَعَ أَنَّ بَقِيَّةَ أَجْزَائِهِ أَيْضًا حَرَامٌ، خِلاَفًا لِلظَّاهِرِيَّةِ، (٢)
_________
(١) سورة الأنعام / ١٤٥. قال صاحب تفسير المنار (٢ / ٩٨) في معرض بيانه حكمة الشريعة في تحريمه: " حرم الله لحم الخنزير فإنه قذر، لأن أشهى غذاء الخنزير إليه القاذورات والنجاسات، وهو ضار في جميع الأقاليم، كما ثبت بالتجربة، وأكل لحمه من أسباب الدودة القتالة ويقال: إن له تأثير
(٢) وقوله: " خلافا للظاهرية " فيه نظر، فإنه لم يخالف فيه أحد، بل نقل ابن حزم الظاهري في المحلى (٧ / ٣٩٠، ٣٩١، ٤٣٠) حكاية الإجماع على تحريم كل أجزائه، وأقرها حيث قال: " لا يحل أكل شيء من الخنزير، لا لحمه ولا شحمه، ولا جلده، ولا عصبه، ولا غضروفه، وممن حكى هذا الإجماع: النيسابوري في تفسيره، فقد قال: " وأما لحم الخنزير فأجمعت الأمة على أن الخنزير بجميع أجزائه محرم وتخصيص اللحم بالذكر، لأن معظم الانتفاع متعلق به ". (ر: تفسير النيسابوري بهامش الطبري ٢ / ١١٩) . لكن نسب بعض الحنابلة إلى داود الظاهري القول بأن ما عدا اللحم من الخنزير جائز الأكل (ر: مطالب أولي النهى ٦ / ٣٢١) وفي هذه النسبة نظر، فإن ابن حزم قد أحاط بمذهب داود إمام الظاهرية، وليس بمعقول أن يغفله في هذه المسألة وإن خالفه، بل ليس بمعقول أن يسلم حكاية الإجماع إذا كان داود قد ذهب إلى حل ذلك. ومن عادة ابن حزم إذا خالف داود أن يحكي مذهبه ويبدي مخالفته له. وفي "
لأَِنَّهُ مُعْظَمُ مَا يُؤْكَل مِنَ الْحَيَوَانِ، وَسَائِرِ أَجْزَائِهِ كَالتَّابِعِ لَهُ، ثُمَّ بَيَّنَ الأَْلُوسِيُّ أَنَّهُ خَصَّ لَحْمَ الْخِنْزِيرِ بِالذِّكْرِ، مَعَ أَنَّ بَقِيَّةَ أَجْزَائِهِ حَرَامٌ، لإِظْهَارِ حُرْمَةِ مَا اسْتَطَابُوهُ وَفَضَّلُوهُ عَلَى سَائِرِ اللُّحُومِ وَاسْتَعْظَمُوا وُقُوعَ تَحْرِيمِهِ ". (١)
٥٠ - وَالضَّمِيرُ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾، فِي لُغَةِ الْعَرَبِ الَّتِي نَزَل بِهَا الْقُرْآنُ رَاجِعٌ إِلَى أَقْرَبِ مَذْكُورٍ إِلَيْهِ (٢) وَهُوَ الْخِنْزِيرُ نَفْسُهُ، فَصَحَّ بِالْقُرْآنِ أَنَّ الْخِنْزِيرَ بِعَيْنِهِ رِجْسٌ، فَهُوَ كُلُّهُ رِجْسٌ وَبَعْضُ الرِّجْسِ رِجْسٌ، وَالرِّجْسُ حَرَامٌ وَاجِبٌ اجْتِنَابُهُ، فَالْخِنْزِيرُ كُلُّهُ حَرَامٌ، لاَ يَخْرُجُ مِنْ ذَلِكَ
_________
(١) تفسير روح المعاني ٢ / ٤٢.
(٢) إن قيل: إن الضمير إنما يعود لأقرب مذكور سوى المضاف إليه فإنه ليس متحدثا عنه وإنما المتحدث عنه هو المضاف فيعود الضمير إليه، وإن كان المضاف إليه أقرب منه. أجيب: بأن الضمير هنا عائد إلى المضاف إليه لإفادته معنى تأسيسيا، إذ لو عاد هنا إلى المضاف كان تأكي
شَعْرُهُ وَلاَ غَيْرُهُ.
النَّوْعُ الْحَادِيَ عَشَرَ: الْحَشَرَاتُ:
٥١ - الْحَشَرَاتُ قَدْ تُطْلَقُ لُغَةً عَلَى الْهَوَامِّ فَقَطْ، وَقَدْ تُطْلَقُ عَلَى صِغَارِ الدَّوَابِّ كَافَّةً مِمَّا يَطِيرُ أَوْ لاَ يَطِيرُ. وَالْمُرَادُ هُنَا الْمَعْنَى الثَّانِي الأَْعَمُّ. (١) وَالْحَشَرَاتُ تَنْقَسِمُ إِلَى قِسْمَيْنِ:
(أ) مَا لَهُ دَمٌ سَائِلٌ (ذَاتِيٌّ) وَمِنْ أَمْثِلَتِهِ: الْحَيَّةُ، وَالْفَأْرَةُ، وَالْخُلْدُ، وَالضَّبُّ، وَالْيَرْبُوعُ، وَابْنُ عُرْسٍ، وَالْقُنْفُذُ.
(بِ) مَا لَيْسَ لَهُ دَمٌ سَائِلٌ (ذَاتِيٌّ) وَمِنْ أَمْثِلَتِهِ: الْوَزَغُ، وَالْعَقْرَبُ، وَالْعَظَاءَةُ، (٢) وَالْحَلَزُونُ الْبَرِّيُّ، وَالْعَنْكَبُوتُ، وَالْقُرَادُ، وَالْخُنْفُسَاءُ، وَالنَّمْل، وَالْبُرْغُوثُ، وَالْجَرَادُ، وَالزُّنْبُورُ، وَالذُّبَابُ وَالْبَعُوضُ.
٥٢ - وَهَذَا التَّقْسِيمُ فِي الْحَشَرَاتِ إِلَى ذَوَاتِ دَمٍ سَائِلٍ وَغَيْرِ سَائِلٍ لاَ تَأْثِيرَ لَهُ فِي كَوْنِهَا مَأْكُولَةً أَوْ غَيْرَ مَأْكُولَةٍ فِي مَوْضُوعِ الأَْطْعِمَةِ هُنَا، وَلَكِنَّ لَهُ تَأْثِيرًا فِي
_________
(١) القاموس وشرحه تاج العروس مادة: (حشر) . ويؤخذ من تاج العروس (مادة همم) أن بعض اللغويين يقول: الهوام هي: الحيات وكل ذي سم يقتل سمه، وأما ما تسم ولا تقتل كالزنبور والعقرب فهي السوام، وأما ما لا تقتل ولا تسم ولكنها تقم من الأرض أي تأكل منها فهي القوا
(٢) العظاءة: بفتح العين، دويبة من الزواحف ذوات الأربع تعرف في مصر باسم السحلية، وفي سواحل الشام بالسقاية. من أنواعها الضباب وسوام أبرص (ر: المعجم الوسيط ومعجم متن اللغة، مادة عظو) .
مَوْضُوعٍ آخَرَ هُوَ نَجَاسَتُهَا وَطَهَارَتُهَا، فَذَاتُ الدَّمِ السَّائِل تَنْجُسُ مَيْتَتُهَا. وَتَتَنَجَّسُ بِهَا الْمَائِعَاتُ الْقَلِيلَةُ، بِخِلاَفِ مَا لَيْسَ لَهَا دَمٌ سَائِلٌ، وَلِذَلِكَ جُمِعَ النَّوْعَانِ فِي مَوْضُوعِ الأَْطْعِمَةِ هُنَا لِوَحْدَةِ الْحُكْمِ فِيهِمَا مِنْ حَيْثُ جَوَازُ الأَْكْل أَوْ عَدَمِهِ.
وَلَمَّا كَانَ لِكُلٍّ مِنَ الْجَرَادِ وَالضَّبِّ وَالدُّودِ حُكْمٌ خَاصٌّ بِكُلٍّ مِنْهَا حَسُنَ إِفْرَادُ كُلٍّ مِنْهَا عَلَى حِدَةٍ.
الْجَرَادُ:
٥٣ - أَجْمَعَتِ الأُْمَّةُ عَلَى حِل الْجَرَادِ، وَقَدْ وَرَدَ فِي حِلِّهِ الْحَدِيثُ الْقَائِل: أُحِلَّتْ لَنَا مَيْتَتَانِ وَدَمَانِ، فَأَمَّا الْمَيْتَتَانِ: فَالْجَرَادُ وَالْحُوتُ، وَأَمَّا الدَّمَانِ: فَالطِّحَال وَالْكَبِدُ. (١)
- وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّهُ لاَ حَاجَةَ إِلَى تَذْكِيَةِ الْجَرَادِ. وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: لاَ بُدَّ مِنْ تَذْكِيَتِهِ بِأَنْ يَفْعَل بِهِ مَا يُعَجِّل مَوْتَهُ بِتَسْمِيَةٍ وَنِيَّةٍ.
وَمِمَّا يَنْبَغِي التَّنَبُّهُ لَهُ أَنَّ الشَّافِعِيَّةَ كَرِهُوا ذَبْحَ الْجَرَادِ وَقَطْعَهُ حَيًّا. وَصَرَّحُوا بِجَوَازِ قَلْيِهِ مَيْتًا دُونَ إِخْرَاجِ مَا فِي جَوْفِهِ، وَلاَ يَتَنَجَّسُ بِهِ الدُّهْنُ.
وَيَحْرُمُ عِنْدَهُمْ قَلْيُهُ وَشَيُّهُ حَيًّا عَلَى الرَّاجِحِ لِمَا فِيهِمَا مِنَ التَّعْذِيبِ، وَقِيل: يَحِل ذَلِكَ فِيهِ كَمَا يَحِل فِي السَّمَكِ، وَلَكِنَّ هَذَا الْقَوْل عِنْدَهُمْ ضَعِيفٌ، لأَِنَّ حَيَاةَ الْجَرَادِ مُسْتَقِرَّةٌ لَيْسَتْ كَحَيَاةِ الْمَذْبُوحِ، بِخِلاَفِ السَّمَكِ الَّذِي خَرَجَ مِنَ الْمَاءِ، فَإِنَّ حَيَاتَهُ كَحَيَاةِ
_________
(١) حديث: " أحلت لنا ميتتان ودمان:. . . . . . " رواه ابن ماجه (٢ / ١٠٧٣ - ط الحلبي) والدارقطني (٤ / ٢٧٢ - ط دار المحاسن) من حديث ابن عمر مرفوعا وفي إسناده ضعف، والصواب أنه موقوف وله حكم الرفع (التلخيص ١ / ٢٥ - ٢٦ ط دار المحاسن) .
الْمَذْبُوحِ (١) .
وَخَالَفَ الْحَنَابِلَةُ فِي قَلْيِهِ وَشَيِّهِ حَيًّا، فَذَهَبُوا إِلَى مِثْل الْقَوْل الثَّانِي لِلشَّافِعِيَّةِ، وَهُوَ إِبَاحَتُهُمَا، وَإِنْ كَانَ فِيهِمَا تَعْذِيبٌ، لأَِنَّهُ تَعْذِيبٌ لِلْحَاجَةِ، فَإِنَّ حَيَاتَهُ قَدْ تَطُول فَيَشُقُّ انْتِظَارُ مَوْتِهِ. (٢)
الضَّبُّ:
٥٤ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الضَّبِّ: فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى إِبَاحَتِهِ، وَاسْتَدَلُّوا بِالْحَدِيثِ الْمَرْوِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، قَال: دَخَلْتُ أَنَا وَخَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ مَعَ رَسُول اللَّهِ ﷺ بَيْتَ مَيْمُونَةَ، فَأُتِيَ بِضَبٍّ مَحْنُوذٍ، (٣) فَرَفَعَ رَسُول اللَّهِ ﷺ يَدَهُ، فَقُلْتُ: أَحَرَامٌ هُوَ يَا رَسُول اللَّهِ؟ قَال: لاَ، وَلَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ بِأَرْضِ قَوْمِي فَأَجِدُنِي أَعَافُهُ. قَال خَالِدٌ: فَاجْتَرَرْتُهُ فَأَكَلْتُهُ وَرَسُول اللَّهِ ﷺ يَنْظُرُ.
وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ إِلَى تَحْرِيمِهِ، وَاحْتَجَّ بِالْحَدِيثِ الْمَرْوِيِّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ابْنِ حَسَنَةَ: أَنَّهُمْ أَصَابَتْهُمْ مَجَاعَةٌ فِي إِحْدَى الْغَزَوَاتِ مَعَ رَسُول اللَّهِ ﷺ فَوَجَدَ الصَّحَابَةُ ضِبَابًا فَحَرَشُوهَا وَطَبَخُوهَا، فَبَيْنَمَا كَانَتِ الْقُدُورُ، تَغْلِي بِهَا عَلِمَ بِذَلِكَ الرَّسُول ﷺ فَأَمَرَهُمْ بِإِكْفَاءِ الْقُدُورِ فَأَلْقُوا بِهَا. (٤)
_________
(١) نهاية المحتاج ٨ / ١٠٧، وتحفة المحتاج بحاشية الشرواني ٨ / ١٧٤ - ١٧٥، وحاشية البجيرمي على المنهج ٦ / ٣٠٣.
(٢) المراجع السابقة في السمك (ف / ١٨) .
(٣) محنوذ: أي مشوي وحديث ابن عباس: دخلت أنا وخالد بن الوليد. . أخرجه مسلم (٣ / ١٥٤٣ - ط الحلبي) .
(٤) حديث عبد الرحمن بن حسنة " أنهم أصابتهم مجاعة في إحدى الغزوات. . . " أخرجه أحمد (٤ / ١٩٦ - ط الميمنية) وابن حبان (موارد الظمآن ص ١٠٧٠ - ط السلفية) وصححه ابن حجر في الفتح (٩ / ٦٦٥ - ٦٦٦ - ط السلفية) .
وَاعْتَبَرَ الْجُمْهُورُ مَا وَرَدَ فِي تَحْرِيمِهِ مَنْسُوخًا، لأَِنَّ حَدِيثَ الإِْبَاحَةِ مُتَأَخِّرٌ، لأَِنَّهُ حَضَرَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَهُوَ لَمْ يَجْتَمِعْ بِالنَّبِيِّ ﷺ إِلاَّ بِالْمَدِينَةِ.
وَمِمَّنْ كَرِهَ الضَّبَّ مِنَ الصَّحَابَةِ ﵃ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَجَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَيُحْتَمَل أَنْ تَكُونَ الْكَرَاهَةُ عِنْدَهُمَا تَحْرِيمِيَّةً، وَهَذَا عِنْدَئِذٍ يَتَّفِقُ مَعَ الْقَوْل بِالتَّحْرِيمِ، وَيُحْتَمَل أَنَّهَا تَنْزِيهِيَّةٌ. (١)
وَحُجَّةُ مَنْ قَال بِكَرَاهَتِهِ تَنْزِيهًا تَعَارُضُ أَدِلَّةِ الإِْبَاحَةِ وَالتَّحْرِيمِ، فَيُكْرَهُ تَنْزِيهًا احْتِيَاطًا.
الدُّودُ:
٥٥ - تَنَاوَلَتْ كُتُبُ الْفِقْهِ تَفْصِيلاَتٍ عَنِ الدُّودِ إِيجَازُهَا فِيمَا يَلِي: قَال الْحَنَفِيَّةُ: إِنَّ دُودَ الزُّنْبُورِ وَنَحْوِهِ قَبْل أَنْ تُنْفَخَ فِيهِ الرُّوحُ لاَ بَأْسَ بِأَكْلِهِ، لأَِنَّهُ لَيْسَ بِمَيْتَةٍ، فَإِنْ نُفِخَتْ فِيهِ الرُّوحُ لَمْ يَجُزْ أَكْلُهُ. وَعَلَى هَذَا لاَ يَجُوزُ أَكْل الْجُبْنِ أَوِ الْخَل أَوِ الثِّمَارِ بِدُودِهَا (٢) .
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: إِنْ مَاتَ الدُّودُ وَنَحْوُهُ فِي طَعَامٍ وَتَمَيَّزَ عَنِ الطَّعَامِ أُخْرِجَ مِنْهُ وُجُوبًا، فَلاَ يُؤْكَل مَعَهُ، وَلاَ يُطْرَحُ الطَّعَامُ بَعْدَ إِخْرَاجِهِ مِنْهُ، لأَِنَّ مَيْتَتَهُ طَاهِرَةٌ.
وَإِنْ لَمْ يَتَمَيَّزْ بِأَنِ اخْتَلَطَ بِالطَّعَامِ وَتَهَرَّى طُرِحَ الطَّعَامُ، لِعَدَمِ إِبَاحَةِ نَحْوِ الدُّودِ الْمَيِّتِ بِهِ وَإِنْ كَانَ طَاهِرًا، فَيُلْقَى لِكَلْبٍ أَوْ هِرٍّ أَوْ دَابَّةٍ، إِلاَّ إِذَا كَانَ الدُّودُ غَيْرَ الْمُتَمَيِّزِ قَلِيلًا.
وَإِنْ لَمْ يَمُتْ فِي الطَّعَامِ جَازَ أَكْلُهُ مَعَهُ.
_________
(١) المحلى لابن حزم ٧ / ٤٣١.
(٢) البدائع ٥ / ٣٥ - ٣٦، وحاشية ابن عابدين ٥ / ١٩٤، والخانية بهامش الفتاوى الهندية ٣ / ٣٥٨.
هَذَا كُلُّهُ إِنْ لَمْ يَكُنِ الدُّودُ وَنَحْوُهُ تَوَلَّدَ فِي الطَّعَامِ (أَيْ عَاشَ وَتَرَبَّى فِيهِ)، سَوَاءٌ أَكَانَ فَاكِهَةً أَمْ حُبُوبًا أَمْ تَمْرًا، فَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ جَازَ أَكْلُهُ مَعَهُ عِنْدَهُمْ، قَل أَوْ كَثُرَ، مَاتَ فِيهِ أَوْ لاَ، تَمَيَّزَ أَوْ لَمْ يَتَمَيَّزْ. (١)
وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُمْ يَلْحَظُونَ فِيهِ حِينَئِذٍ مَعْنَى التَّبَعِيَّةِ.
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: يَحِل أَكْل الدُّودِ الْمُتَوَلِّدِ فِي طَعَامٍ كَخَلٍّ وَفَاكِهَةٍ بِثَلاَثِ شَرَائِطَ:
الأُْولَى: - أَنْ يُؤْكَل مَعَ الطَّعَامِ، حَيًّا كَانَ أَوْ مَيِّتًا، فَإِنْ أُكِل مُنْفَرِدًا لَمْ يَحِل.
الثَّانِيَةُ: - أَلاَّ يُنْقَل مُنْفَرِدًا، فَإِنْ نُقِل مُنْفَرِدًا لَمْ يَجُزْ أَكْلُهُ. وَهَاتَانِ الشَّرِيطَتَانِ مَنْظُورٌ فِيهِمَا أَيْضًا إِلَى مَعْنَى التَّبَعِيَّةِ.
الثَّالِثَةُ: - أَلاَّ يُغَيِّرَ طَعْمَ الطَّعَامِ أَوْ لَوْنَهُ أَوْ رِيحَهُ إِنْ كَانَ مَائِعًا، فَإِنْ غَيَّرَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ لَمْ يَجُزْ أَكْلُهُ وَلاَ شُرْبُهُ، لِنَجَاسَتِهِ حِينَئِذٍ.
وَيُقَاسُ عَلَى الدُّودِ السُّوسُ الْمُتَوَلِّدُ فِي نَحْوِ التَّمْرِ وَالْبَاقِلاَءِ إِذَا طُبِخَا، فَإِنَّهُ يَحِل أَكْلُهُ مَا لَمْ يُغَيِّرِ الْمَاءَ.
وَكَذَا النَّمْل إِذَا وَقَعَ فِي الْعَسَل وَنَحْوِهِ فَطُبِخَ (٢) .
وَقَال أَحْمَدُ فِي الْبَاقِلاَءِ الْمُدَوَّدِ: تَجَنُّبُهُ أَحَبُّ إِلَيَّ، وَإِنْ لَمْ يَتَقَذَّرْ فَأَرْجُو. (٣) وَقَال عَنْ تَفْتِيشِ التَّمْرِ الْمُدَوَّدِ: لاَ بَأْسَ بِهِ. (٤) وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ أُتِيَ بِتَمْرٍ عَتِيقٍ فَجَعَل يُفَتِّشُهُ يُخْرِجُ السُّوسَ
_________
(١) الشرح الصغير مع حاشية الصاوي ١ / ٣٢٣.
(٢) نهاية المحتاج ٨ / ١٠٧.
(٣) أي يرجو أن لا يكون في أكله حرج.
(٤) مطالب أولي النهى ٦ / ٣١٣، والمغني ٨ / ٦٠٥.