الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٥
نُهُوا عَنْ أَكْل الطَّافِي. وَلَفْظُ جَابِرٍ فِي رِوَايَةٍ: مَا طَفَا فَلاَ تَأْكُلُوهُ، وَمَا كَانَ عَلَى حَافَّتَيْهِ أَوْ حَسِرَ عَنْهُ فَكُلُوهُ. وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: مَا حَسِرَ الْمَاءُ عَنْ ضِفَّتَيِ الْبَحْرِ فَكُل، وَمَا مَاتَ فِيهِ طَافِيًا فَلاَ تَأْكُل.
وَلَفْظُ عَلِيٍّ: " مَا طَفَا مِنْ صَيْدِ الْبَحْرِ فَلاَ تَأْكُلُوهُ.
وَلَفْظُ ابْنِ عَبَّاسٍ: " لاَ تَأْكُل مِنْهُ - أَيْ مِنْ سَمَكٍ وَفِي الْبَحْرِ - طَافِيًا (١) .
١٦ - وَذَهَبَ مَنْ عَدَا الْحَنَفِيَّةَ إِلَى إِبَاحَةِ كُل حَيَوَانَاتِ الْبَحْرِ بِلاَ تَذْكِيَةٍ وَلَوْ طَافِيَةً (٢) حَتَّى مَا تَطُول حَيَاتُهُ فِي الْبَرِّ، كَالتِّمْسَاحِ وَالسُّلَحْفَاةِ الْبَحْرِيَّةِ، وَالضُّفْدَعِ وَالسَّرَطَانِ الْبَحْرِيَّيْنِ.
_________
(١) الآثار عن جابر وعلي بن أبي طالب وعبد الله بن عباس ﵃ في النهي عن أكل الطافي أخرجها بن حزم في المحلى (٧ / ٣٩٤)، وأعلها بالضعف والانقطاع.
(٢) قد يبدو أن المذاهب التي تحظر أكل الطافي من السمك تطمئن إليها النفس من الناحية الطبية أكثر، لأن السمكة الطافية التي ماتت حتف أنفها، وطفت فوق الماء قد تكون فسدت وتفسخت لمضي زمن على موتها كاف لفسادها، إذ لا يدرى متى كان موتها، فالطافي مظنة للفساد، فالتحرز عنه أليق بقواعد الشريعةالتي حرمت الخبائث. وقد نص الفقهاء على عدم جواز أكل اللحم إذا فسد وقالوا: إن الحظر هنا لسبب طبي نظرا لضرره.
وقد يقال: إنه عند تعارض الأدلة من النصوص في حل الطافي وعدمه يحكّم الأصل، وهو الإباحة، من جهة الدليل الشرعي، ومجرد الطفو لا يستلزم الفساد، ولحالة الفساد حكمها الخاص وهو المنع للفساد لا لموتها وطفوها. وعندئذ يجب أن يلحظ في موضوع الطافي عند من يقول بحله قد
عام تفرضه قواعد الشريعة ولا مجال للخلاف فيه، وهو ألا تكون السمكة الطافية قد بدت عليها آثار الفساد والتفسخ.
وهذا عندئذ معنى ما روي عن ابن عباس (كما في نيل الأوطار ٨/ ١٤٧) في بعض الروايات: "طعامه - أى البحر - ميتته إلا ما قذرت منها" أى استقذرت، فإن الاستقذار لحيوان تحل في الأصل ميته إنما يكون لفساده وتفسخه بالمكث فتأمل. (اللجنة) .
وَلاَ يَعُدُّ الْفُقَهَاءُ طَيْرَ الْمَاءِ بَحْرِيًّا، لأَِنَّهُ لاَ يَسْكُنُ تَحْتَ سَطْحِ الْمَاءِ، وَإِنَّمَا يَكُونُ فَوْقَهُ وَيَنْغَمِسُ فِيهِ عِنْدَ الْحَاجَةِ ثُمَّ يَطِيرُ، وَلِهَذَا لاَ يَحِل عِنْدَهُمْ إِلاَّ بِالتَّذْكِيَةِ.
وَلِلْمَالِكِيَّةِ فِي كَلْبِ الْبَحْرِ وَخِنْزِيرِهِ قَوْلٌ بِالإِْبَاحَةِ، وَآخَرُ بِالْكَرَاهَةِ، وَالرَّاجِحُ فِي كَلْبِ الْمَاءِ الإِْبَاحَةُ، وَفِي خِنْزِيرِهِ الْكَرَاهَةُ، (أَيِ الْكَرَاهَةُ التَّنْزِيهِيَّةُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ) .
وَاخْتَلَفُوا فِي إِنْسَانِ الْمَاءِ (١)، فَمِنْهُمْ مَنْ حَرَّمَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ أَبَاحَهُ، وَهُوَ الرَّاجِحُ، وَصَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ بِجَوَازِ قَلْيِ السَّمَكِ وَشَيِّهِ مِنْ غَيْرِ شَقِّ بَطْنِهِ وَلَوْ حَيًّا. قَالُوا: وَلاَ يُعَدُّ هَذَا تَعْذِيبًا، لأَِنَّ حَيَاتَهُ خَارِجَ الْمَاءِ
_________
(١) إن المراجع العلمية الحديثة التي بين أيدينا يستفاد منها أن إنسان الماء (ويسمي بالفرنسية: سيرين (Sirene» هو حيوان أسطوري يوصف في القصص الخيالية بأن نصفه الأعلى امرأة ونصفه الأسفل سمكة (ر: معجم وموسوعة لا روس الفرنسية في كلمة (Sirene» . وقد نقلنا كلام فقهاء المذاهب في حكم إنسان الماء كما ورد في مصادره، حرصا على أمانة نقل الفقه في هذه الموسوعة، ورأينا أن نثبت هنا هذ. الملاحظة حوله. على أننا نرى أن صنيع الفقهاء القدامى في ذكر هذه الأنواع وتقرير الحكم الفقهي فيها لا محل لنقده بأنهم يذكرون أحكام أنواع من الحيوان أسطورية، ذلك لأن الفقهاء وقفوا أمام أخبار ووقائع يرويها الصيادون وغيرهم
من الناس والرحالين لا يمكن تكذيبها، لأنها محتملة، كما لا يمكن الجزم بصحتها. فواجبهم أن يقرروا لها أحكاما على نقدير صحتها الاحتمالية، ولا سيما أن الشائع من القديم أن عجائب البحر وحيوانه أكثر وأكبر من عجائب البر اليابس، وأنه لا يوجد في البر نوع من الحيوان إلا وله نظير في البحر. وهذا قد كده الاستاذ العلامة محمد فريد وجدى في دائرة معارفه نقلا عن المصادر العلمية الحديثة الأجنبية (ر: دائرة معارف القرن العشرين للعلامة محمد فريد وجدى كلمة: بحر- البحر حيويا) .
كَحَيَاةِ الْمَذْبُوحِ. (١)
١٧ - وَيُسْتَحَبُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ ذَبْحُ مَا تَطُول حَيَاتُهُ كَسَمَكَةٍ كَبِيرَةٍ. وَيَكُونُ الذَّبْحُ مِنْ جِهَةِ الذَّيْل فِي السَّمَكِ، وَمِنَ الْعُنُقِ فِيمَا يُشْبِهُ حَيَوَانَ الْبَرِّ. فَإِذَا لَمْ يَكُنْ مِمَّا تَطُول حَيَاتُهُ كُرِهَ ذَبْحُهُ وَقَطْعُهُ حَيًّا.
وَهَذَا التَّعْمِيمُ فِي الْحِل هُوَ أَصَحُّ الْوُجُوهِ عِنْدَهُمْ. وَهُنَاكَ سِوَاهُ وَجْهَانِ آخَرَانِ:
(أَحَدُهُمَا) أَنَّهُ لاَ يَحِل مِنْ حَيَوَانِ الْبَحْرِ سِوَى السَّمَكِ كَمَذْهَبِ الْحَنَفِيَّةِ.
(وَالثَّانِي) أَنَّ مَا يُؤْكَل مِثْلُهُ فِي الْبَرِّ كَاَلَّذِي عَلَى صُورَةِ الْغَنَمِ يَحِل، وَمَا لاَ يُؤْكَل مِثْلُهُ فِي الْبَرِّ كَاَلَّذِي عَلَى صُورَةِ الْكَلْبِ وَالْحِمَارِ لاَ يَحِل.
وَيَحْرُمُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ الْحَيَوَانُ (الْبَرْمَائِيُّ) (٢) أَيِ الَّذِي يُمْكِنُ عَيْشُهُ دَائِمًا فِي كُلٍّ مِنَ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ نَظِيرٌ فِي الْبَرِّ مَأْكُولٌ. وَقَدْ مَثَّلُوا لَهُ بِالضُّفْدَعِ، وَالسَّرَطَانِ، وَالْحَيَّةِ، وَالنَّسْنَاسِ، (٣) وَالتِّمْسَاحِ، وَالسُّلَحْفَاةِ. (٤) وَتَحْرِيمُ هَذَا النَّوْعِ
_________
(١) الشرح الصغير ١ / ٣١٢ و٣٢٢ - ٣٢٣، والرهوني مع كنون ٣ / ٤٢، والخرشي على مختصر خليل ١ / ٨٣.
(٢) التسمية بالبرمائي من الموسوعة أخذا من لغة العصر.
(٣) النسناس: بفتح النون ويجوز كسرها: حيوان يوجد بجزائر الصين، يثب على رجل واحدة، وله عين واحدة، يقتل الإنسان إذا ظفر به، وينقز (أي يثب صعدا ويقفز) كنقز الطير (ر: حاشية البجيرمي على شرح المنهج ٤ / ٣٠٤، ومحيط المحيط مادة: نسنس) .
(٤) السلحفاة: بضم السين وكسرها مع فتح اللام وسكون الحاء، وفيها لغات أخرى: دابة برية ونهرية وبحرية، لها أربع قوائم، تختفي بين طبقتين عظميتين صقيلتين، والكبار من البحرية تبلغ مقدارا عظيما، ويقال لها: اللجأة أيضا، والذكر يقال له: الغيلم. وهي معربة عن لفظ "سولاح باي" بالفارسية (محيط المحيط)
الْبَرْمَائِيِّ هُوَ مَا جَرَى عَلَيْهِ الرَّافِعِيُّ وَالنَّوَوِيُّ فِي " الرَّوْضَةِ " وَأَصْلُهَا وَاعْتَمَدَهُ الرَّمْلِيُّ. لَكِنْ صَحَّحَ النَّوَوِيُّ فِي " الْمَجْمُوعِ " أَنَّ جَمِيعَ مَا يَكُونُ سَاكِنًا فِي الْبَحْرِ فِعْلًا تَحِل مَيْتَتُهُ، وَلَوْ كَانَ مِمَّا يُمْكِنُ عَيْشُهُ فِي الْبَرِّ، إِلاَّ الضُّفْدَعُ، وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ عِنْدَ الْخَطِيبِ وَابْنِ حَجَرٍ الْهَيْتَمِيِّ، وَزَادَا عَلَى الضُّفْدَعِ كُل مَا فِيهِ سُمٌّ.
وَعَلَى هَذَا فَالسَّرَطَانُ وَالْحَيَّةُ وَالنَّسْنَاسُ وَالتِّمْسَاحُ وَالسُّلَحْفَاةُ إِنْ كَانَتْ هَذِهِ الْحَيَوَانَاتُ سَاكِنَةَ الْبَحْرِ بِالْفِعْل تَحِل، وَلاَ عِبْرَةَ بِإِمْكَانِ عَيْشِهَا فِي الْبَرِّ، وَإِنْ كَانَتْ سَاكِنَةَ الْبَرِّ بِالْفِعْل تَحْرُمُ.
وَاخْتَلَفُوا فِي الدَّنِيلِسِ: (١) فَأَفْتَى ابْنُ عَدْلاَنَ بِحِلِّهِ، وَنُقِل عَنِ الشَّيْخِ عِزِّ الدِّينِ بْنِ عَبْدِ السَّلاَمِ الإِْفْتَاءُ بِتَحْرِيمِهِ. (٢)
وَلاَ يُعْتَبَرُ الإِْوَزُّ وَالْبَطُّ مِمَّا يَعِيشُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ، لأَِنَّهَا لاَ تَسْتَطِيعُ الْعَيْشَ فِي الْبَحْرِ دَائِمًا، فَهِيَ مِنْ طُيُورِ الْبَرِّ، فَلاَ تَحِل إِلاَّ بِالتَّذْكِيَةِ كَمَا يَأْتِي (ف ٤١) .
وَيُكْرَهُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ ابْتِلاَعُ السَّمَكِ حَيًّا إِذَا لَمْ يَضُرَّ، وَكَذَا أَكْل السَّمَكِ الصَّغِيرِ بِمَا فِي جَوْفِهِ، وَيَجُوزُ قَلْيُهُ وَشَيُّهُ مِنْ غَيْرِ شَقِّ بَطْنِهِ، لَكِنْ يُكْرَهُ ذَلِكَ
_________
(١) قال الدميري: " الدنيلس هو نوع من الصدف والحلزون " ويظهر من مجموع ما قالوه فيه أنه الصدف الصغير الذي يسمى في مصر: أم الخلول.
(٢) لعل الإفتاء بالتحريم مبني على ما قيل من أن الدنيلس هو أصل السرطان، فإذا كان السرطان محرما كان أصله محرما. والإفتاء بالحل مبني على أن كلا من الدنيلس والسرطان أصل برأسه، أو على أن السرطان الذي يعيش في البحر حلال، وإن أمكن عيشه في البر، كما صححه النووي في المجموع (ر: حياة الحيوان للدميري ١ / ٣٣٩، وتحفة المحتاج لابن حجر مع حاشية الشرواني ٨ / ١٧٥) .
إِنْ كَانَ حَيًّا، وَأَيًّا مَا كَانَ فَلاَ يَتَنَجَّسُ بِهِ الدُّهْنُ. (١)
١٨ - وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ فِي الْحَيَوَانِ الْبَرْمَائِيِّ، كَكَلْبِ الْمَاءِ وَالسُّلَحْفَاةِ وَالسَّرَطَانِ إِلَى أَنَّهُ إِنَّمَا يَحِل بِالتَّذْكِيَةِ.
وَزَادُوا بِالإِْضَافَةِ لِلضُّفْدَعِ اسْتِثْنَاءَ الْحَيَّةِ وَالتِّمْسَاحِ، فَقَالُوا بِحُرْمَةِ الثَّلاَثَةِ: فَالضُّفْدَعُ لِلنَّهْيِ عَنْ قَتْلِهَا، وَالْحَيَّةُ لاِسْتِخْبَاثِهَا، وَالتِّمْسَاحُ لأَِنَّ لَهُ نَابًا يَفْتَرِسُ بِهِ. لَكِنَّهُمْ لَمْ يَسْتَثْنُوا سَمَكَ الْقِرْشِ فَهُوَ حَلاَلٌ، وَإِنْ كَانَ لَهُ نَابٌ يَفْتَرِسُ بِهِ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ التَّفْرِقَةَ بَيْنَهُمَا مَبْنِيَّةٌ عَلَى أَنَّ الْقِرْشَ نَوْعٌ مِنَ السَّمَكِ لاَ يَعِيشُ إِلاَّ فِي الْبَحْرِ بِخِلاَفِ التِّمْسَاحِ.
وَقَدْ قَالُوا: إِنَّ كَيْفِيَّةَ ذَكَاةِ السَّرَطَانِ أَنْ يُفْعَل بِهِ مَا يُمِيتُهُ، بِأَنْ يُعْقَرَ فِي أَيِّ مَوْضِعٍ كَانَ مِنْ بَدَنِهِ. (٢)
وَإِذَا أُخِذَ السَّمَكُ حَيًّا لَمْ يَجُزْ أَكْلُهُ حَتَّى يَمُوتَ أَوْ يُمَاتَ، كَمَا يَقُول الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ. وَيُكْرَهُ شَيُّهُ حَيًّا، لأَِنَّهُ تَعْذِيبٌ بِلاَ حَاجَةٍ، فَإِنَّهُ يَمُوتُ سَرِيعًا فَيُمْكِنُ انْتِظَارُ مَوْتِهِ. (٣)
١٩ - وَفِي حَيَوَانَاتِ الْبَحْرِ مَذَاهِبُ أُخْرَى: مِنْهَا أَنَّ ابْنَ أَبِي لَيْلَى يَقُول: إِنَّ مَا عَدَا السَّمَكَ مِنْهَا يُؤْكَل
_________
(١) نهاية المحتاج ٨ / ١٤٣، وشرح المنهج مع حاشية البجيرمي ٤ / ٣٠٤، وتحفة المحتاج مع حاشية الشرواني ٨ / ١١٢ - ١١٤، ١٧٥، وأسنى المطالب ١ / ٥٥٤.
(٢) المقنع لابن قدامة ٣ / ٥٢٩، ومطالب أولي النهى ٦ / ٣١٥ و٣٢٩.
(٣) البدائع ٥ / ٣٥ - ٣٦، وابن عابدين ٥ / ١٩٥، والصاوي على الشرح الصغير ١ / ٣٢٣، والدسوقي على الشرح الكبير ٢ / ١١٥، والخرشي على مختصر خليل ١ / ٩٣، ونهاية المحتاج ٨ / ١٤٢، وتحفة المحتاج مع حاشية الشرواني ٨ / ١٧٤ - ١٧٥، وحاشية البجيرمي على المنهج ٦ / ٣٠٣ - ٣٠٤، ومطالب أولي النهى ٦ / ٣٢٨.
بِشَرِيطَةِ الذَّكَاةِ وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ يَقُول كَذَلِكَ أَيْضًا، غَيْرَ أَنَّهُ لاَ يَحِل عِنْدَهُ إِنْسَانُ الْمَاءِ وَلاَ خِنْزِيرُهُ، وَعَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ فِي هَذَا رِوَايَتَانِ:
إِحْدَاهُمَا: تَحْرِيمُ مَا سِوَى السَّمَكِ كَمَذْهَبِ الْحَنَفِيَّةِ.
وَثَانِيهِمَا: الْحِل بِالذَّبْحِ كَقَوْل ابْنِ أَبِي لَيْلَى (١) .
٢٠ - وَدَلِيل الْجُمْهُورِ الَّذِينَ أَحَلُّوا كُل مَا يَسْكُنُ جَوْفَ الْمَاءِ وَلاَ يَعِيشُ إِلاَّ فِيهِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا﴾ . (٢) وَقَوْلُهُ سُبْحَانَهُ: ﴿أُحِل لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ﴾، (٣) فَلَمْ يُفَرِّقْ ﷿ بَيْنَ مَا يُسَمِّيهِ النَّاسُ سَمَكًا وَمَا يُسَمُّونَهُ بِاسْمٍ آخَرَ كَخِنْزِيرِ الْمَاءِ أَوْ إِنْسَانِهِ، فَإِنَّ هَذِهِ التَّسْمِيَةَ لاَ تَجْعَلُهُ خِنْزِيرًا أَوْ إِنْسَانًا.
وَمِنْ أَدِلَّةِ ذَلِكَ أَيْضًا قَوْلُهُ ﷺ لَمَّا سُئِل عَنِ الْوُضُوءِ بِمَاءِ الْبَحْرِ: هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ، الْحِل مَيْتَتُهُ. (٤)
وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى حِل جَمِيعِ الْحَيَوَانِ الَّذِي يَسْكُنُ الْبَحْرَ سَوَاءٌ أُخِذَ حَيًّا أَمْ مَيِّتًا، وَسَوَاءٌ أَكَانَ طَافِيًا أَمْ لاَ.
وَاسْتَدَلُّوا أَيْضًا بِحَدِيثِ دَابَّةِ الْعَنْبَرِ، وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ الْمَكِّيِّ، قَال حَدَّثَنِي جَابِرٌ، قَال: بَعَثَنَا رَسُول اللَّهِ ﷺ وَأَمَّرَ
_________
(١) البدائع ٥ / ٣٥، والمحلى ٧ / ٣٩٤.
(٢) سورة فاطر / ١٢.
(٣) سورة المائدة / ٩٦.
(٤) حديث: " هو الطهور ماؤه الحل ميتته ". أخرجه مالك (١ / ٢٢ - ط الحلبي) وصححه البخاري وغيره، (التلخيص الحبير ١ / ٩ ط الشركة الفنية المتحدة) .
عَلَيْنَا أَبَا عُبَيْدَةَ، نَتَلَقَّى عِيرًا (١) لِقُرَيْشٍ، وَزَوَّدَنَا جِرَابًا مِنْ تَمْرٍ لَمْ يَجِدْ لَنَا غَيْرَهُ، فَكَانَ أَبُو عُبَيْدَةَ يُعْطِينَا تَمْرَةً تَمْرَةً. قَال أَبُو الزُّبَيْرِ: فَقُلْتُ لِجَابِرٍ: كَيْفَ كُنْتُمْ تَصْنَعُونَ بِهَا؟ قَال: نَمُصُّهَا كَمَا يَمُصُّ الصَّبِيُّ، ثُمَّ نَشْرَبُ عَلَيْهَا الْمَاءَ، فَتَكْفِينَا يَوْمَنَا إِلَى اللَّيْل. وَكُنَّا نَضْرِبُ بِعِصِيِّنَا الْخَبْطَ، (٢) ثُمَّ نَبُلُّهُ بِالْمَاءِ وَنَأْكُلُهُ. قَال: وَانْطَلَقْنَا عَلَى سَاحِل الْبَحْرِ فَرُفِعَ لَنَا كَهَيْئَةِ الْكَثِيبِ (٣) الضَّخْمِ، فَأَتَيْنَاهُ فَإِذَا هُوَ دَابَّةٌ تُدْعَى الْعَنْبَرَ. قَال أَبُو عُبَيْدَةَ: مَيْتَةٌ؟ ثُمَّ قَال: لاَ، بَل نَحْنُ رُسُل رَسُول اللَّهِ ﷺ، وَفِي سَبِيل اللَّهِ تَعَالَى، وَقَدِ اضْطُرِرْتُمْ، فَكُلُوا. فَأَقَمْنَا عَلَيْهِ شَهْرًا وَنَحْنُ ثَلاَثُمِائَةٍ حَتَّى سَمِنَّا، وَلَقَدْ رَأَيْتَنَا نَغْتَرِفُ مِنْ وَقْبِ عَيْنِهِ (٤) بِالْقِلاَل (٥) الدُّهْنَ، وَنَقْتَطِعُ مِنْهُ الْفَدْرَ (٦) كَالثَّوْرِ أَوْ كَقَدْرِ الثَّوْرِ، فَلَقَدْ أَخَذَ مِنَّا أَبُو عُبَيْدَةَ ثَلاَثَةَ عَشَرَ رَجُلًا، فَأَقْعَدَهُمْ فِي وَقْبِ عَيْنِهِ، وَأَخَذَ ضِلْعًا مِنْ أَضْلاَعِهِ فَأَقَامَهَا ثُمَّ رَحَل أَعْظَمُ بَعِيرٍ مَعَنَا فَمَرَّ تَحْتَهَا. (٧) وَتَزَوَّدْنَا مِنْ لَحْمِهِ وَشَائِقَ. (٨) فَلَمَّا قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ أَتَيْنَا رَسُول اللَّهِ ﷺ فَذَكَرْنَا لَهُ ذَلِكَ، فَقَال: هُوَ رِزْقٌ أَخْرَجَهُ اللَّهُ تَعَالَى
_________
(١) العير: هي الإبل بأحمالها.
(٢) ورق الشجر يخبط بعصا أو نحوها فينتشر، تأكله الإبل
(٣) الكثيب (بالثاء المثلثة): التل من الرمل.
(٤) وقب العين: هو نقرتها، أو التجويف الذي تقع فيه.
(٥) جمع قلة (بضم القاف وتشديد اللام) وهي: الجرة الكبيرة.
(٦) الفدر (بكسر الفاء وفتح الدال): جمع فدرة، وهي: القطعة من كل شيء.
(٧) أي: من تحت الضلع، والضلع مؤنثة.
(٨) وشائق جميع وشيقة، وهي: القطعة من اللحم الذي يؤخذ فيغلى قليلا ولا ينضج، ويحمل في الأسفار. وقيل: هي القديد.
لَكُمْ، فَهَل مَعَكُمْ مِنْ لَحْمِهِ شَيْءٌ فَتُطْعِمُونَا؟، فَأَرْسَلْنَا إِلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ مِنْهُ فَأَكَلَهُ. (١)
فَهَذَا الْحَدِيثُ يَسْتَدِلُّونَ بِهِ: عَلَى أَرْبَعَةِ أُمُورٍ:
(أَوَّلًا) عَلَى أَنَّ حَيَوَانَ الْبَحْرِ مِنْ غَيْرِ السَّمَكِ يَحِل أَكْلُهُ فِي حَالَتَيِ الاِخْتِيَارِ وَالضَّرُورَةِ.
(ثَانِيًا) عَلَى أَنَّهُ لاَ يَحْتَاجُ إِلَى ذَكَاةٍ.
(ثَالِثًا) عَلَى حِل الطَّافِي، لأَِنَّهُ لاَ يَدْرِي هَل مَاتَ حَتْفَ أَنْفِهِ أَوْ بِسَبَبِ حَادِثٍ.
(رَابِعًا) عَلَى أَنَّ صَيْدَ الْمَجُوسِيِّ وَالْوَثَنِيِّ لِلسَّمَكِ لاَ تَأْثِيرَ لَهُ، لأَِنَّهُ إِذَا كَانَتْ مَيْتَتُهُ حَلاَلًا فَصَيْدُ الْمَجُوسِيِّ وَالْوَثَنِيِّ وَالْمُسْلِمِ سَوَاءٌ.
هَذَا، وَالْفَسِيخُ إِنْ كَانَ صَغِيرًا كَانَ طَاهِرًا فِي الْمَذَاهِبِ الأَْرْبَعَةِ، لأَِنَّهُ مَعْفُوٌّ عَمَّا فِي بَطْنِهِ، لِعُسْرِ تَنْقِيَةِ مَا فِيهِ، وَإِنْ كَانَ كَبِيرًا فَهُوَ طَاهِرٌ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَابْنِ الْعَرَبِيِّ وَالدَّرْدِيرِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ، خِلاَفًا لِلشَّافِعِيَّةِ وَلِجُمْهُورِ الْمَالِكِيَّةِ. وَإِذَا اعْتُبِرَ طَاهِرًا فَإِنَّ أَكْلَهُ مَعَ تَفَسُّخِهِ وَالتَّغَيُّرُ فِي رَائِحَتِهِ يُتْبَعُ فِيهِ شَرْعًا رَأْيُ الطِّبِّ فِي ضَرَرِهِ أَوْ عَدَمِهِ: فَإِنْ قَال الأَْطِبَّاءُ الثِّقَاتُ: إِنَّهُ ضَارٌّ يَكُونُ أَكْلُهُ مَحْظُورًا شَرْعًا لِضَرَرِهِ بِالصِّحَّةِ، وَإِلاَّ فَلاَ. (٢)
الْحَيَوَانُ الْبَرِّيُّ: حَلاَلُهُ وَحَرَامُهُ:
٢١ - الْمَقْصُودُ بِالْحَيَوَانِ الْبَرِّيِّ: مَا يَعِيشُ فِي الْبَرِّ مِنَ الدَّوَابِّ أَوِ الطُّيُورِ. وَيُقْسَمُ بِحَسَبِ أَنْوَاعِهِ
_________
(١) حديث جابر: " بعثنا رسول الله ﷺ. . . . . . " أخرجه مسلم (٣ / ١٥٣٦ - ط الحلبي) .
(٢) البجيرمي على منهج الطلاب ٤ / ٣٠٤، ومثله في البجيرمي على الإقناع ١ / ٨٩، ٩٢، والشرح الصغير بحاشية الصاوي ١ / ٢٢، والدر المختار مع حاشية ابن عابدين ١ / ٢١٢، ومطالب أولي النهى ١ / ٢٣٤.
وَخَصَائِصِهِ وَمَا يَتَّصِل بِهِ مِنْ أَحْكَامٍ إِلَى ثَلاَثَةَ عَشَرَ نَوْعًا:
النَّوْعُ الأَْوَّل: الأَْنْعَامُ:
٢٢ - الأَْنْعَامُ (بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ) جَمْعُ نَعَمٍ (بِفَتْحَتَيْنِ) وَهُوَ اسْمٌ يَتَنَاوَل ثَلاَثَةَ أَنْوَاعٍ هِيَ: الإِْبِل، وَالْبَقَرُ، وَالْغَنَمُ، سَوَاءٌ أَكَانَتِ الْبَقَرُ عِرَابًا أَمْ جَوَامِيسَ، وَسَوَاءٌ أَكَانَتِ الْغَنَمُ ضَأْنًا أَمْ مَعْزًا، فَكُلُّهَا حَلاَلٌ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ الْمُسْتَنِدِ إِلَى نُصُوصٍ كَثِيرَةٍ. مِنْهَا قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالأَْنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾، (١) وَمِنْهَا قَوْلُهُ جَل شَأْنُهُ ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَل لَكُمُ الأَْنْعَامَ لِتَرْكَبُوا مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ . (٢) وَاسْمُ الأَْنْعَامِ يَقَعُ عَلَى هَذِهِ الْحَيَوَانَاتِ بِلاَ خِلاَفٍ بَيْنَ أَهْل اللُّغَةِ. (٣)
النَّوْعُ الثَّانِي: الأَْرْنَبُ:
٢٣ - الأَْرْنَبُ حَلاَلٌ أَكْلُهَا عِنْدَ الْجُمْهُورِ. وَقَدْ صَحَّ عَنْ أَنَسٍ أَنَّهُ قَال: أَنْفَجْنَا (٤) أَرْنَبًا فَسَعَى الْقَوْمُ فَلَغَبُوا، فَأَخَذْتُهَا وَجِئْتُ بِهَا أَبَا طَلْحَةَ، فَذَبَحَهَا وَبَعَثَ بِوَرِكِهَا - أَوْ قَال: بِفَخِذِهَا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَبِلَهُ. (٥)
وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ صَفْوَانَ (أَوْ صَفْوَانَ بْنِ مُحَمَّدٍ) أَنَّهُ
_________
(١) سورة النحل / ٥.
(٢) سورة غافر / ٧٩.
(٣) البدائع ٥ / ٣٥ - ٣٦، والدسوقي على الشرح الكبير ٢ / ١١٥، ونهاية المحتاج ٨ / ١٤٢، ومطالب أولي النهى ٦ / ٣٢٨.
(٤) نفجت الأرنب: ثارت، كما في القاموس، وأنفجها: أثارها.
(٥) حديث أنس: " أنفجنا أرنبا. . . . . " أخرجه البخاري (الفتح ٩ / ٦٦١ - ط السلفية) ومسلم (٣ / ١٥٤٧ - ط الحلبي) .
قَال: صِدْتُ أَرْنَبَيْنِ فَذَبَحْتُهُمَا بِمَرْوَةَ، (١) فَسَأَلْتُ رَسُول اللَّهِ ﷺ فَأَمَرَنِي بِأَكْلِهِمَا. (٢)
ثُمَّ إِنَّهَا مِنَ الْحَيَوَانِ الْمُسْتَطَابِ، وَلَيْسَتْ ذَاتَ نَابٍ تَفْتَرِسُ بِهِ، وَلَمْ يَرِدْ نَصٌّ بِتَحْرِيمِهَا، فَهَذِهِ الْمَنَاطَاتُ تَسْتَوْجِبُ حِلَّهَا كَمَا سَيُرَى فِي الأَْنْوَاعِ الْمُحَرَّمَةِ.
وَقَدْ أَكَلَهَا سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁ وَرَخَّصَ فِيهَا أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ وَعَطَاءٌ وَابْنُ الْمُسَيَّبِ وَاللَّيْثُ وَأَبُو ثَوْرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ (٣) .
النَّوْعُ الثَّالِثُ: الْحَيَوَانَاتُ الْمُفْتَرِسَةُ:
٢٤ - الْمُرَادُ بِالْحَيَوَانَاتِ الْمُفْتَرِسَةِ: كُل دَابَّةٍ لَهَا نَابٌ يَفْتَرِسُ بِهِ، سَوَاءٌ أَكَانَتْ أَهْلِيَّةً كَالْكَلْبِ وَالسِّنَّوْرِ الأَْهْلِيِّ، (٤) أَمْ وَحْشِيَّةً كَالأَْسَدِ وَالذِّئْبِ وَالضَّبُعِ وَالنَّمِرِ وَالْفَهْدِ وَالثَّعْلَبِ وَالسِّنَّوْرِ الْوَحْشِيِّ وَالسِّنْجَابِ وَالْفَنَكِ وَالسَّمُّورِ وَالدُّلُقِ (وَهُوَ أَبُو مُقْرِضٍ) وَالدُّبِّ وَالْقِرْدِ وَابْنِ آوَى وَالْفِيل.
وَحُكْمُهَا: أَنَّهَا لاَ يَحِل شَيْءٌ مِنْهَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ
_________
(١) المروة واحدة المرو، وهي: حجارة بيض رقاق براقة تقدح منها النار، (ر: المعجم الوسيط) وقد يكون لها حد صالح للقطع كالسكين.
(٢) حديث: محمد بن صفوان " صدت أرنين فذبحتهما بمروة. . . " أخرجه أبو داود (٣ / ٢٤٩ - ط عزت عبيد دعاس) وابن ماجه (٢ / ١٠٨٠ - ط الحلبي)، وصححه البخاري كما في نصب الراية (٤ / ٢٠١ - ط المجلس العلمي) .
(٣) البدائع ٥ / ٣٩، والشرح الصغير للدردير ١ / ٣٢٢، ونهاية المحتاج ٨ / ١٤٣، والشرح الكبير بأسفل المغني لابن قدامة ١١ / ٨١ و٨٢، والمحلى لابن حزم ٧ / ٤٣٢، والبحر الزخار ٤ / ٣٢٥.
(٤) السنور: هو الهر، أي القط.