الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٥ الصفحة 23

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٥

صَرِيحٌ فِي أَنَّ الْغَلَبَةَ كَافِيَةٌ هُنَا كَمَا هُوَ وَاضِحٌ. وَتَمَامُ الْكَلاَمِ عَلَى ذَلِكَ فِي الْمُلْحَقِ الأُْصُولِيِّ، وَمُصْطَلَحِ (عَادَةٌ) .

هَذَا، وَقَدْ يَحْدُثُ أَنْ يَطَّرِدَ الْعَمَل بِأَمْرَيْنِ، يَتَعَارَفُهُمَا النَّاسُ، قَدْ يَكُونَانِ مُتَضَادَّيْنِ، كَأَنْ يَتَعَارَفَ بَعْضُهُمْ قَبْضَ الصَّدَاقِ قَبْل الدُّخُول، وَيَتَعَارَفَ بَعْضُهُمُ الآْخَرُ غَيْرُ ذَلِكَ. مِنْ غَيْرِ غَلَبَةٍ لأَِحَدِهِمَا، فَيُسَمَّى ذَلِكَ بِالْعُرْفِ الْمُشْتَرَكِ. (١)

وَمَوْطِنُ تَفْصِيلِهِ عِنْدَ الْكَلاَمِ عَلَى (الْعُرْفِ) .

مَوَاطِنُ الْبَحْثِ:

٨ - يَذْكُرُ الأُْصُولِيُّونَ الاِطِّرَادَ عِنْدَ الْكَلاَمِ عَلَى مَسَالِكِ الْعِلَّةِ مِنْ بَابِ الْقِيَاسِ، بِاعْتِبَارِهِ مَسْلَكًا مِنْ مَسَالِكِهَا، كَمَا يَذْكُرُهُ الْفُقَهَاءُ وَالأُْصُولِيُّونَ عِنْدَ الْكَلاَمِ عَلَى الْقَاعِدَةِ الْفِقْهِيَّةِ: " الْعَادَةُ مُحَكَّمَةٌ ".

وَذَكَرَ الأُْصُولِيُّونَ فِي كَلاَمِهِمْ عَلَى الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ، أَنَّ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيَّ يَلْزَمُ فِيهِ اطِّرَادُ مَا يَدُل عَلَيْهِ مِنَ الْحَقِيقَةِ فِي جَمِيعِ جُزْئِيَّاتِهِ، وَأَنَّ عَدَمَ الاِطِّرَادِ مِمَّا يُعْرَفُ بِهِ الْمَجَازُ. (٢)

إِطْعَامٌ

التَّعْرِيفُ:

١ - الإِْطْعَامُ لُغَةً - إِعْطَاءُ الطَّعَامِ لآِكِلِهِ (٣) وَلاَ

_________

(١) رسائل ابن عابدين ٢ / ٢٦ ط المكتبة الهاشمية بدمشق.

(٢) شرح جمع الجوامع للمحلي ١ / ٣٢٣.

(٣) تاج العروس ولسان العرب والصحاح، والمصباح والمغرب في مادة (طعم) .

يَخْرُجُ اسْتِعْمَال الْفُقَهَاءِ عَنْ هَذَا الْمَعْنَى.

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:

أ - التَّمْلِيكُ:

٢ - تَمْلِيكُ الشَّيْءِ جَعْلُهُ مِلْكًا لِلْغَيْرِ. (١) وَعَلَى هَذَا قَدْ يَكُونُ الإِْطْعَامُ تَمْلِيكًا فَيَتَّفِقَانِ، وَقَدْ يَكُونُ الإِْطْعَامُ إِبَاحَةً فَيَفْتَرِقَانِ. كَمَا أَنَّ التَّمْلِيكَ قَدْ يَكُونُ تَمْلِيكًا لِلطَّعَامِ، وَقَدْ يَكُونُ تَمْلِيكًا لِغَيْرِهِ.

ب - الإِْبَاحَةُ:

٣ - الإِْبَاحَةُ لُغَةً: الإِْظْهَارُ وَالإِْعْلاَنُ، مِنْ قَوْلِهِمْ: أَبَاحَ السِّرَّ: أَعْلَنَهُ، وَقَدْ يَرِدُ بِمَعْنَى الإِْذْنِ وَالإِْطْلاَقِ يُقَال: أَبَحْتُهُ كَذَا إِذَا أَطْلَقْتُهُ. وَاصْطِلاَحًا، يُرَادُ بِهَا الإِْذْنُ بِإِتْيَانِ الْفِعْل أَوْ تَرْكِهِ. (٢) وَعَلَى هَذَا قَدْ يَكُونُ الإِْطْعَامُ إِبَاحَةً فَيَجْتَمِعَانِ فِي وَجْهٍ، وَقَدْ يَكُونُ تَمْلِيكًا فَيَفْتَرِقَانِ فِي وَجْهٍ آخَرَ، وَقَدْ تَكُونُ الإِْبَاحَةُ لِلطَّعَامِ أَوْ لِغَيْرِهِ.

حُكْمُهُ التَّكْلِيفِيُّ:

٤ - يَجِبُ الإِْطْعَامُ عَلَى الْمُكَلَّفِ فِي الدِّيَةِ وَالْكَفَّارَاتِ، وَحَالاَتِ الضَّرُورَةِ، كَسَدِّ الرَّمَقِ وَيُنْدَبُ فِي الصَّدَقَاتِ وَالْقُرُبَاتِ، كَالإِْطْعَامِ فِي الأُْضْحِيَّةِ. وَيُسْتَحَبُّ فِي أُمُورٍ، مِنْهَا النِّكَاحُ وَالْعَقِيقَةُ وَالْخِتَانُ. وَتَحْرُمُ فِي أُمُورٍ: مِنْهَا إِطْعَامُ الظَّلَمَةِ وَالْعُصَاةِ لِلْمُسَاعَدَةِ عَلَى الظُّلْمِ وَالْعِصْيَانِ،

_________

(١) لسان العرب وتاج العروس في مادة (ملك) .

(٢) لسان العرب والصحاح، ودستور العلماء والتهانوي في مادة (أباح) .

وَسَيَأْتِي تَفْصِيل ذَلِكَ.

أَسْبَابُ الإِْطْعَامِ الْمَطْلُوبِ شَرْعًا:

أ - الاِحْتِبَاسُ:

٥ - احْتِبَاسُ الزَّوْجَةِ سَبَبٌ مِنْ أَسْبَابِ النَّفَقَةِ الْمُتَضَمِّنَةِ لِلإِْطْعَامِ، لِلْقَاعِدَةِ الْفِقْهِيَّةِ: النَّفَقَةُ نَظِيرُ الاِحْتِبَاسِ (١)، وَكَذَا الْحُكْمُ فِي احْتِبَاسِ الْعَجْمَاوَاتِ، لأَِنَّ حَبْسَهَا بِدُونِ طَعَامٍ هَلاَكٌ يَسْتَوْجِبُ الْعِقَابَ، لِقَوْل الرَّسُول ﷺ: دَخَلَتِ امْرَأَةٌ النَّارَ فِي هِرَّةٍ رَبَطَتْهَا فَلَمْ تُطْعِمْهَا وَلَمْ تَدَعْهَا تَأْكُل مِنْ خَشَاشِ الأَْرْضِ. (٢)

أَمَّا إِطْعَامُ الْمَحْبُوسِ فِي التُّهْمَةِ، مِثْل حَبْسِ السَّارِقِ حَتَّى يَسْأَل الشُّهُودَ، وَالْمُرْتَدِّ حَتَّى يَتُوبَ، فَإِنَّهُ يُطْعَمُ مِنْ مَالِهِ، لاَ خِلاَفَ فِي هَذَا بَيْنَ الْفُقَهَاءِ إِذَا كَانَ لَهُ مَالٌ، غَيْرَ أَنَّ الشَّافِعِيَّةَ أَجَازُوا الإِْنْفَاقَ عَلَيْهِ مِنْ بَيْتِ الْمَال إِذَا تَيَسَّرَ ذَلِكَ. (٣) وَإِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ أُنْفِقَ عَلَيْهِ مِنْ بَيْتِ الْمَال وُجُوبًا كَمَا سَيَأْتِي.

ب - الاِضْطِرَارُ:

٦ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ إِطْعَامَ الْمُضْطَرِّ وَاجِبٌ، فَإِذَا أَشْرَفَ عَلَى الْهَلاَكِ مِنَ الْجُوعِ أَوِ الْعَطَشِ، وَمَنَعَهُ مَانِعٌ فَلَهُ أَنْ يُقَاتِل لِيَحْصُل عَلَى مَا يَحْفَظُ حَيَاتَهُ، لِمَا رُوِيَ عَنِ الْهَيْثَمِ: أَنَّ قَوْمًا وَرَدُوا مَاءً

_________

(١) قليوبي وعميرة ٤ / ٧٤، والمغني ٧ / ٦٠١، والاختيار ٤ / ٢ ط المعرفة.

(٢) حديث: " دخلت امرأة النار. . . . . " أخرجه البخاري من حديث ابن عمر ﵄ مرفوعا (فتح الباري ٦ / ٣٥٦ ط السلفية) .

(٣) الدسوقي ٤ / ٣٠٤، وبدائع الصنائع ٦ / ٤٤٧٧ ط الإمام، وقليوبي ٤ / ٣٠٢، والمغني ٨ / ١٢٥، وروح المعاني ١٩ / ١٥٦ ط المنيرية، والقرطبي ١٩ / ١٢٧.

فَسَأَلُوا أَهْلَهُ أَنْ يَدُلُّوهُمْ عَلَى بِئْرٍ فَأَبَوْا، فَسَأَلُوهُمْ أَنْ يُعْطُوهُمْ دَلْوًا فَأَبَوْا، فَقَالُوا لَهُمْ: إِنَّ أَعْنَاقَنَا وَأَعْنَاقَ مَطَايَانَا قَدْ كَادَتْ أَنْ تَتَقَطَّعَ فَأَبَوْا أَنْ يُعْطُوهُمْ، فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِعُمَرَ ﵁. فَقَال لَهُمْ عُمَرُ: فَهَلاَّ وَضَعْتُمْ فِيهِمُ السِّلاَحَ (١) . قَال الْفُقَهَاءُ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ لَهُمْ فِي الْمَاءِ حَقَّ الشَّفَةِ وَكَذَلِكَ الطَّعَامُ. (٢) وَلِلتَّفْصِيل يُنْظَرُ (اضْطِرَارٌ) (وَضَرُورَةٌ) .

ج - الإِْكْرَامُ:

٧ - يُنْدَبُ الإِْطْعَامُ لإِكْرَامِ الضَّيْفِ، وَصِلَةِ الرَّحِمِ، وَبِرِّ الْجَارِ وَإِضَافَةِ الصِّدِّيقِ، وَأَهْل الْخَيْرِ وَالْفَضْل وَالتَّقْوَى، لِقَوْلِهِ تَعَالَى فِي ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ: ﴿هَل أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ﴾ (٣) وَلِقَوْلِهِ ﷺ: مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الآْخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الآْخِرِ فَلْيَصِل رَحِمَهُ. (٤) كَمَا يُسَنُّ فِي أُمُورٍ تَدْخُل فِي بَابِ الإِْكْرَامِ كَالأُْضْحِيَّةِ وَالْوَلِيمَةِ.

الإِْطْعَامُ فِي الْكَفَّارَاتِ

٨ - الإِْطْعَامُ نَوْعٌ مِنَ الأَْنْوَاعِ الْوَاجِبَةِ فِي الْكَفَّارَةِ، يُقَدَّمُ تَارَةً كَمَا فِي كَفَّارَةِ الأَْيْمَانِ، وَيُؤَخَّرُ تَارَةً كَمَا فِي

_________

(١) الأثر عن عمر بن الخطاب ﵁ أورده أبو يوسف في كتاب الخراج بهذا المعنى (الخراج ص ٩٧ ط السفية ١٣٨٢ هـ) .

(٢) ابن عابدين ٥ / ٢٨٣ ط بولاق، والمبسوط ٢٣ / ١٦٦ ط المعرفة، وحاشية الدسوقي ٤ / ٢٤٢، والمغني ٩ / ٥٨٠، وقليوبي وعميرة ٣ / ٩٦، ٩٧.

(٣) سورة الذارايات / ٢٤.

(٤) حديث: " من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه ". أخرجه البخاري من حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعا (فتح الباري ١٠ / ٥٣٢ ط السلفية) .

كَفَّارَةِ الظِّهَارِ، وَكَذَا الْفِطْرُ فِي رَمَضَانَ عَلَى خِلاَفٍ لِلْمَالِكِيَّةِ فِيهِ.

الْكَفَّارَاتُ الَّتِي فِيهِمَا إِطْعَامٌ:

أ - كَفَّارَةُ الصَّوْمِ:

٩ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى وُجُوبِ الإِْطْعَامِ فِي كَفَّارَةِ الْفِطْرِ فِي صَوْمِ رَمَضَانَ أَدَاءً، غَيْرَ أَنَّ الشَّافِعِيَّةَ وَالْحَنَابِلَةَ قَصَرُوهُ عَلَى مَنْ جَامَعَ فِي رَمَضَانَ عَامِدًا، دُونَ مَنْ أَفْطَرَ فِيهِ بِغَيْرِ الْجِمَاعِ، وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي رُتْبَتِهِ تَقْدِيمًا وَتَأْخِيرًا.

فَقَال الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ بِتَأْخِيرِهِ عَنِ الإِْعْتَاقِ وَالصِّيَامِ، وَقَال الْمَالِكِيَّةُ بِالتَّخْيِيرِ بَيْنَ الأَْنْوَاعِ الثَّلاَثَةِ: الإِْعْتَاقِ وَالصِّيَامِ وَالإِْطْعَامِ (١) . وَتَفْصِيلُهُ فِي الْكَفَّارَاتِ.

ب - كَفَّارَةُ الْيَمِينِ:

١٠ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ فِي وُجُوبِ الإِْطْعَامِ فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ بِاَللَّهِ تَعَالَى إِذَا حَنِثَ فِيهَا عَلَى التَّخْيِيرِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْكِسْوَةِ وَتَحْرِيرِ الرَّقَبَةِ، فَإِنْ عَجَزَ فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ، (٢) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لاَ يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَْيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ. . .﴾ (٣)

_________

(١) الطحطاوي على مراقي الفلاح ص ٣٦٦، والشرح الصغير ١ / ٧٠٧، والاختيار ١ / ١٣١، والإقناع ١ / ٢٢١، والوجيز ١ / ١٠٤، وقليوبي ٢ / ٦٦، وكشاف القناع ٢ / ٣٣٤.

(٢) ابن عابدين ٣ / ٦٠، والاختيار ٤ / ٨٤، وجواهر الإكليل ١ / ٢٢٨ ط المعرفة، وقليوبي ٤ / ٢٧٤، والمغني ٨ / ٧٤٩.

(٣) سورة المائدة / ٨٩.

ج - كَفَّارَةُ الظِّهَارِ:

١١ - إِذَا ظَاهَرَ الرَّجُل مِنِ امْرَأَتِهِ بِأَنْ قَال لَهَا: أَنْتِ كَظَهْرِ أُمِّي، لَزِمَتْهُ الْكَفَّارَةُ بِالْعَوْدِ. وَمِنْ أَنْوَاعِهَا الإِْطْعَامُ عِنْدَ عَدَمِ اسْتِطَاعَتِهِ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ أَوْ صِيَامُ شَهْرَيْنِ، عَلَى هَذَا اتَّفَقَ أَهْل الْعِلْمِ، فَلاَ يُجْزِئُ إِلاَّ هَذَا التَّرْتِيبُ (١)، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاَلَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْل أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاَللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْل أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا. .﴾ (٢)

مِقْدَارُ الإِْطْعَامِ الْوَاجِبِ فِي الْكَفَّارَةِ:

١٢ - قَال الْحَنَفِيَّةُ: يَجِبُ لِكُل فَقِيرٍ نِصْفُ صَاعٍ مِنْ بُرٍّ، أَوْ صَاعٌ كَامِلٌ مِنْ تَمْرٍ أَوْ شَعِيرٍ. وَالدَّقِيقُ مِنَ الْبُرِّ أَوِ الشَّعِيرِ بِمَنْزِلَةِ أَصْلِهِ، وَكَذَا السَّوِيقُ، وَهَل يُعْتَبَرُ تَمَامُ الْكَيْل أَوِ الْقِيمَةِ فِي كُلٍّ مِنَ الدَّقِيقِ وَالسَّوِيقِ؟ . فِي ذَلِكَ رَأْيَانِ. (٣) وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: يَجِبُ لِكُل فَقِيرٍ مُدٌّ مِنْ بُرٍّ، أَوْ مِقْدَارُ مَا يَصْلُحُ لِلإِْشْبَاعِ مِنْ بَقِيَّةِ الأَْقْوَاتِ التِّسْعَةِ، وَهِيَ الْقَمْحُ وَالشَّعِيرُ وَالسُّلْتُ، (٤) وَالذُّرَةُ، وَالدُّخْنُ، وَالأَْرُزُّ، وَالتَّمْرُ وَالزَّبِيبُ، وَالأَْقِطُ. (٥)

_________

(١) الاختيار ٣ / ١٦٣، وابن عابدين ٢ / ٥٧٨، ٥٨٢، وجواهر الإكليل ١ / ٣٧٨، وقليوبي وعميرة ٤ / ٢١، والمغني ٧ / ٣٥٩ ط السعودية.

(٢) سورة المجادلة / ٣ - ٤.

(٣) ابن عابدين ٢ / ٥٨٢.

(٤) السلت: بضم السين، قال الأزهري: حب بين الحنطة والشعير ولا قشر له. المصباح المنير مادة (سلت) .

(٥) جواهر الإكليل ١ / ٢٢٨، والأقط: قال الزهري: يتخذ من اللبن المخيض، يطبخ ثم يترك حتى يمصل. المصباح المنير مادة (أقط) .

وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: يَجِبُ لِكُل فَقِيرٍ مُدٌّ وَاحِدٌ مِنْ غَالِبِ قُوتِ الْبَلَدِ مِمَّا ذُكِرَ مِنَ الأَْصْنَافِ السَّابِقَةِ أَوْ غَيْرِهَا (١) . وَقَال الْحَنَابِلَةُ: يَجِبُ لِكُل مِسْكِينٍ مُدٌّ مِنْ بُرٍّ أَوْ نِصْفِ صَاعٍ مِنْ شَعِيرٍ أَوْ تَمْرٍ أَوْ زَبِيبٍ أَوْ أَقِطٍ، وَيُجْزِئُ دَقِيقٌ وَسَوِيقٌ بِوَزْنِ الْحَبِّ، سَوَاءٌ أَكَانَ مِنْ قُوتِ الْبَلَدِ أَوْ لاَ، وَقَال أَبُو الْخَطَّابِ مِنْهُمْ: يُجْزِئُ كُل أَقْوَاتِ الْبَلَدِ، وَالأَْفْضَل عِنْدَهُمْ إِخْرَاجُ الْحَبِّ. (٢)

الإِْبَاحَةُ وَالتَّمْلِيكُ فِي الْكَفَّارَاتِ:

١٣ - التَّمْلِيكُ هُوَ إِعْطَاءُ الْمِقْدَارِ الْوَاجِبِ فِي الإِْطْعَامِ، لِيَتَصَرَّفَ فِيهِ الْمُسْتَحِقُّ تَصَرُّفَ الْمُلاَّكِ.

وَالإِْبَاحَةُ هِيَ تَمْكِينُ الْمُسْتَحِقِّ مِنْ تَنَاوُل الطَّعَامِ الْمُخْرَجِ فِي الْكَفَّارَةِ. كَأَنْ يُغَدِّيَهُمْ وَيُعَشِّيَهُمْ، أَوْ يُغَدِّيَهُمْ غَدَاءَيْنِ أَوْ يُعَشِّيَهُمْ عَشَاءَيْنِ. وَقَدْ أَجَازَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ التَّمْلِيكَ وَالإِْبَاحَةَ فِي الإِْطْعَامِ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ، وَأَجَازَ الْحَنَفِيَّةُ مُنْفَرِدِينَ الْجَمْعَ بَيْنَهَا، لأَِنَّهُ جَمْعٌ بَيْنَ جَائِزَيْنِ، وَالْمَقْصُودُ سَدُّ الْخُلَّةِ، كَمَا أَجَازُوا دَفْعَ الْقِيمَةِ سَوَاءٌ أَكَانَتْ مَالًا أَمْ غَيْرَهُ.

وَقَال الشَّافِعِيَّةُ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: يَجِبُ التَّمْلِيكُ وَلاَ تُجْزِئُ الإِْبَاحَةُ، فَلَوْ غَدَّى الْمَسَاكِينَ أَوْ عَشَّاهُمْ لاَ يُجْزِئُ، لأَِنَّ الْمَنْقُول عَنِ الصَّحَابَةِ الإِْعْطَاءُ، وَلأَِنَّهُ مَالٌ وَاجِبٌ لِلْفُقَرَاءِ شَرْعًا، فَوَجَبَ تَمْلِيكُهُمْ إِيَّاهُ كَالزَّكَاةِ (٣) .

_________

(١) قليوبي وعميرة ٤ / ٢٧، ٢٧٤.

(٢) المغني ٧ / ٣٦٩، ٣٧٠، ٣٧٥.

(٣) المراجع السابقة مع كشاف القناع ٥ / ٣٨٨ ط النصر الحديثة.

الإِْطْعَامُ فِي الْفِدْيَةِ:

أ - فِدْيَةُ الصِّيَامِ:

١٤ - اتَّفَقَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ - وَهُوَ الْمَرْجُوحُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ - عَلَى أَنَّهُ يُصَارُ إِلَى الْفِدْيَةِ فِي الصِّيَامِ عِنْدَ الْيَأْسِ مِنْ إِمْكَانِ قَضَاءِ الأَْيَّامِ الَّتِي أَفْطَرَهَا لِشَيْخُوخَةٍ لاَ يَقْدِرُ مَعَهَا عَلَى الصِّيَامِ، أَوْ مَرَضٍ لاَ يُرْجَى بُرْؤُهُ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ (١) وَالْمُرَادُ مَنْ يَشُقُّ عَلَيْهِمُ الصِّيَامُ.

وَالْمَشْهُورُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّهُ لاَ فِدْيَةَ عَلَيْهِ (٢) .

ب - الإِْطْعَامُ فِي فِدْيَةِ الصَّيْدِ:

١٥ - يُخَيَّرُ الْمُحْرِمُ إِذَا قَتَل صَيْدًا بَيْنَ ثَلاَثَةِ أَشْيَاءَ: إِمَّا شِرَاءُ هَدْيٍ بِالْقِيمَةِ وَذَبْحُهُ، أَوِ الإِْطْعَامُ بِالْقِيمَةِ، أَوِ الصِّيَامُ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْل مَا قَتَل مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةُ طَعَامِ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْل ذَلِكَ صِيَامًا﴾ (٣) وَمَنْ قَتَل مَا لَيْسَ لَهُ مِثْلٌ أَوْ قِيمَةٌ كَالْجَرَادِ وَالْقَمْل، تَصَدَّقَ بِمَا شَاءَ كَحَفْنَةٍ مِنْ طَعَامٍ لِلْوَاحِدَةِ وَحَفْنَتَيْنِ لِلاِثْنَتَيْنِ. (٤) وَهَذَا فِي الْجُمْلَةِ، وَيُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ - (إِحْرَامٌ) - (فِدْيَةٌ) .

_________

(١) سورة البقرة / ١٨٤.

(٢) الاختيار ١ / ١٣٥، وقليوبي وعميرة ٢ / ٦٧، والمغني ٧ / ٣٦٩ ط الرياض، والمواق ٢ / ٤١٤.

(٣) سورة المائدة / ٩٥.

(٤) الاختيار ١ / ١٦٥، والوجيز ١ / ١٢٧، وجواهر الإكليل ١ / ١٩٨، وكشاف القناع ٢ / ٤٦٣.

الإِْطْعَامُ فِي النَّفَقَاتِ:

الإِْطْعَامُ فِي حَالاَتِ الضَّرُورَةِ:

١٦ - يَرَى الْفُقَهَاءُ وُجُوبَ إِطْعَامِ الْمُضْطَرِّ الْمُشْرِفِ عَلَى الْهَلاَكِ، لأَِنَّ فِيهِ إِحْيَاءً لِنَفْسٍ مَعْصُومَةٍ. فَإِنْ كَانَ الطَّعَامُ مِمَّا يُبَاعُ أَعْطَاهُ بِثَمَنِ الْمِثْل لَيْسَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ، وَإِنْ أَخَذَهُ بِغَيْرِ إِذْنِ صَاحِبِهِ جَازَ. وَضَمِنَهُ لَهُ، إِذِ الْقَاعِدَةُ الشَّرْعِيَّةُ: أَنَّ الاِضْطِرَارَ لاَ يُسْقِطُ الضَّمَانَ.

الاِمْتِنَاعُ عَنْ إِطْعَامِ الْمُضْطَرِّ:

١٧ - إِذَا فَقَدَ الْمُضْطَرُّ الطَّعَامَ وَأَشْرَفَ عَلَى الْهَلاَكِ وَلَمْ يَجِدْ إِلاَّ طَعَامًا لِغَيْرِهِ، فَإِنْ كَانَ صَاحِبُ الطَّعَامِ مُضْطَرًّا إِلَيْهِ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ وَلَمْ يَجُزْ لأَِحَدٍ أَنْ يَأْخُذَهُ مِنْهُ، لأَِنَّهُ سَاوَاهُ فِي الضَّرُورَةِ وَانْفَرَدَ بِالْمِلْكِ، فَأَشْبَهَ غَيْرَ حَال الضَّرُورَةِ، وَإِنْ أَخَذَهُ مِنْهُ أَحَدٌ فَمَاتَ أَثِمَ وَضَمِنَ دِيَتَهُ، لأَِنَّهُ قَتَلَهُ بِغَيْرِ حَقٍّ، فَإِذَا لَمْ يَكُنِ الْمَالِكُ مُضْطَرًّا إِلَى الطَّعَامِ لَزِمَهُ بَذْلُهُ لِلْمُضْطَرِّ، لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، قُلْنَا: يَا رَسُول اللَّهِ، مَا يَحِل لأَِحَدِنَا مِنْ مَال أَخِيهِ إِذَا اضْطُرَّ إِلَيْهِ؟ قَال: يَأْكُل وَلاَ يَحْمِل، وَيَشْرَبُ وَلاَ يَحْمِل (١) . فَإِنْ مَنَعَهُ

_________

(١) حديث أبي هريرة: " قلنا يا رسول الله: ما يحل لأحدنا من مال أخيه إذا اضطر إليه؟ قال: يأكل ولا يحمل ويشرب ولا يحمل ". يدل عليه ما أخرجه الترمذي من حديث ابن عمر ﵄ مرفوعا بلفظ: " من دخل حائطا فليأكل ولا يتخذ خبنة " والحديث استغربه الترمذي، ونقل المباركفوري تضعيف البيهقي للحديث، وتعقبه بقول الحافظ بن حجر في الفتح: والحق أن مجموعها لا يقتصر عن درجة الصحيح، وقد احتجوا في كثير من الأحكام بما هو دونها (تحفة الأحوذي ٤ / ٥٠٩، ٥١٠ نشر السلفية) . كما يدل عليه ما أخرجه الترمذي وأبو داود من حدي وسنن أبي داود ٣ / ٨٩ ط استنبول) .

قَاتَل عَلَيْهِ بِغَيْرِ سِلاَحٍ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَبِسِلاَحٍ عِنْدَ غَيْرِهِمْ. فَإِنْ قُتِل الْمُضْطَرُّ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَعَلَى قَاتِلِهِ ضَمَانُهُ، وَإِنْ قَتَل صَاحِبَهُ فَهُوَ هَدَرٌ. (١) وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي (قِصَاصٌ) .

تَحْدِيدُ الإِْطْعَامِ فِي النَّفَقَةِ:

١٨ - النَّفَقَةُ الْوَاجِبَةُ قَدْ تَكُونُ عَيْنًا وَقَدْ تَكُونُ قِيمَةً، فَإِذَا كَانَتْ عَيْنًا فَالْوَاجِبُ مِنَ الإِْطْعَامِ - كَمَا فِي الْقِيمَةِ - يُعْتَبَرُ بِحَال الزَّوْجَيْنِ جَمِيعًا عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، وَهُوَ الْمُفْتَى بِهِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، فَإِنْ كَانَا مُوسِرَيْنِ فَإِطْعَامُ الْمُوسِرِينَ، وَإِنْ كَانَا مُتَوَسِّطَيْنِ فَإِطْعَامُ الْوَسَطِ، وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا مُعْسِرًا وَالآْخَرُ مُوسِرًا فَالتَّوَسُّطُ، وَإِنْ كَانَا مُعْسِرَيْنِ فَنَفَقَةُ الإِْعْسَارِ، وَيُعْتَبَرُ الْعُرْفُ فِي ذَلِكَ، وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ (٢) وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى اعْتِبَارِ حَال الزَّوْجِ فَقَطْ، وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ﴾ (٣) الآْيَةَ.

_________

(١) المبسوط ٢٣ / ١٦٦، ابن عابدين ٥ / ٢٨٣، ٣٤٩، والاختيار ٤ / ١٧٥، وحاشية الدسوقي ٤ / ٢٤٢ ط دار الفكر، وقليوبي وعميرة ٤ / ٢٦٣، وحواشي التحفة ٨ / ٤٤٠ ط دار صادر، والجمل ٥ / ٧ ط إحياء التراث، والمغني مع الشرح ١١ / ٨٠ ط الكتاب العربي.

(٢) سورة المائدة / ٨٩.

(٣) سورة الطلاق / ٧.