الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٥
وَقَدْ أَجَازَ الْحَنَفِيَّةُ اسْتِبْدَال الْقِيمَةِ بِالإِْطْعَامِ. (١)
التَّوْسِعَةُ فِي الإِْطْعَامِ:
١٩ - يُنْدَبُ إِطْعَامُ الأَْقَارِبِ الْفُقَرَاءِ وَالْيَتَامَى وَالتَّوْسِعَةُ عَلَيْهِمْ، كَمَا يُنْدَبُ بَذْل الطَّعَامِ لِلْمَسَاكِينِ وَالْفُقَرَاءِ وَالْمُحْتَاجِينَ وَقْتَ الْقَحْطِ وَالْجُوعِ وَالْحَاجَةِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلاَ اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ فَكُّ رَقَبَةٍ أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ﴾ . (٢) وَقَوْلُهُ ﷺ: مِنْ مُوجِبَاتِ الرَّحْمَةِ إِطْعَامُ الْمُسْلِمِ السَّغْبَانِ. (٣) كَمَا يُنْدَبُ إِطْعَامُ الْغَرِيبِ إِذَا كَانَ ضَيْفًا أَوْ مُحْتَاجًا لِلإِْطْعَامِ، وَقَدِ اعْتَبَرَ الْقُرْآنُ عَدَمَ إِطْعَامِهِ لُؤْمًا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْل قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا﴾ (٤)
إِطْعَامُ الْمَسْجُونِ:
٢٠ - لاَ يُضَيَّقُ عَلَى الْمَحْبُوسِ بِالْجُوعِ أَوِ الْعَطَشِ، سَوَاءٌ أَكَانَ حَبْسُهُ لِرِدَّةٍ أَمْ دَيْنٍ أَمْ أَسْرٍ، لِقَوْل عُمَرَ فِي
_________
(١) ابن عابدين ٢ / ٦٤٨، ٦٥٥، ٦٧٠، ٦٧٢، ٦٧٧، ٦٧٨، ٦٨٣، ٦٨٨، وحاشية الدسوقي ٢ / ٥٠٩، ٥٢٢، ٥٢٦، والمغني ٧ / ٥٦٤، ٥٦٥، ٥٦٧، ٥٨٢، وقليوبي وعميرة ٤ / ٧٠، ٨٤.
(٢) سورة البلد / ١١ - ١٦.
(٣) القرطبي ٢٠ / ٦٩، والفخر الرازي ٣١ / ١٨٥ وحديث: " من موجبات الرحمة إطعام المسلم السغبان ". أخرجه الحاكم من حديث جابر بن عبد الله ﵄ مرفوعا بلفظ: " من موجبات المغفرة إطعام المسلم السغبان " قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه وأقره الذهبي قال المناوي: في إسناده طلحة وهو (المستدرك ٢ / ٥٢٤ نشر دار الكتاب العربي، وفيض القدير ٦ / ١٧ ط المكتبة التجارية) .
(٤) سورة الكهف / ٧٧، وابن عابدين ٢ / ١١٣، والحطاب ٢ / ٤٠٥، وكشاف القناع ٢ / ٣٣٩، والمجموع ٦ / ٣٨٢.
الْمَحْبُوسِ لِلرِّدَّةِ: فَهَلاَّ حَبَسْتُمُوهُ ثَلاَثًا فَأَطْعَمْتُمُوهُ كُل يَوْمٍ رَغِيفًا وَاسْتَتَبْتُمُوهُ ". (١) وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾ (٢) قَال مُجَاهِدٌ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَعَطَاءٌ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ إِطْعَامَ أَهْل الْحُبُوسِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ حَسَنٌ وَقُرْبَى إِلَى اللَّهِ تَعَالَى. هَذَا إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ، فَإِنْ كَانَ لَهُ مَالٌ يُطْعَمُ مِنْ مَالِهِ، كَمَا تَقَدَّمَ. (٣)
إِطْعَامُ الْحَيَوَانِ الْمُحْتَبَسِ:
٢١ - يَجُوزُ حَبْسُ حَيَوَانٍ لِنَفْعٍ، كَحِرَاسَةٍ وَسَمَاعِ صَوْتٍ وَزِينَةٍ، وَعَلَى حَابِسِهِ إِطْعَامُهُ وَسَقْيُهُ لِحُرْمَةِ الرُّوحِ وَيَقُومُ مَقَامَهُ التَّخْلِيَةُ لِلْحَيَوَانَاتِ لِتَرْعَى وَتَرِدُ الْمَاءَ إِنْ أَلِفَتْ ذَلِكَ، فَإِنْ لَمْ تَأْلَفْهُ فُعِل بِهَا مَا تَأْلَفُهُ، لِقَوْل الرَّسُول ﷺ: عُذِّبَتِ امْرَأَةٌ فِي هِرَّةٍ سَجَنَتْهَا حَتَّى مَاتَتْ فَدَخَلَتْ فِيهَا النَّارَ، لاَ هِيَ أَطْعَمَتْهَا وَسَقَتْهَا إِذْ حَبَسَتْهَا، وَلاَ هِيَ تَرَكَتْهَا تَأْكُل مِنْ خَشَاشِ الأَْرْضِ (٤) فَإِنِ امْتَنَعَ أُجْبِرَ عَلَى بَيْعِهِ أَوْ عَلَفِهِ أَوْ ذَبْحِ مَا يُذْبَحُ مِنْهُ. فَإِنْ لَمْ يَفْعَل نَابَ الْحَاكِمُ عَنْهُ فِي ذَلِكَ عَلَى
_________
(١) الأثر عن عمر ﵁، أخرجه مالك والبيهقي (الموطأ ٢ / ٧٣٧ ط عيسى الحلبي، والسنن الكبرى للبيهقي ٨ / ٢٠٦، ٢٠٧ ط الهند) .
(٢) سورة الإنسان / ٩.
(٣) روح المعاني ١٩ / ١٥٦ ط المنيرية، والدسوقي ٤ / ٣٠٤، والمغني ٨ / ١٢٥، والقرطبي ١٩ / ١٢٧، وبدائع الصنائع ٦ / ٤٤٧٧.
(٤) حديث: " عذبت امرأة في هرة. . . . " أخرجه البخاري ومسلم. واللفظ له من حديث عبد الله بن عمر ﵄ مرفوعا (فتحج الباري ٦ / ٣٥٦ ط السلفية، وصحيح مسلم ٤ / ١٧٦٠ ط عيسى الحلبي) .
مَا يَرَاهُ. وَهَذَا رَأْيُ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، وَهُوَ الرَّأْيُ الرَّاجِحُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ، وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ تَجْرِي فِيهَا دَعْوَى الْحِسْبَةِ. (١)
الإِْطْعَامُ مِنَ الأُْضْحِيَّةِ:
٢٢ - يَنْبَغِي لِلْمُضَحِّي أَنْ يُطْعِمَ الأَْغْنِيَاءَ الثُّلُثَ، وَالْفُقَرَاءَ الثُّلُثَ، وَيَأْكُل الثُّلُثَ مِنْ أُضْحِيَّتِهِ، هَذَا هُوَ الأَْفْضَل عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، وَهُوَ رَأْيٌ لِلْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ. وَقِيل: الأَْفْضَل أَنْ يُطْعِمَهَا كُلَّهَا الْفُقَرَاءَ، وَهُوَ رَأْيٌ لِلْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ، وَيُنْظَرُ (أُضْحِيَّةٌ) .
وَهَدْيُ التَّطَوُّعِ وَالْمُتْعَةِ وَالْقِرَانِ فِي الْحَجِّ كَالأُْضْحِيَّةِ، لَهُ أَنْ يَأْكُل وَيُطْعِمَ، غَيْرَ أَنَّ الْمَالِكِيَّةَ اشْتَرَطُوا لِجَوَازِ أَكْلِهِ مِنْهُ أَلاَّ يَكُونَ قَدْ نَوَاهُ لِلْمَسَاكِينِ.
وَأَمَّا هَدْيُ الْفِدْيَةِ، وَجَزَاءِ الصَّيْدِ فَإِنَّهُ يُطْعِمُ الْفُقَرَاءَ فَقَطْ، وَلاَ يَأْكُل مِنْهُ (ر: هَدْيٌ) .
وَأَمَّا فِي النَّذْرِ فَإِذَا لَمْ يَنْوِهِ لِلْمَسَاكِينِ جَازَ لَهُ الأَْكْل مِنْهُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، وَعِنْدَ بَقِيَّةِ الْمَذَاهِبِ لاَ يَأْكُل مِنْهُ. (٢)
إِطْعَامُ أَهْل الْمَيِّتِ:
٢٣ - يُسْتَحَبُّ إِعْدَادُ طَعَامٍ لأَِهْل الْمَيِّتِ، يُبْعَثُ بِهِ إِلَيْهِمْ إِعَانَةً لَهُمْ وَجَبْرًا لِقُلُوبِهِمْ، فَإِنَّهُمْ شُغِلُوا بِمُصِيبَتِهِمْ وَبِمَنْ يَأْتِي إِلَيْهِمْ عَنْ إِصْلاَحِ طَعَامٍ لأَِنْفُسِهِمْ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ أَنَّهُ لَمَّا
_________
(١) ابن عابدين ٢ / ٦٨٨، والحطاب ٤ / ٢٠٦، وقليوبي وعميرة ٤ / ٩٤، والمغني ٧ / ٦٣٤.
(٢) الاختيار ١ / ١٧٣، والجمل ٢ / ٥٣٩، ٥٤٠، الدسوقي ٢ / ٨٩، ٩٠، والمغني لابن قدامة ٣ / ٥٤١، ٥٤٢.
جَاءَ نَعْيُ جَعْفَرٍ قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: اصْنَعُوا لأَِهْل جَعْفَرٍ طَعَامًا. فَإِنَّهُ قَدْ جَاءَهُمْ مَا يَشْغَلُهُمْ. (١) وَاشْتَرَطَ الْمَالِكِيَّةُ فِيمَنْ يُصْنَعُ لَهُمْ طَعَامٌ، أَلاَّ يَكُونُوا قَدِ اجْتَمَعُوا عَلَى نِيَاحَةٍ أَوْ غَيْرِهَا مِنَ الْمُحَرَّمَاتِ، وَإِلاَّ حَرُمَ إِرْسَال طَعَامٍ لَهُمْ، لأَِنَّهُمْ عُصَاةٌ، وَكَرِهَ الْفُقَهَاءُ إِطْعَامَ أَهْل الْمَيِّتِ لِلنَّاسِ، لأَِنَّ ذَلِكَ يَكُونُ فِي السُّرُورِ لاَ فِي الشُّرُورِ. (٢)
الْمُنَاسَبَاتُ الَّتِي يُسْتَحَبُّ الإِْطْعَامُ فِيهَا:
٢٤ - أ - النِّكَاحُ:
وَيُسَمَّى الإِْطْعَامُ فِيهِ وَفِي كُل سُرُورٍ وَلِيمَةً، وَاسْتِعْمَال هَذِهِ التَّسْمِيَةِ فِي الْعُرْسِ أَكْثَرُ.
ب - الْخِتَانُ:
وَيُطْلَقُ عَلَى الإِْطْعَامِ فِيهِ، إِعْذَارٌ أَوْ عَذِيرَةٌ أَوْ عَذِيرٌ.
ج - الْوِلاَدَةُ:
وَيُطْلَقُ عَلَى الإِْطْعَامِ فِيهَا، الْخُرْسُ أَوِ الْخُرْسَةُ.
د - الْبِنَاءُ لِلدَّارِ:
وَيُطْلَقُ عَلَى الإِْطْعَامِ فِيهِ: وَكِيرَةٌ.
هـ - قُدُومُ الْغَائِبِ:
قُدُومُ الْغَائِبِ مِنَ الْحَجِّ وَغَيْرِهِ وَيُطْلَقُ عَلَى الإِْطْعَامِ فِيهِ: نَقِيعَةٌ.
ولأَِجْل الْوَلَدِ:
وَيُطْلَقُ عَلَى الإِْطْعَامِ لَهُ، عَقِيقَةٌ. وَيُسْتَحَبُّ فِي الْعُرْسِ، أَنْ يُطْعِمَ شَاةً إِنْ أَمْكَنَ،
_________
(١) حديث: " اصنعوا لأهل جعفر. . . . . " أخرجه الترمذي وقال: هذا حديث حسن وصححه ابن السكن (تحفة الأحوذي ٤ / ٧٧، ٧٨ نشر السلفية) .
(٢) ابن عابدين ١ / ٦٠٣، والدسوقي ١ / ٤١٩، والمغني ٢ / ٥٥٠، وقليوبي ١ / ٣٥٣.
وَكَذَا يُسْتَحَبُّ عِنْدَ غَيْرِ الْحَنَفِيَّةِ أَنْ يَذْبَحَ عَنِ الصَّبِيِّ شَاتَيْنِ إِنْ أَمْكَنَ، فَإِنْ أَوْلَمَ بِغَيْرِ الشَّاةِ جَازَ، فَقَدْ أَوْلَمَ النَّبِيُّ ﷺ بِشَاةٍ، (١) وَأَوْلَمَ عَلَى صَفِيَّةَ بِحَيْسٍ (٢) وَأَوْلَمَ عَلَى بَعْضِ نِسَائِهِ بِمُدَّيْنِ مِنْ شَعِيرٍ. (٣) وَإِجَابَةُ طَعَامِ الْوَلِيمَةِ وَاجِبٌ لِمَنْ دُعِيَ إِلَيْهَا إِذَا لَمْ يُخَالِطْهَا حَرَامٌ، لِقَوْلِهِ ﷺ: إِذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ إِلَى الْوَلِيمَةِ فَلْيَأْتِهَا (٤) .
الْقُدْرَةُ عَلَى الإِْطْعَامِ:
٢٥ - مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ إِطْعَامٌ فِي كَفَّارَةِ يَمِينٍ أَوْ ظِهَارٍ أَوْ فِطْرٍ فِي رَمَضَانَ فَعَجَزَ عَنِ الإِْطْعَامِ، اسْتَقَرَّ ذَلِكَ فِي ذِمَّتِهِ، وَتَأَخَّرَ وُجُوبُ الأَْدَاءِ إِلَى وَقْتِ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ، لأَِنَّ إِيجَابَ الْفِعْل عَلَى الْعَاجِزِ مُحَالٌ، وَهَذَا بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ فِي غَيْرِ كَفَّارَةِ الْفِطْرِ فِي رَمَضَانَ، إِذْ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ وَمُقَابِل الأَْظْهَرِ لِلشَّافِعِيَّةِ تَسْقُطُ كَفَّارَةُ الْفِطْرِ فِي رَمَضَانَ عَمَّنْ عَجَزَ عَنْهَا، لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ
_________
(١) حديث: " فقد أولم النبي ﷺ بشاة " يدل عليه ما أخرجه البخاري من حديث أنس ﵁ بلفظ " ما أولم النبي ﷺ على شيء من نسائه ما أولم على زينب، أولم بشاة " (فتح الباري ٩ / ٢٣٢ ط السلفية) .
(٢) حديث: " أولم النبي ﷺ على صفية بحيس " أخرجه البخاري من حديث أنس ﵁ بلفظ " إن رسول الله ﷺ أعتق صفية وتزوجها، وجعل عنها صداقها وأولم عليها بحيس " (فتح الباري ٩ / ٢٣٢ ط السلفية) .
(٣) حديث: " أولم النبي ﷺ على بعض نسائه بمدين من شعير " أخرجه البخاري من حديث صفية بنت شيبة بلفظ " أولم النبي ﷺ على بعض نسائه بمدين من شعير " (فتح الباري ٩ / ٢٣٨ ط السلفية) .
(٤) ابن عابدين ٤ / ٢٢٢، والمغني ٤ / ٥٢٢، والدسوقي ٢ / ٢١٦، مع المراجع السابقة وحديث: " إذا دعي أحدكم إلى الوليمة فليأتها ". أخرجه البخاري ومسلم من حديث ابن عمر ﵄ مرفوعا. (فتح الباري ٩ / ٢٤٠ ط السلفية، وصحيح مسلم ٢ / ١٠٥٢ ط عيسى الحلبي) .
لِلأَْعْرَابِيِّ: خُذْهُ وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ وَأَطْعِمْ أَهْلَكَ (١) فَقَدْ أَمَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يُطْعِمَهُ أَهْلَهُ، وَلَمْ يَأْمُرْهُ بِكَفَّارَةٍ أُخْرَى، وَلاَ بَيَّنَ لَهُ بَقَاءَهَا فِي ذِمَّتِهِ. وَلاَ دَلِيل عَلَى التَّخْصِيصِ، بِخِلاَفِ الْكَفَّارَاتِ الأُْخْرَى، لِعُمُومِ أَدِلَّتِهَا لِلْوُجُوبِ حَال الإِْعْسَارِ، وَلأَِنَّهُ الْقِيَاسُ، وَقَدْ خُولِفَ فِي رَمَضَانَ لِلنَّصِّ. (٢) (ر - كَفَّارَةٌ) .
٢٦ - وَيُشْتَرَطُ فِيمَنْ يَجِبُ عَلَيْهِ الإِْطْعَامُ أَلاَّ يَكُونَ سَفِيهًا، لأَِنَّ السَّفِيهَ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ فِي مَالِهِ وَلاَ يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ فِيهِ، وَلَوْ صَدَرَ مِنْهُ مَا يُوجِبُ الإِْطْعَامَ فِي كَفَّارَةِ يَمِينٍ أَوْ ظِهَارٍ أَوْ فِدْيَةٍ فِي الْحَجِّ. فَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ يُكَفِّرُ بِالصَّوْمِ وَلاَ يُكَفِّرُ بِالإِْطْعَامِ، لأَِنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنْ مَالِهِ، وَرَأَى الْحَنَفِيَّةُ أَنَّ مَحْظُورَاتِ الإِْحْرَامِ الَّتِي لاَ يُجْزِئُ فِيهَا الصَّوْمُ يَلْزَمُهُ فِيهَا الدَّمُ، وَلَكِنْ لاَ يُمْكِنُ مِنَ التَّكْفِيرِ فِي الْحَال، بَل يُؤَخَّرُ إِلَى أَنْ يَصِيرَ رَشِيدًا مُصْلِحًا لِمَالِهِ، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْفَقِيرِ الَّذِي لاَ يَجِدُ مَالًا. وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ يَلْزَمُ مَا يَجِبُ عَلَيْهِ مِنْ إِطْعَامٍ فِي مَالِهِ. وَيَنْظُرُ وَلِيُّهُ فِيهِ بِوَجْهِ النَّظَرِ. (٣) وَيُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي (سَفَهٌ، وَكَفَّارَةٌ) .
_________
(١) حديث: " خذه واستغفر الله وأطعم أهلك " أخرجه البخاري من حديث أبي هريرة ﵁ بلفظ " أطعمه أهلك " وأخرجه مسلم بلفظ " اذهب فاطعمه أهلك " وأخرجه أبو داود بلفظ " كله أنت وأهل بيتك وصم يوما واستغفر الله ". (فتح الباري ٤ / ١٦٣ ط السلفية، وصحيح مسلم ٢ / ٧٨١، ٧٨٢ ط عيسى الحلبي، وسنن أبي داود ٢ / ٧٨٦ ط استنبول) .
(٢) بدائع الصنائع ٥ / ١١٢، ونهاية المحتاج ٣ / ١٩٨، والمهذب ١ / ١٩٢، وشرح منتهى الإرادات ١ / ٤٥٣ ط دار الفكر، ومنح الجليل ٤ / ٦٩٨، ٦٩٩.
(٣) ابن عابدين ٥ / ٩٣، ٩٤، والفتاوى الهندية ٥ / ٥٩، وفتح القدير ٨ / ١٩٩، ومنح الجليل ٣ / ١٧٤، ونهاية المحتاج ٤ / ٣٥٥، والمغني ٤ / ٥٢٣، ٥٢٤، ومنتهى الإرادات ٢ / ٢٧٨.
الإِْطْعَامُ عَنِ الْغَيْرِ:
٢٧ - الإِْطْعَامُ الَّذِي يَجِبُ عَلَى الْمُكَلَّفِ لِفِعْلٍ يُوجِبُ عَلَيْهِ ذَلِكَ يُعْتَبَرُ مِنَ الْعِبَادَاتِ الْمَالِيَّةِ،
وَالْعِبَادَاتُ الْمَالِيَّةُ تَقْبَل النِّيَابَةَ عَنِ الْمُكَلَّفِ، وَلِذَلِكَ مَنْ أَمَرَ غَيْرَهُ أَنْ يُطْعِمَ عَنْ ظِهَارِهِ فَفَعَل ذَلِكَ الْغَيْرُ صَحَّ.
وَهَذَا بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ مَعَ اخْتِلاَفِهِمْ فِيمَا لَوْ أَطْعَمَ إِنْسَانٌ عَنْ غَيْرِهِ بِدُونِ إِذْنِهِ، حَيْثُ صَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ بِأَنَّهُ لَوْ كَفَّرَ عَنِ الْحَانِثِ رَجُلٌ بِغَيْرِ أَمْرِهِ أَجْزَأَ عَنْهُ، لأَِنَّهَا مِنَ الأَْفْعَال الَّتِي يُقْصَدُ مِنْهَا مَصْلَحَةٌ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ فَاعِلِهَا فَلَمْ تَتَوَقَّفْ عَلَى النِّيَّةِ، قَال ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: أَحَبُّ إِلَيَّ أَلاَّ يُكَفِّرَ إِلاَّ بِأَمْرِهِ. (١)
إِطْعَامُ الزَّوْجَةِ مِنْ مَال زَوْجِهَا:
٢٨ - أَجَازَ الْفُقَهَاءُ لِلزَّوْجَةِ التَّصَدُّقَ بِالشَّيْءِ الْيَسِيرِ مِنْ بَيْتِ زَوْجِهَا مِنْ غَيْرِ إِذْنِهِ، لِحَدِيثِ السَّيِّدَةِ عَائِشَةَ ﵂ مَرْفُوعًا إِذَا أَنْفَقَتِ الْمَرْأَةُ مِنْ طَعَامِ بَيْتِهَا غَيْرَ مُفْسِدَةٍ كَانَ لَهَا أَجْرُهَا بِمَا أَنْفَقَتْ وَلِزَوْجِهَا أَجْرُهُ. بِمَا كَسَبَ (٢) وَلأَِنَّ الْعَادَةَ السَّمَاحُ وَطِيبُ النَّفْسِ بِهِ إِلاَّ أَنْ يَمْنَعَ رَبُّ الْبَيْتِ فَلَيْسَ لَهَا ذَلِكَ. (٣)
_________
(١) ابن عابدين ٢ / ٢٣٧، ٥٨٣، وشرح منتهى الإرادات ١ / ٤٥٣، ٢ / ٣٠٣، والكافي لابن عبد البر ١ / ٤٥٤، والمهذب ١ / ١٩٤، والفروق ٢ / ٢٠٥، وجواهر الإكليل ١ / ١٦٣.
(٢) حديث: " إذا أنفقت المرأة. . . . " أخرجه البخاري ومسلم واللفظ له من حديث عائشة ﵂ مرفوعا (فتح الباري ٣ / ٣٠٣ ط السلفية، وصحيح مسلم بتحقيق محمد فؤاد عبد الباقي ٢ / ٧١٠ ط عيسى الحلبي) .
(٣) البدائع ٧ / ١٩٧، والهداية ٤ / ٥، ٩٦، ومنتهى الإرادات ٢ / ٢٩٩، وإعلام الموقعين ٤ / ٣١٤.
الْحَلِفُ عَلَى الإِْطْعَامِ:
٢٩ - حَلَفَ عَلَى آخَرَ أَنْ يَأْكُل مَعَهُ فَهُوَ عَلَى أَنْ يَأْكُل مَعَهُ مَا يُطْعِمُ عَلَى وَجْهِ التَّطَعُّمِ كَجُبْنٍ وَفَاكِهَةٍ وَخُبْزٍ، وَقِيل: هُوَ عَلَى الْمَطْبُوخِ. (١)
وَيُنْدَبُ إِبْرَارُ الْقَسَمِ، لِمَا ثَبَتَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ بِإِبْرَارِ الْقَسَمِ. (٢) فَإِنْ أَحْنَثَهُ وَلَمْ يَأْكُل مَعَهُ فَالْكَفَّارَةُ عَلَى الْحَالِفِ، لأَِنَّ الْحَالِفَ هُوَ الْحَانِثُ، فَكَانَتِ الْكَفَّارَةُ عَلَيْهِ، كَمَا لَوْ كَانَ هُوَ الْفَاعِل. وَكَذَلِكَ إِنْ حَلَفَ أَنْ يُطْعِمَ غَيْرَهُ فَهُوَ عَلَى مَا تَقَدَّمَ، فَإِنْ وَفَّى لَمْ يَحْنَثْ وَإِنْ لَمْ يُوفِ حَنِثَ. (٣)
الْوَصِيَّةُ بِالإِْطْعَامِ:
٣٠ - الْوَصِيَّةُ بِالإِْطْعَامِ إِذَا أَعَانَتْ عَلَى مُحَرَّمٍ فَهِيَ بَاطِلَةٌ فِي الأَْصَحِّ، كَالْوَصِيَّةِ بِالإِْطْعَامِ بَعْدَ الْمَوْتِ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ، حَيْثُ تَجْتَمِعُ النَّائِحَاتُ، لأَِنَّهَا مِنَ الإِْعَانَةِ عَلَى الْمُحَرَّمِ، فَإِذَا لَمْ تُعِنْ عَلَى حَرَامٍ جَازَتْ وَوَجَبَ إِخْرَاجُهَا مِنْ تَرِكَتِهِ فِي حُدُودِ الثُّلُثِ، كَمَنْ أَوْصَى بِالأُْضْحِيَّةِ، أَوْ بِإِطْعَامِ الْفُقَرَاءِ، أَوْ بِفِطْرَةِ رَمَضَانَ أَوْ بِنَذْرٍ عَلَيْهِ. (٤)
الْوَقْفُ عَلَى الإِْطْعَامِ:
٣١ - فِي وَقْفِ الطَّعَامِ عَلَى الإِْطْعَامِ إِنْ قَصَدَ بِوَقْفِهِ
_________
(١) واللجنة ترى أن الحكم في هذا هو العرف لأن الأيمان مبنية عليه.
(٢) حديث: " أن النبي ﷺ أمر بإبرار القسم " أخرجه البخاري من حديث البراء ﵁ بلفظ " أمرنا النبي ﷺ بسبع ونهانا عن سبع، أمرنا بعيادة المريض، واتباع الجنازة، وتشميت العاطس، وإجابة الداعي، ورد السلام، ونصر المظلوم، (فتح الباري ١٠ / ٦٠٣ ط السلفية) .
(٣) ابن عابدين ٣ / ٩٤، والمغني ٨ / ٧٣١.
(٤) الحطاب ٦ / ٣٨٠، وقليوبي ٤ / ٢٥٥، والمغني ٦ / ٥٩، وابن عابدين ٥ / ٤٢٦.
بَقَاءَ عَيْنِهِ لَمْ يَصِحَّ، لأَِنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى فَسَادِ الطَّعَامِ وَذَلِكَ إِضَاعَةٌ لِلْمَال، وَإِنْ كَانَ عَلَى مَعْنَى أَنَّهُ وَقْفٌ لِلْقَرْضِ إِنِ احْتَاجَ إِلَيْهِ مُحْتَاجٌ ثُمَّ يَرُدُّ مِثْلَهُ، فَقَدْ رَأَى جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ: (الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ) جَوَازَهُ، وَإِنْ كَانَ الْمَوْقُوفُ أَرْضًا أَوْ شَجَرَةً ذَاتَ ثَمَرٍ لإِطْعَامِ ثَمَرِهَا جَازَ، لِمَا رُوِيَ: أَنَّ عُمَرَ ﵁ أَصَابَ أَرْضًا بِخَيْبَرَ فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ يَسْتَأْمِرُهُ فِيهَا، فَقَال لَهُ رَسُول اللَّهِ ﷺ: إِنْ شِئْتَ حَبَسْتَ أَصْلَهَا وَتَصَدَّقْتَ بِهَا غَيْرَ أَنَّهُ لاَ يُبَاعُ أَصْلُهَا وَلاَ يُبْتَاعُ وَلاَ يُوهَبُ وَلاَ يُورَثُ فَتَصَدَّقَ بِهَا عُمَرُ فِي الْفُقَرَاءِ وَفِي الْقُرْبَى وَفِي الرِّقَابِ وَفِي سَبِيل اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيل وَالضَّيْفِ (١) فَإِنْ كَانَ حَيَوَانًا مَلَكَ الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ صُوفَهُ وَلَبَنَهُ وَسَائِرَ مَنَافِعِهِ، وَإِنْ كَانَ الْوَقْفُ لِمَعْصِيَةٍ أَوْ لأَِهْل الْفِسْقِ فَالأَْرْجَحُ رَدُّهُ، لأَِنَّهُ مَعْصِيَةٌ. (٢) وَيُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (وَقْفٌ) .
أَطْعِمَةٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الأَْطْعِمَةُ: جَمْعُ طَعَامٍ، وَهُوَ فِي اللُّغَةِ: كُل مَا يُؤْكَل مُطْلَقًا، وَكَذَا كُل مَا يُتَّخَذُ مِنْهُ الْقُوتُ مِنَ
_________
(١) حديث: " إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها. . . . " أخرجه البخاري (فتح الباري ٥ / ٣٥٤، ٣٥٥ ط السلفية)، ومسلم (٣ / ١٢٥٥ ط عيسى الحلبي) من حديث ابن عمر ﵄.
(٢) المغني مع الشرح الكبير ٦ / ١٩٤، ومنتهى الإرادات ٢ / ٤٩٢، والمهذب ١ / ٤٤٧، ٤٤٨، ٤٥٠، الدسوقي ٤ / ٧٧، الاختيار ٣ / ٤١.
الْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَالتَّمْرِ.
وَيُطْلِقُهُ أَهْل الْحِجَازِ وَالْعِرَاقِ الأَْقْدَمُونَ عَلَى الْقَمْحِ خَاصَّةً.
وَيُقَال: طَعِمَ الشَّيْءَ يَطْعَمُهُ (بِوَزْنِ: غَنِمَ يَغْنَمُ) طُعْمًا (بِضَمٍّ فَسُكُونٍ) إِذَا أَكَلَهُ أَوْ ذَاقَهُ. وَإِذَا اسْتُعْمِل هَذَا الْفِعْل بِمَعْنَى الذَّوَاقِ جَازَ فِيمَا يُؤْكَل وَفِيمَا يُشْرَبُ، (١) كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ . (٢) وَلاَ يَخْرُجُ الْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ الأَْوَّل.
وَيَذْكُرُونَهُ أَيْضًا فِي الرِّبَا يُرِيدُونَ بِهِ (مَطْعُومَ الآْدَمِيِّينَ) سَوَاءٌ كَانَ لِلتَّغَذِّي، كَالْقَمْحِ وَالْمَاءِ، أَمْ لِلتَّأَدُّمِ كَالزَّيْتِ، أَمْ لِلتَّفَكُّهِ كَالتُّفَّاحِ، أَمْ لِلتَّدَاوِي وَالإِْصْلاَحِ كَالْحَبَّةِ السَّوْدَاءِ وَالْمِلْحِ.
وَقَدْ يُطْلِقُ الْفُقَهَاءُ لَفْظَ " الأَْطْعِمَةِ " عَلَى (كُل مَا يُؤْكَل وَمَا يُشْرَبُ، سِوَى الْمَاءِ وَالْمُسْكِرَاتِ) .
وَمَقْصُودُهُمْ: مَا يُمْكِنُ أَكْلُهُ أَوْ شُرْبُهُ، عَلَى سَبِيل التَّوَسُّعِ، وَلَوْ كَانَ مِمَّا لاَ يُسْتَسَاغُ وَلاَ يُتَنَاوَل عَادَةً، كَالْمِسْكِ وَقِشْرِ الْبَيْضِ. (٣) وَإِنَّمَا اسْتُثْنِيَ الْمَاءُ لأَِنَّ لَهُ بَابًا خَاصًّا بِاسْمِهِ، وَاسْتُثْنِيَتِ الْمُسْكِرَاتُ أَيْضًا، لأَِنَّهَا يُعَبِّرُ اصْطِلاَحًا عَنْهَا بِلَفْظِ (الأَْشْرِبَةِ) .
ثُمَّ إِنَّ مَوْضُوعَ الأَْطْعِمَةِ هُوَ عِنْوَانٌ يَدُل بِهِ عَلَى مَا يُبَاحُ وَمَا يُكْرَهُ وَمَا يَحْرُمُ مِنْهَا.
وَأَمَّا آدَابُ الأَْكْل وَالشُّرْبِ فَإِنَّهَا يُتَرْجَمُ لَهَا بِكَلِمَةِ
_________
(١) لسان العرب، وتاج العروس مادة: (طعم) .
(٢) سورة البقرة / ٢٤٩.
(٣) انظر كتب الشافعية وغيرهم في مباحث الربا والكفارة والفدية والأطعمة، وخاصة مطالب أولي النهى في الفقه الحنبلي ٦ / ٣٠٨.