الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤٥
مُحْرِمًا بِالْحَجِّ عِنْدَ أَدَاءِ الصَّلاَتَيْنِ، حَتَّى لَوْ كَانَ مُحْرِمًا بِالْعُمْرَةِ عِنْدَ أَدَاءِ الظُّهْرِ وَمُحْرِمًا بِالْحَجِّ عِنْدَ أَدَاءِ الْعَصْرِ لاَ يَجُوزُ لَهُ الْجَمْعُ، كَذَا فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانَ. ثُمَّ لاَ بُدَّ مِنَ الإِْحْرَامِ بِالْحَجِّ قَبْل الزَّوَال فِي رِوَايَةٍ، تَقْدِيمًا لِلإِْحْرَامِ عَلَى وَقْتِ الْجَمْعِ، وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى يُكْتَفَى بِالتَّقْدِيمِ عَلَى الصَّلاَةِ، لأَِنَّ الْمَقْصُودَ هُوَ الصَّلاَةُ. وَهُوَ الصَّحِيحُ.
وَمِنْهَا: الْجَمَاعَةُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، وَعِنْدَ الصَّاحِبَيْنِ لَيْسَتْ بِشَرْطٍ، فَمَنْ صَلَّى الظُّهْرَ وَحْدَهُ فِي رَحْلِهِ صَلَّى الْعَصْرَ فِي وَقْتِهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ. وَقَالاَ: يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا الْمُنْفَرِدُ. وَفِي الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّةِ: وَالصَّحِيحُ قَوْل أَبِي حَنِيفَةَ. وَلَوْ فَاتَتَاهُ مَعَ الإِْمَامِ أَوْ فَاتَتْهُ وَاحِدَةٌ مِنْهُمَا صَلَّى الْعَصْرَ لِوَقْتِهِ، وَلاَ يَجُوزُ لَهُ تَقْدِيمُ الْعَصْرِ عَلَى قَوْل أَبِي حَنِيفَةَ.
وَمِنْهَا: أَنْ يَكُونَ الإِْمَامُ هُوَ الإِْمَامَ الأَْعْظَمَ أَوْ نَائِبَهُ، وَهُوَ شَرْطٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ. فَلَوْ صَلَّى الظُّهْرَ بِجَمَاعَةٍ لاَ مَعَ الإِْمَامِ، وَالْعَصْرَ مَعَ الإِْمَامِ، لَمْ يُجْزِ الْعَصْرُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ. (١)
وَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ: الْحَنَفِيَّةُ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَهُوَ الْمُذَهَّبُ عِنْدَهُمْ، وَالْمَالِكِيَّةُ
_________
(١) الفتاوى الهندية ١ / ٢٢٨ - ٢٢٩، وانظر ابن عابدين ٢ / ١٧٤، واللباب ١ / ١٨٩.
وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ يُكْرَهُ التَّطَوُّعُ بَيْنَ صَلاَتَيِ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ بِعَرَفَةَ، لِحَدِيثِ جَابِرٍ ﵁: ثُمَّ أَذَّنَ ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الظُّهْرَ، ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الْعَصْرَ، وَلَمْ يُصَل بَيْنَهُمَا شَيْئًا (١) .
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ فِي غَيْرِ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ إِلَى أَنَّهُ لاَ يُتَطَوَّعُ بَيْنَ الصَّلاَتَيْنِ غَيْرُ سُنَّةِ الظُّهْرِ. (٢)
د - التَّعْجِيل فِي الْوُقُوفِ:
٢١ اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ إِذَا فَرَغَ النَّاسُ مِنْ صَلاَتَيِ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، فَإِنَّ السُّنَّةَ أَنْ يَسِيرُوا فِي الْحَال إِلَى الْمَوْقِفِ وَيُعَجِّلُوا الْمَسِيرَ. قَال النَّوَوِيُّ: هَذَا التَّعْجِيل مُسْتَحَبٌّ بِالإِْجْمَاعِ. (٣) لِحَدِيثِ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵃ قَال: " كَتَبَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ إِلَى الْحَجَّاجِ: أَنْ لاَ يُخَالِفَ ابْنَ عُمَرَ فِي الْحَجِّ. فَجَاءَ ابْنُ عُمَرَ ﵄ وَأَنَا مَعَهُ يَوْمَ عَرَفَةَ حِينَ زَالَتِ الشَّمْسُ، فَصَاحَ عِنْدَ سُرَادِقِ الْحَجَّاجِ، فَخَرَجَ وَعَلَيْهِ مِلْحَفَةٌ مُعَصْفَرَةٌ، فَقَال: مَا لَكَ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ؟ فَقَال: الرَّوَاحَ إِنْ كُنْتَ تُرِيدُ السُّنَّةَ. قَال: هَذِهِ
_________
(١) حديث جابر: " ثم أذن ثم أقام. . . " أخرجه مسلم (٢ / ٨٩٠) .
(٢) حاشية ابن عابدين ٢ / ١٧٣، والفتاوى الهندية ١ / ٢٢٨، ومطالب أولي النهى ٢ / ٤١١، والدسوقي ١ / ٣٧١، والإيضاح في مناسك الحج والعمرة للإمام النووي ص ٢٧٥، ومغني المحتاج ١ / ٢٧٣.
(٣) المجموع ٨ / ١٠١، ١١٠، وهداية السالك لابن جماعة ٣ / ١٠٠٥، والمغني لابن قدامة ٣ / ٤٠٨ ط الرياض، والمبدع ٣ / ٣٣١.
السَّاعَةَ؟ قَال: نَعَمْ، قَال: فَأَنْظِرْنِي حَتَّى أُفِيضَ عَلَى رَأْسِي ثُمَّ أَخْرُجَ. فَنَزَل حَتَّى خَرَجَ الْحَجَّاجُ، فَسَارَ بَيْنِي وَبَيْنَ أَبِي، فَقُلْتُ: إِنْ كُنْتَ تُرِيدُ السُّنَّةَ فَاقْصُرِ الْخُطْبَةَ وَعَجِّل الْوُقُوفَ. فَجَعَل يَنْظُرُ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ عَبْدُ اللَّهِ قَال: صَدَقَ " (١) .
هـ - الإِْفَاضَةُ بَعْدَ الْغُرُوبِ يَوْمَ عَرَفَةَ:
٢٢ - إِذَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ يَوْمَ عَرَفَةَ أَفَاضَ الإِْمَامُ وَالنَّاسُ وَعَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ وَالْوَقَارُ، فَمَنْ وَجَدَ فُرْجَةً أَسْرَعَ فِيهَا، لِحَدِيثِ أُسَامَةَ ﵁: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَسِيرُ الْعَنَقَ، فَإِذَا وَجَدَ فَجْوَةً نَصَّ (٢) . أَيْ أَسْرَعَ، وَالْعَنَقُ: انْبِسَاطُ السَّيْرِ، وَالنَّصُّ فَوْقَ الْعَنَقِ.
فَإِنْ مَكَثَ الْحَاجُّ بَعْدَمَا أَفَاضَ الإِْمَامُ مُكُوثًا طَوِيلًا بِلاَ عُذْرٍ حَتَّى ظَهَرَ اللَّيْل أَسَاءَ، وَلَوْ أَبْطَأَ الإِْمَامُ وَلَمْ يُفِضْ أَفَاضُوا لأَِنَّ الإِْمَامَ أَخْطَأَ السُّنَّةَ. (٣)
والطَّهَارَةُ:
٢٣ - يَكُونُ الْحَاجُّ طَاهِرًا مُدَّةَ الْوُقُوفِ، وَهُوَ
_________
(١) حديث سالم بن عبد الله: " كتب عبد الملك بن مروان إلى الحجاج. . أخرجه البخاري (فتح الباري ٣ / ٥١١) .
(٢) حديث أسامة: " كان النبي؟ يسير العنق. . أخرجه البخاري (فتح الباري ٣ / ٥١٨) .
(٣) حاشية ابن عابدين ٢ / ٢٧٦، ومطالب أولي النهى ٢ / ٤١٦، وكشاف القناع ٢ / ٤٩٥ - ٤٩٦، ومغني المحتاج ١ / ٤٩٧، والإيضاح للنووي ص٢٩٥، والفواكه الدواني ١ / ٤٢١، والقوانين الفقهية ص ١٣٨.
سُنَّةٌ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ فِي قَوْلٍ، وَمُسْتَحَبٌّ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ وَالْمَالِكِيَّةِ فِي الْمُعْتَمَدِ. . (١) ز - مَكَانُ الْوُقُوفِ:
٢٤ - يُسَنُّ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَيُسْتَحَبُّ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ أَنْ يَقِفَ قُرْبَ جَبَل الرَّحْمَةِ عِنْدَ الصَّخَرَاتِ الْكِبَارِ السُّودِ الْمَفْرُوشَةِ عِنْدَ أَسْفَل الْجَبَلِ، فَذَلِكَ وَصْفُ مَكَانِ وُقُوفِهِ ﷺ، وَإِنْ تَعَذَّرَ أَنْ يَقْرُبَ مِنْهُ فَبِحَسْبِ الإِْمْكَانِ. (٢)
وَلاَ يُشْرَعُ صُعُودُ الْجَبَل إِجْمَاعًا، قَالَهُ تَقِيُّ الدِّينِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ. (٣):
قَال النَّوَوِيُّ: وَأَمَّا مَا اشْتُهِرَ عِنْدَ الْعَوَامِّ مِنَ الاِعْتِنَاءِ بِالْوُقُوفِ عَلَى جَبَل الرَّحْمَةِ الَّذِي بِوَسَطِ عَرَفَاتٍ، وَتَرْجِيحِهِمْ لَهُ عَلَى غَيْرِهِ مِنْ أَرْضِ عَرَفَاتٍ، حَتَّى رُبَّمَا تَوَهَّمَ كَثِيرٌ مِنْ جَهَلَتِهِمْ أَنَّهُ لاَ يَصِحُّ الْوُقُوفُ إِلاَّ بِهِ - فَخَطَأٌ مُخَالِفٌ لِلسُّنَّةِ، وَلَمْ يَذْكُرْ أَحَدٌ مِمَّنْ يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ فِي
_________
(١) المغني لابن قدامة ٣ / ٤١٦ - ٤١٧، والفتاوى الهندية ١ / ٢٢٩، والفواكه الدواني ١ / ٤٢١، والمجموع ٨ / ١١٠، ومغني المحتاج ١ / ٤٧٩.
(٢) المجموع ٨ / ٩٣،١٠٥، ١١١، والمبدع ٣ / ٣٣١، والفتاوى الهندية ١ / ٢٢٩، وحاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح ص٤٠٠، والفواكه الدواني ١ / ٤٢١، وصحيح مسلم بشرح النووي ٧ / ١٥١.
(٣) المبدع ٣ / ٣٣٢، ومعونة أولي النهى ٣ / ٤٢٥.
صُعُودِ الْجَبَل فَضِيلَةً، إِلاَّ أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ، فَإِنَّهُ قَال: يُسْتَحَبُّ الْوُقُوفُ عَلَيْهِ، وَكَذَا قَال أَبُو الْحَسَنِ الْمَاوَرْدِيُّ الْبَصْرِيُّ صَاحِبُ الْحَاوِي مِنْ أَصْحَابِنَا: يُسْتَحَبُّ أَنْ يَقْصِدَ هَذَا الْجَبَل الَّذِي يُقَال لَهُ جَبَل الدُّعَاءِ. (١)
ح - الإِْكْثَارُ مِنْ عَمَل الْخَيْرِ يَوْمَ عَرَفَةَ:
٢٥ - يُسْتَحَبُّ فِي يَوْمِ عَرَفَةَ الإِْكْثَارُ مِنْ أَعْمَال الْخَيْرَاتِ بِأَنْوَاعِهَا مِنَ الْعِبَادَاتِ وَالأَْذْكَارِ وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَال: مَا الْعَمَل فِي أَيَّامِ الْعَشْرِ أَفْضَل مِنَ الْعَمَل فِي هَذِهِ. يَعْنِي أَيَّامَ الْعَشْرِ، قَالُوا: وَلاَ الْجِهَادُ؟ قَال: وَلاَ الْجِهَادُ، إِلاَّ رَجُلٌ خَرَجَ يُخَاطِرُ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فَلَمْ يَرْجِعْ بِشَيْءٍ (٢) .
ط - الإِْكْثَارُ مِنَ الدُّعَاءِ وَالذِّكْرِ يَوْمَ عَرَفَةَ:
٢٦ - السُّنَّةُ أَنْ يُكْثِرَ مِنَ الدُّعَاءِ بِالْمَأْثُورِ وَغَيْرِهِ وَالتَّهْلِيل وَالتَّلْبِيَةِ وَالاِسْتِغْفَارِ وَالتَّوْبَةِ وَالتَّضَرُّعِ وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَالصَّلاَةِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَهَذِهِ وَظِيفَةُ هَذَا الْيَوْمِ، وَلاَ يُقَصِّرُ فِي ذَلِكَ، وَهُوَ مُعْظَمُ الْحَجِّ وَمَطْلُوبُهُ، وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: الْحَجُّ عَرَفَةُ (٣) . فَيَنْبَغِي أَنْ لاَ يُقَصِّرَ فِي
_________
(١) الإيضاح في مناسك الحج والعمرة ٢٨١ - ٢٨٢ المكتبة الإمدادية.
(٢) حديث: " ما العمل في أيام العشر بأفضل. . . أخرجه البخاري (فتح الباري ٢ / ٤٥٧) .
(٣) حديث: " الحج عرفة. . " تقدم تخريجه (ف٣) .
الاِهْتِمَامِ بِذَلِكَ وَاسْتِفْرَاغِ الْوُسْعِ فِيهِ، وَيُكْثِرُ مِنْ هَذَا الذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ قَائِمًا وَقَاعِدًا وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي الدُّعَاءِ.
وَيَنْبَغِي أَنْ يَأْتِيَ بِهَذِهِ الأَْذْكَارِ كُلِّهَا، فَتَارَةً يُهَلِّلُ، وَتَارَةً يُكَبِّرُ، وَتَارَةً يُسَبِّحُ، وَتَارَةً يَقْرَأُ الْقُرْآنَ، وَتَارَةً يُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ ﷺ، وَتَارَةً يَدْعُو، وَتَارَةً يَسْتَغْفِرُ. وَيَدْعُو مُفْرَدًا وَفِي جَمَاعَةٍ. وَلْيَدْعُ لِنَفْسِهِ وَلِوَالِدَيْهِ وَمَشَايِخِهِ وَأَقَارِبِهِ وَأَصْحَابِهِ وَأَصْدِقَائِهِ وَأَحِبَّائِهِ وَسَائِرِ مَنْ أَحْسَنَ إِلَيْهِ وَسَائِرِ الْمُسْلِمِينَ، وَيَنْبَغِي أَنْ يُكَرِّرَ الاِسْتِغْفَارَ وَالتَّلَفُّظَ بِالتَّوْبَةِ مِنْ جَمِيعِ الْمُخَالَفَاتِ، مَعَ النَّدَمِ بِالْقَلْبِ، وَأَنْ يُكْثِرَ الْبُكَاءَ مَعَ الذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ، فَهُنَاكَ تُسْكَبُ الْعَبَرَاتُ وَتُسْتَقَال الْعَثَرَاتُ وَتُرْتَجَى الطَّلَبَاتُ، وَإِنَّهُ لَمَجْمَعٌ عَظِيمٌ وَمَوْقِفٌ جَسِيمٌ، يَجْتَمِعُ فِيهِ خِيَارُ عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ وَأَوْلِيَائِهِ الْمُخْلِصِينَ وَالْخَوَاصِّ الْمُقَرَّبِينَ، وَهُوَ أَعْظَمُ مَجَامِعِ الدُّنْيَا. (١)
فَعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ﵁ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: مَا عَلَى الأَْرْضِ مُسْلِمٌ يَدْعُو اللَّهَ بِدَعْوَةٍ إِلاَّ آتَاهُ اللَّهُ إِيَّاهَا أَوْ صَرَفَ عَنْهُ مِنَ السُّوءِ مِثْلَهَا، مَا لَمْ يَدْعُ بِإِثْمٍ أَوْ قَطِيعَةِ رَحِمٍ. فَقَال رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: إِذًا نُكْثِرُ. قَال: اللَّهُ أَكْثَرُ (٢) .
_________
(١) المجموع ٨ / ١١٣ - ١١٤.
(٢) حديث: " ما على الأرض مسلم يدعو الله بدعوة. . أخرجه الترمذي (٥ / ٥٦٦) وقال: حديث حسن صحيح، وصححه ابن حجر في فتح الباري (١١ / ٩٦) .
ي - َالْجَمْعُ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ بِمُزْدَلِفَةَ بَعْدَ الْخُرُوجِ مِنْ عَرَفَةَ:
٢٧ - السُّنَّةُ أَنْ يَجْمَعَ الْحَاجُّ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ بِمُزْدَلِفَةَ، وَهَذَا بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي حُكْمِ صَلاَةِ مَنْ صَلَّى الْمَغْرِبَ قَبْل أَنْ يَأْتِيَ مُزْدَلِفَةَ.
فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ (الْمَالِكِيَّةُ فِي الْمَذْهَبِ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَأَبُو يُوسُفَ وَإِسْحَاقُ وَأَبُو ثَوْرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ) إِلَى أَنَّ مَنْ صَلَّى الْمَغْرِبَ بِالطَّرِيقِ تَرَكَ السُّنَّةَ وَأَجْزَأَهُ، لأَِنَّ كُل صَلاَتَيْنِ جَازَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا جَازَ التَّفْرِيقُ بَيْنَهُمَا كَالظُّهْرِ وَالْعَصْرِ بِعَرَفَةَ.
وَبِهِ قَال عَطَاءٌ وَعُرْوَةُ وَالْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ. (١)
وَقَيَّدَ الْمَالِكِيَّةُ سُنِّيَّةَ أَوْ مَنْدُوبِيَّةَ الْجَمْعِ بَيْنَ صَلاَتَيِ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ بِمُزْدَلِفَةَ بِأَنْ يَكُونَ الْحَاجُّ قَدْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ مَعَ الإِْمَامِ، وَسَارَ مَعَ النَّاسِ أَوْ تَخَلَّفَ عَنْهُمُ اخْتِيَارًا، فَمَنْ لَمْ يَقِفْ مَعَ
_________
(١) المغني ٣ / ٤١٨، ٤٢٠، ومطالب أولي النهى ٢ / ٤١٦ - ٤١٧، وكشاف القناع ٢ / ٤٩٦، والدسوقي ٢ / ٤٤، ومغني المحتاج ١ / ٤٩٨، والمجموع ٨ / ١٣٣، والفتاوى الهندية ١ / ٢٣٠، وابن عابدين ٢ / ١٧٧.
الإِْمَامِ يُصَلِّي كُلًّا مِنَ الصَّلاَتَيْنِ فِي وَقْتِهَا.
وَقَالُوا: إِنْ وَقَفَ مَعَ الإِْمَامِ ثُمَّ عَجَزَ عَنْ لِحَاقِ النَّاسِ فِي سَيْرِهِمْ لِمُزْدَلِفَةَ فَبَعْدَ الشَّفَقِ يَجْمَعُ فِي أَيِّ مَحَلٍّ كَانَ.
وَإِذَا قُدِّمَتَا عَلَى النُّزُول بِمُزْدَلِفَةَ وَالْحَال أَنَّهُ مُطَالَبٌ بِالْجَمْعِ لِكَوْنِهِ وَقْفَ مَعَ الإِْمَامِ وَسَارَ مَعَ النَّاسِ. فَقَال ابْنُ الْقَاسِمِ: يُعِيدُ، لأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ ضَرَبَ لَهَا مِيقَاتًا.
وَقَال أَشْهَبُ: يُعِيدُ الْعِشَاءَ وَحْدَهَا إِنْ صَلاَّهَا قَبْل مَغِيبِ الشَّفَقِ، وَالتَّأْخِيرُ عِنْدَهُ رُخْصَةٌ لاَ عَزِيمَةٌ. وَالإِْعَادَةُ عَلَى هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ عَلَى وَجْهِ النَّدْبِ. (١)
وَقَيَّدَ الشَّافِعِيَّةُ مُخَالَفَةَ السُّنَّةِ بِعَدَمِ خَشْيَةِ فَوَاتِ وَقْتِ الاِخْتِيَارِ لِصَلاَةِ الْعِشَاءِ وَهُوَ ثُلُثُ اللَّيْل فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ، وَنِصْفُ اللَّيْل فِي الْوَجْهِ الآْخَرِ، فَمَنْ خَافَ فَوَاتَ هَذَا الْوَقْتِ فَإِنَّهُ لاَ يُؤَخِّرُ الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ بُغْيَةَ أَدَائِهَا فِي مُزْدَلِفَةَ، بَل يَجْمَعُ فِي الطَّرِيقِ.
وَيَشْتَرِطُ الشَّافِعِيَّةُ لِلْجَمْعِ بَيْنَ الصَّلاَتَيْنِ فِي عَرَفَةَ وَمُزْدَلِفَةَ تَوَافُرَ شُرُوطِ السَّفَرِ.
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ - عَدَا أَبِي يُوسُفَ - وَالثَّوْرِيُّ وَابْنُ حَبِيبٍ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ إِلَى أَنَّ تَأْخِيرَ صَلاَةِ
_________
(١) عقد الجواهر الثمينة ١ / ٤٠٤، والدسوقي ٢ / ٤٤، والذخيرة ٣ / ٦٢، والقوانين الفقهية ص ١٣٨.
الْمَغْرِبِ لأَِجْل أَدَائِهَا فِي مُزْدَلِفَةَ وَاجِبٌ، فَمَنْ صَلَّى الْمَغْرِبَ بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ قَبْل أَنْ يَأْتِيَ مُزْدَلِفَةَ فَعَلَيْهِ أَنْ يُعِيدَهَا إِذَا أَتَى مُزْدَلِفَةَ مَا لَمْ يَطْلُعِ الْفَجْرَ.
وَكَذَا الْحُكْمُ لَوْ صَلَّى الْعِشَاءَ فِي الطَّرِيقِ بَعْدَ دُخُول وَقْتِهَا. (١)
وَلَوْ صَلَّى الْفَجْرَ قَبْل أَنْ يُعِيدَ صَلاَتَيِ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ بِمُزْدَلِفَةَ عَادَتَا إِلَى الْجَوَازِ بِاتِّفَاقِ الْحَنَفِيَّةِ. (٢)
٢٨ - وَشَرَائِطُ هَذَا الْجَمْعِ بِمُزْدَلِفَةَ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ:
الإِْحْرَامُ بِالْحَجِّ تَقْدِيمُ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ عَلَيْهِ.
وَالزَّمَانُ، وَهُوَ لَيْلَةُ النَّحْرِ.
وَالْمَكَانُ، وَهُوَ مُزْدَلِفَةُ.
وَالْوَقْتُ، وَهُوَ وَقْتُ الْعِشَاءِ مَا لَمْ يَطْلُعِ الْفَجْرَ. (٣)
_________
(١) مغني المحتاج ١ / ٤٩٨، والمجموع ٨ / ١٣٣، والإيضاح للنووي ص٢٩٥، وعقد الجواهر الثمينة ١ / ٤٠٤، والدسوقي ٢ / ٤٤، والذخيرة ٣ / ٦٢، والقوانين الفقهية ص ١٣٨، والفتاوى الهندية ١ / ٢٣٠، وابن عابدين ٢ / ١٧٧.
(٢) الفتاوى الهندية ١ / ٢٣٠، وحاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح ص ٧٣، وابن عابدين ٢ / ١٧٧، وفتح القدير ١ / ٤٨٠.
(٣) المراجع السابقة.
وَنَصَّ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى أَنَّ مَنْ ذَهَبَ إِلَى مَكَّةَ مِنْ غَيْرِ طَرِيقِ الْمُزْدَلِفَةِ جَازَ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ الْمَغْرِبَ فِي الطَّرِيقِ بِلاَ تَوَقُّفٍ فِي ذَلِكَ، وَأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَمُرَّ عَلَى الْمُزْدَلِفَةِ لَزِمَهُ صَلاَةُ الْمَغْرِبِ فِي الطَّرِيقِ فِي وَقْتِهَا لِعَدَمِ الشَّرْطِ (وَهُوَ الْمَكَانُ) وَكَذَا لَوْ بَاتَ فِي عَرَفَاتٍ. (١)
مَكْرُوهَاتُ يَوْمِ عَرَفَةَ:
أ - تَرْكُ الإِْقَامَةِ بَيْنَ الصَّلاَتَيْنِ الْمَجْمُوعَتَيْنِ بِعَرَفَةَ:
٢٩ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى اسْتِحْبَابِ الإِْقَامَةِ لِكُل صَلاَةٍ مِنَ الصَّلاَتَيْنِ الْمَجْمُوعَتَيْنِ بِعَرَفَةَ، وَصَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ بِكَرَاهَةِ تَرْكِ الإِْقَامَةِ بَيْنَ الصَّلاَتَيْنِ. (٢)
ب - الإِْحْرَامُ بِالْعُمْرَةِ يَوْمَ عَرَفَةَ:
٣٠ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ الإِْحْرَامِ بِالْعُمْرَةِ يَوْمَ عَرَفَةَ، فَيَرَى جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ عَدَمَ كَرَاهَةِ الإِْحْرَامِ بِالْعُمْرَةِ يَوْمَ عَرَفَةَ، وَيَرَى الْحَنَفِيَّةُ وَأَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ أَنَّ الإِْحْرَامَ بِالْعُمْرَةِ يَوْمَ عَرَفَةَ مَكْرُوهٌ.
وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (إِحْرَام ف ٣٧، ٣٨) .
_________
(١) ابن عابدين ٢ / ١٧٧.
(٢) ابن عابدين ١ / ٢٦٢، والمغني ٣ / ٤٠٧، وحاشية الدسوقي ٢ / ٤٤، والمجموع ٨ / ٨٦، ٩٣، والإيضاح للنووي ص ٧٥.