الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤٥
ج - الإِْسْرَاعُ فِي السَّيْرِ رَاكِبًا أَوْ مَاشِيًا إِسْرَاعًا يُؤَدِّي إِلَى الإِْيذَاءِ:
٣١ - يُكْرَهُ الإِْسْرَاعُ فِي السَّيْرِ إِسْرَاعًا يُؤَدِي إِلَى الإِْيذَاءِ لِقَوْلِهِ ﷺ: " عَلَيْكُمْ بِالسَّكِينَةِ ". وَقَال الزَّيْلَعِيُّ: تَرْكُ الإِْيذَاءِ وَاجِبٌ.
د - التَّظَلُّل يَوْمَ عَرَفَةَ:
٣٢ - صَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ بِأَنَّ الأَْفْضَل لِلْوَاقِفِ بِعَرَفَةَ أَنْ لاَ يَسْتَظِلَّ، بَل يَبْرُزَ لِلشَّمْسِ إِلاَّ لِلْعُذْرِ، بِأَنْ يَتَضَرَّرَ أَوْ يَنْقُصَ دُعَاؤُهُ أَوِ اجْتِهَادُهُ فِي الأَْذْكَارِ (١) .، وَلَمْ يُنْقَل أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اسْتَظَل بِعَرَفَاتٍ، مَعَ ثُبُوتِ حَدِيثٍ عَنْ أُمِّ الْحُصَيْنِ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ظُلِّل عَلَيْهِ بِثَوْبٍ وَهُوَ يَرْمِي الْجَمْرَةَ (٢) .
وَاسْتَحَبَّ الْمَالِكِيَّةُ تَرْكَ الاِسْتِظْلاَل زَمَنَ الْوُقُوفِ يَوْمَ عَرَفَةَ.
قَال الْقُرْطُبِيُّ: اسْتِظْلاَل الْمُحْرِمِ فِي الْقِبَابِ وَالأَْخْبِيَةِ لاَ خِلاَفَ فِيهِ، وَاخْتُلِفَ فِي اسْتِظْلاَلِهِ
_________
(١) المجموع ٨ / ١١٧، والإيضاح ٢٨٩.
(٢) حديث أم الحصين " أن النبي؟ ظلل عليه بثوب وهو يرمي الجمرة. . أخرجه مسلم (٢ / ٩٤٤) .
حَال الْوُقُوفِ، فَكَرِهَهُ مَالِكٌ وَأَهْل الْمَدِينَةِ. (١)
أَمَّا الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فَقَدْ ذَكَرُوا حُكْمَ اسْتِظْلاَل الْمُحْرِمِ بِالْبَيْتِ وَالْمَحْمَل وَنَحْوِهِمَا مِنْ غَيْرِ التَّخْصِيصِ بِزَمَنِ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ.
فَقَدْ قَال الْحَنَفِيَّةُ: لاَ بَأْسَ بِأَنْ يَسْتَظِل الْمُحْرِمُ بِالْبَيْتِ وَالْمَحْمَل (٢) وَاسْتَدَلُّوا بِحَدِيثِ جَابِرٍ ﵁: وَأَمَرَ بِقُبَّةٍ مِنْ شَعَرٍ تُضْرَبُ لَهُ بِنَمِرَةَ، فَسَارَ رَسُول اللَّهِ ﷺ، إِلَى أَنْ قَال: فَوَجَدَ الْقُبَّةَ قَدْ ضُرِبَتْ لَهُ بِنَمِرَةَ (٣) فَنَزَل بِهَا (٤) .
وَصَرَّحَ الْحَنَابِلَةُ عَلَى الصَّحِيحِ مِنَ الْمَذْهَبِ بِأَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَى الْمُحْرِمِ أَنْ يَسْتَظِل بِالْمَحْمَل.
وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: يُكْرَهُ اسْتِظْلاَل الْمُحْرِمِ بِالْمَحْمَل. (٥)
هـ - صَوْمُ يَوْمَ عَرَفَةَ:
٣٣ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى كَرَاهَةِ صَوْمِ يَوْمِ عَرَفَةَ لِلْحَاجِّ.
_________
(١) مواهب الجليل ٣ / ١٤٤ - ١٤٥.
(٢) فتح القدير ٢ / ٤٤٤ - ٤٤٥، وانظر حاشية ابن عابدين ٢ / ١٦٤.
(٣) نمرة: بفتح النون وكسر الميم موضع بعرفة.
(٤) حديث: " أمر بقبة من شعر. . . أخرجه مسلم (٢ / ٨٨٩) .
(٥) الإنصاف ٣ / ٤٦١، وانظر مطالب أولي النهى ٢ / ٣٢٧، وشرح منتهى الإرادات ١ / ٥٣٨ - ٥٣٩.
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى اسْتِحْبَابِهِ لِلْحَاجِّ إِذَا لَمْ يُضْعِفْهُ عَنِ الْوُقُوفِ بِعَرَفَاتٍ وَلاَ يُخِل بِالدَّعَوَاتِ، أَمَّا غَيْرُ الْحَاجِّ فَإِنَّ الْفُقَهَاءَ مُتَّفِقُونَ عَلَى اسْتِحْبَابِ صَوْمِ يَوْمِ عَرَفَةَ فِي حَقِّهِ (ر: صَوْمُ التَّطَوُّعِ ف ٩) .
وتَرْكُ خُطْبَةِ عَرَفَةَ، أَوْ إِيقَاعُهَا قَبْل الزَّوَال:
٣٤ - نَصَّ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى أَنَّ تَرْكَ خُطْبَةِ عَرَفَةَ أَوْ إِيقَاعَهَا قَبْل الزَّوَال مَكْرُوهٌ، فَقَدْ جَاءَ فِي الْجَوْهَرَةِ النَّيِّرَةِ: إِنْ تَرَكَ الْخُطْبَةَ أَوْ خَطَبَ قَبْل الزَّوَال أَجْزَأَهُ وَقَدْ أَسَاءَ.
وَنَقَل ابْنُ عَابِدِينَ قَوْل الزَّيْلَعِيِّ: " جَازَ " مُعَلِّقًا عَلَيْهِ: أَيْ صَحَّ مَعَ الْكَرَاهَةِ. (١)
وَيَرَى ابْنُ حَبِيبٍ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ جَوَازَ الإِْتْيَانِ بِخُطْبَةِ عَرَفَةَ قَبْل الزَّوَالِ، وَيَمْنَعُ أَشْهَبُ مِنْ ذَلِكَ، وَيَرَى إِعَادَتَهَا لِمَنْ فَعَل ذَلِكَ إِلاَّ أَنْ يَفُوتَ بِفِعْل الصَّلاَةِ، وَالصَّلاَةُ لاَ تَكُونُ إِلاَّ بَعْدَ الزَّوَال عَلَى كُل حَالٍ.
وَاحْتَجَّ الْبَاجِيُّ لِمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ ابْنُ حَبِيبٍ مِنْ جَوَازِ إِيقَاعِ الْخُطْبَةِ قَبْل الزَّوَال بِأَنَّ الْخُطْبَةَ لَيْسَتْ لِلصَّلاَةِ، وَإِنَّمَا هِيَ تَعْلِيمٌ لِلْحَاجِّ، وَلِذَلِكَ لَمْ يُغَيَّرْ حُكْمُ الصَّلاَةِ فِي الْجَهْرِ، وَلَمْ يَتَقَدَّمِ الأَْذَانُ عَلَيْهَا، فَلَمْ يَكُنْ مِنْ شَرْطِهَا أَنْ يَكُونَ وَقْتُهَا
_________
(١) الجوهرة النيرة ١ / ٢٠١، وابن عابدين ٢ / ١٧٣.
وَقْتَ الصَّلاَةِ، وَإِنَّمَا مِنْ حُكْمِهَا ذَلِكَ لِمَا شُرِعَ مِنَ اتِّصَالِهَا بِالصَّلاَةِ. (١) وَقَال الدُّسُوقِيُّ: لَوْ خَطَبَ قَبْل الزَّوَال وَصَلَّى بَعْدَهُ، أَوْ صَلَّى بِغَيْرِ خُطْبَةٍ أَجْزَأَهُ إِجْمَاعًا. (٢)
ز - دُخُول عَرَفَاتٍ قَبْل وَقْتِ الْوُقُوفِ:
٣٥ - قَال الإِْمَامُ مَالِكٌ: أَكْرَهُ لِلْحُجَّاجِ أَنْ يَتَقَدَّمُوا إِلَى عَرَفَةَ قَبْل عَرَفَةَ هُمْ أَنْفُسُهُمْ أَوْ يُقَدِّمُوا أَبْنِيَتَهُمْ.
وَصَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ بِأَنَّ دُخُول الْحُجَّاجِ أَرْضَ عَرَفَاتٍ قَبْل وَقْتِ الْوُقُوفِ خَطَأٌ وَبِدْعَةٌ وَمُنَابَذَةٌ لِلسُّنَّةِ، وَتَفُوتُهُمْ بِسَبَبِهِ سُنَنٌ كَثِيرَةٌ. (٣)
وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: يَدْفَعُ الْحَاجُّ إِلَى عَرَفَاتٍ بَعْدَ صَلاَةِ الْفَجْرِ يَوْمَ عَرَفَةَ، وَقَالُوا: هَذَا بَيَانُ الأَْوْلَوِيَّةِ حَتَّى لَوْ ذَهَبَ قَبْل طُلُوعِ الْفَجْرِ إِلَيْهَا جَازَ. (٤)
وَنَصَّ الْحَنَابِلَةُ عَلَى أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِلْحَاجِّ أَنْ يَخْرُجَ إِلَى مِنًى يَوْمَ التَّرْوِيَةِ وَيَبِيتَ بِهَا، فَإِذَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ سَارَ إِلَى عَرَفَةَ، فَأَقَامَ بِنَمِرَةَ نَدْبًا حَتَّى تَزُول الشَّمْسُ، فَمَنْ خَرَجَ مِنْ مِنًى إِلَى عَرَفَةَ قَبْل طُلُوعِ الشَّمْسِ لَمْ يَأْتِ بِالْمُسْتَحَبِّ. (٥)
_________
(١) المنتقى ٣ / ٣٥ - ٣٦.
(٢) الدسوقي ٢ / ٤٣.
(٣) المدونة ١ / ٣٩٩ ط دار صادر، والمجموع ٨ / ٨٦، والإيضاح للنووي ص٢٧٢.
(٤) البحر الرائق ٢ / ٣٦١، وتبيين الحقائق ٢ / ٢٣.
(٥) الممتع شرح المقنع ٢ / ٤٤٢ - ٤٤٦، وكشاف القناع ٢ / ٤٩١.
التَّوَجُّهُ إِلَى عَرَفَةَ وَكَيْفِيَّةُ الْوُقُوفِ بِهَا:
٣٦ - إِذَا كَانَ صَبَاحُ يَوْمِ التَّاسِعِ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ يُصَلِّي الْحَاجُّ صَلاَةَ الْفَجْرَ فِي مِنًى، ثُمَّ يَمْكُثُ إِلَى أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ وَتُشْرِقَ عَلَى جَبَل ثَبِيرٍ، فَإِذَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ تَوَجَّهَ إِلَى عَرَفَاتٍ مَعَ السَّكِينَةِ وَالْوَقَارِ، مُلَبِّيًا مُهَلِّلًا مُكَبِّرًا، وَهَكَذَا مِنْ سَائِرِ الأَْذْكَارِ، وَيُسَنُّ أَنْ يَغْتَسِل لِلْوُقُوفِ، وَإِلاَّ فَلْيَتَوَضَّأْ.
وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقُول فِي التَّوَجُّهِ إِلَى عَرَفَاتٍ: اللَّهُمَّ إِلَيْكَ تَوَجَّهْتُ، وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ، وَوَجْهَكَ الْكَرِيمَ أَرَدْتُ، فَاجْعَل ذَنْبِي مَغْفُورًا، وَحَجِّي مَبْرُورًا، وَارْحَمْنِي وَلاَ تُخَيِّبْنِي، وَبَارِكْ فِي سَفَرِي، وَاقْضِ بِعَرَفَاتٍ حَاجَتِي إِنَّكَ عَلَى كُل شَيْءٍ قَدِيرٌ. (١)
٣٧ - وَإِذَا قَرُبَ مِنْ عَرَفَةَ وَوَقَعَ بَصَرُهُ عَلَى جَبَل الرَّحْمَةِ وَعَايَنَهُ يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يَقُول: اللَّهُمَّ إِلَيْكَ تَوَجَّهْتُ، وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ، وَوَجْهَكَ أَرَدْتُ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي وَتُبْ عَلَيَّ، وَأَعْطِنِي سُؤَالِي، وَوَجِّهْ إِلَيَّ الْخَيْرَ أَيْنَمَا تَوَجَّهْتُ، سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَلاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ. ثُمَّ يُلَبِّي إِلَى أَنْ يَدْخُل عَرَفَةَ وَيَنْزِل مَعَ النَّاسِ حَيْثُ شَاءَ،
_________
(١) تبيين الحقائق ٢ / ٢٣، ومغني المحتاج ١ / ٤٩٦، والأذكار للنووي ص٣٢٥ ط دار ابن كثير.
إِلاَّ الطَّرِيقَ، وَقُرْبُ الْجَبَل أَفْضَلُ، هَذَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ. (١) .
وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ يَنْزِل بِنَمِرَةَ وَيَمْكُثُ إِلَى الظُّهْرِ لِيَشْهَدَ مَعَ الإِْمَامِ الْخُطْبَةَ وَجَمْعَ صَلاَتَيِ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ. (٢)
وَلاَ يَشْتَغِل بَيْنَ الصَّلاَتَيْنِ بِالسُّنَنِ أَوِ التَّطَوُّعِ أَوْ بِشَيْءٍ غَيْرِهِمَا مِنْ أَكْلٍ أَوْ شُرْبٍ، وَيَقِفُ بِعَرَفَةَ إِلَى الْغُرُوبِ، وَالأَْفْضَل أَنْ يَنْزِل قُرْبَ جَبَل الرَّحْمَةِ، وَيُحَاوِل أَنْ يَكُونَ فِي مَوْقِفِ النَّبِيِّ ﷺ. وَهَذَا إِنْ تَيَسَّرَ مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ، وَإِذَا نَزَل فِي عَرَفَاتٍ يَمْكُثُ فِيهَا وَيَقِفُ لِلدُّعَاءِ مُسْتَقْبِلًا الْقِبْلَةَ رَافِعًا يَدَيْهِ بَاسِطَهُمَا، كَالْمُسْتَطْعَمِ الْمِسْكِينِ، كَمَا وَرَدَ فِي صِفَةِ دُعَاءِ رَسُول اللَّهِ ﷺ بِعَرَفَةَ (٣) .
وَيَجْهَرُ فِي التَّلْبِيَةِ مِنْ غَيْرِ مُبَالَغَةٍ، وَيَأْتِي بِصِيغَتِهَا الْمَعْرُوفَةِ: " لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لاَ شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ، لاَ شَرِيكَ لَكَ " وَمِمَّا وَرَدَ فِي التَّلْبِيَةِ بِعَرَفَةَ خَاصَّةً أَنَّهُ ﷺ لَمَّا وَقَفَ بِعَرَفَاتٍ قَال: " لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ " ثُمَّ
_________
(١) تبيين الحقائق ٢ / ٢٣، وابن عابدين ٢ / ١٧٣.
(٢) الذخيرة ٣ / ٢٥٥، والمجموع ٨ / ٨٥، ومغني المحتاج ١ / ٤٩٦، والمبدع ٣ / ٢٣٠.
(٣) حديث: " أن رسول الله؟ دعا بعرفة يداه إلى صدره كالمستطعم المسكين. . " أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (٥ / ١١٧) من حديث عبد الله بن عباس ﵄.
قَال: " إِنَّمَا الْخَيْرُ خَيْرُ الآْخِرَةِ ". وَفِي رِوَايَةٍ: " لَبَّيْكَ إِنَّ الْعَيْشَ عَيْشُ الآْخِرَةِ (١) .
وَأَمَّا الأَْدْعِيَةُ وَالأَْذْكَارُ فَإِخْفَاؤُهَا أَوْلَى إِلاَّ إِنِ احْتَاجَ أَنْ يُسْمِعَ مَنْ يَقْتَدِي بِهِ فِيهَا.
وَيُكَرِّرُ كُل دُعَاءٍ يَدْعُو بِهِ ثَلاَثًا، وَيَسْتَفْتِحُ الدُّعَاءَ بِالتَّحْمِيدِ وَالتَّمْجِيدِ وَالتَّسْبِيحِ وَالصَّلاَةِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ، وَيَخْتِمُهُ بِذَلِكَ، وَبِآمِينَ، وَيَسْتَمِرُّ هَكَذَا إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ، وَيُلَبِّي فِي أَثْنَاءِ ذَلِكَ سَاعَةً فَسَاعَةً، وَلْيُحَافِظْ عَلَى طَهَارَةِ ظَاهِرِهِ وَبَاطِنِهِ، وَلْيَتَبَاعَدْ عَنِ الْحَرَامِ فِي أَكْلِهِ وَشُرْبِهِ وَلُبْسِهِ وَرُكُوبِهِ وَنَظَرِهِ وَكَلاَمِهِ، وَكُل أَمْرِهِ، وَلْيَحْذَرْ مِنْ ذَلِكَ كُل الْحَذَرِ، فَقَدْ قَال ﷺ فِي يَوْمِ عَرَفَةَ: " إِنَّ هَذَا يَوْمٌ مَنْ مَلَكَ فِيهِ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ وَلِسَانَهُ غُفِرَ لَهُ " (٢) .
وَإِذَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ أَفَاضَ الإِْمَامُ - أَيْ سَارَ -
_________
(١) حديث: " تلبية النبي؟ في عرفات: لبيك اللهم لبيك. أخرجه مسلم (٢ / ٩٣٣) من حديث عبد الله بن مسعود ﵁. وأما حديث التلبية بزيادة: " إنما الخير خير الآخرة. . " فأخرجها ابن خزيمة في صحيحه (٤ / ٢٦٠) من حديث ابن عباس ﵄. وأما رواية: " لبيك إن العيش عيش الآخرة. . فأخرجها الشافعي في المسند (ترتيب المسند ١ / ٣٠٤ - ٣٠٥) من حديث مجاهد مرسلًا.
(٢) حديث: " إن هذا يوم من ملك فيه سمعه. . . " أخرجه أحمد (١ / ٣٢٩) وابن خزيمة (٤ / ٢٦١) من حديث ابن عباس.
مِنْ عَرَفَةَ وَسَارَ النَّاسُ مَعَهُ مِنْ غَيْرِ تَأَخُّرٍ، وَعَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ فِي بَاطِنِ نُفُوسِهِمْ، وَالْوَقَارُ؛ أَيِ الرَّزَانَةُ فِي الظَّاهِرِ، فَإِنْ وَجَدَ سَعَةً فِي الطَّرِيقِ أَسْرَعَ بِلاَ إِيذَاءٍ، مَاشِيًا أَوْ رَاكِبًا، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ فِي سَيْرِهِ مُلَبِّيًا مُكَبِّرًا مُهَلِّلًا مُسْتَغْفِرًا دَاعِيًا مُصَلِّيًا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ، ذَاكِرًا كَثِيرًا، بَاكِيًا أَوْ مُتَبَاكِيًا، وَيَدْعُو اللَّهَ أَلاَّ يَجْعَلَهُ آخِرَ الْعَهْدِ بِعَرَفَةَ. وَيَظَل عَلَى الذِّكْرِ وَالْخُشُوعِ حَتَّى يَصِل إِلَى الْمُزْدَلِفَةِ، وَلاَ يَلْتَفِتُ إِلَى شَيْءٍ، وَلاَ يُصَلِّي الْمَغْرِبَ وَلاَ الْعِشَاءَ حَتَّى يَدْخُل الْمُزْدَلِفَةَ، فَيَكُونُ بِذَلِكَ أَدَّى رَكْنَ الْوُقُوفِ تَامًّا بِفَضْل اللَّهِ تَعَالَى. (١)
وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَمْضِيَ عَلَى طَرِيقِ الْمَأْزِمَيْنِ، لأَِنَّهُ يُرْوَى أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَلَكَهَا (٢)، وَإِنْ سَلَكَ الطَّرِيقَ الأُْخْرَى جَازَ. (٣)
الأَْدْعِيَةُ الْمُسْتَحَبَّةُ فِي الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ:
٣٨ - يُسْتَحَبُّ الإِْكْثَارُ مِنَ الدُّعَاءِ (٤) وَمِنْ صِيَغِهِ
_________
(١) هداية السالك ٣ / ١٠٢١ - ١٠٢٨، والإيضاح ص٢٨٥، والفتاوى الهندية ١ / ٢٢٩.
(٢) حديث: " أن رسول الله؟ سلك طريق المأزمين. . " أخرجه البخاري (فتح الباري ٣ / ٥١٩) ومسلم (٢ / ٩٣٤) .
(٣) المغني لابن قدامة ٣ / ٤١٨، والإيضاح ص٢٧١، وابن عابدين ٢ / ١٧٦.
(٤) هداية السالك ٣ / ١٠٢١ - ١٠٢٨، والإيضاح ص٢٨٥، والفتاوى الهندية ١ / ٢٢٩.
مَا وَرَدَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄ أَنَّهُ ﷺ قَال: خَيْرُ الدُّعَاءِ دُعَاءُ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَخَيْرُ مَا قُلْتُ أَنَا وَالنَّبِيُّونَ مِنْ قَبْلِي: لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُل شَيْءٍ قَدِيرٌ (١) .
وَفِي الْبَيْهَقِيِّ: " قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: أَكْثَرُ دُعَائِي وَدُعَاءِ الأَْنْبِيَاءِ قَبْلِي بِعَرَفَةَ: لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُل شَيْءٍ قَدِيرٌ. اللَّهُمَّ اجْعَل فِي قَلْبِي نُورًا، وَفِي سَمْعِي نُورًا، وَفِي بَصَرِي نُورًا، اللَّهُمَّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي، وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ وَسْوَاسِ الصَّدْرِ وَشَتَاتِ الأَْمْرِ وَفِتْنَةِ الْقَبْرِ. اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا يَلِجُ فِي اللَّيْل وَشَرِّ مَا يَلِجُ فِي النَّهَارِ وَشَرِّ مَا تَهُبُّ بِهِ الرِّيَاحُ، وَمِنْ شَرِّ بَوَائِقِ الدَّهْرِ (٢) .
وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّهُ قَال: كَانَ مِمَّا دَعَا بِهِ رَسُول اللَّهِ ﷺ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ: " اللَّهُمَّ إِنَّكَ تَسْمَعُ كَلاَمِي، وَتَرَى مَكَانِي، وَتَعْلَمُ سِرِّي وَعَلاَنِيَتِي، لاَ يَخْفَى عَلَيْكَ شَيْءٌ مِنْ أَمْرِي، أَنَا الْبَائِسُ الْفَقِيرُ الْمُسْتَغِيثُ الْمُسْتَجِيرُ الْوَجِل
_________
(١) حديث: " خير الدعاء دعاء يوم عرفة. . تقدم فقرة (٢) .
(٢) حديث: " أكثر دعائي ودعاء الأنبياء. . " أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (٥ / ١١٧) من حديث علي بن أبي طالب ﵁، وذكر أن في إسناده راويًا ضعيفًا.
الْمُشْفِقُ الْمُقِرُّ الْمُعْتَرِفُ بِذَنْبِهِ، أَسْأَلُكَ مَسْأَلَةَ الْمِسْكِينِ، وَأَبْتَهِل إِلَيْكَ ابْتِهَال الْمُذْنِبِ الذَّلِيلِ، وَأَدْعُوكَ دُعَاءَ الْخَائِفِ الضَّرِيرِ، مَنْ خَضَعَتْ لَكَ رَقَبَتُهُ، وَفَاضَتْ لَكَ عَيْنَاهُ، وَذَل لَكَ جَسَدُهُ، وَرَغِمَ أَنْفُهُ لَكَ، اللَّهُمَّ لاَ تَجْعَلْنِي بِدُعَائِكِ شَقِيًّا، وَكُنْ بِي رَؤُوفًا رَحِيمًا، يَا خَيْرَ الْمَسْؤُولِينَ وَيَا خَيْرَ الْمُعْطِينَ (١) .
وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّهُ كَانَ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ يَرْفَعُ صَوْتَهُ: " لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُل شَيْءٍ قَدِيرٌ، اللَّهُمَّ اهْدِنَا بِالْهُدَى، وَزَيِّنَّا بِالتَّقْوَى وَاغْفِرْ لَنَا فِي الآْخِرَةِ وَالأُْولَى " ثُمَّ يَخْفِضُ صَوْتَهُ ثُمَّ يَقُول: " اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ وَعَطَائِكَ رِزْقًا طَيِّبًا مُبَارَكًا، اللَّهُمَّ إِنَّكَ أَمَرْتَ بِالدُّعَاءِ وَقَضَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ بِالاِسْتِجَابَةِ، وَأَنْتَ لاَ تُخْلِفُ وَعْدَكَ وَلاَ تُكَذِّبُ عَهْدَكَ، اللَّهُمَّ مَا أَحْبَبْتَ مِنْ خَيْرٍ فَحَبِّبْهُ إِلَيْنَا وَيَسِّرْهُ لَنَا، وَمَا كَرِهْتَ مِنْ شَيْءٍ
_________
(١) حديث ابن عباس: " كان مما دعا به رسول الله؟ في حجة الوداع. . . " أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (١١ / ١٧٤ - ١٧٥)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣ / ٢٥٢): رواه الطبراني في الكبير والصغير، وفيه يحيى بن صالح الديلي، قال العقيلي: روى عنه يحيى بن بكير مناكير، وبقية رجاله رجال الصحيح.