الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤٥ الصفحة 63

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤٥

يُبَيِّتْ فِيهِ النِّيَّةَ مِنَ الْفَجْرِ. (١)

وَنَصَّ الشَّافِعِيَّةُ عَلَى أَنَّ صَوْمَ يَوْمِ الشَّكِّ لاَ يَحِل إِذَا كَانَ بِغَيْرِ سَبَبٍ، فَإِذَا صَامَهُ لَمْ يَصِحَّ فِي الأَْصَحِّ، وَلَهُ صَوْمُهُ عَنِ الْقَضَاءِ وَالنَّذْرِ، وَكَذَا لَوْ وَافَقَ عَادَةَ تَطَوُّعِهِ، قَال الإِْسْنَوِيُّ: " الْمَعْرُوفُ الْمَنْصُوصُ الَّذِي عَلَيْهِ الأَْكْثَرُونَ: الْكَرَاهَةُ لاَ التَّحْرِيمُ، قَال الشِّرْبِينِيُّ: " وَالْمُعْتَمَدُ مَا فِي الْمَتْنِ " أَيِ التَّحْرِيمُ. (٢)

وَنَصَّ الْحَنَابِلَةُ عَلَى كَرَاهَةِ صَوْمِ يَوْمِ الشَّكِّ إِذَا صَامَهُ بِنِيَّةِ الرَّمَضَانِيَّةِ احْتِيَاطًا. (٣) وَقَال الْخِرَقِيُّ: إِذَا مَضَى مِنْ شَعْبَانَ تِسْعَةٌ وَعِشْرُونَ يَوْمًا طَلَبُوا الْهِلاَل، فَإِنْ كَانَتِ السَّمَاءُ مُصْحِيَةً لَمْ يَصُومُوا ذَلِكَ الْيَوْمَ، وَإِنْ حَال دُونَ مَنْظَرِهِ غَيْمٌ أَوْ قَتَرٌ وَجَبَ صِيَامُهُ، وَقَدْ أَجْزَأَ إِذَا كَانَ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ.

وَقَال ابْنُ قُدَامَةَ: اخْتَلَفَتِ الرِّوَايَةُ عَنْ أَحْمَدَ، فَرُوِيَ عَنْهُ مِثْل مَا نَقَل الْخِرَقِيُّ، اخْتَارَهَا أَكْثَرُ شُيُوخِ أَصْحَابِنَا، وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّ النَّاسَ تَبَعٌ لِلإِْمَامِ، فَإِنْ صَامَ صَامُوا وَإِنْ أَفْطَرَ أَفْطَرُوا، وَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ ثَالِثَةٌ: لاَ يَجِبُ صَوْمُهُ وَلاَ يُجْزِئُهُ عَنْ رَمَضَانَ إِنْ صَامَهُ. (٤)

_________

(١) شرح أبي الحسن على رسالة ابن أبي زيد ١ / ٣٩٠ - ٣٩١.

(٢) مغني المحتاج ١ / ٤٢٥، ٤٣٣، وحاشية عميرة ٢ / ٦٠ - ٦١.

(٣) الانصاف ٣ / ٣٤٩.

(٤) المغني ٣ / ٨٩.

يَوْمُ عَرَفَةَ

التَّعْرِيفُ:

يَوْمُ عَرَفَةَ مُرَكَّبٌ مِنْ لَفْظَيْنِ: يَوْمٌ، وَعَرَفَةُ.

أَمَّا الْيَوْمُ فَقَدْ سَبَقَ تَعْرِيفُهُ فِي مُصْطَلَحِ: يَوْم (انْظُرْ ف١) .

وَأَمَّا عَرَفَةُ: فَهُوَ اسْمٌ لِلْمَوْقِفِ الْمَعْرُوفِ، وَيَتِمُّ الْحَجُّ بِالْوُقُوفِ بِهِ، وَحَدُّهُ مِنَ الْجَبَل الْمُشْرِفِ عَلَى بَطْنِ عُرَنَةَ إِلَى الْجِبَال الْمُقَابِلَةِ إِلَى مَا يَلِي حَوَائِطَ بَنِي عَامِرٍ.

وَيَوْمُ عَرَفَةَ هُوَ التَّاسِعُ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ (١) .

فَضْل يَوْمِ عَرَفَةَ:

٢ - لَقَدْ وَرَدَتْ فِي فَضْل يَوْمِ عَرَفَةَ أَحَادِيثُ وَآثَارٌ، مِنْهَا:

عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: مَا مِنْ يَوْمٍ أَكْثَرَ مِنْ أَنْ يُعْتِقَ اللَّهُ فِيهِ عَبْدًا مِنَ النَّارِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَإِنَّهُ لَيَدْنُو ثُمَّ يُبَاهِي بِهِمُ

_________

(١) المصباح المنير، ومراصد الاطلاع على أسماء الأمكنة والبقاع، وقواعد الفقه للبركتي.

الْمَلاَئِكَةَ، فَيَقُول: مَا أَرَادَ هَؤُلاَءِ (١) .

وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄ أَنَّهُ ﷺ قَال: خَيْرُ الدُّعَاءِ دُعَاءُ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَخَيْرُ مَا قُلْتُ أَنَا وَالنَّبِيُّونَ مِنْ قَبْلِي: " لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُل شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢) .

وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: مَا مِنْ يَوْمٍ أَفْضَل عِنْدَ اللَّهِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ، يَنْزِل اللَّهُ تَعَالَى إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا فَيُبَاهِي بِأَهْل الأَْرْضِ أَهْل السَّمَاءِ، فَيَقُول: انْظُرُوا إِلَى عِبَادِي شُعْثًا غُبْرًا ضَاحِينَ، جَاءُوا مِنْ كُل فَجٍّ عَمِيقٍ، يَرْجُونَ رَحْمَتِي وَلَمْ يَرَوْا عَذَابِي. فَلَمْ يُرَ يَوْمٌ أَكْثَرُ عِتْقًا مِنَ النَّارِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ (٣) .

وَعَنْهُ ﷺ قَال: مَا رُئِيَ الشَّيْطَانُ يَوْمًا هُوَ فِيهِ أَصْغَرُ وَلاَ أَدْحَرُ وَلاَ أَحْقَرُ وَلاَ أَغْيَظُ مِنْهُ فِي يَوْمِ عَرَفَةَ، وَمَا ذَاكَ إِلاَّ لِمَا رَأَى مِنْ تَنَزُّل الرَّحْمَةِ وَتَجَاوُزِ اللَّهِ عَنِ الذُّنُوبِ الْعِظَامِ، إِلاَّ مَا أُرِيَ يَوْمَ بَدْرٍ، قِيل: وَمَا رَأَى يَوْمَ بَدْرٍ يَا رَسُول اللَّهِ؟

_________

(١) حديث: " ما من يوم أكثر أن يعتق الله. . . " أخرجه مسلم (٢ / ٩٨٣)

(٢) حديث: " خير الدعاء دعاء يوم عرفة. . . " أخرجه الترمذي (٥ / ٥٧٢) وقال: حديث غريب.

(٣) حديث: " ما من يوم أفضل عند الله من يوم عرفة. . " أخرجه ابن حبان (الإحسان ٩ / ١٦٤ - ط الرسالة) .

قَال: أَمَا إِنَّهُ قَدْ رَأَى جِبْرِيل يَزَعُ الْمَلاَئِكَةَ (١) .

وَ" عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْيَهُودِ قَال لَهُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، آيَةٌ فِي كِتَابِكُمْ تَقْرَؤُونَهَا لَوْ عَلَيْنَا مَعْشَرَ الْيَهُودِ نَزَلَتْ لاَتَّخَذْنَا ذَلِكَ الْيَوْمَ عِيْدًا! قَال: أَيُّ آيَةٍ؟ قَال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِْسْلاَمَ دِينًا (٢)﴾ .

قَال عُمَرُ: " قَدْ عَرَفْنَا ذَلِكَ الْيَوْمَ وَالْمَكَانَ الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ: وَهُوَ قَائِمٌ بِعَرَفَةَ يَوْمَ جُمُعَةٍ " (٣) .

وَذَهَبَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّهُ إِذَا وَقَعَ الْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ كَانَ لِتِلْكَ الْحَجَّةِ فَضْلٌ عَلَى غَيْرِهَا. (٤)

وَفِيهِ حَجَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ حَجَّةَ الْوَدَاعِ وَكَانَ وَاقِفًا إِذْ نَزَل قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِْسْلاَمَ دِينًا (٥)﴾ .

_________

(١) حديث: " ما رؤي الشيطان يوما. . . " أخرجه مالك في الموطأ (١ / ٤٢٢) من حديث طلحة بن عبيد الله مرسلًا.

(٢) سورة المائدة / ٣.

(٣) حديث: " أن رجلًا من اليهود قال لعمر. . . " أخرجه البخاري (الفتح ١ / ١٠٥) ومسلم (٤ / ٢٣١٢) واللفظ للبخاري.

(٤) حاشية ابن عابدين ٢ / ٢٥٤، وتبيين الحقائق ٢ / ٢٦، والشرح الصغير ١ / ٤٩٣، ومغني المحتاج ١ / ٤٩٧، وكشاف القناع ٢ / ٤٩٥.

(٥) سورة المائدة / ٣.

الأَْحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِيَوْمِ عَرَفَةَ:

تَتَعَلَّقُ بِيَوْمِ عَرَفَةَ أَحْكَامٌ، مِنْهَا:

أَوَّلًا: الْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ:

٣ - الْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْحَجِّ، ثَبَتَتْ رُكْنِيَّتُهُ بِالسُّنَّةِ وَالإِْجْمَاعِ:

أَمَّا السُّنَّةُ فَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَعْمُرَ الدِّيَلِيِّ أَنَّ نَاسًا مِنْ أَهْل نَجْدٍ أَتَوْا رَسُول اللَّهِ ﷺ وَهُوَ بِعَرَفَةَ، فَسَأَلُوهُ فَأَمَرَ مُنَادِيًا فَنَادَى: الْحَجُّ عَرَفَةُ، مَنْ جَاءَ لَيْلَةَ جَمْعٍ قَبْل طُلُوعِ الْفَجْرِ فَقَدْ أَدْرَكَ الْحَجَّ، أَيَّامُ مِنًى ثَلاَثَةٌ، فَمَنْ تَعَجَّل فِي يَوْمَيْنِ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ، وَمِنْ تَأَخَّرَ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ (١) .

وَعَنْ عُرْوَةَ بْنِ مُضَرِّسٍ الطَّائِيِّ قَال: " أَتَيْتُ رَسُول اللَّهِ ﷺ بِالْمُزْدَلِفَةِ حِينَ خَرَجَ إِلَى الصَّلاَةِ فَقُلْتُ: يَا رَسُول اللَّهِ إِنِّي جِئْتُ مِنْ جَبَل طَيِّءٍ أَكْلَلْتُ رَاحِلَتِي، وَأَتْعَبْتُ نَفْسِي، وَاللَّهِ مَا تَرَكْتُ مِنْ جَبَلٍ إِلاَّ وَقَفْتُ عَلَيْهِ، فَهَل لِي مِنْ حَجٍّ؟ فَقَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: مَنْ شَهِدَ صَلاَتَنَا هَذِهِ، وَوَقَفَ مَعَنَا حَتَّى نَدْفَعَ، وَقَدْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ قَبْل ذَلِكَ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَقَدْ أَتَمَّ حَجَّهُ وَقَضَى تَفَثَهُ (٢) .

_________

(١) حديث: " الحج عرفة. . . أخرجه الترمذي (٣ / ٢٢٨، و٥ / ٢١٤) وقال: حديث حسن صحيح.

(٢) حديث عروة بن مضّرس الطائي: " أتيت رسول الله؟. . " أخرجه الترمذي (٣ / ٢٢٩ - ٢٣٠) وقال: حديث حسن صحيح.

وَأَمَّا الإِْجْمَاعُ فَقَدْ أَجْمَعَتِ الأُْمَّةُ عَلَى أَنَّ الْوُقُوفَ بِعَرَفَةَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْحَجِّ. (١) فَمَنْ تَرَكَهُ أَوْ أَخَّرَهُ عَنْ وَقْتِهِ فَقَدْ فَاتَهُ الْحَجُّ إِجْمَاعًا، وَيَتَحَلَّل بِأَدَاءِ أَفْعَال الْعُمْرَةِ، وَعَلَيْهِ الْحَجُّ مِنْ قَابِلٍ، عَلَى تَفْصِيلٍ فِي الْمَذَاهِبِ يُنْظَرُ فِي (فَوَات ف٨ - ٩) .

شُرُوطُ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ:

٤ - لِلْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ بِاعْتِبَارِهِ رُكْنًا مِنْ أَرْكَانِ الْحَجِّ شَرْطَانِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا:

أَحَدُهُمَا: كَوْنُ الْوُقُوفِ فِي أَرْضِ عَرَفَاتٍ.

وَلِلتَّفْصِيل فِي مَعْرِفَةِ حُدُودِ عَرَفَةَ يُنْظَرُ مُصْطَلَحُ (عَرَفَات ف ٢) .

الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الْوُقُوفُ فِي زَمَانِ الْوُقُوفِ وَهُوَ الْيَوْمُ التَّاسِعُ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ وَهُوَ يَوْمُ عَرَفَةَ، وَلَيْلَةُ الْعَاشِرِ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ إِلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ، فَمَنْ طَلَعَ الْفَجْرُ وَلَمْ يَقِفْ فِي شَيْءٍ مِنْ عَرَفَةَ فَقَدْ فَاتَهُ الْحَجُّ. (٢)

وَزَادَ الشَّافِعِيَّةُ فِي شُرُوطِ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ أَنْ

_________

(١) بدائع الصنائع ٢ / ١٢٥، وبداية المجتهد ١ / ٣٣٥، والمجموع ٨ / ١٠٨، والمغني ٣ / ٤١٠.

(٢) البحر الرائق ٢ / ٣٦٥، وشرح العمدة ٢ / ٥٧٦ - ٥٧٧، والمجموع ٨ / ١١٠، ونهاية المحتاج ٣ / ٢٩٠.

يَكُونَ مُحْرِمًا أَهْلًا لِلْعِبَادَةِ، فَلاَ يَكْفِي حُضُورُ غَيْرِ الأَْهْل لَهَا كَالْمَجْنُونِ وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ وَالسَّكْرَانِ إِذَا اسْتَغْرَقَ حَالُهُمْ جَمِيعَ وَقْتِ الْوُقُوفِ. وَقَالُوا: لَكِنْ يَقَعُ حَجُّ الْمَجْنُونِ نَفْلًا كَالصَّبِيِّ الَّذِي لاَ يُمَيِّزُ فَيَبْنِي وَلِيُّهُ بَقِيَّةَ الأَْعْمَال. (١)

وَقْتُ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ:

٥ - الْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْحَجِّ، وَقَدِ اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ آخِرَ وَقْتٍ لِلْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ هُوَ طُلُوعُ فَجْرِ يَوْمِ النَّحْرِ (الْعَاشِرِ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ) .

وَاخْتَلَفُوا فِي ابْتِدَاءِ وَقْتِ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ.

فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ أَوَّلَهُ زَوَال شَمْسِ يَوْمِ عَرَفَةَ.

وَذَهَبَ مَالِكٌ إِلَى أَنَّ وَقْتَ الْوُقُوفِ هُوَ اللَّيْل.

وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ مِنْ طُلُوعِ فَجْرِ يَوْمِ عَرَفَةَ إِلَى طُلُوعِ فَجْرِ يَوْمِ النَّحْرِ. وَانْظُرِ التَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (حَجّ ف ٤٩، ٥٠، ٥١) .

الزَّمَنُ الْمُجْزِئُ لِلْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ:

٦ - بَيَّنَ الْفُقَهَاءُ مِقْدَارَ الزَّمَنِ الْمُجْزِئِ لِلْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ، كَمَا بَيَّنُوا الْحُكْمَ عِنْدَ فَوَاتِهِ.

وَانْظُرِ التَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (حَجّ ٧٧ وَ١٢٣، وَفَوَات ف: ٨ - ١٢، وَطَوَاف ف ١٦) .

_________

(١) المجموع ٨ / ١١٠، وإعانة الطالبين ٢ / ٢٨٧.

وَاجِبُ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ:

٧ - هُوَ الْجَمْعُ بَيْنَ اللَّيْل وَالنَّهَارِ لِمَنْ وَقَفَ بِهَا نَهَارًا، بِأَنْ يَسْتَمِرَّ إِلَى أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنَ الْمَذْهَبِ وَمُقَابِل الصَّحِيحِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ.

وَيَرَى الشَّافِعِيَّةُ فِي الصَّحِيحِ وَالإِْمَامُ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ أَنَّهُ سُنَّةٌ.

وَيَرَى الْمَالِكِيَّةُ أَنَّهُ يَجِبُ الْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ نَهَارًا، أَمَّا الْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ لَيْلًا وَلَوْ لَحْظَةٍ فَهُوَ رُكْنٌ. (١)

وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: مَنْ لَمْ يُوَافِ عَرَفَةَ إِلاَّ لَيْلًا فَيُجْزِئُهُ الْوُقُوفُ وَلَوْ لَحْظَةً فِي بَعْضِ جَوَانِبِهَا، لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: مَنْ جَاءَ لَيْلَةَ جَمْعٍ قَبْل طُلُوعِ الْفَجْرِ فَقَدْ أَدْرَكَ الْحَجَّ (٢) . وَلاَ دَمَ عَلَيْهِ، لأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ ذَكَرَ أَنَّهُ يُدْرِكُ الْحَجَّ وَأَنَّهُ قَدْ تَمَّ حَجُّهُ وَقَضَى تَفَثَهُ، وَلَمْ يَذْكُرْ أَنَّ عَلَيْهِ دَمًا، وَتَأْخِيرُ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ لاَ يَجُوزُ. (٣)

وَهُنَا مَسَائِل أَبْرَزَهَا الْفُقَهَاءُ وَبَيَّنُوا حُكْمَهَا:

٨ - الْمَسْأَلَةُ الأُْولَى: إِذَا جَاوَزَ عَرَفَةَ قَبْل

_________

(١) الدسوقي ٢ / ٣٥، ٣٦، ومغني المحتاج ١ / ٤٩٦، ٤٩٨، ونهاية المحتاج ٢ / ٤٢٢، والإنصاف ٤ / ٥٩، والمغني لابن قدامة ٣ / ٣٧١.

(٢) حديث: " من جاء ليلة جمع قبل طلوع الفجر. . تقدم فقرة (٣) .

(٣) المجموع ٨ / ١٠٢، وشرح العمدة في بيان مناسك الحج والعمرة ٢ / ٥٧٨.

غُرُوبِ الشَّمْسِ وَلَمْ يَعُدْ إِلَيْهَا، فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِهِ وَلَهُمْ ثَلاَثَةُ آرَاءٍ:

الرَّأْيُ الأَْوَّل: يَرَى الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي قَوْلٍ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ دَمٌ لِتَرْكِهِ الْوَاجِبَ، كَمَا لَوْ تَرَكَ غَيْرَهُ مِنَ الْوَاجِبَاتِ، إِذْ أَنَّهُ تَرَكَ نُسُكًا فَعَلَهُ النَّبِيُّ ﷺ وَهُوَ الْجَمْعُ بَيْنَ اللَّيْل وَالنَّهَارِ، وَالأَْصْل فِي تَرْكِ النُّسُكِ إِيجَابُ الدَّمِ إِلاَّ مَا خَرَجَ بِدَلِيلٍ.

الرَّأْيُ الثَّانِي: يَرَى الشَّافِعِيَّةُ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يُرِيقَ دَمًا اسْتِحْبَابًا خُرُوجًا مِنْ خِلاَفِ مَنْ أَوْجَبَهُ.

الرَّأْيُ الثَّالِثُ: يَرَى الْمَالِكِيَّةُ أَنَّهُ قَدْ فَاتَهُ الْحَجُّ، لأَِنَّ الْوُقُوفَ بِعَرَفَةَ سَاعَةً بَعْدَ الْغُرُوبِ رُكْنٌ لاَ يَنْجَبِرُ بِالدَّمِ. (١)

٩ - الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: إِذَا جَاوَزَ عَرَفَةَ، ثُمَّ عَادَ إِلَيْهَا قَبْل غُرُوبِ الشَّمْسِ، فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِهِ:

فَيَرَى الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ أَنَّهُ إِذَا عَادَ إِلَى عَرَفَةَ قَبْل الْغُرُوبِ فَلاَ دَمَ عَلَيْهِ، لأَِنَّهُ جَمَعَ بَيْنَ اللَّيْل وَالنَّهَارِ، غَيْرَ أَنَّ الْحَنَفِيَّةَ

_________

(١) بدائع الصنائع ٢ / ١٢٧، وحاشية ابن عابدين ٢ / ١٧٦، وحاشية الدسوقي ٢ / ٣٦، وعقد الجواهر الثمينة ١ / ٤٠٦، والمدونة ١ / ٤١٣، ومغني المحتاج ١ / ٤٩٨، ٤٩٩، ونهاية المحتاج ٢ / ٤٢٢، والمغني ٣ / ٣٧١، والفروع ٣ / ٥١٠، وكشاف القناع ٢ / ٤٩٥.

قَالُوا: إِنَّهُ إِذَا عَادَ إِلَيْهَا قَبْل الْغُرُوبِ قَبْل أَنْ يَدْفَعَ الإِْمَامُ سَقَطَ عَنْهُ الدَّمُ، لأَِنَّهُ اسْتَدْرَكَ الْمَتْرُوكَ، إِذْ جَمَعَ بَيْنَ اللَّيْل وَالنَّهَارِ، وَعِنْدَ زُفَرَ لاَ يَسْقُطُ.

أَمَّا إِنْ عَادَ إِلَى عَرَفَةَ قَبْل غُرُوبِ الشَّمْسِ بَعْدَمَا خَرَجَ الإِْمَامُ مِنْ عَرَفَةَ فَقَدْ ذَكَرَ الْكَرْخِيُّ أَنَّهُ يَسْقُطُ عَنْهُ الدَّمُ أَيْضًا، وَكَذَا رَوَى ابْنُ شُجَاعٍ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الدَّمَ يَسْقُطُ عَنْهُ أَيْضًا، وَذَكَرَ فِي الأَْصْل أَنَّهُ لاَ يَسْقُطُ عَنْهُ الدَّمُ. (١)

١٠ - الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: إِذَا جَاوَزَ عَرَفَةَ ثُمَّ عَادَ إِلَيْهَا بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ:

فَيَرَى الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي مُقَابِل الأَْصَحِّ أَنَّهُ لاَ يَسْقُطُ عَنْهُ الدَّمُ، لأَِنَّهُ لَمَّا غَرَبَتِ الشَّمْسُ عَلَيْهِ قَبْل الْعَوْدِ، فَقَدْ تَقَرَّرَ عَلَيْهِ الدَّمُ الْوَاجِبُ، فَلاَ يُحْتَمَل السُّقُوطُ بِالْعُودِ؛ لأَِنَّ النُّسُكَ الْوَارِدَ هُوَ الْجَمْعُ بَيْنَ آخِرِ النَّهَارِ وَأَوَّل اللَّيْل وَقَدْ فَاتَهُ.

وَيَرَى الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي الأَْصَحِّ أَنَّهُ لاَ دَمَ عَلَيْهِ؛ لأَِنَّهُ جَمَعَ بَيْنَ اللَّيْل وَالنَّهَارِ، وَصَحَّحَ فِي الْمَجْمُوعِ الْقَطْعَ بِهِ. (٢)

الْخَطَأُ فِي الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ:

الْخَطَأُ فِي الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ لاَ يَخْلُو: إِمَّا أَنْ يَكُونَ فِي الْمَكَانِ وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ فِي الزَّمَانِ.

_________

(١) المراجع السابقة.

(٢) المراجع السابقة.