الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤٥ الصفحة 62

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤٥

تَتَّفِقْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ عَلَى تَعْظِيمِهِمَا مَعًا، قَال ابْنُ عَابِدِينَ: وَيَظْهَرُ لِي الثَّانِي بِدَلِيل أَنَّهُ لَوْ صَامَ الأَْحَدَ مَعَ الاِثْنَيْنِ تَزُول الْكَرَاهَةُ؛ لأَِنَّهُ لَمْ يُعَظِّمْ أَحَدٌ مِنْهُمْ هَذَيْنِ الْيَوْمَيْنِ مَعًا، وَإِنْ عَظَّمَتِ النَّصَارَى الأَْحَدَ (١) .

ب - إِفْسَادُ الْمُسْلِمِ عِبَادَةَ زَوْجَتِهِ الْيَهُودِيَّةِ:

٤ - نَصَّ الْحَنَابِلَةُ عَلَى أَنَّهُ لاَ يُكْرِهُ الْمُسْلِمُ امْرَأَتَهُ الْيَهُودِيَّةَ عَلَى إِفْسَادِ يَوْمِ السَّبْتِ مَعَ تَأَكُّدِ حَقِّهِ.

وَنَصَّ الْمَالِكِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ لِلْمُسْلِمِ إِكْرَاهُ زَوْجَتِهِ الْكِتَابِيَّةِ عَلَى مَا لاَ يَحِل لَهَا فِي دِينِهَا. (٢) (ر: أَهْل الذِّمَّةِ ف ٢٣ - ٢٥) .

جـ - تَرْكُ الْيَهُودِيِّ طَلَبَ الشُّفْعَةِ يَوْمَ السَّبْتِ:

٥ - نَصَّ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ إِذَا عَلِمَ الْيَهُودِيُّ بَيْعَ شَرِيكِهِ شِقْصَهُ فِي الْعَقَارِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَهُمَا فِي يَوْمِ سَبْتِهِ، فَلَمْ يَطْلُبِ الشُّفْعَةَ لِذَلِكَ، سَقَطَ حَقُّهُ فِي الشُّفْعَةِ، وَلَمْ يُعَدَّ سَبْتُهُ عُذْرًا (٣) .

(ر: أَهْل الذِّمَّةِ ف ٢٣ - ٢٥) .

_________

(١) حاشية ابن عابدين ٢ / ٨٤، والمغني ٣ / ٦٦، ومغني المحتاج ١ / ٤٤٧، وشرح المحلي مع القليوبي ٢ / ٧٤.

(٢) الفروع ٦ / ٢٨٢، والفواكه الدواني ١ / ٣٥٦.

(٣) ابن عابدين ٥ / ١٥٨، وغمز عيون البصائر ٣ / ١٨٦.

د - إِحْضَارُ الْيَهُودِيِّ إِلَى مَجْلِسِ الْقَضَاءِ يَوْمَ السَّبْتِ:

٦ - إِنْ طُلِبَ خَصْمٌ يَهُودِيٌّ فِي دَعْوَى مِنَ الْقَاضِي إِحْضَارُهُ أَمَامَ الْمَحْكَمَةِ يَوْمَ سَبْتِهِ فَإِنَّ الْقَاضِيَ يُكَلِّفُهُ بِالْحُضُورِ، وَلاَ يَكُونُ سَبْتُهُ عُذْرًا.

نَصَّ عَلَى ذَلِكَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ، وَهُوَ رَأْيٌ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، وَأَحَدُ الْوَجْهَيْنِ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ.

وَالرَّأْيُ الآْخَرُ لِلْمَالِكِيَّةِ: أَنَّهُ يُكْرَهُ إِلْزَامُ الْيَهُودِيِّ بِالْحُضُورِ إِلَى مَجْلِسِ الْقَضَاءِ يَوْمَ السَّبْتِ؛ لأَِنَّا أَقْرَرْنَاهُمْ بِأَخْذِ الْجِزْيَةِ مِنْهُمْ عَلَى تَعْظِيمِهِمُ السَّبْتَ وَعَدَمِ انْتِهَاكِ حُرْمَتِهِ.

وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ إِحْضَارُ الْيَهُودِيِّ إِلَى مَجْلِسِ الْقَضَاءِ يَوْمَ السَّبْتِ لِبَقَاءِ تَحْرِيمِهِ عَلَيْهِمْ. (١)

هـ - تَغْلِيظُ أَيْمَانِ الْيَهُودِ بِإِجْرَائِهَا يَوْمَ السَّبْتِ:

٧ - نَصَّ الْحَنَابِلَةُ عَلَى أَنَّ أَهْل الذِّمَّةِ يُحَلَّفُونَ فِي الأَْزْمِنَةِ الَّتِي يُعَظِّمُونَهَا كَيَوْمِ السَّبْتِ وَالأَْحَدِ (٢) .

_________

(١) ابن عابدين ٥ / ١٥٨، وغمز عيون البصائر ٣ / ١٨٦ - ١٨٧، وحاشية الدسوقي ٤ / ١٤٠، والإنصاف ٤ / ٢٤٨، ١٠ / ٤٠٨، وأسنى المطالب ٤ / ٤٢١، وتحفة المحتاج ١٠ / ١٨٨ - ١٨٩.

(٢) الإنصاف ١٢ / ١٢٣.

وَنَصَّ الشَّافِعِيَّةُ فِي بَابِ اللِّعَانِ عَلَى أَنَّ التَّغْلِيظَ فِي حَقِّ الْكُفَّارِ بِالزَّمَانِ مُعْتَبَرٌ بِأَشْرَفِ الأَْوْقَاتِ عِنْدَهُمْ (١) . وَنَصَّ الْمَالِكِيَّةُ عَلَى أَنَّ فِي تَمْكِينِ الْمُسْلِمِ مِنَ اسْتِحْلاَفِ الْيَهُودِيِّ يَوْمَ السَّبْتِ قَوْلَيْنِ:

الأَْوَّل لِلْقَابِسِيِّ، وَخَصَّ بَعْضُهُمُ الْخِلاَفَ بِالْيَهُودِيِّ؛ لأَِنَّ النَّصْرَانِيَّ لاَ يُعَظِّمُ يَوْمًا، وَعَمَّمَهُ ابْنُ عَاتٍ فِيهِمَا (٢) .

فَمَنْ لاَ يُجِيزُ اسْتِحْلاَفَ الْيَهُودِيِّ يَوْمَ السَّبْتِ فَلاَ يَتَأَتَّى عِنْدَهُ تَغْلِيظُ الْيَمِينِ فِي هَذَا الْيَوْمِ.

وـ الاِحْتِجَامُ فِي يَوْمِ السَّبْتِ:

٨ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الاِحْتِجَامِ فِي يَوْمِ السَّبْتِ:

فَيَرَى الْمَالِكِيَّةُ وَأَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ أَنَّهُ لاَ بَأْسَ فِي الاِحْتِجَامِ فِي يَوْمِ السَّبْتِ.

وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ تُكْرَهُ الْحِجَامَةُ يَوْمَ السَّبْتِ، قَال ابْنُ مُفْلِحٍ: الْمُرَادُ بِلاَ حَاجَةٍ (٣) .

وَجَاءَ فِي الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّةِ: الْحِجَامَةُ بَعْدَ نِصْفِ الشَّهْرِ يَوْمَ السَّبْتِ حَسَنٌ نَافِعٌ جِدًّا، وَيُكْرَهُ قَبْل نِصْفِ الشَّهْرِ (٤) .

_________

(١) أسنى المطالب مع فتاوى الرملي ٣ / ٣٨٥، وانظر نهاية المحتاج ٧ / ١١٠ - ١١١.

(٢) التاج والإكليل بهامش مواهب الجليل ٦ / ١٢٠.

(٣) المنتقى للباجي ٧ / ٢٩٥، والإنصاف ١ / ١٢٧.

(٤) الفتاوى الهندية ٥ / ٣٥٥.

ز - زِيَارَةُ الْمَرِيضِ يَوْمَ السَّبْتِ:

٩ - نَصَّ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ لاَ يُكْرَهُ زِيَارَةُ الْمَرِيضِ يَوْمَ السَّبْتِ؛ لِمَا رُوِيَ مِنْ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَتَفَقَّدُ أَهْل قُبَاءَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فَيَسْأَل عَنِ الْمَفْقُودِ، فَيُقَال لَهُ: إِنَّهُ مَرِيضٌ، فَيَذْهَبُ يَوْمَ السَّبْتِ لِزِيَارَتِهِ (١) .

كَمَا نَصُّوا عَلَى أَنَّ تَرْكَ الزِّيَارَةِ يَوْمَ السَّبْتِ بِدْعَةٌ لاَ أَصِل لَهَا، إِلاَّ أَنْ كُلًّا مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ نَصُّوا عَلَى أَنَّهُ إِذَا كَانَتْ زِيَارَةُ الْمَرِيضِ يَوْمَ السَّبْتِ يَتَشَاءَمُ مِنْهَا الْمَرِيضُ وَيَحْصُل بِهِ ضَرَرٌ لَهُ، فَإِنَّهُ لاَ يُعَادُ فِي هَذَا الْيَوْمِ؛ لأَِنَّ ذَلِكَ يُؤْذِي الْمَرِيضَ وَيَزِيدُ فِي مَرَضِهِ (٢) .

ح - إِلْزَامُ الْيَهُودِيِّ الْمُسْتَأْجَرِ بِالْعَمَل يَوْمَ السَّبْتِ:

١٠ - نَصَّ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ عَلَى أَنَّهُ إِذَا أَجَّرَ الْيَهُودِيُّ نَفْسَهُ مُدَّةً مَعْلُومَةً تَتَخَلَّلُهَا سُبُوتٌ: فَإِنِ اسْتَثْنَى الْعَمَل فِيهَا لَمْ يَلْزَمْهُ الْعَمَل فِي السُّبُوتِ.

_________

(١) حديث: " أن النبي ﷺ كان يتفقد أهل قباء يوم الجمعة. . " أورده ابن عابدين (٥ / ٢٤٩) ولم يعزه إلى أي مصدر حديثي، ولم نهتد لمن أخرجه. ولكن ذكر ابن حجر في فتح الباري (٣ / ٧٠ - طـ السلفية) في (باب إتيان مسجد قباء ماشيا وراكبا): بأن مجيئه ﷺ إلى قباء إنما كان لمواصلة الأنصار وتفقد حالهم وحال من تأخر منهم عن حضور الجمعة معه

(٢) حاشية ابن عابدين ٥ / ٢٤٩، والفتاوى الكبرى للهيتمي٢ / ٣١، والمدخل لابن الحاج ١ / ٢٣٠.

وَاخْتَلَفُوا فِي إِلْزَامِ الْعَمَل فِيهَا إِذَا لَمْ يَسْتَثْنِ: فَذَهَبَ بَعْضُهُمْ - وَمِنْهُمُ الْغَزَالِيُّ - إِلَى أَنَّهُ إِذَا اطَّرَدَ عُرْفُهُمْ بِذَلِكَ أَيْ عَدَمِ الْعَمَل كَانَ إِطْلاَقُ الْعَقْدِ كَالتَّصْرِيحِ بِالاِسْتِثْنَاءِ، كَاسْتِثْنَاءِ اللَّيْل فِي عَمَلٍ لاَ يُتَوَلَّى إِلاَّ بِالنَّهَارِ، وَلأَِنَّ الْعُرْفَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَامًّا لَكِنَّهُ مَوْجُودٌ فِيهِ، فَيُنَزَّل مَنْزِلَةَ الْعُرْفِ فِي أَوْقَاتِ الرَّاحَةِ.

قَالُوا: فَيَنْبَغِي أَنْ يُحْمَل عَلَى عُرْفِ الْمُسْتَأْجَرِ وَالْمُؤَجِّرِ جَمِيعًا، سَوَاءٌ كَانَ الْمُسْتَأْجَر مُسْلِمًا أَمْ لاَ.

وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمُ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ الشَّامِيُّ إِلَى أَنَّ الْيَهُودِيَّ يُجْبَرُ عَلَى الْعَمَل فِي حَالَةِ عَدَمِ الاِسْتِثْنَاءِ؛ لأَِنَّ الاِعْتِبَارَ بِشَرْعِنَا فِي ذَلِكَ. (١)

طـ - زِيَارَةُ مَسْجِدِ قُبَاءَ يَوْمَ السَّبْتِ:

١١ ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَأْتِيَ مَسْجِدَ قُبَاءَ يَوْمَ السَّبْتِ، وَأَنْ يُصَلِّيَ فِيهِ رَكْعَتَيْنِ اقْتِدَاءً بِالرَّسُول ﷺ، حَيْثُ وَرَدَ أَنَّهُ ﷺ كَانَ يَأْتِيهِ فِي كُل سَبْتٍ رَاكِبًا وَمَاشِيًا فَيُصَلِّي فِيهِ رَكْعَتَيْنِ (٢)، كَمَا وَرَدَ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ قَال: إِنَّ

_________

(١) الأشباه للسيوطي ص ٩٩ - ١٠٠، وكشاف القناع ٣ / ١٤٠، والفروع ٦ / ٢٨٢.

(٢) حديث: " أن رسول الله ﷺ كان يأتي مسجد قباء. . . أخرجه البخاري (الفتح ٣ / ٦٨، ٦٩) ومسلم (٢ / ٦ / ١٠) من حديث ابن عمر.

الصَّلاَةَ فِيهِ كَعُمْرَةٍ (١)، كَمَا يُسْتَحَبُّ أَنْ يَزُورَ بَعْدَ ذَلِكَ بِئْرَ أَرِيسٍ الَّتِي تَفَل فِيهَا رَسُول اللَّهِ ﷺ (٢) فَيَتَوَضَّأَ وَيَشْرَبَ مِنْ مَائِهَا (٣) .

_________

(١) حديث: " أن الصلاة في مسجد قباء كعمرة. . أخرجه أحمد (٣ / ٤٨٧) من حديث سهل بن حنيف.

(٢) حديث: أن رسول الله ﷺ تفل في بئر أريس. . أورده ابن الهمام في فتح القدير (٣ / ٩٧ - ط دار إحياء التراث العربي) ولم يعزه إلى أي مصدر حديث، ولم نهتد لمن أسنده.

(٣) فتح القدير ٣ / ١٨٣، وحاشية الجمل ٢ / ٤٨٦، وكشاف القناع ٢ / ٥١٨، وأحكام القرآن لابن العربي ٤ / ١٦٤٦، والمنتقى للباجي ١ / ٢٩٧.

يَوْمُ الشَّكِّ

التَّعْرِيفُ:

١ - يَوْمُ الشَّكِّ مُرَكَّبٌ إِضَافِيٌّ مِنْ كَلِمَتَيْنِ: يَوْمٌ، وَشَكٌّ.

وَالْيَوْمُ فِي اللُّغَةِ: أَوَّلُهُ مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ الثَّانِي إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ، وَهُوَ مُفْرَدٌ مُذَكَّرٌ، يُجْمَعُ عَلَى أَيَّامٍ.

وَلاَ يَخْرُجُ التَّعْرِيفُ الاِصْطِلاَحِيُّ عَنْ ذَلِكَ.

وَالْعَرَبُ قَدْ تُطْلِقُ الْيَوْمَ وَتُرِيدُ بِهِ الْوَقْتَ وَالْحِينَ نَهَارًا كَانَ أَوْ لَيْلًا. (١) .

وَالشَّكُّ فِي اللُّغَةِ: الاِرْتِيَابُ، وَهُوَ خِلاَفُ الْيَقِينِ، وَجَمْعُهُ شُكُوكٌ، قَال الأَْزْهَرِيُّ: الظَّنُّ هُوَ الشَّكُّ، وَقَدْ يُجْعَل بِمَعْنَى الْيَقِينِ، وَقَال فِي مَوْضِعٍ: الشَّكُّ نَقِيضُ الْيَقِينِ. (٢) .

وَالشَّكُّ فِي اصْطِلاَحِ الْفُقَهَاءِ: هُوَ اسْتِوَاءُ طَرَفَيِ الإِْدْرَاكِ مِنَ النَّفْيِ وَالإِْثْبَاتِ. (٣) .

_________

(١) المصباح المنير.

(٢) المصباح المنير، والقاموس المحيط.

(٣) حاشية ابن عابدين ٢ / ٨٧، والمحصول ١ / ١٠١، ونهاية السول ١ / ٤٠.

وَيَوْمُ الشَّكِّ بِتَرْكِيبِهِ الإِْضَافِيِّ مُصْطَلَحٌ فِقْهِيٌّ يُرَادُ بِهِ يَوْمُ

الثَّلاَثِينَ مِنْ شَعْبَانَ، أَوْ مَا بَعْدَ التَّاسِعِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ شَعْبَانَ إِذَا لَمْ يَثْبُتْ فِيهِ رُؤْيَةُ هِلاَل رَمَضَانَ ثُبُوتًا شَرْعِيًّا مُعْتَدًّا بِهِ، وَإِلاَّ فَهُوَ الأَْوَّل مِنْ رَمَضَانَ لِحَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ (١) .، وَسُمِّيَ بِيَوْمِ الشَّكِّ لأَِنَّهُ قَدْ يَكُونُ الأَْوَّل مِنْ رَمَضَانَ.

وَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي ضَابِطِهِ عَلَى أَقْوَالٍ: فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ يَوْمَ الشَّكِّ هُوَ الْيَوْمُ الَّذِي يُشَكُّ فِيهِ بِأَنَّهُ مِنْ رَمَضَانَ أَوْ مِنْ شَعْبَانَ، وَذَلِكَ بِأَنْ يَتَحَدَّثَ النَّاسُ بِالرُّؤْيَةِ وَلاَ تَثْبُتُ. (٢) وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ يَوْمُ الثَّلاَثِينَ مِنْ شَعْبَانَ إِذَا كَانَتِ السَّمَاءُ مُغَيَّمَةً فِي لَيْلَتِهَا وَلَمْ تَثْبُتِ الرُّؤْيَةُ، قَال أَبُو الْحَسَنِ: أَنْ تَكُونَ السَّمَاءُ مُغَيَّمَةً لَيْلَةَ ثَلاَثِينَ وَلَمْ تَثْبُتِ الرُّؤْيَةُ، فَصَبِيحَةُ تِلْكَ اللَّيْلَةِ هُوَ يَوْمُ الشَّكِّ. (٣) وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ يَوْمَ الشَّكِّ هُوَ يَوْمُ الثَّلاَثِينَ مِنْ شَعْبَانَ إِذَا تَحَدَّثَ النَّاسُ بِرُؤْيَتِهِ وَكَانَتِ السَّمَاءُ مُصْحِيَةً، قَال الْمَحَلِّيُّ: وَهُوَ يَوْمُ الثَّلاَثِينَ مِنْ شَعْبَانَ إِذَا تَحَدَّثَ النَّاسُ بِرُؤْيَتِهِ، أَيْ بِأَنَّ الْهِلاَل رُئِيَ لَيْلَتَهُ وَالسَّمَاءُ مُصْحِيَةٌ وَلَمْ يَشْهَدْ بِهَا أَحَدٌ أَوْ شَهِدَ صِبْيَانٌ أَوْ عَبِيدٌ أَوْ فَسَقَةٌ وَظُنَّ صِدْقُهُمْ، أَوْ عَدْلٌ وَلَمْ نَكْتَفِ بِهِ. (٤)

وَقَال الْحَنَابِلَةُ: يَوْمُ الشَّكِّ هُوَ يَوْمُ الثَّلاَثِينَ مِنْ شَعْبَانَ إِذَا لَمْ يَكُنْ بِالسَّمَاءِ عِلَّةٌ لَيْلَةَ الثَّلاَثِينَ وَلَمْ يَتَرَاءَى النَّاسُ الْهِلاَل.

قَال الْقَاضِي وَأَكْثَرُ الأَْصْحَابِ مِنَ الْحَنَابِلَةِ: أَوْ شَهِدَ بِهِ مَنْ رُدَّتْ شَهَادَتُهُ.

قَال الْقَاضِي: أَوْ كَانَ فِي السَّمَاءِ عِلَّةٌ. (٥)

حُكْمُ صَوْمِ يَوْمِ الشَّكِّ:

٣ - قَال الْحَنَفِيَّةُ: لاَ يُصَامُ يَوْمُ الشَّكِّ لِغَيْرِ النَّفْلِ، فَإِذَا صَامَهُ عَنْ وَاجِبٍ آخَرَ غَيْرِ رَمَضَانَ كُرِهَ وَوَقَعَ عَمَّا صَامَهُ إِذَا لَمْ تَثْبُتْ رَمَضَانِيَّتُهُ بَعْدَ ذَلِكَ، فَإِنْ ثَبَتَتْ صَحَّ عَنْ رَمَضَانَ فِي الْقَوْل الأَْصَحِّ، إِنْ كَانَ الصَّائِمُ مُقِيمًا، فَإِنْ كَانَ مُسَافِرًا صَحَّ عَنِ الْوَاجِبِ الَّذِي صَامَهُ مُطْلَقًا.

أَمَّا صَوْمُهُ نَفْلًا، فَإِنْ كَانَ الصَّائِمُ مِنَ الْخَوَاصِّ - وَهُمُ الَّذِينَ يَسْتَطِيعُونَ الْجَزْمَ بِصَوْمِهِ نَفْلًا - جَازَ بَل نُدِبَ، وَإِنْ كَانَ مِنْ غَيْرِ الْخَوَاصِّ الَّذِينَ يَتَرَدَّدُونَ فِي الْجَزْمِ

_________

(١) حديث: " صوموا لرؤيته " أخرجه البخاري (فتح الباري ٤ / ١١٩ ط السلفية)، ومسلم (٢ / ٧٦٢ ط الحلبي) من حديث أبي هريرة ﵁.

(٢) الدر المختار على هامش ابن عابدين ٢ / ٨٧ - ٨٨، والاختيار ١ / ١٣٠.

(٣) شرح أبي الحسن على رسالة ابن زيد ١ / ٣٩٠.

(٤) المحلي على هامش القليوبي وعميرة ٢ / ٦٠ - ٦١.

(٥) الإنصاف ٣ / ٣٤٩، وشرح منتهى الإرادات ١ / ٤٣٨، والمغني ٣ / ٨٩ - ٩٠.

بِصَوْمِهِ نَفْلًا كُرِهَ، إِلاَّ أَنْ يُوَافِقَ صَوْمًا اعْتَادُوهُ مِنْ قَبْل فَلاَ كَرَاهَةَ، كَمَنِ اعْتَادَ صَوْمَ يَوْمِ الاِثْنَيْنِ مِنْ كُل أُسْبُوعٍ وَصَادَفَ يَوْمُ الاِثْنَيْنِ يَوْمَ الشَّكِّ، فَإِنَّهُ لاَ كَرَاهَةَ.

وَالأَْفْضَل لِلْمُسْلِمِ أَنْ يُمْسِكَ يَوْمَ الشَّكِّ إِلَى قُرْبِ الزَّوَال لاِحْتِمَال ثُبُوتِ الشَّهْرِ، ثُمَّ إِنْ ثَبَتَ رَمَضَانُ نَوَاهُ عَنْهُ، وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ نَوَاهُ الْخَوَاصُّ نَفْلًا، أَمَّا الْعَوَامُّ فَإِنْ صَادَفَ صَوْمًا يَصُومُونَهُ مِنْ سَابِقٍ نَوَوْهُ نَفْلًا أَيْضًا، وَإِلاَّ أَفْطَرُوا فِيهِ. (١)

وَنَصَّ الْمَالِكِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ لاَ يُصَامُ يَوْمُ الشَّكِّ لِيُحْتَاطَ بِهِ مِنْ رَمَضَانَ، فَإِنْ صَامَهُ كَذَلِكَ كُرِهَ عَلَى ظَاهِرِ الْمُدَوَّنَةِ، وَقَال ابْنُ عَبْدِ السَّلاَمِ: حَرُمَ، لِمَا رَوَاهُ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ ﵄ قَال: " مَنْ صَامَ يَوْمَ الشَّكِّ فَقَدْ عَصَى أَبَا الْقَاسِمِ ﷺ "، وَفِي رِوَايَةٍ: " مَنْ صَامَ الْيَوْمَ الَّذِي يَشُكُّ فِيهِ النَّاسُ فَقَدْ عَصَى أَبَا الْقَاسِمِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " (٢) .

فَإِنْ صَامَهُ احْتِيَاطًا ثُمَّ ثَبَتَ أَنَّهُ مِنْ رَمَضَانَ لَمْ يُجْزِهِ عَنْهُ، لِعَدَمِ الْجَزْمِ فِي النِّيَّةِ، وَوَجَبَ عَلَيْهِ الإِْمْسَاكُ بَقِيَّةَ الْيَوْمِ حُرْمَةً لِلشَّهْرِ، ثُمَّ يَقْضِيهِ بَعْدَ رَمَضَانَ. فَإِذَا أَمْسَكَ عَنِ الطَّعَامِ إِلَى قُرْبِ الزَّوَال ثُمَّ ثَبَتَ أَنَّهُ مِنْ رَمَضَانَ فَنَوَاهُ عَنْهُ لَمْ يُجْزِهِ عَنْهُ، وَوَجَبَ عَلَيْهِ قَضَاؤُهُ بَعْدَ رَمَضَانَ أَيْضًا، لأَِنَّهُ لَمْ

_________

(١) حاشية ابن عابدين ٢ / ٨٨ - ٨٩.

(٢) أثر عمار بن ياسر. أخرجه الترمذي (٣ / ٦١ - ط الحلبي) والرواية الأخرى للحاكم (٢ / ٤٢٤ - ط دائرة المعارف العثمانية) وصححه الترمذي والحاكم.