الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤٥
وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ لاَ تَتَأَتَّى عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الصَّوْمَ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الاِعْتِكَافِ عِنْدَهُمْ (١) .
نَذْرُ اعْتِكَافِ يَوْمِ قُدُومِ شَخْصٍ:
٨ - إِنْ نَوَى اعْتِكَافَ يَوْمِ يَقْدَمُ زَيْدٌ صَحَّ نَذْرُهُ؛ لأَِنَّ ذَلِكَ مُمْكِنٌ.
فَإِنْ قَدِمَ فِي بَعْضِ النَّهَارِ لَزِمَهُ اعْتِكَافُ الْبَاقِي مِنْهُ وَلَمْ يَلْزَمْهُ قَضَاءُ مَا فَاتَ؛ لأَِنَّهُ فَاتَ قَبْل شَرْطِ الْوُجُوبِ فَلَمْ يَجِبْ.
وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ (٢) .
هَذَا عِنْدَ مَنْ لَمْ يَشْتَرِطِ الصَّوْمَ لِصِحَّةِ الاِعْتِكَافِ، أَمَّا عِنْدَ مَنْ يَشْتَرِطُ - وَهُمُ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَبَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ - فَلَزِمَهُ يَوْمٌ كَامِلٌ؛ لأَِنَّهُ لاَ يُمْكِنُهُ أَنْ يَأْتِيَ بِاعْتِكَافٍ مَعَ صَوْمٍ فِيمَا بَقِيَ مِنَ النَّهَارِ، وَلاَ قَضَاؤُهُ مُتَمَيِّزًا مِمَّا قَبْلَهُ، فَلَزِمَهُ اعْتِكَافُ يَوْمٍ كَامِلٍ ضَرُورَةً.
وَإِنْ قَدِمَ لَيْلًا فَلاَ شَيْءَ عَلَيْهِ؛ لأَِنَّ مَا الْتَزَمَ بِهِ فِي النَّذْرِ لَمْ يُوجَدْ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ (٣) .
فَإِنْ كَانَ لِلنَّاذِرِ عُذْرٌ يَمْنَعُهُ مِنْ الاِعْتِكَافِ عِنْدَ
_________
(١) البحر الرائق ٢ / ٣٢، وبدائع الصنائع ٢ / ١٠٩ - ١١١.
(٢) مغني المحتاج ١ / ٤٥٦، وكشاف القناع ٢ / ٣٥٤، وحاشية ابن عابدين ٢ / ١٣٦، والإنصاف ٣ / ٣٧١.
(٣) المغني ٣ / ٢١٦. والفتاوى الهندية ١ / ٢٠٩.
قُدُومِ فُلاَنٍ مِنْ حَبْسٍ أَوْ مَرَضٍ قَضَى وَكَفَّرَ لِفَوَاتِ الاِعْتِكَافِ فِي وَقْتِهِ، وَيَقْضِي بَقِيَّةَ الْيَوْمِ فَقَطْ عَلَى حَسَبِ مَا كَانَ يَلْزَمُ فِي الأَْدَاءِ.
وَفِي رِوَايَةٍ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ يَقْضِي يَوْمًا كَامِلًا بِنَاءً عَلَى اشْتِرَاطِ الصَّوْمِ فِي الاِعْتِكَافِ.
(ر: اعتكافٌ ف١٨ - ٢١) .
نَذَرَ اعْتِكَافَ يَوْمٍ مُعَيَّنٍ فَفَاتَهُ:
٩ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ فِي الْجُمْلَةِ عَلَى أَنَّهُ مَنْ نَذَرَ اعْتِكَافَ يَوْمٍ مُعَيَّنٍ كَيَوْمِ الْخَمِيسِ مَثَلًا فَفَاتَهُ وَجَبَ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ.
وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (نَذْرٌ ف٤٥) .
قَضَاءُ الْيَوْمِ الْمَنْذُورِ اعْتِكَافُهُ لَيْلًا:
١٠ - قَال الشَّافِعِيَّةُ: إِنْ نَذَرَ اعْتِكَافَ يَوْمٍ مُعَيَّنٍ فَفَاتَهُ فَقَضَاهُ لَيْلًا أَجْزَأَهُ؛ لأَِنَّهُ قَضَاءٌ بِخِلاَفِ الْيَوْمِ الْمُطْلَقِ لِتَمَكُّنِهِ مِنَ الْوَفَاءِ بِنَذْرِهِ عَلَى صِفَتِهِ الْمُلْتَزَمَةِ، وَلاَ كَذَلِكَ الْمُعَيَّنُ (١) .
وَإِنْ نَذَرَ اعْتِكَافَ نِصْفِ يَوْمٍ لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ؛ لأَِنَّهُ لاَ يَتَحَقَّقُ الصَّوْمُ الَّذِي هُوَ شَرْطٌ لِصِحَّةِ الاِعْتِكَافِ عِنْدَهُمْ لأَِنَّهُ لاَ يُصَامُ نِصْفُ يَوْمٍ (٢) .
_________
(١) حاشية الجمل ٢ / ٣٦٦ - ٣٦٧، ونهاية المحتاج ٣ / ٢٢١.
(٢) الشرح الصغير ١ / ١٢٩.
تَبَعِيَّةُ اللَّيَالِي لِلأَْيَّامِ فِي الاِعْتِكَافِ الْمَنْذُورِ وَالْحَجِّ:
١١ - نَصَّ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ إِنْ نَذَرَ اعْتِكَافَ عَدَدٍ مِنَ الأَْيَّامِ لَزِمَهُ اعْتِكَافُ مَا نَذَرَهُ مِنْ أَيَّامٍ بِلَيَالِيهَا؛ لأَِنَّ ذِكْرَ الأَْيَّامِ بِلَفْظِ الْجَمْعِ يُدْخِل مَا بِإِزَائِهَا فِي اللَّيَالِي، وَالْعَكْسُ صَحِيحٌ، فَيَدْخُل بِالنَّذْرِ بِاعْتِكَافِ لَيَالٍ مَا بِإِزَائِهَا مِنَ الأَْيَّامِ.
جَاءَ فِي التَّنْزِيل: ﴿آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ إِلاَّ رَمْزًا (١)﴾، وَجَاءَ فِيهِ: ﴿آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاَثَ لَيَالٍ سَوِيًّا (٢)﴾، وَمَوْضُوعُ الْقِصَّةِ وَاحِدٌ، فَتَارَةً عَبَّرَ بِالأَْيَّامِ وَتَارَةً بِاللَّيَالِي، فَعُلِمَ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ ذِكْرَ أَحَدِهِمَا يَتَنَاوَل الآْخَرَ، فَيَدْخُل النَّاذِرُ مُعْتَكَفَهُ فِي اللَّيْلَةِ الأُْولَى، وَيَلْزَمُهُ مُتَتَابِعَةً وَإِنْ لَمْ يَنْوِ التَّتَابُعَ؛ لأَِنَّ الأَْوْقَاتَ: الأَْيَّامَ وَاللَّيَالِيَ قَابِلَةٌ لِلاِعْتِكَافِ.
فَكُل لَيْلَةٍ تَتْبَعُ الْيَوْمَ الَّذِي بَعْدَهَا، قَالُوا: أَلاَ تَرَى أَنَّهُ يُصَلِّي التَّرَاوِيحَ فِي أَوَّل لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ دُونَ أَوَّل لَيْلَةٍ مِنْ شَوَّالٍ؟ فَعَلَى هَذَا إِذَا ذَكَرَ الْمُثَنَّى أَوِ الْمَجْمُوعَ فَإِنَّ عَلَيْهِ أَنْ يَدْخُل الْمَسْجِدَ قَبْل الْغُرُوبِ، وَيَخْرُجَ بَعْدَ الْغُرُوبِ مِنْ آخِرَ أَيَّامِ نَذْرِهِ، فَعَلَيْهِ لاَ يَدْخُل اللَّيْل فِي نَذْرِ الْيَوْمِ إِلاَّ إِذَا ذَكَرَ لَهُ عَدَدًا مُعَيَّنًا، وَاسْتَثْنَوْا مِنْ قَاعِدَةِ: " كُل لَيْلَةٍ تَتْبَعُ
_________
(١) سورة آل عمران / ٤١.
(٢) سورة مريم / ١٠.
الْيَوْمَ الَّذِي بَعْدَهَا " مَنَاسِكَ الْحَجِّ، وَقَالُوا: إِنَّ اللَّيَالِيَ فِيهَا تَتْبَعُ الأَْيَّامَ الَّتِي قَبْلَهَا فِي الْحِكَمِ لاَ فِي الْحَقِيقَةِ لاَ الَّتِي بَعْدَهَا.
وَلِهَذَا لَوْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ لَيْلَةَ النَّحْرِ قَبْل طُلُوعِ الْفَجْرِ أَجْزَأَهُ، فَعَلَيْهِ تَكُونُ لَيْلَةُ عَرَفَةَ تَابِعَةً لِلْيَوْمِ قَبْلَهَا فِي الْحُكْمِ حَتَّى صَحَّ الْوُقُوفُ فِيهَا.
وَلَيْلَةُ النَّحْرِ وَالَّتِي تَلِيهَا وَالَّتِي بَعْدَهَا تَبَعٌ لِيَوْمِ النَّحْرِ حَتَّى صَحَّ النَّحْرُ فِي تِلْكَ اللَّيَالِي وَجَازَ الرَّمْيُ فِيهَا، وَالْمُرَادُ: أَنَّ الأَْفْعَال الَّتِي تُفْعَل فِي النَّهَارِ مِنْ وُقُوفٍ وَنَحْرٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ مَنَاسِكِ الْحَجِّ صَحَّ فِعْلُهَا فِي اللَّيْلَةِ الَّتِي تَلِي ذَلِكَ النَّهَارَ رِفْقًا بِالنَّاسِ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ: إِنَّ اللَّيْلَةَ فِي الْمَنَاسِكِ تَتْبَعُ الْيَوْمَ الَّذِي قَبْلَهَا، أَيْ تَتْبَعُ فِي الْحُكْمِ لاَ حَقِيقَةً، فَالأَْصْل أَنَّ كُل لَيْلَةٍ تَتْبَعُ الْيَوْمَ الَّذِي بَعْدَهَا، لِذَلِكَ يُقَال: لَيْلَةُ النَّحْرِ لِلَّيْلَةِ الَّتِي يَلِيهَا يَوْمُ النَّحْرِ، وَلَوْ كَانَتْ لِلْيَوْمِ الَّذِي قَبْلَهَا لَصَارَتِ اسْمًا لِلَيْلَةِ عَرَفَةَ، وَلاَ يَسُوغُ ذَلِكَ لاَ لُغَةً وَلاَ شَرْعًا، وَحِينَئِذٍ فَلاَ يَصِحُّ مَا قِيل: إِنَّ الْيَوْمَ الثَّالِثَ مِنْ أَيَّامِ النَّحْرِ لاَ لَيْلَةَ لَهُ، وَلِيَوْمِ التَّرْوِيَةِ لَيْلَتَانِ، إِلاَّ أنْ يُرَادَ مِنْ حَيْثُ الْحُكْمُ (١) .
التَّعْلِيقُ بِيَوْمٍ:
١٢ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّهُ إِنْ قَال: أَنْتِ طَالِقٌ يَوْمَ الْجُمُعَةِ مَثَلًا، أَوْ أَنْتِ طَالِقٌ فِي
_________
(١) ابن عابدين ٢ / ١٣٦ - ١٣٧، وانظر البدائع ٢ / ١١٠.
أَوَّل يَوْمٍ مِنْ شَهْرِ شَعْبَانَ أَوْ أَوَّل نَهَارٍ مِنْهُ يَقَعُ الطَّلاَقُ فِي فَجْرِ الْيَوْمِ الْمُعَيَّنِ، وَفِي فَجْرِ أَوَّل يَوْمٍ مِنَ الشَّهْرِ الْمُعَيَّنِ.
وَإِنْ قَال: أَنْتِ طَالِقَةٌ يَوْمَ يَقْدَمُ زَيْدٌ، أَوْ يَوْمَ قُدُومِهِ وَقَعَ الطَّلاَقُ فِي فَجْرِ يَوْمِ قُدُومِهِ وَإِنْ قَدِمَ فِي آخِرِ لَحْظَةٍ مِنَ الْيَوْمِ، كَمَا لَوْ قَال: أَنْتِ طَالِقٌ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَإِنْ قَدِمَ لَيْلًا وَقَعَ فِي فَجْرِ يَوْمِ غَدِهِ (١) .
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: إِنْ قَصَدَ التَّعْلِيقَ عَلَى نَفْسِ قُدُومِهِ وَأَنَّ الزَّمَنَ تَبَعٌ لَهُ حَنِثَ بِقُدُومِهِ وَلَوْ لَيْلًا، وَإِنْ قَصَدَ التَّعْلِيقَ عَلَى زَمَنِ الْقُدُومِ وَأَنَّ الْفِعْل تَبَعٌ لَهُ وَقَعَ الطَّلاَقُ فِي الْحَال ِ، وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ إِذَا كَانَ لاَ قَصْدَ لَهُ، إِلاَّ أَنَّ ظَاهِرَ كَلاَمِ النَّوَادِرِ وَابْنِ عَرَفَةَ أَنَّهُ يَنْتَظِرُ وَلاَ يُنْجِزُ إِلاَّ إِذَا قَصَدَ التَّعْلِيقَ عَلَى نَفْسِ الزَّمَنِ (٢) .
_________
(١) تحفة المحتاج ٨ / ٨٧، ومغني المحتاج ٣ / ٣١٣، وكشاف القناع ٢ / ٢٧٧ - ٢٨٠، والفتاوى الهندية ١ / ٣٦٦.
(٢) جواهر الإكليل ١ / ٣٥٣، وشرح الزرقاني ٤ / ١١٨.
يَوْمُ الْجُمُعَةِ
التَّعْرِيفُ:
١ - يَوْمُ الْجُمُعَةِ مُرَكَّبٌ إِضَافِيٌّ مِنْ جُزْأَيْنِ: يَوْمٌ وَجُمُعَةٌ، وَالْيَوْمُ فِي اللُّغَةِ وَالاِصْطِلاَحِ أَوَّلُهُ مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ الثَّانِي إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ، وَهُوَ مُفْرَدٌ مُذَكَّرٌ يُجْمَعُ عَلَى أَيَّامٍ، وَالْعَرَبُ تُطْلِقُ الْيَوْمَ وَتُرِيدُ بِهِ الْوَقْتَ وَالْحِينَ، نَهَارًا كَانَ أَوْ لَيْلًا (١) .
(ر: يومٌ ف١) .
وَالْجُمُعَةُ فِي اللُّغَةِ بِسُكُونِ الْمِيمِ وَضَمِّهَا وَفَتْحِهَا اسْمٌ لأَِيَّامِ الأُْسْبُوعِ، وَأَوَّلُهَا السَّبْتُ، فَيَكُونُ يَوْمُ الْجُمُعَةِ آخِرَهَا، وَكَانَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ يُسَمَّى قَبْل الإِْسْلاَمِ يَوْمَ الْعَرُوبَةِ، وَهُوَ مُفْرَدٌ يُجْمَعُ عَلَى جُمُعَاتٍ وَجُمَعٍ، وَقَدْ ذَكَرَ السُّهَيْلِيُّ أَنَّ كَعْبَ بْنَ لُؤَيٍّ - الْجَدَّ الأَْعْلَى لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوَّل مَنْ جَمَعَ يَوْمَ الْعَرُوبَةِ، وَلَمْ تُسَمَّ الْعَرُوبَةُ الْجُمُعَةَ إِلاَّ مُذْ جَاءَ الإِْسْلاَمُ، وَهُوَ
_________
(١) المصباح المنير.
أَوَّل مَنْ سَمَّاهَا الْجُمُعَةَ، فَكَانَتْ قُرَيْشٌ تَجْتَمِعُ إِلَيْهِ فِي هَذَا الْيَوْمِ فَيَخْطُبُهُمْ وَيُذَكِّرُهُمْ بِمَبْعَثِ النَّبِيِّ ﷺ، وَرُوِيَ عَنْ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ سَأَلَهُ: مَا يَوْمُ الْجُمُعَةِ؟ قَال: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَال: بِهِ جُمِعَ أَبُوكَ أَوْ أَبُوكُمْ، (١) وَقَال أَقْوَامٌ: إِنَّمَا سُمِّيَتِ الْجُمُعَةُ فِي الإِْسْلاَمِ وَذَلِكَ لاِجْتِمَاعِهِمْ فِي الْمَسْجِدِ (٢) .
وَلاَ يَخْرُجُ الْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ.
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
الأُْسْبُوعُ:
٢ - الأُْسْبُوعُ مِنَ الأَْيَّامِ فِي اللُّغَةِ سَبْعَةُ أَيَّامٍ، وَجَمْعُهُ أَسَابِيعُ، وَمِنَ الْعَرَبِ مَنْ يَقُول فِيهَا: سُبُوعٌ مِثْل قُعُودٍ. وَلاَ يَخْرُجُ الْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ (٣) .
_________
(١) حديث سلمان: " أن رسول الله ﷺ سأله: ما يوم الجمعة؟ " أخرجه ابن خزيمة (٣ / ١١٨ - ط المكتب الإسلامي) والطبراني في الكبير (٦ / ٢٣٧ - ط العراق)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٢ / ١٧٤ - ط المقدسي): إسناده حسن.
(٢) لسان العرب، ومختار الصحاح، والقاموس المحيط.
(٣) المصباح المنير، والقاموس المحيط، ومختار الصحاح.
وَالصِّلَةُ بَيْنَ يَوْمِ الْجُمُعَةِ وَبَيْنَ الأُْسْبُوعِ أَنَّ يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَحَدُ أَيَّامِ الأُْسْبُوعِ أَوْ آخِرُ أَيَّامِ الأُْسْبُوعِ، وَعَلَيْهِ يَكُونُ بَيْنَهُمَا عُمُومٌ وَخُصُوصٌ مُطْلَقٌ.
الأَْحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِيَوْمِ الْجُمُعَةِ:
يَتَمَيَّزُ يَوْمُ الْجُمُعَةِ عَنْ بَاقِي أَيَّامِ الأُْسْبُوعِ بِأَحْكَامٍ شَرْعِيَّةٍ، مِنْهَا:
أـ فَضْل يَوْمِ الْجُمُعَةِ:
٣ - وَرَدَ فِي فَضْل يَوْمِ الْجُمُعَةِ أَقْوَالٌ لِلْعُلَمَاءِ، مِنْهَا:
قَال ابْنُ عَابِدِينَ: وَهُوَ خَيْرُ أَيَّامِ الأُْسْبُوعِ، وَيَوْمُ عِيدٍ، وَفِيهِ سَاعَةُ إِجَابَةٍ، وَتَجْتَمِعُ فِيهِ الأَْرْوَاحُ، وَتُزَارُ الْقُبُورُ، وَيَأْمَنُ الْمَيِّتُ فِيهِ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَمَنْ مَاتَ فِيهِ أَوْ فِي لَيْلَتِهِ أَمِنَ مِنْ فِتْنَةِ الْقَبْرِ وَعَذَابِهِ، وَلاَ تُسْجَرُ فِيهِ جَهَنَّمُ، وَفِيهِ خُلِقَ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلاَمُ، وَفِيهِ أُخْرِجَ مِنَ الْجَنَّةِ، وَفِيهِ يَزُورُ أَهْل الْجَنَّةِ رَبَّهُمْ ﷾ (١) .
ب - صَلاَةُ الْجُمُعَةِ:
٤ - صَلاَةُ الْجُمُعَةِ فَرْضُ عَيْنٍ عَلَى الذُّكُورِ الْبَالِغِينَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَوَقْتُهَا وَقْتُ الظُّهْرِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ (٢)، وَلِتَفْصِيل شُرُوطِهَا وَأَرْكَانِهَا وَسَائِرِ أَحْكَامِهَا يُنْظَرُ مُصْطَلَحُ (صَلاَةُ الْجُمُعَةِ ف٣ وَمَا بَعْدَهَا) .
_________
(١) ابن عابدين ١ / ٥٥٤.
(٢) ابن عابدين ١ / ٢٤٥.
جـ - الْغُسْل:
٥ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْغُسْل لِلْجُمُعَةِ مَطْلُوبٌ شَرْعًا لِحَدِيثِ: إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمُ الْجُمُعَةَ فَلْيَغْتَسِل (١)، وَاخْتَلَفُوا فِي حُكْمِهِ، وَفِي وَقْتِهِ، وَفِي أَنَّهُ لِلْيَوْمِ أَوْ لِلصَّلاَةِ.
٦ - فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّهُ سُنَّةٌ، قَال الْحَصْكَفِيُّ: وَسُنَّ الْغُسْل لِصَلاَةِ جُمْعَةٍ (٢)، وَقَال الزُّرْقَانِيُّ: وَسُنَّ مُؤَكَّدًا لِمُرِيدِ صَلاَةِ جُمُعَةٍ غُسْلٌ نَهَارًا (٣)، وَقَال الْخَطِيبُ الشِّرْبِينِيُّ: وَيُسَنُّ الْغُسْل لِحَاضِرِهَا، وَقِيل: يُسَنُّ لِكُل أَحَدٍ حَضَرَ أَمْ لاَ (٤) .
وَقَال ابْنُ قُدَامَةَ: وَيُسْتَحَبُّ لِمَنْ أَتَى الْجُمُعَةَ أَنْ يَغْتَسِل، وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ فِي قَوْل أَكْثَرِ أَهْل الْعِلْمِ (٥)، وَاسْتَدَلُّوا بِخَبَرِ: مَنْ تَوَضَّأَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَبِهَا وَنِعْمَتْ، وَمَنِ اغْتَسَل فَالْغُسْل أَفْضَل (٦) .
_________
(١) حديث: " إذا جاء أحدكم الجمعة فليغتسل " أخرجه البخاري (فتح الباري ٢ / ٣٥٦)، ومسلم (٢ / ٥٧٩ ط الحلبي)، من حديث ابن عمر، واللفظ للبخاري.
(٢) الدر المختار ورد المحتار١ / ١١٣.
(٣) الزرقاني ٢ / ٦٢، والمغني ٢ / ٣٤٥.
(٤) مغني المحتاج ١ / ٢٩٠.
(٥) المغني ٢ / ٣٤٥ - ٣٤٦.
(٦) حديث: " من توضأ يوم الجمعة " أخرجه الترمذي (٢ / ٣٦٩) من حديث سمرة بن جندب وقال: حديث حسن.
وَذَهَبَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ إِلَى أَنَّهُ مِنْ سُنَنِ الزَّوَائِدِ، قَال ابْنُ عَابِدِينَ: وَهُوَ مِنْ سُنَنِ الزَّوَائِدِ أَخْذًا مِنْ قَوْل مُحَمَّدٍ فِي الأَْصْل: إِنَّ غُسْل الْجُمُعَةِ حَسَنٌ، وَذَكَرَ فِي الْمُنْيَةِ أَنَّهُ الأَْصَحُّ وَقَوَّاهُ فِي الْفَتْحِ، لَكِنِ اسْتَظْهَرَ تِلْمِيذُهُ ابْنُ أَمِيرِ حَاجٍّ فِي الْحِلْيَةِ اسْتِنَانَهُ لِلْجُمُعَةِ (١) .
وَحُكِيَ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ رِوَايَةٌ أُخْرَى أَنَّهُ وَاجِبٌ مُسْتَدِلًّا بِالْحَدِيثِ الشَّرِيفِ: غُسْل يَوْمِ الْجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُل مُحْتَلِمٍ (٢) .
٧ - وَأَمَّا وَقْتُهُ فَقَدْ ذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّهُ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ الثَّانِي مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ، وَلاَ يُجْزِئُهُ قَبْلَهُ. وَحُكِيَ عَنِ الأَْوْزَاعِيِّ أَنَّهُ يُجْزِئُهُ الْغُسْل قَبْل الْفَجْرِ.
وَعَنْ مَالِكٍ لاَ يُجْزِئُهُ الْغُسْل إِلاَّ أَنْ يَتَعَقَّبَهُ الرَّوَاحُ إِلَى صَلاَةِ الْجُمُعَةِ (٣) .
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: وَوَقْتُهُ مِنَ الْفَجْرِ الصَّادِقِ، وَتَقْرِيبُهُ مِنْ ذَهَابِهِ إِلَى الْجُمُعَةِ أَفْضَل، وَفِي قَوْلٍ
_________
(١) ابن عابدين ١ / ١١٣.
(٢) حديث: " غسل يوم الجمعة واجب " أخرجه البخاري (فتح الباري ٢ / ٣٥٧)، ومسلم (٢ / ٥٨٠) من حديث أبي سعيد الخدري، واللفظ للبخاري.
(٣) المغني ٢ / ٣٤٦ - ٣٤٨، والزرقاني ٢ / ٦٢.