الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤٥ الصفحة 57

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤٥

نَتَكَلَّمُ فِي الصَّلاَةِ، يُكَلِّمُ الرَّجُل صَاحِبَهُ وَهُوَ إِلَى جَنْبِهِ فِي الصَّلاَةِ حَتَّى نَزَلَتْ: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ (١)﴾ فَأُمِرْنَا بِالسُّكُوتِ، وَنُهِينَا عَنِ الْكَلاَمِ (٢) .

أَمَّا إِذَا كَانَ الْكَلاَمُ لإِصْلاَحِ الصَّلاَةِ فَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي بُطْلاَنِ الصَّلاَةِ بِهِ (٣) .

وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (صَلاَةٌ ف ١٠٧ - ١١٢) .

د - السَّكْتَةُ الْيَسِيرَةُ فِي قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ فِي الصَّلاَةِ:

٥ - نَصَّ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ عَلَى أَنَّ السُّكُوتَ الطَّوِيل الْعَمْدَ فِي أَثْنَاءِ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ فِي الصَّلاَةِ يَقْطَعُ الْقِرَاءَةَ، وَيَجِبُ عَلَى الْمُصَلِّي اسْتِئْنَافُ الْفَاتِحَةِ لإِشْعَارِهِ بِالإِْعْرَاضِ مُخْتَارًا كَانَ أَوْ لِعَائِقٍ؛ لإِخْلاَل ذَلِكَ بِالْمُوَالاَةِ الْمُعْتَبَرَةِ، وَخَصَّ الْحَنَابِلَةُ هَذَا الْحُكْمَ بِالإِْمَامِ وَالْمُنْفَرِدِ.

أَمَّا إِنْ كَانَ السُّكُوتُ يَسِيرًا وَلَمْ يَتَعَمَّدْ فِيهِ فَلاَ يَلْزَمُهُ اسْتِئْنَافُهَا؛ لِعَدَمِ اخْتِلاَل نَظْمِ الْفَاتِحَةِ بِذَلِكَ.

_________

(١) سورة البقرة / ٢٣٨

(٢) حديث: " كنا نتكلم في الصلاة. . . " أخرجه البخاري (الفتح ٣ / ٧٢) ومسلم (١ / ٣٨٣) واللفظ لمسلم.

(٣) مغني المحتاج ١ / ١٩٤، وكشاف القناع ١ / ٣٧٨، وما بعدها.

وَنَصَّ الشَّافِعِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ إِنْ كَانَ السُّكُوتُ يَسِيرًا، وَقَصَدَ بِهِ قَطْعَ الْقِرَاءَةِ، فَإِنَّهُ يَقْطَعُ الْقِرَاءَةَ عَلَى الأَْصَحِّ، وَيَلْزَمُهُ اسْتِئْنَافُهَا لِتَأْثِيرِ الْفِعْل مَعَ النِّيَّةِ، كَنَقْل الْوَدِيعَةِ بِنِيَّةِ الْخِيَانَةِ فَإِنَّهُ يَضْمَنُ، وَإِنْ لَمْ يَضْمَنْ بِأَحَدِهِمَا مُنْفَرِدًا.

وَقَالُوا: الْيَسِيرُ - هُنَا - مَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ كَتَنَفُّسٍ وَاسْتِرَاحَةٍ.

وَمُقَابِل الأَْصَحِّ: لاَ يَقْطَعُ الْقِرَاءَةَ لأَِنَّ قَصْدَ الْقَطْعِ وَحْدَهُ لاَ يُؤَثِّرُ، وَالسُّكُوتُ الْيَسِيرُ وَحْدَهُ لاَ يُؤَثِّرُ أَيْضًا، فَكَذَا إِذَا اجْتَمَعَا (١) .

هـ - الْفَاصِل الْيَسِيرُ بَيْنَ السَّلاَمِ وَسُجُودِ السَّهْوِ:

٦ - نَصَّ الْفُقَهَاءُ الَّذِينَ يَرَوْنَ أَنَّ مَحَل سُجُودِ السَّهْوِ بَيْنَ التَّشَهُّدِ وَالسَّلاَمِ عَلَى أَنَّ لِلْمُصَلِّي إِذَا تَرَكَ سُجُودَ السَّهْوِ نِسْيَانًا وَسَلَّمَ، ثُمَّ تَذَكَّرَ بَعْدَ فَاصِلٍ يَسِيرٍ، أَنْ يَسْجُدَ لِلسَّهْوِ إِنْ رَغِبَ فِي ذَلِكَ، لِمَا رَوَى ابْنُ مَسْعُودٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَجَدَ سَجْدَتَيِ السَّهْوِ بَعْدَ السَّلاَمِ وَالْكَلاَمِ (٢) .

أَمَّا إِذَا تَرَكَ السُّجُودَ عَمْدًا وَسَلَّمَ فَالأَْصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّ سُجُودَ السَّهْوِ فَاتَ لِفَوَاتِ

_________

(١) مغني المحتاج ١ / ١٥٩، والمجموع للنووي ٣ / ٣٥٦ - ٣٥٩، وكشاف القناع ١ / ٣٣٨.

(٢) حديث: أَنَّ رسول الله ﷺ سَجَدَ سَجْدَتَيِ السَّهْوِ. . . " أخرجه البخاري (فتح الباري ٣ / ٩٤)، ومسلم (١ / ٤٠٢)، واللفظ لمسلم.

مَحَلِّهِ؛ لأَِنَّهُ قَطَعَ الصَّلاَةَ بِالسَّلاَمِ وَإِنْ كَانَ الْفَاصِل يَسِيرًا.

وَكَذَا إِنْ تَرَكَهَا سَهْوًا وَطَال الْفَصْل؛ لِفَوَاتِ الْمَحَل بِالسَّلاَمِ وَتَعَذُّرِ الْبِنَاءِ بِالطُّول (١) .

وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (سُجُودُ السَّهْوِ ف ٩) .

و الْفَاصِل الْيَسِيرُ بَيْنَ الإِْيجَابِ وَالْقَبُول فِي الْعُقُودِ:

٧ - ذَكَرَ الْفُقَهَاءُ أَنَّ الْعُقُودَ الَّتِي يَلْزَمُ لِصُحْبَتِهَا الإِْيجَابُ وَالْقَبُول يُشْتَرَطُ أَنْ لاَ يَطُول الْفَصْل بَيْنَ الإِْيجَابِ وَالْقَبُول، فَإِنْ طَال الْفَصْل لَمْ تَصِحَّ؛ لأَِنَّ طُول الْفَصْل يُخْرِجُ الثَّانِيَ عَنْ أَنْ يَكُونَ جَوَابًا لِلأَْوَّل.

أَمَّا الْفَصْل الْيَسِيرُ بَيْنَ الإِْيجَابِ وَالْقَبُول فَلاَ يَضُرُّ فِي صِحَّةِ الْعَقْدِ؛ لِعَدَمِ إِشْعَارِهِ بِالإِْعْرَاضِ عَنِ الْقَبُول، قَال الشَّافِعِيَّةُ: وَيَضُرُّ تَخَلُّل كَلاَمٍ أَجْنَبِيٍّ عَنِ الْعَقْدِ وَلَوْ يَسِيرًا بَيْنَ الإِْيجَابِ وَالْقَبُول وَإِنْ لَمْ يَتَفَرَّقَا عَنِ الْمَجْلِسِ؛ لأَِنَّ فِيهِ إِعْرَاضًا عَنِ الْقَبُول.

وَالْمُرَادُ بِالأَْجْنَبِيِّ هُوَ: أَنْ لاَ يَكُونَ مِنْ مُقْتَضَى الْعَقْدِ وَلاَ مِنْ مَصَالِحِهِ وَلاَ مِنْ مُسْتَحَبَّاتِهِ، وَالْفَاصِل الطَّوِيل هُوَ مَا أَشْعَرَ بِالإِْعْرَاضِ

_________

(١) مغني المحتاج ١ / ٢١٣، وكشاف القناع ١ / ٤٠٩.

عَنِ الْقَبُول، وَالْيَسِيرُ مَا لَمْ يُشْعِرْ بِالإِْعْرَاضِ عَنِ الْقَبُول (١) .

وَالتَّفْصِيل فِي (عَقْدٌ ف ١٨ - ٢٤) .

ز - الْفَاصِل الْيَسِيرُ بَيْنَ الْمُسْتَثْنَى وَالْمُسْتَثْنَى مِنْهُ:

٨ - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّ مِنْ شُرُوطِ صِحَّةِ الاِسْتِثْنَاءِ الاِتِّصَال بَيْنَ لَفْظَيِ الْمُسْتَثْنَى وَالْمُسْتَثْنَى مِنْهُ، بِحَيْثُ يُعَدَّانِ كَلاَمًا وَاحِدًا عُرْفًا، وَلاَ يَضُرُّ فِي هَذَا الاِتِّصَال فَاصِلٌ يَسِيرٌ كَسَكْتَةِ تَنَفُّسٍ أَوْ عِيٍّ أَوْ تَذَكُّرٍ أَوِ انْقِطَاعِ صَوْتٍ؛ لأَِنَّ ذَلِكَ لاَ يُعَدُّ فَاصِلًا عُرْفًا (٢) .

وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (اسْتِثْنَاءٌ ف ١٥) .

ح - الْفَاصْل الْيَسِيرُ بَيْنَ الرَّضَعَاتِ:

٩ - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ الَّذِينَ يَرَوْنَ أَنَّ الرَّضَاعَةَ لاَ تَثْبُتُ إِلاَّ بِرَضَعَاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ إِلَى أَنَّ الطِّفْل إِذَا أَعْرَضَ عَنِ الثَّدْيِ إِعْرَاضًا يَسِيرًا لِلَهْوٍ أَوْ لِتَنَفُّسٍ أَوْ لِنَوْمَةٍ خَفِيفَةٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ، ثُمَّ عَادَ، اعْتُبِرَ الْكُل رَضْعَةً وَاحِدَةً، فَإِنْ طَال لَهْوُهُ أَوْ نَوْمُهُ وَكَانَ الثَّدْيُ فِي فَمِهِ فَرَضْعَةٌ وَاحِدَةٌ أَيْضًا، وَكَذَا إِذَا تَحَوَّل الطِّفْل مِنْ ثَدْيٍ إِلَى ثَدْيٍ، أَوْ حَوَّلَتْهُ الْمُرْضِعَةُ، وَكَانَ الْفَصْل يَسِيرًا، أَوْ فَصَلَتْهُ الْمُرْضِعَةُ مِنَ

_________

(١) مغني المحتاج ٢ / ٥، ١٢١.

(٢) مغني المحتاج ٣ / ٣٠٠.

الثَّدْيِ فَصْلًا يَسِيرًا لِشُغْلٍ خَفِيفٍ، ثُمَّ عَادَتْ؛ لأَِنَّ الْمَرْجِعَ فِي هَذَا إِلَى الْعُرْفِ، لأَِنَّ الشَّرْعَ وَرَدَ بِهَا مُطْلَقًا، وَلَمْ يُحَدِّدْهُ بِزَمَنٍ وَلاَ بِمِقْدَارٍ (١) .

(ر: رَضَاعٌ ف ١٤) .

ط - الْفَاصِل الْيَسِيرُ بَيْنَ وِلاَدَةِ الْوَلَدِ وَبَيْنَ نَفْيِهِ:

١٠ - يُشْتَرَطُ لِنَفْيِ الْوَلَدِ فِي اللِّعَانِ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ أَنْ يَكُونَ النَّفْيُ عَقِبَ الْعِلْمِ بِوِلاَدَتِهِ، وَلاَ يَضُرُّ الْفَاصِل الْيَسِيرُ إِذَا كَانَ لِعُذْرٍ، كَأَنْ يَبْلُغَهُ خَبَرُ الْوِلاَدَةِ لَيْلًا فَأَخَّرَ النَّفْيَ حَتَّى يُصْبِحَ، أَوْ كَانَ جَائِعًا فَأَكَل، أَوْ عَارِيًا فَلَبِسَ، وَذَلِكَ بَعْدَ اخْتِلاَفِهِمْ فِي الْمُدَّةِ الَّتِي يُعْتَبَرُ فِيهَا النَّافِي لِنَسَبِ الْوَلَدِ عَنْهُ مُتَأَخِّرًا عَنِ النَّفْيِ، وَيَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ نَفْيُهُ بَعْدَهَا (٢) .

وَالتَّفْصِيل فِي (نَسَبٌ ف ٥٤ - ٥٥، لِعَانٌ ف ٢٦) .

_________

(١) مغني المحتاج ٣ / ٤١٧، وكشاف القناع ٥ / ٤٤٦.

(٢) مغني المحتاج ٣ / ٣٨١.

يَقِينٌ

التَّعْرِيفُ:

١ - الْيَقِينُ فِي اللُّغَةِ: الْعِلْمُ وَإِزَاحَةُ الشَّكِّ، وَتَحْقِيقُ الأَْمْرِ، وَهُوَ نَقِيضُ الشَّكِّ، وَهُوَ ثُلاَثِيٌّ مِنْ بَابِ تَعِبَ، يُقَال: يَقِنَ الأَْمْرُ يَيْقَنُ يَقَنًا: إِذَا ثَبَتَ وَوَضَحَ، فَهُوَ يَقِينٌ فَعِيلٌ بِمَعْنَى فَاعِلٍ، وَيُسْتَعْمَل مُتَعَدِّيًا بِنَفْسِهِ وَبِالْبَاءِ، فَيُقَال: يَقِنْتُهُ وَيَقِنْتُ بِهِ وَأَيْقَنْتُ بِهِ (١) .

وَالْيَقِينُ فِي اصْطِلاَحِ الْفُقَهَاءِ: هُوَ جَزْمُ الْقَلْبِ بِوُقُوعِ الشَّيْءِ، أَوْ عَدَمِ وُقُوعِهِ (٢) .

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:

أـ الشَّكُّ:

٢ - الشَّكُّ فِي اللُّغَةِ: الاِرْتِيَابُ، وَخِلاَفُ الْيَقِينِ وَنَقِيضُهُ.

_________

(١) المصباح المنير، والقاموس المحيط ومختار الصحاح، ولسان العرب، ومعجم مقاييس اللغة ٦ / ١٥٧ ط الحلبي.

(٢) درر الحكام لعلي حيدر ١ / ١٨، وشرح المجلة لمحمد خالد الأتاسي ١ / ١٨ (المادة ٤ من المجلة)

وَالشَّكُّ فِي اصْطِلاَحِ الْفُقَهَاءِ هُوَ التَّرَدُّدُ بَيْنَ النَّقِيضَيْنِ بِلاَ تَرْجِيحٍ لأَِحَدِهِمَا عَلَى الآْخَرِ عِنْدَ الشَّاكِّ، وَقِيل: مَا يَسْتَوِي طَرَفَاهُ، وَهُوَ الْوُقُوفُ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ لاَ يَمِيل الْقَلْبُ إِلَى أَحَدِهِمَا (١) .

وَالصِّلَةُ بَيْنَ الشَّكِّ وَالْيَقِينِ أَنَّ الشَّكَّ نَقِيضُ الْيَقِينِ (٢) .

ب - الْوَهْمُ:

٣ - الْوَهْمُ فِي اللُّغَةِ مِنْ مَعَانِيهِ: خَطَرَاتُ الْقَلْبِ، أَوْ مَرْجُوحُ طَرَفَيِ الْمُتَرَدَّدِ فِيهِ.

وَفِي الاِصْطِلاَحِ: الاِعْتِقَادُ الْمَرْجُوحُ (٣) .

وَالصِّلَةُ بَيْنَ الْوَهْمِ وَالْيَقِينِ هِيَ التَّضَادُّ.

جـ - الظَّنُّ:

٤ - الظَّنُّ فِي اللُّغَةِ مِنْ مَعَانِيهِ: التَّرَدُّدُ الرَّاجِحُ بَيْن طَرَفَيْ الاِعْتِقَاد غَيْرِ الْجَازِمِ، وَقَدْ يُوضَعُ مَوْضِعَ الْعِلْمِ.

وَاصْطِلاَحًا: هُوَ الاِعْتِقَادُ الرَّاجِحُ مَعَ احْتِمَال النَّقِيضِ (٤) .

وَالْعَلاَقَةُ بَيْنَ الظَّنِّ وَالْيَقِينِ هِيَ التَّضَادُّ.

_________

(١) القواعد الفقهية للبركتي ص ٣٤١.

(٢) درر الحكام ١ / ٢٠.

(٣) المصباح المنير، والقاموس المحيط، وقواعد الفقه للبركتي.

(٤) القاموس المحيط، وقواعد الفقه للبركتي، والتعريفات للجرجاني.

الأَْحْكَامُ الشَّرْعِيَّةُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالْيَقِينِ:

٥ - أُصُول الدِّينِ كَالإِْيمَانِ بِاللَّهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَكُتُبِهِ وَالْيَوْمِ الآْخِرِ لاَ بُدَّ فِيهَا مِنَ الْيَقِينِ، وَلاَ تَثْبُتُ إِلاَّ بِهِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ (١)﴾، وَقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا (٢)﴾، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ (٣)﴾، وَقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الأَْمْنُ (٤)﴾، وَقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ (٥)﴾ .

وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاَقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (٦)﴾، فَالْمُرَادُ بِالظَّنِّ فِيهِ الْيَقِينُ، قَال الْقُرْطُبِيُّ: وَالظَّنُّ هُنَا فِي قَوْل الْجُمْهُورِ بِمَعْنَى الْيَقِينِ (٧)، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاَقٍ حِسَابِيَهْ (٨)﴾، وَقَوْلُهُ: ﴿فَظَنُّوا أَنَّهُمْ

_________

(١) سورة محمد / ١٩.

(٢) سورة الحجرات / ١٥.

(٣) سورة البقرة / ٢٦.

(٤) سورة الأنعام / ٨٢.

(٥) سورة الرعد / ٢٨.

(٦) سورة البقرة / ٤٦.

(٧) الجامع لأحكام القرآن ١ / ٣٧٥، وحاشية العدوي على الرسالة ١ / ٤٠ - ٤١، والفواكه الدواني ١ / ٤٣.

(٨) سورة الحاقة / ٢٠.

مُوَاقِعُوهَا (١)﴾ .

وَالتَّفْصِيل فِي كُتُبِ الْعَقِيدَةِ.

الْقَوَاعِدُ الْفِقْهِيَّةُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالْيَقِينِ:

قَعَّدَ الْفُقَهَاءُ لِلْيَقِينِ وَأَحْوَال تَقْدِيمِهِ عَلَى الشَّكِّ وَالظَّنِّ وَالَوَهْمِ قَوَاعِدَ فِقْهِيَّةً كُلِّيَّةً كَثِيرَةً، ضَبَطَتْ وَبَيَّنَتِ الْحُكْمَ الشَّرْعِيَّ عِنْدَمَا يَكُونُ هُنَاكَ يَقِينٌ أَوْ ظَنٌّ أَوْ وَهْمٌ.

مِنْ أَهَمِّ هَذِهِ الْقَوَاعِدِ:

الْقَاعِدَةُ الأَْوْلَى: الْيَقِينُ لاَ يَزُول بِالشَّكِّ:

٦ - مَعْنَى هَذِهِ الْقَاعِدَةِ أَنَّ مَا ثَبَتَ بِيَقِينٍ لاَ يَرْتَفِعُ بِالشَّكِّ، وَمَا ثَبَتَ بِيَقِينٍ لاَ يَرْتَفِعُ إِلاَّ بِيَقِينٍ، وَدَلِيلُهَا قَوْلُهُ ﷺ: إِذَا وَجَدَ أَحَدُكُمْ فِي بَطْنِهِ شَيْئًا فَأَشْكَل عَلَيْهِ، أَخَرَجَ مِنْهُ شَيْءٌ أَمْ لاَ؟ فَلاَ يَخْرُجَنَّ مِنَ الْمَسْجِدِ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا. (٢) وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: إِذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلاَتِهِ فَلَمْ يَدْرِ كَمْ صَلَّى أَثَلاَثًا أَمْ أَرْبَعًا؟ فَلْيَطْرَحِ الشَّكَّ، وَلْيَبْنِ عَلَى مَا اسْتَيْقَنَ (٣) .

_________

(١) سورة الكهف / ٥٣.

(٢) حديث: " إذا وجد أحدكم في بطنه شيئا. . . " أخرجه مسلم (١ / ٢٧٦) من حديث أبي هريرة.

(٣) حديث أبي سعيد الخدري: " إذا شك أحدكم في صلاته. . . " أخرجه مسلم (١ / ٤٠٠) .

وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ﵁ قَال: سَمِعْتُ رَسُول اللَّهِ ﷺ يَقُول: إِذَا سَهَا أَحَدُكُمْ فِي صَلاَتِهِ فَلَمْ يَدْرِ وَاحِدَةً صَلَّى أَوِ اثْنَتَيْنِ؟ فَلْيَبْنِ عَلَى وَاحِدَةٍ، فَإِنْ لَمْ يَدْرِ صَلَّى ثِنْتَيْنِ أَوْ ثَلاَثًا؟ فَلْيَبْنِ عَلَى ثِنْتَيْنِ، فَإِنْ لَمْ يَدْرِ ثْلاَثًا صَلَّى أَوْ أَرْبَعًا؟ فَلْيَبْنِ عَلَى ثَلاَثٍ، وَلِيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ قَبْل أَنْ يُسَلِّمَ. (١)

هَذَا، وَنَظَرًا لأَِنَّ الْيَقِينَ يَرِدُ فِي جُل أَبْوَابِ الْفِقْهِ، فَإِنَّنَا نَسُوقُ هُنَا جُمْلَةً مِنَ الْقَوَاعِدِ الَّتِي تَتَعَلَّقُ بِالْعَمَل بِالْيَقِينِ إِذَا وُجِدَ، وَتَرْكِ الظَّنِّ وَالشَّكِّ وَالْوَهْمِ.

وَمِنْ ذَلِكَ قَاعِدَةُ: " الأَْصْل بَقَاءُ مَا كَانَ عَلَى مَا كَانَ "، فَمِنْ أَمْثِلَةِ ذَلِكَ: مَنْ تَيَقَّنَ الطَّهَارَةَ وَشَكَّ فِي الْحَدَثِ فَهُوَ مُتَطَهِّرٌ، أَوْ تَيَقَّنَ فِي الْحَدَثِ وَشَكَّ فِي الطَّهَارَةِ فَهُوَ مُحْدِثٌ.

وَمِنْهَا: " الأَْصْل بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ، وَلِذَلِكَ لَمْ يُقْبَل فِي شَغْل الذِّمَّةِ شَاهِدٌ وَاحِدٌ، مَا لَمْ يَعْتَضِدْ بِسَبَبٍ آخَرَ.

وَمِنْهَا قَاعِدَةُ: " مَنْ شَكَّ هَل فَعَل شَيْئًا أَوْ لاَ؟ فَالأَْصْل أَنَّهُ لَمْ يَفْعَلْهُ "،

_________

(١) حديث عبد الرحمن بن عوف: " إذا سهى أحدكم في صلاته. . . " أخرجه الترمذي (٢ / ٢٤٥)، وقال ابن حجر في التلخيص (١ / ١١ - علمية): معلول ثم أفاض في ذكر علله.