الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤٥
يَدٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الْيَدُ فِي اللُّغَةِ مُؤَنَّثَةٌ، وَهِيَ مِنَ الْمَنْكِبِ إِلَى أَطْرَافِ الأَْصَابِعِ، وَلاَمُهَا مَحْذُوفَةٌ وَهِيَ يَاءٌ، وَالأَْصْل: يَدْيٌ، قِيل بِفَتْحِ الدَّالِ، وَقِيل بِسُكُونِهَا، وَجَمْعُ الْقِلَّةِ أَيْدٍ، وَجَمْعُ الْكَثْرَةِ: الأَْيَادِي وَيُدِيٌّ مِثَال فُعُولٌ.
وَالْيَدُ: النِّعْمَةُ وَالإِْحْسَانُ، وَتُطْلَقُ الْيَدُ عَلَى الْقُدْرَةِ، وَيَدُهُ عَلَيْهِ: أَيْ سُلْطَانَهُ، وَالأَْمْرُ بِيَدِ فُلاَنٍ: أَيْ فِي تَصَرُّفِهِ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ (١)﴾ أَيْ عَنْ قُدْرَةٍ عَلَيْهِمْ وَغَلَبٍ. وَأَعْطَى بِيَدِهِ: إِذَا انْقَادَ وَاسْتَسْلَمَ، وَالدَّارُ فِي يَدٍ فُلاَنٍ: أَيْ فِي مِلْكِهِ، وَأَوْلَيْتُهُ يَدًا: أَيْ نِعْمَةً، وَالْقَوْمُ يَدٌ عَلَى غَيْرِهِمْ: أَيْ مُجْتَمِعُونَ مُتَّفِقُونَ، وَبِعْتُهُ يَدًا بِيَدٍ: أَيْ حَاضِرًا بِحَاضِرٍ. (٢)
وَلاَ يَخْرُجُ الْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيِّ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ. (٣)
_________
(١) سورة التوبة / ٩.
(٢) المصباح المنير، وقواعد الفقه للبركتي ص ٥٥٥.
(٣) ابن عابدين ٣ / ٢٥٦، وحاشية الدسوقي على الشرح الكبير ٢ / ٤٠٦، وقليوبي على المحلي ٣ / ١٨٠، والمغني ١ / ٩٩، ومغني المحتاج ١ / ٥٢، وطلبة الطلبة. . ١٩٧، وتهذيب الأسماء واللغات للنووي ٤ / ١٩٩، وتفسير القرطبي ٨ / ١١٥.
الأَْحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالْيَدِ:
تَتَعَلَّقُ بِالْيَدِ أَحْكَامٌ مُتَعَدِّدَةٌ مِنْهَا مَا يَلِي:
أَوَّلًا: الْيَدُ بِمَعْنَى الْعُضْوِ وَالْجَارِحَةُ:
الاِسْتِنْجَاءُ بِالْيَدِ:
٢ - يَسُنُّ أَنْ يَسْتَنْجِيَ بِيَدِهِ الْيُسْرَى بِالْحَجَرِ أَوْ بِالْمَاءِ، وَيُكْرَهُ بِيَمِينِهِ بِلاَ عُذْرٍ (١)، لِقَوْل الرَّسُول ﷺ: إِذَا بَال أَحَدُكُمْ فَلاَ يَأْخُذَنَّ ذَكَرَهُ بِيَمِينِهِ، وَلاَ يَسْتَنْجِيَ بِيَمِينِهِ (٢) .
وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (اسْتِنْجَاء ف ٣٠) .
إِدْخَال الْيَدَيْنِ فِي مَاءِ الطَّهَارَةِ:
٣ - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى مَشْرُوعِيَّةِ غَسْل الْيَدَيْنِ فِي مَاءِ الطَّهَارَةِ قَبْل إِدْخَالِهِمَا الإِْنَاءَ، يَسْتَوِي فِي ذَلِكَ مُرِيدُ
_________
(١) مجمع الأنهر ١ / ٦٦، حاشية ابن عابدين ١ / ٢٥٥، البحر الرائق ١ / ٢٥٥، الاختيار ١ / ٣٧، حاشية الدسوقي ١ / ١٠٥، المجموع ١ / ١٠٨، حاشية الشرقاوي ١ / ١٢٥، نهاية المحتاج ١ / ١٣٧، كشاف القناع ١ / ٥١، مطالب أولي النهى ١ / ٦٩ وما بعدها.
(٢) حديث: " إذا بال أحدكم فلا يأخذ ذكره بيمينه. . . . " أخرجه البخاري (فتح الباري ١ / ٢٥٤) ومسلم (١ / ٢٢٥) واللفظ للبخاري.
الطِّهَارَةِ وَغَيْرِهِ، كَمَا يَسْتَوِي فِيهِ الْمُسْتَيْقِظُ مِنَ النَّوْمِ وَغَيْرِهِ.
وَالتَّفْصِيل فِي (كَف ف ٣، نَوْم ف ١٠، وُضُوء ف ٩٠) .
غَسْل الْيَدَيْنِ فِي الْوُضُوءِ وَالْغُسْل:
٤ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ يَسُنُّ فِي الْوُضُوءِ وَالْغُسْل غَسْل الْيَدَيْنِ إِلَى الرُّسْغَيْنِ ثَلاَثًا قَبْل إِدْخَالِهِمَا فِي الإِْنَاءِ وَذَلِكَ فِي الْجُمْلَةِ.
وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ مِنْ فَرَائِضِ الْوُضُوءِ غَسْل الْيَدَيْنِ إِلَى الْمَرْفِقَيْنِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ (١)﴾ .
وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (وَضَوْء، وَمُصْطَلَحِ غَسْل فِقْرَة ٣٠) .
السُّنَّةُ فِي غَسْل الْيَدَيْنِ:
٥ - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّ السُّنَّةَ فِي غَسْل الْيَدَيْنِ هِيَ الْبِدَايَةُ بِالْيَمِينِ وَمِثْلَهُ فِي الرَّجُلَيْنِ فَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُعْجِبُهُ التَّيَامُنَ فِي تَنَعُّلِهِ وَتَرَجُّلِهِ وَطُهُورِهِ وَفِي شَأْنِهِ كُلِّهِ (٢)، وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ
_________
(١) سورة المائدة / ٦.
(٢) حديث: " كان يعجبه التيمن في تنعله. . " أخرجه البخاري (فتح الباري ١ / ٢٦٩) .
رَسُول اللَّهِ ﷺ يُحِبُّ التَّيَامُنَ مَا اسْتَطَاعَ فِي شَأْنِهِ كُلِّهِ فِي طُهُورِهِ وَتَرَجُّلِهِ وَتَنَعُّلِهِ (١) .
(ر: تُيَامُن ف ٢ وَمَا بَعْدَهَا) .
رَفْعُ الْجَنَابَةِ عَنِ الْيَدِ:
٦ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ إِدْخَال الْجُنُبِ يَدَهُ فِي الْمَاءِ إِذَا لَمْ يَنْوِ بِغَمْسِ يَدِهِ فِي الْمَاءِ رَفْعَ الْحَدَثِ وَلَمْ تَكُنْ عَلَيْهَا نَجَاسَةٌ لاَ يُؤَثِّرُ عَلَى طَهُورِيَّةِ الْمَاءِ.
وَاخْتَلَفُوا فِي أَثَرِ إِدْخَال الْجُنُبِ يَدَهُ إِذَا نَوَى بِالْغَمْسِ رَفْعَ الْحَدَثِ مِنَ الْجَنَابَةِ.
فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ فِي الاِسْتِحْسَانِ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي قَوْلٍ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي قَوْلٍ كَذَلِكَ إِلَى أَنَّ الْمَاءَ لاَ يَصِيرُ مُسْتَعْمَلًا.
وَوَجْهُ الاِسْتِحْسَانِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ مَا رُوِيَ أَنَّ الْمِهْرَاسَ. (٢) كَانَ يُوضَعُ عَلَى بَابِ مَسْجِدِ رَسُول اللَّهِ ﷺ وَفِيهَا مَاءٌ فَكَانَ أَصْحَابُ الصِّفَةِ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ يَغْتَرِفُونَ مِنْهُ لِلْوُضُوءِ بِأَيْدِيهِمْ (٣)، وَلأَِنَّ فِيهِ بَلْوًى وَضَرُورَةً فَقَدْ
_________
(١) حديث: " كان يحب التيمن ما استطاع في شأنه كله. . " أخرجه البخاري (فتح الباري ١ / ٥٢٣)، ومسلم (١ / ٢٢٦) .
(٢) المهراس: بكسر الميم حجر مستطيل ينقل ويدق فيه ويتوضأ منه (المصباح المنير) .
(٣) حديث: " أن المهراس كان يوضع على باب مسجد رسول الله ﷺ ". أورده السرخسي في المبسوط (١ / ٥٢) ولم يعزه إلى أي مصدر حديثي. ولم نهتد لمن أسنده.
لاَ يَجِدُ شَيْئًا يَغْتَرِفُ بِهِ مِنَ الإِْنَاءِ الْعَظِيمِ فَيَجْعَل يَدَهُ لأَِجْل الْحَاجَةِ كَالْمِغْرَفَةِ، وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فِي الْمُحْدِثِ فَكَذَلِكَ فِي الْجُنُبِ وَالْحَائِضِ، لِمَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا قَالَتْ: " كُنْتُ أَغْتَسِل أَنَا وَرَسُول اللَّهِ ﷺ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ، فَيُبَادِرُنِي حَتَّى أَقُول: دَعْ لِي، دَعْ لِي (١) .
وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ فِي الأَْمَالِي قَال: إِذَا أَدْخَل الْجُنُبُ يَدَهُ أَوْ رِجْلَهُ فِي الْبِئْرِ لَمْ يُفْسِدْهُ، وَإِنْ أَدْخَل رِجْلَهُ فِي الإِْنَاءِ أَفْسَدَهُ وَهَذَا لِمَعْنَى الْحَاجَةِ، فَفِي الْبِئْرِ الْحَاجَةُ إِلَى إِدْخَال الرِّجْل لِطَلَبِ الدَّلْوِ فَجُعِل عَفْوًا، وَفِي الإِْنَاءِ الْحَاجَةُ إِلَى إِدْخَال الْيَدِ فَلاَ تُجْعَل الرِّجْل عَفْوًا فِيهِ، وَإِنْ أَدْخَل فِي الْبِئْرِ بَعْضَ جَسَدِهِ سِوَى الْيَدِ وَالرَّجُل أَفْسَدَهُ لأَِنَّهُ لاَ حَاجَةَ إِلَيْهِ.
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي الصَّحِيحِ مِنَ الْمَذْهَبِ إِلَى أَنَّ الْمَاءَ يَصِيرُ مُسْتَعْمَلًا.
وَقِيل عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: إِنْ كَانَ الْمُنْفَصِل عَنِ الْعُضْوِ لَوْ غُسِل ذَلِكَ الْعُضْوُ بِمَائِعٍ ثُمَّ صُبَّ فِيهِ أَثَّرَ: أَثَّرَ هُنَا. (٢)
_________
(١) حديث عائشة: " كنت أغتسل أنا ورسول الله ﷺ. . " أخرجه البخاري (فتح الباري ١ / ٣٦٣) ومسلم (١ / ٢٥٥) دون قولها: " فيبادرني. . " فقد أخرجه مسلم في رواية أخرى (١ / ٢٥٧) .
(٢) المبسوط ١ / ٥٢، والمنتقي شرح الموطأ ١ / ١٠٧، وشرح الزرقاني ١ / ١٤، وفتاوى الرملي ١ / ١٦، والمغني ١ / ٢١٢ - ٢١٣، والمجموع ١ / ١٦٤، ومغني المحتاج ١ / ٢١، والإنصاف ١ / ٤٣.
مَسْحُ الْيَدِ بِالتُّرَابِ فِي التَّيَمُّمِ:
٧ - صِفَةُ التَّيَمُّمِ أَنْ يَضْرِبَ بِيَدَيْهِ عَلَى الصَّعِيدِ الطَّاهِرِ فَيَنْفُضُهُمَا، ثُمَّ يَمْسَحُ بِهِمَا وَجْهَهُ، ثُمَّ يَضْرِبُهُمَا كَذَلِكَ وَيَمْسَحُ بِكُل كَفٍّ ظَهْرَ ذِرَاعِ الأُْخْرَى وَبَاطِنَهَا مَعَ الْمِرْفَقِ، وَهَذَا قَوْل جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ بِدَلِيل آيَةِ التَّيَمُّمِ.
وَلِمَعْرِفَةِ آرَاءِ الْفُقَهَاءِ فِي كَيْفِيَّةِ التَّيَمُّمِ (ر: تَيَمُّم ف ١١) .
الْمَسْحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ بِالْيَدِ:
٨ - يَرَى الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ أَنَّ الْوَاجِبَ فِي الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ أَنْ يَمْسَحَ عَلَى ظَاهِرِ الْخُفَّيْنِ بِأَصَابِعِ الْيَدِ.
وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (مَسْحٌ عَلَى الْخُفَّيْنِ ف ١٠) .
هَيْئَةُ الْيَدَيْنِ فِي الصَّلاَةِ:
٩ - اتُّفِقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ يُسَنُّ أَوْ يُسْتَحَبُّ لِلْمُصَلِّي أَنْ يَرْفَعَ يَدَيْهِ عِنْدَ تَكْبِيرَةِ الإِْحْرَامِ، لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا افْتَتَحَ الصَّلاَةَ رَفَعَ يَدَيْهِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ (١) .
وَاخْتَلَفُوا فِي كَيْفِيَّةِ رَفْعِهِمَا، كَمَا ذَكَرُوا أَحْكَامَ
_________
(١) حديث: " كان إذا فتتح الصلاة رفع يديه حذو منكبيه " أخرجه البخاري (فتح الباري ٢ / ٢١٩) ومسلم (١ / ٢٩٢) .
وَضْعِ الْيَدِ الْيُمْنَى عَلَى الْيَدِ الْيُسْرَى أَثْنَاءَ الْقِيَامِ فِي الصَّلاَةِ، وَرَفْعِ الْيَدَيْنِ عِنْدَ الرُّكُوعِ وَالرَّفْعِ مِنْهُ، وَعِنْدَ الْقِيَامِ لِلرَّكْعَةِ الثَّالِثَةِ، وَكَيْفِيَّةِ وَضْعِ الْيَدَيْنِ أَثْنَاءَ الْجُلُوسِ فِي الصَّلاَةِ، وَوَضْعِ الْيَدَيْنِ عَلَى الرُّكْبَتَيْنِ فِي الرُّكُوعِ وَوَضْعِ الْيَدَيْنِ فِي السُّجُودِ، عَلَى تَفْصِيلٍ يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ (صَلاَة ف ٥٧ وَمَا بَعْدَهَا) .
عَدُّ الْمُصَلِّي الآْيَ بِأَصَابِعِ الْيَدِ:
١٠ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ عَدِّ الْمُصَلِّي الآْيِ بِأَصَابِعِ الْيَدِ فِي الصَّلاَةِ.
فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي الْمَذْهَبِ وَالصَّاحِبَانِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ إِلَى أَنَّهُ لاَ بَأْسَ بِعَدِّ الْمُصَلِّي الآْيِ بِأَصَابِعِ الْيَدِ فِي الصَّلاَةِ فَرْضًا كَانَتِ الصَّلاَةُ أَوْ تَطَوُّعًا، لِمَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو ﵄ قَال: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَعُدَّ الآْيَ فِي الصَّلاَةِ (١) . وَلأَِنَّ الْعَدَّ مُحْتَاجٌ إِلَيْهِ لِمُرَاعَاةِ السُّنَنِ فِي قَدْرِ الْقِرَاءَةِ.
وَقَيَّدَ الْمَالِكِيَّةُ هَذَا الْحُكْمَ بِمَا إِذَا كَانَ الْمُصَلِّي قَصَدَ بِعَدِّ الآْيِ إِصْلاَحَ صَلاَتِهِ، أَمَّا لَوْ فَعَلَهُ سَاهِيًا مِثْل مِنْ نَسِيَ أَنَّهُ فِي الصَّلاَةِ تَخَرَّجَ إِيجَابُ السُّجُودِ عَلَيْهِ بِذَلِكَ عَلَى قَوْلَيْنِ.
_________
(١) حديث عبد الله بن عمرو: " رأيت رسول الله ﷺ يعد الآي في الصلاة " قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٢ / ١١٤): رواه الطبراني وفيه نصر بن طريف وهو متروك.
وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالْحَنَابِلَةُ فِي قَوْلٍ إِلَى أَنَّهُ يُكْرَهُ عَدُّ الآْيِ فِي الصَّلاَةِ، وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ كَرِهَ ذَلِكَ فِي الْفَرْضِ وَرَخَّصَ فِي التَّطَوُّعِ.
وَذُكِرَ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ قَوْل مُحَمَّدٍ مَعَ أَبِي حَنِيفَةَ.
وَاسْتَدَل أَبُو حَنِيفَةَ وَمَنْ مَعَهُ عَلَى مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ مِنْ كَرَاهَةِ عَدِّ الآْيِ بِالْيَدِ فِي الصَّلاَةِ بِأَنَّ الْعَدَّ بِالْيَدِ تَرْكٌ لِسُنَّةِ الْيَدِ، وَذَلِكَ مَكْرُوهٌ، وَلأَِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَعْمَال الصَّلاَةِ، فَالْقَلِيل مِنْهُ إِنْ لَمْ يُفْسِدِ الصَّلاَةَ فَلاَ أَقَل مِنْ أَنْ يُوجِبَ الْكَرَاهَةَ، وَلاَحَاجَةَ إِلَى الْعَدِّ بِالْيَدِ فِي الصَّلاَةِ، فَإِنَّهُ يُمْكِنُهُ أَنْ يَعُدَّ خَارِجَ الصَّلاَةِ مِقْدَارَ مَا يَقْرَأُ فِي الصَّلاَةِ وَيُعَيِّنَ ثُمَّ يَقْرَأُ بَعْدَ ذَلِكَ الْمِقْدَارَ الْمُعَيَّنَ، أَوْ يَعُدَّ بِقَلْبِهِ (١) .
عَدُّ التَّسْبِيحِ بِأَصَابِعِ الْيَدِ فِي الصَّلاَةِ:
١١ - ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي الصَّحِيحِ مِنَ الْمَذْهَبِ وَالصَّاحِبَانِ " أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ) إِلَى أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْمُصَلِّي عَدُّ التَّسْبِيحِ فِي الصَّلاَةِ؛ لأَِنَّ الْعَدَّ مُحْتَاجٌ إِلَيْهِ لِمُرَاعَاةِ السُّنَّةِ فِي عَدَدِ التَّسْبِيحِ خُصُوصًا فِي صَلاَةِ التَّسْبِيحِ الَّتِي تَوَارَثَتْهَا الأُْمَّةُ.
فَقَدْ نَصَّ الْحَنَابِلَةُ عَلَى أَنَّ لِلْمُصَلِّي عَدُّ التَّسْبِيحِ مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ.
_________
(١) بدائع الصنائع ١ / ١٦، وحاشية ابن عابدين ٢ / ١٦٥، والإنصاف ٢ / ٩٥.
وَنَصَّ الصَّاحِبَانِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ عَلَى أَنَّهُ لاَ بَأْسَ بِعَدِّ التَّسْبِيحِ فِي الْفَرْضِ وَالتَّطَوُّعِ.
وَنَصَّ الشَّافِعِيَّةُ فِي الأَْصَحِّ عَلَى أَنَّهُ لاَ تَبْطُل الصَّلاَةَ بِالْحَرَكَاتِ الْخَفِيفَةِ الْمُتَوَالِيَةِ كَتَحْرِيكِ أَصَابِعِهِ فِي سُبَحَةٍ بِلاَ حَرَكَةِ كَفِّهِ، قَال الشِّرْوَانِيُّ: لَكِنَّهُ خِلاَفُ الأَْوْلَى.
وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَالْحَنَابِلَةُ فِي رِوَايَةٍ إِلَى أَنَّهُ يُكْرَهُ عَدُّ التَّسْبِيحِ فِي الصَّلاَةِ، وَاسْتُدِل لأَِبِي حَنِيفَةَ بِأَنَّ الْعَدَّ بِالْيَدِ لَيْسَ مِنْ أَعْمَال الصَّلاَةِ، فَالْقَلِيل مِنْهُ إِنْ لَمْ يُفْسِدِ الصَّلاَةَ فَلاَ أَقَل مِنْ أَنْ يُوجِبَ الْكَرَاهَةَ.
وَعَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ تَوَقُّفَ فِي عَدِّ التَّسْبِيحِ فِي الصَّلاَةِ، يَتَوَالَى لِقِصَرِهِ فَيَتَوَالَى حِسَابُهُ فَيَكْثُرُ الْعَمَل.
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ فِي مُقَابِل الأَْصَحِّ إِلَى أَنَّ الصَّلاَةَ تُبْطَل بِعَدِّ التَّسْبِيحِ فِيهَا؛ لأَِنَّهَا أَفْعَالٌ كَثِيرَةٌ مُتَوَالِيَةٌ فَأَشْبَهَتِ الْخُطُوَاتِ. (١)
وَضْعُ الْيَدِ عَلَى الْفَمِ فِي الصَّلاَةِ:
١٢ - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّ وَضْعَ الْيَدِ عَلَى الْفَمِ فِي الصَّلاَةِ إِنْ كَانَ لِحَاجَةٍ كَالتَّثَاؤُبِ وَلَمْ يَسْتَطِعْ
_________
(١) الإنصاف ٢ / ٩٦، وكشاف القناع ١ / ٣٧٦، والمغني ٢ / ١٢، وبدائع الصنائع ١ / ٢١٦، وحاشية ابن عابدين ٢ / ١٦٥، ومواهب الجليل ١ / ٥٥٢، وتحفة المحتاج ٢ / ١٥٤، ومغني المحتاج ١ / ١٩٩.
كَظْمَهُ فَيُسْتَحَبُّ لَهُ وَضْعُ يَدِهِ لِدَفْعِ التَّثَاؤُبِ (١)، لِلأَْحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ الْوَارِدَةِ فِي ذَلِكَ، مِنْهَا قَوْلُهُ ﷺ إِذَا َثَاوَبَ أَحَدُكُمْ فِي الصَّلاَةِ فَلْيَكْظِمْ مَا اسْتَطَاعَ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَدْخُل (٢) .
وَقَوْلُهُ ﷺ: إِذَا تَثَاوَبَ أَحَدُكُمْ فَلْيُمْسِكْ بِيَدِهِ عَلَى فِيهِ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَدْخُل (٣)، وَمِنْهَا قَوْلُهُ: فَلْيَضَعْ يَدَهُ عَلَى فَمِهِ (٤) .
١٣ - أَمَّا كَيْفِيَّةُ وَضْعِ الْيَدِ عَلَى الْفَمِ عِنْدَ التَّثَاؤُبِ فَلِلْفُقَهَاءِ فِيهِ تَفْصِيلٌ:
فَيَرَى الْحَنَفِيَّةُ أَنَّهُ يُغَطِّي فَاهُ بِظَهْرِ الْيُسْرَى، وَفِي قَوْلٍ آخَرَ أَنَّهُ يُغَطِّي فَاهُ بِيَدِهِ الْيُمْنَى لَوْ كَانَ قَائِمًا، وَإِلاَّ فَبِيَدِهِ الْيُسْرَى، لأَنَّ التَّغْطِيَةَ يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ بِالْيُسْرَى كَالاِمْتِخَاطِ فَإِنْ كَانَ قَاعِدًا يَسْهُل ذَلِكَ عَلَيْهِ وَلَمْ يَلْزَمْ مِنْهُ حَرَكَةُ الْيَدَيْنِ، بِخِلاَفِ إِذَا كَانَ قَائِمًا فَإِنَّهُ يَلْزَمُ
_________
(١) رد المحتار ١ / ٤٣٣، والمجموع ٤ / ١٠٠، والفتاوى الهندية ١ / ١٠٧، ومغني المحتاج ١ / ٢٠١، والمغني ٢ / ١٢، وكشاف القناع ١ / ٣٧٣، ومطالب أولي النهى ١ / ٤٨١، والخرشي ١ / ٣١٩.
(٢) حديث: " إذا تثاوب أحدكم في صلاته. . " أخرجه مسلم (٤ / ٢٢٩٣) من حديث أبي سعيد الخدري.
(٣) حديث: " إذا تثاوب أحدكم فليمسك يده على فيه. . " أخرجه مسلم (٤ / ٢٢٩٣) من حديث أبي سعيد الخدري.
(٤) رواية: " فليضع يده على فمه. . " أخرجه سعيد بن منصور كما في المغني لابن قدامة (٢ / ١٢) .