الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤٥ الصفحة 51

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤٥

كَانَ، أَمَّا اللَّقِيطُ فَإِنَّهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَبٌ إِلاَّ أَنَّهُ يُحتَمَل أَنْ يَظْهَرَ فِي وَقْتٍ مَا. (١)

الأَْحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالْيَتِيمِ:

يَتَعَلَّقُ بِالْيَتِيمِ أَحْكَامٌ مِنْهَا:

الإِْحْسَانُ إِلَى الْيَتِيمِ:

٥ - يَجِبُ الاِعْتِنَاءُ بِالْيَتِيمِ وَالْعَطْفُ عَلَيْهِ وَالرَّأْفَةُ بِهِ وَبِرُّهُ وَالإِْحْسَانُ إِلَيْهِ لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: أَنَا وَكَافِل الْيَتِيمِ كَهَاتَيْنِ، وَأَشَارَ بِإِصْبَعَيْهِ السَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى (٢) .

كَمَا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى نَهَى عَنْ إِذْلاَل الْيَتِيمِ وَظُلْمِهِ وَنَهَرِهِ وَشَتْمِهِ وَالتَّسَلُّطِ عَلَيْهِ بِمَا يُؤْذِيهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلاَ تَقْهَرْ (٣)﴾ .

وَلِلْوَصِيِّ تَعْلِيمُ الْيَتِيمِ وَتَسْلِيمُهُ لِلْمَكْتَبِ، لأَِنَّ الْمَكْتَبَ مِنْ مَصَالِحِهِ، فَجَرَى مَجْرَى نَفَقَتِهِ كَمَأْكُولِهِ وَمَشْرُوبِهِ وَمَلْبُوسِهِ، وَيَجُوزُ إِسْلاَمُهُ فِي صِنَاعَةٍ إِذَا كَانَتْ مَصْلَحَتُهُ فِي ذَلِكَ، رُوِيَ عَنْ جَابِرٍ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ أَنَّهُ قَال: قُلْتُ: " يَا رَسُول اللِّهِ، مِمَّا أَضَرَبُ عَلَيْهِ يَتِيمِي؟ فَقَال: مِمَّا كُنْتَ ضَارِبًا مِنْهُ وَلَدَكَ غَيْرَ وَاقٍ مَالَكَ بِمَالِهِ، وَلاَ مُتَأَثِّلٍ مِنْ مَالِهِ مَالًا (٤) .

_________

(١) كشاف القناع ٤ / ٣٦٤.

(٢) حديث: " أنا وكافل اليتيم كهاتين. . . " أخرجه البخاري (فتح الباري ١٠ / ٤٣٦) من حديث سهل بن سعد.

(٣) سورة الضحى / ٩.

(٤) حديث جابر: " مما أضرب عليه يتيمي؟ . . " أخرجه الطبراني في الصغير (١ / ١٥٧ - ١٥٨ - ط المكتب الإسلامي) . وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٨ / ١٦٣): فيه معلى بن مهدي، وثقه ابن حيان وغيره، وفيه ضعف، وبقية رجاله ثقات. ورجح البيهقي في السنن الكبرى (٤ / ٦) إرساله من حديث الحسن العرني.

وَعَلَى الْوَصِيِّ أَنْ يُطْعِمَ الْيَتِيمَ الْحَلاَل وَلاَ يُطْعِمَهُ الْحَرَامَ. (١)

تَصَرُّفَاتُ الْوَصِيِّ فِي مَال الْيَتِيمِ:

٦ - تَصَرُّفَاتُ الْوَصِيِّ فِي أَمْوَال الْيَتَامَى مُقَيَّدَةٌ بِالنَّظَرِ وَالْمَصْلَحَةِ.

وَلِمَعْرِفَةِ التَّفْصِيل فِي ضَوَابِطِ تَصَرُّفَاتِ الْوَصِيِّ فِي مَال الأَْيْتَامِ الْمُوصَى عَلَيْهِمْ وَشُرُوطُ إِنْفَاذِهَا يُنْظَرُ (إِيصَاء ف ١٣ - ١٤) .

الْمُضَارَبَةُ وَالاِتْجَارُ بِمَال الْيَتِيمِ:

٧ - الاِتِّجَارُ بِمَال الْيَتِيمِ لاَ يَخْلُو: إِمَّا أَنْ يَتَّجِرَ الْوَصِيُّ بِمَال الْيَتِيمِ لِنَفْسِهِ، وَإِمَّا أَنْ يَتَّجِرَ بِمَال الْيَتِيمِ لِلْيَتِيمِ، وَإِمَّا أَنْ يَدْفَعَ الْوَصِيُّ مَال الْيَتِيمِ الْمُوصَى عَلَيْهِ لِمَنْ يَعْمَل فِيهِ مُضَارَبَةً.

وَلِلتَّفْصِيل فِي آرَاءِ الْفُقَهَاءِ فِي هَذِهِ الْحَالاَتِ تُنْظَرُ مُصْطَلَحَاتُ (إِيصَاء ف١٤، وِصَايَة ف ٤١ - ٤٤، وِلاَيَة ف ٥٣ - ٥٥) .

_________

(١) أحكام القرآن للقرطبي ٢٠ / ١٠٠ - ١٠١، والمغني ٤ / ٤٦٨.

الإِْنْفَاقُ عَلَى الْيَتِيمِ:

٨ - إِنْ كَانَ لِلْيَتِيمِ مَالٌ فَعَلَى الْوَصِيِّ الإِْنْفَاقُ عَلَيْهِ بِالْمَعْرُوفِ لاَ عَلَى وَجْهِ الإِْسْرَافِ وَلاَ عَلَى وَجْهِ التَّضْيِيقِ (ر: وِصَايَة ٣٦، ٧٤، وِلاَيَة ف ٦٢) وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْيَتِيمِ مَالٌ فَنَفَقَتُهُ عَلَى قَرَابَتِهِ (ر: نَفَقَة ف ٧٨) وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ وَلاَ أَقَارِبَ لَهُ فَنَفَقَتُهُ فِي بَيْتِ الْمَال (ر: بَيْتُ الْمَال ف ١٢)

رُجُوعُ الْوَصِيِّ فِيمَا أَنْفَقَهُ مِنْ مَالِهِ عَلَى الْيَتِيمِ الْغَنِيِّ:

٩ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي طَلَبِ الْبَيِّنَةِ عَلَى مَا أَنْفَقَهُ وَلِيُّ الْيَتِيمِ مِنْ مَال نَفْسِهِ عَلَى الْيَتِيمِ.

فَقَال الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ: الْوَصِيُّ كَالأَْبِ مُتَطَوِّعٌ، إِلاَّ أَنْ يُشْهِدَ أَنَّ مَا أَنْفَقَهُ مِنْ مَال نَفْسِهِ عَلَى الْيَتِيمِ قَرْضٌ عَلَيْهِ وَأَنَّهُ يَرْجِعُ عَلَيْهِ.

وَفِي الْخُلاَصَةِ: أَنَّ قَوْل الْوَصِيِّ وَإِنْ اعْتُبِرَ فِي الإِْنْفَاقِ لَكِنْ لاَ يُقْبَل فِي الرُّجُوعِ فِي مَال الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالْبَيِّنَةِ.

وَقَال زَكَرِيَّا الأَْنْصَارِيُّ الشَّافِعِيُّ: لَوْ أَنْفَقَتِ الأُْمُّ عَلَى طِفْلِهَا الْمُوسِرِ مِنْ مَالِهَا لِتَرْجِعَ عَلَيْهِ أَوْ عَلَى أَبِيهِ إِنْ لَزِمَتْهُ نَفَقَتُهُ رَجَعَتْ إِنْ أَشْهَدَتْ بِذَلِكَ عِنْدَ عَجْزِهَا عَنِ الْقَاضِي وَإِلاَّ فَوَجْهَانِ.

وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: لِلْوَصِيِّ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الْيَتِيمِ فِيمَا أَنْفَقَهُ عَلَيْهِ بِالْمَعْرُوفِ، أَشْهَدُ عَلَى ذَلِكَ أَوْ لَمْ

يُشْهِدْ إِذَا قَال: إِنَّمَا كُنْتُ أُنْفِقُ عَلَيْهِ بِهِ عَلَى أَنْ أَرْجِعَ عَلَيْهِ فِي مَالِهِ. (١)

وَصَرَّحَ الْحَنَابِلَةُ بِأَنَّهُ يُقْبَل قَوْل الْوَلِيِّ فِي إِنْفَاقِهِ بِالْمَعْرُوفِ مِنْ مَالِهِ عَلَى الْمُولَى عَلَيْهِ مَا لَمْ يُعْلَمْ كَذِبُ الْوَلِيِّ بِأَنْ كَذَّبَ الْحِسُّ دَعْوَاهُ، أَوْ تَخَالُفُهُ عَادَةٌ وَعُرْفٌ، فَلاَ يُقْبَل قَوْلُهُ حِينَئِذٍ لِمُخَالَفَتِهِ الظَّاهِرَ. (٢)

وَقَال تَقِيُّ الدِّينَ ابْنُ تَيْمِيَّةَ: مَا أَنْفَقَهُ وَصِيٌّ مُتَبَرِّعٌ بِالْمَعْرُوفِ فِي ثُبُوتِ الْوَصِيَّةِ فَمِنْ مَال الْيَتِيمِ. قَال الْبُهُوتِيُّ: وَعَلَى قِيَاسِهِ كُل مَا فِيهِ مَصْلَحَةٌ لَهُ. (٣)

خَلْطُ الْوَصِيِّ مَالَهُ بِمَال الْيَتِيمِ الْمُوصَى عَلَيْهِ:

١٠ - تَصَرُّفُ الْوَصِيِّ فِي مَال الْيَتِيمِ الْمُوصَى عَلَيْهِ مُقَيِّدٌ بِالْمَصْلَحَةِ وَلِمَعْرِفَةِ آرَاءِ الْفُقَهَاءِ فِي خَلْطِ مَال الْوَصِيِّ بِمَال الْيَتِيمِ يُنْظَرُ (وِصَايَة ف ٧٤) .

أَخْذُ الْوَصِيِّ الأُْجْرَةَ مِنْ مَال الْيَتِيمِ:

١١ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْوَصِيَّ إِذَا فُرِضَ لَهُ الأُْجْرَةَ مُقَابِل الْقِيَامِ بِالْوِصَايَةِ كَانَ لَهُ أَخْذُهَا،

_________

(١) الفتاوى المهدية ٧ / ٢٨، ٣٠، والمدونة ٤ / ٣٩٦، وأسنى المطالب ٣ / ٤٤٥.

(٢) كشاف القناع ٣ / ٤٥٦.

(٣) كشاف القناع ٤ / ٣٩٨.

سَوَاءً كَانَ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا.

وَاخْتَلَفُوا فِي حُكْمِ أَخْذِ الْوَصِيِّ الأُْجْرَةَ إِذَا لَمْ يُفْرَضُ لَهُ شَيْءٌ.

وَلِلتَّفْصِيل (ر: وِصَايَة ف ٦٣ - ٦٤، وِلاَيَة ف ٥٩ - ٦٠، وَإِيصَاء ف ١٤) .

إِجَارَةُ الْيَتِيمِ:

١٢ - إِجَارَةُ نَفْسِ الْيَتِيمِ لاَ يَخْلُو: إِمَّا أَنْ يُؤَجِّرَ الْوَصِيُّ نَفْسَ الْيَتِيمِ لِلْغَيْرِ وَإِمَّا أَنْ يُؤَجِّرَهُ لِنَفْسِهِ وَإِمَّا أَنْ يُؤَجِّرَ نَفْسَهُ لِلْيَتِيمِ وَإِمَّا أَنْ يُؤَجِّرَ الْيَتِيمَ نَفْسَهُ. كَمَا أَنَّ إِجَارَةَ مَال الْيَتِيمِ لاَ يَخْلُو إِمَّا أَنْ يَكُونَ لِلْغَيْرِ وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ لِلْوَصِيِّ نَفْسَهُ.

وَلِلتَّفْصِيل يُنْظَرُ (وِصَايَة ف ٤٤ - ٤٧، إِجَارَة ف ٢٤ - ٢٥) .

رَهْنُ مَال الْيَتِيمِ:

١٣ - رَهْنُ مَال الْيَتِيمِ إِمَّا أَنْ يَكُونَ بِدَيْنٍ عَلَى الصَّغِيرِ وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ بِدَيْنٍ عَلَى الْوَصِيِّ.

وَلِمَعْرِفَةِ آرَاءِ الْفُقَهَاءِ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ يُنْظَرُ مُصْطَلَحُ (وِصَايَة ف٥٩ - ٦٠) .

هِبَةُ مَال الْيَتِيمِ:

١٤ - هِبَةُ مَال الْيَتِيمِ لاَ تَخْلُو إِمَّا أَنْ تَكُونَ بِعِوَضٍ وَإِمَّا أَنْ تَكُونَ بِغَيْرِ عِوَضٍ.

فَإِذَا كَانَتْ هِبَةُ مَال الْيَتِيمِ بِغَيْرِ عِوَضٍ فَلاَ يَجُوزُ بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ، أَمَّا إِذَا كَانَتْ بِعِوَضٍ فَلِلْفُقَهَاءِ فِي حُكْمِهَا خِلاَفٌ وَتَفْصِيلٌ يُنْظَرُ فِي (وِصَايَة ف ٤٩ - ٥٠) .

زَكَاةُ مَال الْيَتِيمِ:

١٥ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِي مَال الْيَتِيمِ.

وَلِمَعْرِفَةِ التَّفَاصِيل الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْمَوْضُوعِ يُنْظَرُ (زَكَاة ف ١١) .

إِنْكَاحُ الْيَتِيمِ:

١٦ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ إِنْكَاحِ الْيَتِيمِ.

يُنْظَرُ فِي (نِكَاح ف٦٤، ٨٠ - ٨٥، ١١٢) .

كَمَا اخْتَلَفُوا فِي حُكْمِ تَخْيِيرِ الْيَتِيمِ أَوِ الْيَتِيمَةِ بَعْدَ بُلُوغِهِمَا فِي فَسْخِ النِّكَاحِ. يُنْظَرُ فِي (بُلُوغ ف ٣٩ - ٤٢) .

سَهْمُ الْيَتِيمِ فِي خُمْسِ الْغَنَائِمِ:

١٧ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ لِلْيَتَامَى سَهْمًا مِنْ خُمْسِ الْغَنَائِمِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُول وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيل (١)﴾ .

_________

(١) سورة الأنفال / ٤١.

وَلَهُمْ فِي ذَلِكَ تَفْصِيلٌ يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ (خُمُس ف ٨ - ١٢) .

سَهْمُ الْيَتَامَى فِي الْفَيْءِ:

١٨ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي تَخْمِيسِ الْفَيْءِ.

فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ الْفَيْءَ لاَ يُخَمَّسُ، وَهُوَ لِلْمُسْلِمِينَ كَافَّةً يُصْرَفُ فِي مَصَالِحِهِمْ.

وَذَهَبَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ أَنَّ الْفَيْءَ يُخَمَّسُ وَيُصْرَفُ خُمُسَهُ إِلَى مَنْ يُصْرَفُ إِلَيْهِ خُمُسُ الْغَنِيمَةَ وَمِنْهُمْ الْيَتَامَى.

وَالتَّفْصِيل فِي (خُمُس ف ١٣، فَيْء ١١، وَتَخْمِيس ف ٣) .

فَكُّ الْحَجْرِ عَنِ الْيَتِيمِ وَطَرِيقَتُهُ:

١٩ - يُفَكُّ الْحَجْرُ عَنِ الْيَتِيمِ وَيُسَلَّمُ مَالَهُ إِلَيْهِ إِذَا بَلَغَ رَشِيدًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ (١)﴾ .

وَالتَّفْصِيل فِي (حَجْر ف ٦، ٨ وَمَا بَعْدَهَا، رُشْد ف ٧ - ١٠، بُلُوغ ف ٢ وَمَا بَعْدَهَا، تَجْرِبَة ف٧) .

الْوَصِيَّةُ لِلْيَتِيمِ:

٢٠ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ: إِلَى

_________

(١) سورة النساء ٦.

أَنَّ الْوَصِيَّ لَوْ أَوْصَى لِيَتَامَى بَنِي فُلاَنٍ، فَإِنْ كَانَ يَتَامَاهُمْ يُحْصَوْنَ جَازَتِ الْوَصِيَّةُ؛ لأَِنَّهُمْ إِذَا كَانُوا يُحْصَوْنَ وَقَعَتِ الْوَصِيَّةُ لَهُمْ بِأَعْيَانِهِمْ لِكَوْنِهِمْ مَعْلُومِينَ فَأَمْكَنَ إِيقَاعُهَا تَمْلِيكًا لَهُمْ فَصَحَّتِ الْوَصِيَّةُ، كَمَا لَوْ أَوْصَى لِيَتَامَى هَذِهِ السِّكَّةِ أَوْ هَذِهِ الدَّارِ.

وَيَسْتَوِي فِي الْوَصِيَّةِ لِلْيَتَامَى الْغَنِيُّ وَالْفَقِيرُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ، لأَِنَّ الْيَتِيمَ فِي اللُّغَةِ اسْمٌ لِمَنْ مَاتَ أَبُوهُ وَلَمْ يَبْلُغْ الْحُلُمَ، وَهَذَا لاَ يَتَعَرَّضُ لِلْفَقْرِ وَالْغِنَى قَال اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَال الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا (١)﴾، وَقَال عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁: " ابْتَغُوا بِأَمْوَال الْيَتَامَى، لاَ تَأْكُلَهَا الصَّدَقَةُ " (٢) . فَقَدْ سُمُّوا يَتَامَى وَإِنْ كَانَ لَهُمْ مَالٌ فَكُل صَغِيرٍ مَاتَ أَبُوهُ يَدْخُل تَحْتَ الْوَصِيَّةِ وَمَنْ لاَ فَلاَ.

وَفِي وَجْهٍ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ يُصْرَفُ إِلَى الْفُقَرَاءِ مِنْهُمْ وَهَذَا الأَْشْبَهُ.

وَأَمَّا إِنْ كَانُوا لاَ يُحْصَوْنَ فَالْوَصِيَّةُ جَائِزَةٌ وَتُصْرَفُ إِلَى الْفُقَرَاءِ مِنْهُمْ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ لأَِنَّهَا لَوْ صُرِفَتْ إِلَى الأَْغْنِيَاءِ

_________

(١) سورة النساء ١٠.

(٢) أثر عمر ﵁: " ابتغوا بأموال اليتامى. . " أخرجه الدارقطني (٢ / ١١٠) والبيهقي (٤ / ١٠٦)، وقال البيهقي: هذا إسناد صحيح.

لَبَطَلَتْ لِجَهَالَةِ الْمُوصَى لَهُ، وَلَوْ صُرِفَتْ إِلَى الْفُقَرَاءِ لَجَازَتْ لأَِنَّهَا وَصِيَّةٌ بِالصَّدَقَةِ وَإِخْرَاجٌ لِلْمَال إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَاللَّهُ تَعَالَى وَاحِدٌ مَعْلُومٌ. وَأَمْكَنَ أَنْ تُجْعَل الْوَصِيَّةُ لِلْفُقَرَاءِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ اللَّفْظُ مِمَّا يُنْبِئُ عَنِ الْحَاجَةِ لُغَةً لَكِنَّهُ يُنْبِئُ عَنْ سَبَبِ الْحَاجَةِ وَعَمَّا يُوجِبُ الْحَاجَةَ بِطَرِيقِ الضَّرُورَةِ، لأَِنَّ الصِّغَرَ وَالاِنْفِرَادَ عَنِ الأَْبِ أَعْظَمُ أَسْبَابِ الْحَاجَةِ، إِذِ الصَّغِيرُ عَاجِزٌ عَنْ الاِنْتِفَاعِ بِمَالِهِ وَلاَ بُدَّ لَهُ مِمَّنْ يَقُومُ بِإِيصَال مَنَافِعَ مَالِهِ إِلَيْهِ، وَكَذَلِكَ هُوَ عَازِمٌ عَنِ الْقِيَامِ بِحِفْظِ مَالِهِ لَهُ وَاسْتِئْمَانِهِ وَلاَ بَقَاءَ لِلْمَال عَادَةً إِلاَّ بِالْحِفْظِ وَالاِسْتِثْمَارِ، وَهُوَ عَاجِزٌ عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ فَيَصِيرُ فِي الْحُكْمِ كَمَنْ انْقَطَعَتْ عَلَيْهِ مَنَافِعُ مَالِهِ بِسَبَبِ بُعْدِهِ عَنْ مَالِهِ وَهُوَ ابْنُ السَّبِيل فَصَارَ الاِسْمُ بِهَذِهِ الْوَسَاطَةِ مُنْبِئًا عَنِ الْحَاجَةِ، وَلِهَذَا الْمَعْنَى جَعَل اللَّهُ لِلْيَتَامَى سَهْمًا مِنْ خُمُسِ الْغَنِيمَةِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُول وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى (١)﴾ وَأَرَادَ بِهِ الْمُحْتَاجِينَ مِنْهُمْ دُونَ الأَْغْنِيَاءِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ أَمْكَنَ تَصْحِيحُ هَذَا التَّصَرُّفِ بِجَعْلِهِ إِيصَاءً بِالصَّدَقَةِ.

وَيَرَى الْحَنَابِلَةُ أَنَّ الْوَصِيَّةَ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ صَحِيحَةٌ وَتُصْرَفُ إِلَى الْفُقَرَاءِ وَالأَْغْنِيَاءِ مِنْهُمْ

_________

(١) سورة الأنفال ٤١.

عَلَى السَّوَاءِ فَإِنَّ الْوَصِيَّةَ لِلأَْغْنِيَاءِ قُرْبَةٌ وَقَدْ نَدَبَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى الْهَدِيَّةِ وَإِنْ كَانَتْ لِغَنِيٍّ (١) .

وَنَصَّ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ عَلَى أَنَّ الْوَصِيَّةَ لِلْيَتِيمِ لاَ تَشْمَل وَلَدَ الزِّنَا وَالْمَنْفِيِّ بِاللِّعَانِ كَمَا أَنَّهَا لاَ تَشْمَل اللَّقِيطَ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ.

وَلِمُعْرِفَةِ آرَاءِ الْفُقَهَاءِ فِي حُكْمِ تَعْمِيمِ الْمُوصَى بِهِ عَلَى الْمُوصَى لَهُمْ الْمَحْصُورِينَ وَغَيْرِ الْمَحْصُورِينَ يُنْظُرُ مُصْطَلَحُ (وَصِيَّة ف ٢٧) .

_________

(١) بدائع الصنائع ٧ / ٣٤٤، مغني المحتاج ٣ / ٦١، وروض الطالب ٣ / ٥٤، ٥٥، وروضة الطالبين ٦ / ١٨١، ونهاية المحتاج ٦ / ٧٨، والمغني لابن قدامة ٦ / ٥٦، عقد الجواهر الثمينة ٣ / ٤١٦.