الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤٥ الصفحة 49

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤٥

سَادِسًا: أَنْ لاَ يَكُونَ الدَّاعِي امْرَأَةً غَيْرَ مَحْرَمٍ:

٢٦ - يُشْتَرَطُ لِوُجُوبِ إِجَابَةِ الْوَلِيمَةِ أَنْ لاَ يَكُونَ الدَّاعِي إِلَيْهَا امْرَأَةً غَيْرَ مَحْرَمٍ، إِلاَّ أَنْ يَكُونَ مَعَ الدَّاعِيَةِ مَحْرَمٌ لِلْمَدْعُوِّ أُنْثَى يَحْتَشِمُهَا، أَوْ يَكُونَ لِلْدَّاعِيَةِ مَحْرَمٌ.

وَبِهَذَا قَال الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ. (١)

وَصَرَّحَ الْحَنَابِلَةُ بِأَنَّهُ إِنْ دَعَتِ امْرَأَةٌ رَجُلًا عَيَّنَتْهُ وَجَبَ عَلَيْهِ الإِْجَابَةُ لِعُمُومِ الأَْدِلَّةِ إِلاَّ مَعَ خَلْوَةٍ مُحَرَّمَةٍ فَتَحْرُمُ الإِْجَابَةُ لاِشْتِمَالِهَا عَلَى مُحَرَّمٍ. (٢)

سَابِعًا: أَنْ لاَ يَكُونَ الدَّاعِي قَدْ خَصَّ بِالدَّعْوَةِ الأَْغْنِيَاءَ:

٢٧ - يُشْتَرَطُ لِلُزُومِ إِجَابَةِ الدَّعْوَةِ إِلَى الْوَلِيمَةِ أَنْ لاَ يَظْهَرَ مِنَ الدَّاعِي قَصْدُ تَخْصِيصِ الأَْغْنِيَاءِ لأَِجْل غِنَاهُمْ، فَلَوْ خَصَّهُمْ بِالدَّعْوَةِ لأَِجْل غِنَاهُمْ لَمْ تَجِبْ الإِْجَابَةُ عَلَيْهِمْ فَضْلًا عَنْ غَيْرِهِمْ (٣)، وَذَلِكَ لِخَبَرِ: شَرُّ الطَّعَامِ طَعَامُ الْوَلِيمَةِ يُدْعَى

_________

(١) الزرقاني ٤ / ٥٤، ونهاية المحتاج ٦ / ٣٦٥، ومغني المحتاج ٣ / ٢٤٦، وفتح الباري ١ / ٤٩٠ ط السلفية، وشرح سنن أبي داود لبدر الدين العيني ٣ / ١٢٨ - ١٣٠.

(٢) مطالب أولي النهى ٥ / ٢٣٤، وانظر عمدة القاري ٤ / ١١٠ - ١١٢ ط المنيرية.

(٣) شرح الزرقاني ٤ / ٥٤، وإعانة الطالبين ٣ / ٣٥٨ - ٣٥٨، ومطالب أولي النهى ٥ / ٢٣٦، ومغني المحتاج ٣ / ٢٤٦، ومواهب الجليل ٤ / ٤.

إِلَيْهَا الأَْغْنِيَاءُ وَيُتْرَكُ الْفُقَرَاءُ (١) .

قَال الْقُرْطُبِيُّ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ ﷺ: شَرُّ الطَّعَامِ طَعَامُ الْوَلِيمَةِ ذَكَرَهُ الْعُلَمَاءُ فِي اخْتِصَاصِ الأَْغْنِيَاءِ بِالدَّعْوَةِ، وَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ فَعَل ذَلِكَ هَل تُجَابُ دَعْوَتُهُ أَمْ لاَ؟ فَقَال ابْنُ مَسْعُودٍ لاَ تُجَابُ، وَنَحَا نَحْوَهُ ابْنُ حَبِيبٍ مِنْ أَصْحَابِنَا، وَظَاهِرُ كَلاَمِ أَبِي هُرَيْرَةَ وُجُوبُ الإِْجَابَةِ وَقَال فِي الْعُتْبِيَّةِ فِي تَرْجَمَةِ حِكَايَةٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ فِي إِتْيَانِ الْوَلِيمَةِ " قَال مَالِكٌ: بَلَغَنِي أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ دُعِيَ إِلَى وَلِيمَةٍ وَعَلَيْهِ ثِيَابٌ دُونٌ، فَأَتَى لِيَدْخُل فَمُنِعَ وَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُ: فَذَهَبَ فَلَبِسَ ثِيَابًا جِيَادًا ثُمَّ جَاءَ فَأُدْخِل، فَلَمَّا وُضِعَ الثَّرِيدُ وَضَعَ كُمَّيْهِ عَلَيْهِ فَقِيل لَهُ: مَا هَذَا يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟ ! فَقَال: إِنَّمَا هِيَ الَّتِي أُدْخِلَتْ، وَأَمَّا أَنَا فَلَمْ أَدْخُل قَدْ رَدَدْتُ إِذْ لَمْ تَكُنْ عَلَيَّ. ثُمَّ بَكَى وَقَال: ذَهَبَ حِبِّي وَلَمْ يَنَل مِنْ هَذَا شَيْئًا وَبَقِيتُمْ تُهَانُونَ بَعْدَهُ " (٢) قَال ابْنُ رُشْدٍ: هَذِهِ الْوَلِيمَةُ الَّتِي رَدَّ فِيهَا أَبَا هُرَيْرَةَ مَنْ لَمْ يُمَيِّزْهُ مِنْ حُجَّابِ بَابِ الْوَلِيمَةِ إِذْ ظَنَّهُ فَقِيرًا لِمَا كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الثِّيَابِ الدُّونِ وَأَدْخَلَهُ بَعْدَ ذَلِكَ مَنْ رَآهُ مِنْ حُجَّابِهَا فِي

_________

(١) حديث " شر الطعام طعام الوليمة. . " تقدم فقرة (٧) .

(٢) أثر أبي هريرة أنه دعي إلى وليمة، ذكره الخطاب في مواهب الجليل (٤ / ٤) ولم نهتد من أخرجه.

صِفَةِ الأَْغْنِيَاءِ بِالثِّيَابِ الْحِسَانِ هِيَ الَّتِي قَال فِيهَا رَسُول اللَّهِ ﷺ شَرُّ الطَّعَامِ طَعَامُ الْوَلِيمَةِ يُدْعَى إِلَيْهَا الأَْغْنِيَاءُ وَيُتْرَكُ الْفُقَرَاءُ، وَمَنْ تَرَكَ الدَّعْوَةَ فَقَدْ عَصَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيُرْوَى بِئْسَ الطَّعَامُ يُرِيدُ أَنَّهُ بِئْسَ الطَّعَامُ لِمُطْعِمِهِ إِذْ رَغِبَ عُمَّالُهُ فِي الْحَظِّ مِنْ أَنْ لاَ يَخُصَّ بِطَعَامِهِ الأَْغْنِيَاءَ دُونَ الْفُقَرَاءِ فَالْبَأْسُ فِي ذَلِكَ عَلَيْهِ لاَ عَلَى مَنْ دَعَاهُ إِلَيْهِ لِقَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ نَفْسِهِ وَمَنْ تَرَكَ الدَّعْوَةَ فَقَدْ عَصَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَبَكَى ﵁ شَفَقًا مِنْ تَغْيِيرِ الأَْحْوَال عَلَى قُرْبِ الْعَهْدِ بِالنَّبِيِّ ﷺ وَرَغْبَةِ النَّاسِ عَمَّا نُدِبُوا إِلَيْهِ فِي وَلاَئِمِهِمْ مِنْ عَمِلَهَا وَتَرْكِ الرِّيَاءِ فِيهَا وَالسُّمْعَةِ. (١)

الشُّرُوطُ الْمُعْتَبَرَةُ فِي الْمَدْعُوِّ:

يُشْتَرَطُ لِوُجُوبِ إِجَابَةِ الْوَلِيمَةِ فِي الْمَدْعُوِّ مَا يَأْتِي:

أَوَّلًا: الْعَقْل وَالْبُلُوغُ:

٢٨ - نَصَّ الشَّافِعِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ لِلُزُومِ إِجَابَةِ الْوَلِيمَةِ عَلَى الْمَدْعُوِّ أَنْ يَكُونَ عَاقِلًا وَبَالِغًا لِيَكُونَ بِالْبُلُوغِ وَالْعَقْل مِمَّنْ يَتَوَجَّهُ عَلَيْهِ حُكْمُ الاِلْتِزَامِ. (٢)

_________

(١) مواهب الجليل٤ / ٤.

(٢) الحاوي للماوردي ١٢ / ١٩٥.

ثَانِيًا: الْحُرِّيَّةُ:

٢٩ - يُشْتَرَطُ لِلُزُومِ إِجَابَةِ الْوَلِيمَةِ عَلَى الْمَدْعُوِّ أَنْ يَكُونَ حُرًّا؛ لأَِنَّ الْعَبْدَ مَمْنُوعٌ مِنَ التَّصَرُّفِ بِحَقِّ السَّيِّدِ، فَإِنْ أَذِنَ لَهُ سَيِّدُهُ لَزِمَتْهُ الإِْجَابَةُ حِينَئِذٍ. (١)

ثَالِثًا: الإِْسْلاَمُ:

٣٠ - نَصَّ الشَّافِعِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ لِلُزُومِ إِجَابَةِ الدَّعْوَةِ لِلْوَلِيمَةِ عَلَى الْمَدْعُوِّ أَنْ يَكُونَ مُسْلِمًا فَلاَ يَلْزَمُ ذِمِّيًّا إِجَابَةُ دَعْوَةِ مُسْلِمٍ لأَِنَّهُ لاَ يَلْتَزِمُ أَحْكَامَ شَرْعِنَا إِلاَّ عَنْ تَرَاضٍ. (٢)

رَابِعًا: أَنْ لاَ يُوجَدَ عُذْرٌ مُعْتَبَرٌ شَرْعًا:

٣١ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ مِنْ شُرُوطِ إِجَابَةِ الدَّعْوَةِ إِلَى الْوَلِيمَةِ أَلاَّ يَقُومَ بِالْمَدْعُوِّ إِلَيْهَا عُذْرٌ مُعْتَبَرٌ شَرْعًا يَمْنَعُهُ مِنْ حُضُورِهَا، كَتِلْكَ الأَْعْذَارِ الْمُرَخِّصَةِ فِي تَرْكِ الْجُمْعَةِ أَوِ الْجَمَاعَةِ وَنَحْوِهَا، وَذَلِكَ عَلَى النَّحْوِ التَّالِي:

قَال الْمَالِكِيَّةُ: مِنْ جُمْلَةِ مَا يُسْقِطُ الإِْجَابَةَ عِلْمُ الْمَدْعُوِّ بِفَوَاتِ الْجُمْعَةِ إِذَا ذَهَبَ، وَبُعْدُ الْمَكَانِ جِدًّا، بِحَيْثُ يَشُقُّ عَلَى الْمَدْعُوِّ الذَّهَابُ إِلَيْهَا عَادَةً، وَمَرَضُ وَتَمْرِيضُ قَرِيبٍ، وَشِدَّةُ وَحْلٍّ أَوْ مَطَرٍ أَوْ خَوْفٍ عَلَى مَالٍ، وَنَحْوُ ذَلِكَ مِنْ

_________

(١) الحاوي للماوردي ١٢ / ١٩٥، وكشاف القناع ٥ / ١٦٧.

(٢) نهاية المحتاج ٦ / ٣٦٥، والحاوي ١٢ / ١٩٥.

أَعْذَارِ الْجُمْعَةِ. (١)

وَاشْتَرَطَ الشَّافِعِيَّةُ لِلإِْجَابَةِ أَنْ لاَ يَكُونَ الْمَدْعُوِّ مَعْذُورًا بِمُرَخَّصٍ فِي تَرْكِ الْجَمَاعَةِ، كَمَا قَالَهُ الرُّويَانِيُّ وَالْمَاوَرْدِيُّ، وَتَوَقَّفَ الأَْذْرَعِيُّ فِي إِطْلاَقِهِ، وَأَنْ لاَ يَتَعَيَّنَ عَلَى الْمَدْعُوِّ حَقٌّ كَأَدَاءِ شَهَادَةٍ وَصَلاَةِ جِنَازَةٍ. (٢)

وَقَال الْحَنَابِلَةُ: إِنْ كَانَ الْمَدْعُوُّ إِلَى الْوَلِيمَةِ مَرِيضًا، أَوْ مُمَرِّضًا لِغَيْرِهِ، أَوْ مَشْغُولًا بِحِفْظِ مَالٍ لِنَفْسِهِ أَوْ غَيْرِهِ، أَوْ كَانَ فِي شِدَّةِ حَرٍّ أَوْ بَرْدٍ، أَوْ فِي مَطَرٍ يَبُل الثِّيَابَ، أَوْ وَحْلٍ. . . لَمْ تَجِبْ الإِْجَابَةُ لأَِنَّ ذَلِكَ عُذْرٌ يُبِيحُ تَرْكَ الْجَمَاعَةِ فَأَبَاحَ تَرْكَ الإِْجَابَةِ.

وَكَذَا إِنْ كَانَ الْمَدْعُوُّ أَجِيرًا خَاصًّا وَلَمْ يَأْذَنْ لَهُ الْمُسْتَأْجِرُ لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ الإِْجَابَةُ؛ لأَِنَّ مَنَافِعَهُ مَمْلُوكَةٌ لِغَيْرِهِ، أَشْبَهَ الْعَبْدَ غَيْرَ الْمَأْذُونِ. (٣)

خَامِسًا: أَنْ لاَ يَسْبِقَ الدَّاعِي غَيْرَهُ:

٣٢ - اتَّفَقَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ عَلَى أَنَّ مِنْ شُرُوطِ إِجَابَةِ الدَّعْوَةِ إِلَى الْوَلِيمَةِ أَنْ لاَ يَسْبِقَ الدَّاعِي غَيْرَهُ، فَإِنْ تَعَدَّدَ الدَّاعِي كَأَنْ دَعَاهُ رَجُلاَنِ وَلَمْ يُمْكِنِ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا وَسَبَقَ أَحَدُهُمَا الآْخَرَ

_________

(١) الشرح الكبير وحاشية الدسوقي ٢ / ٣٣٨، والزرقاني ٤ / ٥٤.

(٢) مغني المحتاج ٣ / ٢٤٦، ونهاية المحتاج ٦ / ٣٦٦.

(٣) كشاف القناع ٥ / ١٦٧.

أَجَابَ السَّابِقَ؛ لأَِنَّ إِجَابَتَهُ وَجَبَتْ حِينَ دَعَاهُ، فَلَمْ يَزُل الْوُجُوبُ بِدُعَاءِ الثَّانِي، وَلَمْ تَجِبْ إِجَابَةُ الثَّانِي؛ لأَِنَّهَا غَيْرُ مُمْكِنَةٍ مَعَ إِجَابَةِ الأَْوَّل.

٣٣ - ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِيمَنْ يُقَدِّمُ إِنْ لَمْ يَسْبِقْ أَحَدُ الدَّاعِيَيْنِ الآْخَرَ:

فَقَال الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ: إِنَّ الدَّاعِيَيْنِ إِنِ اسْتَوَيَا فِي الدَّعْوَةِ فَذُو الرَّحِمِ، فَإِنِ اسْتَوَيَا فَأَقْرَبُهُمَا رَحِمًا، فَإِنْ اسْتَوَيَا فَأَقْرَبُهُمَا دَارًا، فَإِنْ اسْتَوَيَا أَقْرَعَ بَيْنَهُمَا فَأَيُّهُمَا أَصَابَتْهُ الْقُرْعَةُ أَجَابَهُ. (١)

وَاخْتَلَفَ الْحَنَابِلَةُ: فَقَال ابْنُ قُدَامَةَ إِنْ وُجِّهَتِ الدَّعْوَةُ مِنْ رَجُلَيْنِ اسْتَوَيَا فِي الدَّعْوَةِ أَجَابَ الْمَدْعُوُّ أَقْرَبُهُمَا بَابًا، لِمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: إِذَا اجْتَمَعَ الدَّاعِيَانِ فَأَجِبْ أَقْرَبَهُمَا بَابًا، فَإِنَّ أَقْرَبَهُمَا بَابًا أَقْرَبُهُمَا جِوَارًا، وَإِنْ سَبَقَ أَحَدُهُمَا فَأَجِبْ الَّذِي سَبَقَ (٢)، وَلأَِنَّ هَذَا مِنْ أَبْوَابِ الْبِرِّ فَقُدِّمَ، فَإِنْ اسْتَوَيَا أَجَابَ أَقْرَبُهُمَا رَحِمًا لِمَا فِيهِ مِنْ صِلَةِ الرَّحِمِ، فَإِنْ اسْتَوَيَا أَجَابَ أَدْيَنَهُمَا، فَإِنْ اسْتَوَيَا أَقْرَعَ بَيْنَهُمَا لأَِنَّ الْقُرْعَةَ تُعَيِّنُ الْمُسْتَحِقَّ عِنْدَ اسْتِوَاءِ الْحُقُوقِ. (٣)

_________

(١) شرح الزرقاني ٤ / ٥٤، وحاشية الشرقاوي على تحفة المحتاج ٢ / ٢٧٨، ومغني المحتاج ٣ / ٢٤٦.

(٢) حديث " إذا اجتمع داعيان. . أخرجه أبو داود (٣ / ١٣٤ - ط حمص) وضعف إسناده ابن حجر في التلخيص (٣ / ٤١٥ - ط العلمية) .

(٣) المغني ٧ / ٤.

وَقَال الْبُهُوتِيُّ: إِنْ اسْتَوَى الدَّاعِيَانِ فِي الدَّعْوَةِ أَجَابَ أَدْيَنَهُمَا؛ لأَِنَّ كَثْرَةَ الدِّينِ لَهَا أَثَرٌ فِي التَّقْدِيمِ كَالإِْمَامَةِ، ثُمَّ إِنِ اسْتَوَيَا أَجَابَ أَقْرَبَهُمَا رَحِمًا لِمَا فِي تَقْدِيمِهِ مِنْ صِلَةِ الرَّحِمِ، ثُمَّ إِنِ اسْتَوَيَا أَجَابَ أَقْرَبَهُمَا جِوَارًا لِقَوْلِهِ ﷺ: إِذَا اجْتَمَعَ دَاعِيَانِ فَأَجِبْ أَقْرَبَهُمَا بَابًا، فَإِنَّ أَقْرَبَهُمَا بَابًا أَقْرَبُهُمَا جِوَارًا ثُمَّ إِنِ اسْتَوَيَا يَقْرَعُ بَيْنَهُمَا، إِلاَّ أَنْ يَتَّسِعَ الْوَقْتُ لإِجَابَتِهِمَا فَتَجِبُ الإِْجَابَةُ. (١)

سَادِسًا: أَنْ لاَ يَكُونَ الْمَدْعُوُّ قَاضِيًا:

٣٤ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي إِجَابَةِ الْقَاضِي الدَّعْوَةَ إِلَى الْوَلِيمَةِ عَلَى ثَلاَثَةِ آرَاءٍ:

الأَْوَّل: ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ " الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ عَلَى الرَّاجِحِ وَالشَّافِعِيَّةُ عَلَى الصَّحِيحِ إِلَى جَوَازِ حُضُورِ الْقَاضِي؛ لأَِنَّهُ إِجَابَةٌ لِلسُّنَّةِ وَلاَ تُهْمَةَ فِيهِ كَمَا قَال الْحَنَفِيَّةُ مَا لَمْ يَكُنْ لِصَاحِبِهَا خُصُومَةٌ، فَإِنْ كَانَتْ لَهُ خُصُومَةٌ فَلاَ يَحْضُرُهَا؛ لأَِنَّ ذَلِكَ يُؤَدِّي إِلَى إِيذَاءِ الْخَصْمِ الآْخَرِ، نَصَّ عَلَى ذَلِكَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ، وَزَادَ الشَّافِعِيَّةُ أَنَّهُ إِذَا كَثُرَتِ الْوَلاَئِمُ وَقَطَعَتْهُ عَنِ الْحُكْمِ تَرَكَهَا فِي حَقِّ الْجَمِيعِ.

الثَّانِي: أَنَّهُ تَجِبُ عَلَيْهِ الإِْجَابَةُ كَغَيْرِهِ مِنَ النَّاسِ، وَهَذَا مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْحَنَابِلَةُ، وَرَأْيٌ عِنْدَ

_________

(١) كشاف القناع ٥ / ١٦٩، والإنصاف ٨ / ٣٣٤ - ٣٣٥.

كُلٍّ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ؛ لأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَحْضُرُهَا وَيَأْمُرُ بِحُضُورِهَا وَقَال: مَنْ لَمْ يُجِبْ الدَّعْوَةَ فَقَدْ عَصَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ (١)، وَزَادَ الْحَنَابِلَةُ: أَنَّهُ إِنْ كَثُرَتْ وَازْدَحَمَتْ تَرَكَهَا كُلَّهَا وَلَمْ يُجِبْ أَحَدًا؛ لأَِنَّ ذَلِكَ يُشْغِلُهُ عَنِ الْحُكْمِ الَّذِي قَدْ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ.

الثَّالِثُ: وَهُوَ رَأْيٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: أَنَّهُ تَحْرُمُ عَلَيْهِ الإِْجَابَةُ إِلَيْهَا. (٢)

الشُّرُوطُ الْمُعْتَبَرَةُ فِي الْوَلِيمَةِ نَفْسِهَا:

أَوَّلًا: كَوْنُ الْوَلِيمَةِ فِي الْيَوْمِ الأَْوَّل:

٣٥ - يُشْتَرَطُ لِلُزُومِ إِجَابَةِ الدَّعْوَةِ إِلَى الْوَلِيمَةِ أَنْ تَكُونَ الدَّعْوَةُ إِلَيْهَا فِي الْيَوْمِ الأَْوَّلِ، فَإِنْ أَوْلَمَ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ لَمْ تَجِبْ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي، وَتُكْرَهُ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ، بِهَذَا قَال الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَاسْتَدَلُّوا بِحَدِيثِ الْوَلِيمَةُ أَوَّل يَوْمٍ حَقٌّ، وَالثَّانِي مَعْرُوفٌ، وَالْيَوْمُ الثَّالِثُ رِيَاءٌ وَسُمْعَةٌ (٣) .

_________

(١) حديث (من لم يجب الدعوة فقد عصى الله ورسوله. . " أخرجه ابن حجر في التلخيص (٣ / ٤١٣ - ط العلمية) إلى أبي يعلى وقال: بإسناد صحيح.

(٢) البدائع ٧ / ١٠، وفتح القدير ٧ / ٢٧٣، والزرقاني ٧ / ١٣٣، والشرح الكبير وحاشية الدسوقي ٤ / ١٤٠، ومواهب الجليل ٦ / ١١٩ - ١٢٠، وروضة الطالبين ١١ / ١٦٥ - ١٦٦، وتحفة المحتاج ٧ / ٤٨٢، والمغني ٩ / ٧٩ - ٨٠، وكشاف القناع ٥ / ١٦٩، ومطالب أولي النهى ٦ / ٤٨١.

(٣) حديث " الوليمة أول يوم حق. . . " أخرجه أبو داود (٤ / ١٢٦ - ١٢٧ - ط حمص) من حديث زهير بن عثمان الثقفي، وقال البخاري في التاريخ الكبير (٣ / ٤٢٥ - ط دائرة المعارف العثمانية): لم يصح إسناده، ولا يعرف له صحبة. يعني راويه زهير بن عثمان الثقفي.

وَاسْتَثْنَى الشَّافِعِيَّةُ مِنْ حُكْمِ الْكَرَاهَةِ مَا إِذَا كَانَ اتِّخَاذُ الْوَلِيمَةِ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ لِضِيقِ مَنْزِلٍ أَوْ قَصْدِ جَمْعِ الْمُتَنَاسِبِينَ فِي وَقْتٍ كَالْعُلَمَاءِ وَالتُّجَّارِ وَنَحْوِهِمْ فَلاَ يُكْرَهُ.

وَصَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ بِأَنَّهُ إِذَا بَنَى الرَّجُل بِامْرَأَتِهِ يَنْبَغِي أَنْ يَدْعُوَ الْجِيرَانَ وَالأَْقْرِبَاءَ وَالأَْصْدِقَاءَ وَيَذْبَحَ لَهُمْ وَيَصْنَعَ لَهُمْ طَعَامًا، وَإِذَا اتَّخَذَ وَلِيمَةً يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يُجِيبُوا، وَلاَ بَأْسَ بِأَنْ يَدْعُوَ يَوْمَئِذٍ مِنَ الْغَدِ وَبَعْدَ الْغَدِ ثُمَّ يَنْقَطِعُ الْعُرْسُ وَالْوَلِيمَةُ. (١)

وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: يُكْرَهُ تَكْرَارُالْوَلِيمَةِ، لأَِنَّهُ سَرَفٌ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ الْمَدْعُوُّ ثَانِيًا غَيْرَ الْمَدْعُوِّ قَبْل ذَلِكَ. (٢)

وَفِي قَوْلٍ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ - اعْتَمَدَهُ الأَْذْرَعِيُّ - أَنَّهُ تَجِبُ الإِْجَابَةُ إِنْ لَمْ يُدْعَ فِي الْيَوْمِ الأَْوَّل أَوْ دُعِيَ وَامْتَنَعَ لِعُذْرٍ وَدُعِيَ فِي الثَّانِيَةِ. (٣)

_________

(١) شرح المحلي وحاشية القليوبي عليه ٣ / ٢٩٦، ونهاية المحتاج ٦ / ٣٦٧، ومطالب أولي النهى ٥ / ٢٣٣ - ٢٣٥، والفتاوى الهندية ٥ / ٣٤٣.

(٢) الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي عليه ٢ / ٣٣٧.

(٣) نهاية المحتاج ٦ / ٣٦٧، وتحفة المحتاج ٧ / ٤٢٦.

ثَانِيًا: وَقْتُ الْوَلِيمَةِ:

٣٦ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي وَقْتِ الْوَلِيمَةِ:

فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ فِي الْمَشْهُورِ وَابْنُ تَيْمِيَّةَ إِلَى أَنَّ الْوَلِيمَةَ تَكُونُ بَعْدَ الدُّخُول. (١)

وَقَال الشَّافِعِيَّةُ بِأَنَّ وَقْتَ الْوَلِيمَةِ الأَْفْضَل بَعْدَ الدُّخُولِ، وَأَنَّ وَقْتَهَا مُوَسَّعٌ مِنْ حِينِ الْعَقْدِ فَيَدْخُل وَقْتُهَا بِهِ. (٢)

وَيَقْرُبُ مِنْ هَذَا الاِتِّجَاهِ مَا قَالَهُ الْمِرْدَاوِيُّ: الأَْوْلَى أَنْ يُقَال وَقْتُ الاِسْتِحْبَابِ مُوَسَّعٌ مِنْ عَقْدِ النِّكَاحِ إِلَى انْتِهَاءِ أَيَّامِ الْعُرْسِ لِصِحَّةِ الأَْخْبَارِ فِي هَذَا وَهَذَا، وَكَمَال السُّرُورِ بَعْدَ الدُّخُول. وَلَكِنْ جَرَتْ الْعَادَةُ بِفِعْلِهَا قَبْل الدُّخُول بِيَسِيرٍ. (٣)

وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ وَالْحَنَفِيَّةُ فِي قَوْلٍ وَالْمَالِكِيَّةُ فِي قَوْلٍ كَذَلِكَ إِلَى أَنَّهُ تُسَنُّ الْوَلِيمَةُ عِنْدَ الْعَقْدِ. (٤)

وَيَرَى بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّ وَلِيمَةَ الْعُرْسِ تَكُونُ

_________

(١) حاشية الطحطاوي على الدر ٤ / ١٧٥، وحاشية الدسوقي مع الشرح الكبير ٢ / ٣٣٧، والإنصاف ٨ / ٣١٧.

(٢) إعانة الطالبين ٣ / ٣٥٧، ونهاية المحتاج ٦ / ٣٦٣ - ٣٦٤.

(٣) مطالب أولي النهى ٥ / ٢٣٢.

(٤) مطالب أولي النهى ٥ / ٢٣٢، والإنصاف ٨ / ٣١٧، وحاشية الطحطاوي على الدر ٤ / ١٧٥، وحاشية الدسوقي ٢ / ٣٣٧.