الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤٥ الصفحة 48

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤٥

الإِْجَابَةَ مُطْلَقًا. (١)

١٣ - وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ بِمَا فِي الْوَلِيمَةِ مِنَ الْمَعَاصِي فَعَلَيْهِ الإِْجَابَةُ وَلاَ يَكُونُ خَوْفُهُ مِنْهَا عُذْرًا فِي التَّأْخِيرِ عَنْهَا لِجَوَازِ أَنْ لاَ يَكُونَ.

وَإِنْ حَضَرَ وَكَانَتِ الْمَعَاصِي بِحَيْثُ لاَ يُشَاهِدُهَا وَلاَ يَسْمَعُهَا، قَال الْجُمْهُورُ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: أَقَامَ عَلَى حُضُورِهِ وَلَمْ يَنْصَرِفْ.

وَإِنْ سَمِعَهَا وَلَمْ يُشَاهِدْهَا قَال الشَّافِعِيَّةُ: لَمْ يَتَعَمَّدِ السَّمَاعَ وَأَقَامَ عَلَى الْحُضُورِ؛ لأَِنَّ الإِْنْسَانَ لَوْ سَمِعَ فِي مَنْزِلِهِ مَعَاصٍ مِنْ دَارِ غَيْرِهِ لَمْ يَلْزَمْهُ الاِنْتِقَال عَنْ مَنْزِلِهِ، كَذَلِكَ هَذَا. (٢)

وَنَصَّ الشَّافِعِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ إِنْ لَمْ يَعْلَمْ بِالْمُنْكَرِ حَتَّى حَضَرَ فَشَاهَدَهُ نَهَاهُمْ، فَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا وَجَبَ الْخُرُوجُ إِلاَّ إِنْ خَافَ كَأَنْ كَانَ فِي لَيْلٍ وَخَافَ مِنَ الْخُرُوجِ فَقَعَدَ كَارِهًا بِقَلْبِهِ وَلاَ يَسْمَعُ لِمَا يَحْرُمُ اسْتِمَاعُهُ.

وَإِنْ اشْتَغَل بِالْحَدِيثِ أَوْ الأَْكْل جَازَ لَهُ ذَلِكَ كَمَا لَوْ كَانَ ذَلِكَ فِي جِوَارِ بَيْتِهِ، لاَ يَلْزَمُهُ التَّحَوُّلُ، وَإِنْ بَلَغَهُ الصَّوْتُ.

_________

(١) روضة الطالبين ٧ / ٣٣٤ - ٣٣٥، ومطالب أولي النهى ٥ / ٢٣٧، والحاوي للماوردي ١٢ / ٢٠٠، ونهاية المحتاج ٦ / ٣٦٧ - ٣٦٨، والزرقاني ٤ / ٥٢، والخرشي ٣ / ٣٠٢.

(٢) الحاوي ١٢ / ٢٠٠، وشرح الزرقاني ٤ / ٥٣، ومطالب أولي النهى ٥ / ٢٣٧.

وَقَال الْحَنَابِلَةُ: إِنْ لَمْ يَعْلَمْ بِالْمُنْكَرِ حَتَّى حَضَرَ أَزَالَهُ وَجَلَسَ بَعْدَ ذَلِكَ إِجَابَةً لِلدَّعْوَةِ، وَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى إِزَالَتِهِ انْصَرَفَ لِئَلاَّ يَكُونَ قَاصِدًا لِرُؤْيَتِهِ أَوْ سَمَاعِهِ (١)، وَرَوَى نَافِعٌ قَال: سَمِعَ ابْنُ عُمَرَ مِزْمَارًا فَوَضَعَ أُصْبُعَيْهِ عَلَى أُذُنَيْهِ وَنَأَى عَنِ الطَّرِيقِ، وَقَال لِي: يَا نَافِعُ هَل تَسْمَعُ شَيْئًا؟ فَقُلْتُ: لاَ، قَال: فَرَفَعَ أُصْبُعَيْهِ مِنْ أُذُنَيْهِ وَقَال: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَسَمِعَ مِثْل هَذَا فَصَنَعَ مِثْل هَذَا (٢) .

وَأَمَّا الْحَنَفِيَّةُ فَقَدْ صَرَّحُوا بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ الْمُنْكَرُ فِي الْمَنْزِل فَإِنْ قَدِرَ الْمَدْعُوُّ عَلَى الْمَنْعِ فَعَل وَإِلاَّ صَبَرَ مَعَ الإِْنْكَارِ بِقَلْبِهِ، هَذَا إِنْ لَمْ يَكُنْ مُقْتَدًى بِهِ، فَإِنْ كَانَ مُقْتَدًى بِهِ وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْمَنْعِ فَإِنَّهُ يَخْرُجُ وَلاَ يَقْعُدُ لأَِنَّ فِيهِ شَيْنُ الدِّينِ. (٣)

أَمَّا إِذَا كَانَ الْمُنْكَرُ عَلَى الْمَائِدَةِ فَقَدْ قَال الْحَنَفِيَّةُ: لاَ يَنْبَغِي أَنْ يَقْعُدَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُقْتَدًى بِهِ، بَل يَخْرُجُ مُعْرِضًا. (٤) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٥)﴾ .

_________

(١) مغني المحتاج ٣ / ٢٤٧، ومطالب أولي النهى ٥ / ٢٣٧.

(٢) حديث نافع قال: سمع ابن عمر مزمارًا أخرجه أبو داود (٥ / ٢٢٢ - ط حمص) وقال أبو داود: هذا حديث منكر.

(٣) الدر المختار مع حاشية ابن عابدين ٥ / ٢٢١.

(٤) الفتاوى الهندية ٥ / ٢٤٣، وحاشية ابن عابدين ٥ / ٢٢١.

(٥) سورة الأنعام / ٦٨.

ثَالِثًا: أَنْ لاَ يَكُونَ بِمَكَانِ الدَّعْوَةِ صُورَةً مُحَرَّمَةً: ١٤ - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ لِوُجُوبِ إِجَابَةِ الْوَلِيمَةِ أَنْ لاَ تَكُونَ بِمَكَانِ الدَّعْوَةِ صُوَرٌ مُجَسِّدَةٌ لإِنْسَانٍ أَوْ حَيَوَانٍ كَامِل الأَْعْضَاءِ الظَّاهِرَةِ وَلَهَا ظِلٌّ يَدُومُ وَهِيَ مَنْصُوبَةٌ، إِذْ تَصْوِيرُ إِنْسَانٍ أَوْ حَيَوَانٍ إِذَا كَانَ كَامِل الأَْعْضَاءِ مُحَرَّمٌ فَقَدْ وَرَدَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ لَعَنَ الْمُصَوِّرَ (١)، وَقَال: مَنْ صَوَّرَ صُورَةً فِي الدُّنْيَا كُلِّفَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَنْ يَنْفُخَ مِنْهَا الرُّوحَ وَلَيْسَ بِنَافِخٍ (٢) .

وَلِمَا وَرَدَ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ أَنَّهُ صَنَعَ طَعَامًا فَدَعَا رَسُول اللَّهِ ﷺ فَجَاءَ، فَرَأَى فِي الْبَيْتِ سِتْرًا فِيهِ تَصَاوِيرَ فَرَجَعَ، فَقُلْتُ: يَا رَسُول اللَّهِ مَا رَجَعَكَ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي؟ قَال: إِنَّ فِي الْبَيْتِ سِتْرًا فِيهِ تَصَاوِيرُ، وَإِنَّ الْمَلاَئِكَةَ لاَ تَدْخُل بَيْتًا فِيهِ تَصَاوِيرُ (٣) .

_________

(١) حديث: " أن رسول الله ﷺ لعن المصور. . أخرجه البخاري (الفتح ١٠ / ٣٩٣ - ط السلفية) من حديث أبي جحيفة.

(٢) حديث: " من صور صورة في الدنيا. . . أخرجه البخاري (الفتح ١٠ / ٣٩٣ - ط السلفية) من حديث ابن عباس.

(٣) حديث " علي أنه صنع طعام. . . " أخرجه أبو يعلى في المسند (١ / ٣٤٣ - ط المأمون للتراث) .

وَلِلْفُقَهَاءِ تَفْصِيلٌ فِي حُكْمِ اسْتِعْمَال هَذِهِ الصُّوَرِ فِي مَكَانٍ مُهَانٍ مُسْتَبْذَلٍ، وَفِيمَا إِذَا كَانَتِ الصُّورَةُ لِحَيَوَانٍ لَمْ يُشَاهِدْ مَثَلَهُ، أَوْ كَانَ نَاقِصَ الأَْعْضَاءِ أَوْ لاَ يَدُومُ ظِلُّهُ، وَفِي تَصْوِيرِ مَا لَيْسَ بِذِي رُوحٍ تَنْظُرُ فِي مُصْطَلَحِ (تَصْوِير، ف ٢، ١٠، ١٧)

رَابِعًا: أَنْ لاَ يُوجَدَ كَلْبٌ:

١٥ - نَصَّ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ لإِجَابَةِ الدَّعْوَةِ إِلَى الْوَلِيمَةِ أَنْ لاَ يُوجَدَ كَلْبٌ لاَ يَحِل اقْتِنَاؤُهُ، أَوْ عَقُورٌ، وَاشْتَرَطَ الشَّافِعِيَّةُ ذَلِكَ وَلَوْ كَانَ الدَّاخِل أَعْمًى. (١)

خَامِسًا: أَنْ لاَ يَكُونَ هُنَاكَ كَثْرَةَ زِحَامٍ:

١٦ - اشْتَرَطَ الْمَالِكِيَّةُ لإِجَابَةِ الدَّعْوَةِ إِلَى الْوَلِيمَةِ أَنْ لاَ يَكُونَ بِمَكَانِ الدَّعْوَةِ كَثْرَةَ زِحَامٍ، فَإِنْ وُجِدَتْ جَازَ التَّخَلُّفُ عَنْ حُضُورِ الدَّعْوَةِ.

وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: لاَ تَكُونُ كَثْرَةُ الزَّحْمَةِ عُذْرًا إِنْ وَجَدَ سِعَةً لِمَدْخَلِهِ وَمَجْلِسِهِ وَأَمِنَ عَلَى نَحْوِ عِرْضِهِ، وَإِذَا لَمْ يَجِدْ سِعَةً وَلَمْ يَأْمَنْ عَلَى نَحْوِ عِرْضِهِ فَإِنَّ كَثْرَةَ الزَّحْمَةِ تَكُونُ عُذْرًا. (٢)

_________

(١) حاشية الدسوقي ٢ / ٣٣٨، وحاشية الصاوي ٢ / ٥٠٢، ونهاية المحتاج ٦ / ٣٦٨.

(٢) الزرقاني ٤ / ٥٣، وحاشية الدسوقي ٢ / ٣٣٨، وتحفة المحتاج ٧ / ٤٣٠، ونهاية المحتاج ٦ / ٣٦٧.

سَادِسًا: أَنْ لاَ يَكُونَ بَابُ مَكَانِ الْوَلِيمَةِ مُغْلَقًا:

١٧ - ذَكَرَ الْمَالِكِيَّةُ ضِمْنَ شُرُوطِ إِجَابَةِ الدَّعْوَةِ عَدَمَ إِغْلاَقِ الْبَابِ عِنْدَ حُضُورِ الْمَدْعُوِّ، فَلَوْ عَلِمَ الْمَدْعُوُّ أَنَّ الْبَابَ يُغْلَقُ عِنْدَ حُضُورِهِ وَلَوْ لِمُشَاوَرَةٍ جَازَ لَهُ التَّخَلُّفُ عَنِ الْحُضُورِ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنَ الْحِطَّةِ.

أَمَّا إِغْلاَقُ مَكَانِ الْوَلِيمَةِ لِخَوْفِ الطُّفَيْلِيَّةِ فَلاَ يُبِيحُ التَّخَلُّفَ؛ لأَِنَّ الإِْغْلاَقَ لِلضَّرُورَةِ. (١)

سَابِعًا: أَنْ لاَ يَكُونَ مَكَانُ الْوَلِيمَةِ بَعِيدًا:

١٨ - قَال الْمَالِكِيَّةُ: مِنْ شُرُوطِ وُجُوبِ إِجَابَةِ الدَّعْوَةِ إِلَى الْوَلِيمَةِ أَلاَّ يَبْعُدَ مَكَانُهَا بِحَيْثُ يَشُقُّ عَلَى الْمُجِيبِ الإِْتْيَانُ. (٢)

ثَامِنًا: أَنْ لاَ تُوجَدَ نِسَاءٌ يُشْرِفْنَ عَلَى الْمَدْعُوِّينَ:

١٩ - نَصَّ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ عَلَى أَنَّ مِمَّا يُسْقِطُ إِجَابَةَ الدَّعْوَةِ لِلْوَلِيمَةِ أَنْ تُوجَدَ نِسَاءٌ يَنْظُرْنَ إِلَى الْمَدْعُوِّينَ.

قَال الْمَالِكِيَّةُ: مِنْ جُمْلَةِ مَا يُسْقِطُ الإِْجَابَةَ كَوْنُ الطَّرِيقِ أَوْ الْبَيْتِ فِيهِ نِسَاءٌ وَاقِفَاتٌ يَتَفَرَّجْنَ عَلَى الدَّاخِل.

_________

(١) شرح الزرقاني ٤ / ٥٣، وحاشية الدسوقي ٢ / ٣٣٨.

(٢) الزرقاني على خليل ٤ / ٥٤.

وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: يُشْتَرَطُ أَنْ لاَ يُوجَدَ مُحْرَمٌ: كَنَظَرِ رَجُلٍ لاِمْرَأَةٍ أَوْ عَكْسِهِ، فَإِشْرَافُ النِّسَاءِ عَلَى الرِّجَال عُذْرٌ فِي عَدَمِ الإِْجَابَةِ وَلَوْ أَمْكَنَهُ التَّحَرُّزَ عَنْ رُؤْيَتِهِنَّ لَهُ كَتَغْطِيَةِ رَأْسِهِ وَوَجْهِهِ بِحَيْثُ لاَ يُرَى شَيْءٌ مِنْ بَدَنِهِ، لِمَا فِيهِ مِنَ الْمَشَقَّةِ. (١)

تَاسِعًا: أَنْ لاَ يَكُونَ بِمَكَانِ الدَّعْوَةِ اخْتِلاَطُ النِّسَاءِ بِالرِّجَال:

٢٠ - مِنْ شُرُوطِ إِجَابَةِ الدَّعْوَةِ أَنْ لاَ يَكُونَ بِمَكَانِ الْوَلِيمَةِ اخْتِلاَطُ النِّسَاءِ بِالرِّجَال. (٢)

الشُّرُوطُ الْمُعْتَبَرَةُ فِي الدَّاعِي:

الشُّرُوطُ الْمُعْتَبَرَةُ فِي الدَّاعِي لِوُجُوبِ الإِْجَابَةِ إِلَى الْوَلِيمَةِ هِيَ:

أَوَّلًا: كَوْنُ الدَّاعِي مُطْلَقُ التَّصَرُّفِ:

٢١ - نَصَّ الشَّافِعِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ لإِجَابَةِ الدَّعْوَةِ إِلَى الْوَلِيمَةِ أَنْ يَكُونَ الدَّاعِي مُطْلَقَ التَّصَرُّفِ، فَلاَ تُطْلَبُ إِجَابَةُ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ لِصِبًا، أَوْ جُنُونٍ، أَوْ سَفَهٍ وَإِنْ أَذِنَ وَلَيُّهُ، لأَِنَّهُ مَأْمُورٌ بِحِفْظِ مَالِهِ لاَ بِإِتْلاَفِهِ، نَعَمْ إِنْ

_________

(١) حاشية الدسوقي ٢ / ٣٣٨، وحاشية الصاوي ٢ / ٥٠٢، وشرح الزرقاني ٤ / ٥٤، ونهاية المحتاج وحاشية الشبراملي ٦ / ٣٦٧، وحاشية الشرقاوي ٢ / ٢٧٦.

(٢) شرح الزرقاني ٤ / ٥٤، والطرق الحكمية لابن قيم الجوزية ٣٢٨ - ٣٢٩ نشر المؤسسة العربية للطباعة والنشر ١٩٦١، ونهاية المحتاج ٦ / ٣٦٧.

اتَّخَذَ الْوَلِيُّ الْوَلِيمَةَ مِنْ مَالِهِ وَهُوَ أَبٌ أَوْ جَدٌّ فَالظَّاهِرُ كَمَا قَال الأَْذْرَعِيُّ وُجُوبُ الْحُضُورِ (١)، وَهَذَا يَتَّفِقُ مَعَ مَذَاهِبِ الْفُقَهَاءِ الآْخَرِينَ. وَانْظُرْ (أَهْلِيَّة ف ٢٢، وَبُلُوغ ف ٢٦، وَجُنُون ف ٩) .

ثَانِيًا: كَوْنُ الدَّاعِي مُسْلِمًا:

٢٢ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ لِلُزُومِ إِجَابَةِ الْوَلِيمَةِ أَنْ يَكُونَ الدَّاعِي إِلَيْهَا مُسْلِمًا.

فَإِنْ كَانَ الدَّاعِي كَافِرًا فَلاَ تَلْزَمُ إِجَابَتُهُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنَ الْمَذْهَبِ؛ لأَِنَّ الإِْجَابَةَ لِلْمُسْلِمِ لِلإِْكْرَامِ وَالْمُوَالاَةِ وَتَأْكِيدِ الْمَوَدَّةِ وَالإِْخَاءِ، فَلاَ تَجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِ لِلذِّمِّيِّ، وَلأَِنَّهُ لاَ يَأْمَنُ اخْتِلاَطَ طَعَامِهِمْ بِالْحَرَامِ وَالنَّجَاسَةِ.

وَلَكِنْ تَجُوزُ إِجَابَةُ الْكَافِرِ. (٢) لِمَا رَوَى أَنَسٌ أَنْ يَهُودِيًّا دَعَا النَّبِيَّ ﷺ إِلَى خُبْزِ شَعِيرٍ وَإِهَالَةٍ سَنِخَةٍ فَأَجَابَهُ (٣) .

وَقَال مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ الشَّيْبَانِيُّ: لاَ بَأْسَ بِالذَّهَابِ إِلَى ضِيَافَةِ أَهْل الذِّمَّةِ.

_________

(١) مغني المحتاج ٣ / ٢٤٦.

(٢) شرح الزرقاني ٤ / ٥٣ - ٥٤، والحاوي ١٢ / ١٩٤، والمغني ٧ / ٣.

(٣) حديث " أنس أن يهوديًا دعا النبي ﷺ. . . " أخرجه أحمد (٣ / ٢٧٠ - ط الميمنية)، وأصله في البخاري (الفتح ٤ / ٣٠٢ - ط السلفية) .

وَقَال الْحَنَفِيَّةُ فِي قَوْلٍ: الْمَجُوسِيُّ أَوِ النَّصْرَانِيُّ إِذَا دَعَا رَجُلًا إِلَى طَعَامِهِ تُكْرَهُ الإِْجَابَةُ، وَإِنْ قَال: اشْتَرَيْتُ اللَّحْمَ مِنَ السُّوقِ فَإِنْ كَانَ الدَّاعِي نَصْرَانِيًّا فَلاَ بَأْسَ بِهِ. (١)

وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ فِي وَجْهٍ ذَكَرَهُ الْمَاوَرْدِيُّ أَنَّهُ تَجِبُ إِجَابَةُ دَعْوَةِ الذِّمِّيِّ. (٢)

ثَالِثًا: أَنْ لاَ يَكُونَ الدَّاعِي فَاسِقًا:

٢٣ - اشْتَرَطَ الْفُقَهَاءُ لِلُزُومِ إِجَابَةِ الْوَلِيمَةِ أَنْ لاَ يَكُونَ الدَّاعِي فَاسِقًا، فَإِنْ كَانَ الدَّاعِي فَاسِقًا فَلاَ تَلْزَمُ إِجَابَتُهُ، قَال الأَْذْرَعِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ: كُل مَنْ جَازَ هَجْرُهُ لاَ تَجِبْ إِجَابَتُهُ.

وَقَيَّدَ الْحَنَفِيَّةُ الْحُكْمَ بِكَوْنِ الْفَاسِقِ مُعْلِنًا فِسْقَهُ (٣)، وَفِي الْخُلاَصَةِ: يَجُوزُ لِلْوَرِعِ أَنْ يُجِيبَ دَعْوَةَ الْفَاسِقِ، وَالأَْوْرَعُ أَنْ لاَ يُجِيبَ. (٤)

رَابِعًا: أَنْ لاَ يَكُونَ غَالِبَ مَال الدَّاعِي مِنْ حَرَامٍ:

٢٤ - الْفُقَهَاءُ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّهُ لاَ تَجِبْ إِجَابَةُ دَعْوَةُ مَنْ كَانَ غَالِبَ مَالِهِ مِنْ حَرَامٍ مَا لَمْ يُخْبِرْ أَنَّهُ

_________

(١) الفتاوى الهندية ٥ / ٣٤٧.

(٢) الحاوي للماوردي ١٢ / ١٩٤.

(٣) الفتاوى الهندية ٥ / ٣٤٣، وحاشية الطحطاوي على الدر ٤ / ١٧٥، وشرح الزرقاني ٤ / ٥٤، ونهاية المحتاج ٦ / ٣٦٦، ومطالب أولي النهى ٥ / ٢٣٢، وانظر شرح المغني ٣ / ٣٣.

(٤) بريقة محمودية ٤ / ١٠٣.

حَلاَلٌ، وَنَصَّ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ عَلَى أَنَّهُ تُكْرَهُ إِجَابَتُهُ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي إِجَابَةِ وَلِيمَةُ مَنْ كَانَ فِي مَالِهِ حَرَامٌ.

فَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي الْمُعْتَمَدِ إِلَى أَنَّهُ تُكْرَهُ إِجَابَةُ مَنْ فِي مَالِهِ حَرَامٌ. (١) لِحَدِيثِ مَنْ اتَّقَى الشُّبَهَاتِ فَقَدْ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ (٢) .

وَأَضَافَ الْحَنَابِلَةُ أَنَّهُ تَقْوَى الْكَرَاهَةُ وَتَضْعُفُ بِحَسَبِ كَثْرَةِ الْحَرَامِ وَقِلَّتِهِ. (٣)

وَيَرَى الْحَنَفِيَّةُ أَنَّ الْمَدْعُوَّ يُجِيبُ دَعْوَةَ مَنْ كَانَ غَالِبَ مَالِهِ حَلاَلٌ مَا لَمْ يَتَبَيَّنْ عِنْدَهُ أَنَّهُ حَرَامٌ. (٤)

وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: إِذَا كَانَ فِي الطَّعَامِ شُبْهَةٌ لاَ يَجُوزُ الْحُضُورُ وَلاَ الأَْكْل. (٥)

وَيَرَى ذَلِكَ جَمْعٌ مِنَ الْحَنَابِلَةِ مِنْهُمْ الشِّيرَازِيُّ وَالأَْزَجِيُّ حَيْثُ قَالُوا بِتَحْرِيمِ الأَْكْل مُطْلَقًا وَلَوْ قَل الْحَرَامُ كَمَا لَوْ كَانَ كُلُّهُ حَرَامًا.

_________

(١) الفتاوى الهندية ٥ / ٣٤٣، وحاشية الطحطاوي على الدر ٤ / ١٧٥، وشرح الزرقاني ٤ / ٥٤، ونهاية المحتاج ٦ / ٣٦٦، ومطالب أولي النهى ٥ / ٢٣٢، وانظر شرح المغني ٣ / ٢٣.

(٢) حديث " من اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه. . أخرجه البخاري (الفتح ١ / ١٢٦ - ط السلفية) ومسلم (٣ / ١٢٢٠ - ط الحلبي) .

(٣) الفروع لابن مفلح ٢ / ٦٥٨.

(٤) الفتاوى الهندية ٥ / ٣٤٣، وحاشية الطحطاوي على الدر ٤ / ١٧٥.

(٥) القوانين الفقهية ص ٤٢٨، ومواهب الجليل ٤ / ٤.

كَمَا اخْتَارَ جَمْعٌ مِنْهُمْ، الْخِرَقِيُّ وَابْنُ الْجَوْزِيِّ أَنَّهُ إِنْ كَانَ الْحَرَامُ أَكْثَرَ حَرُمَ الأَْكْل وَإِلاَّ فَلاَ يَحْرُمُ، إِقَامَةً لِلأَْكْثَرِ مَقَامَ الْكُلِّ، وَاخْتَارَ جَمْعٌ آخَرُ - مِنْهُمْ صَاحِبُ الرِّعَايَةِ - أَنَّهُ إِنْ زَادَ الْحَرَامُ عَلَى الثُّلْثِ حَرُمَ الأَْكْل وَإِلاَّ فَلاَ. (١)

خَامِسًا: أَنْ لاَ يَكُونَ الدَّاعِي طَالِبًا لِلْمُبَاهَاةِ:

٢٥ - يُشْتَرَطُ لإِجَابَةِ الْوَلِيمَةِ أَنْ لاَ يَكُونَ الدَّاعِي إِلَيْهَا طَالِبًا لِلْمُبَاهَاةِ وَالْفَخْرِ.

وَبِهَذَا صَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ. (٢)

وَنَصَّ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى أَنَّ الدَّعْوَةَ الَّتِي يَقْصِدُ بِهَا قَصْدًا مَذْمُومًا مِنَ التَّطَاوُل وَإِنْشَاءِ الْحَمْدِ وَالشُّكْرِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ فَلاَ يَنْبَغِي إِجَابَتُهَا لاَ سِيَّمَا أَهْل الْعِلْمِ؛ لأَِنَّ فِي الإِْجَابَةِ إِذْلاَل أَنْفُسِهِمْ.

كَمَا نَصُّوا عَلَى أَنَّهُ يُكْرَهُ أَكْل طَعَامٍ اتُّخِذَ لِلرِّيَاءِ وَالسُّمْعَةِ وَالْمُبَاهَاةِ إِذَا عَلِمَ ذَلِكَ، أَوْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّ الْمَدْعُوِّ بِالْقَرَائِنِ وَالأَْمَارَاتِ. (٣)

_________

(١) مطالب أولي النهى ٥ / ٢٣٣، وشرح الزرقاني ٤ / ٥٤.

(٢) الزرقاني ٤ / ٥٤، ونهاية المحتاج ٦ / ٣٦٦، ومغني المحتاج ٣ / ٢٤٦.

(٣) البناية ٩ / ٢٠٢، وحاشية الطحطاوي ٤ / ١٧٥، وبريقة محمودية ٤ / ١٠٣.